معادلة العنف والثقافة في «الأميركي الذي قرأ جلجامش»

حكاية المترجم الخائن والترجمة الخائنة لكن من زاوية سياسية وعسكرية

معادلة العنف والثقافة في «الأميركي الذي قرأ جلجامش»
TT

معادلة العنف والثقافة في «الأميركي الذي قرأ جلجامش»

معادلة العنف والثقافة في «الأميركي الذي قرأ جلجامش»

في رواية أحمد الشويخات «الأميركي الذي قرأ جلجامش» (غلغامش)، الصادرة عن مركز الأدب العربي لعام 2022، تتداخل عدة قضايا وهموم، مثلما تتداخل أصوات الساردين، ويشتبك الغزو الأميركي للعراق بالمقاومة التي تقض مضجع الغزو. يعلن العنوان عن معادلة هي مفارقة في الوقت نفسه تضع عنف الغزو ووحشيته أمام حضارة أرض الرافدين ليأتي التساؤل طبيعياً: من المتحضر هنا؟ الشخصية المحورية في الرواية هو الأميركي ديفيد بوكاشيو الذي نقرأه سارداً تارة ونقرأه مسروداً تارة أخرى، لكنه في الحالين مترجم يتحرك على الجسر الذي تعنيه الترجمة في تاريخ الحضارات وفي علاقة الشعوب بعضها ببعض. القوات الأميركية تحتاج ديفيد لا ليترجم جلجامش، وإنما ليقول لها ماذا يقول العراقيون أثناء ممارسة تلك القوات غزوها وبحثها الذي لا يهدأ عن المقاومة العراقية.
يخبرنا ديفيد في الصفحات الأولى من الرواية أن عائلته تعود، نقلاً عن والدة ديفيد، إلى الكاتب الإيطالي بوكاشيو مؤلف «الديكاميرون»، مجموعة الحكايات التي تعود إلى القرن الرابع عشر والتي تعد من نفائس الأدب الإيطالي والأوروبي عامة. وحين يخبرنا ديفيد، الذي قرأ جلجامش، أن تعلمه للعربية كان مدفوعاً بإعجابه صبياً بقراءته لألف ليلة وليلة، فإن البعد الثقافي للرواية يزداد دون شك، وإن أدى ذلك البعد إلى جنوح السرد أحياناً نحو استطرادات ثقافية قد تفيد القارئ لكنها تشكل تهديداً للبناء الفني للرواية.
مع أن محور الرواية هو الغزو الأميركي للعراقي فإن الرواية تستدعي أيضاً أماكن أخرى تتعلق بديفيد. أميركا، وبالتحديد سان فرنسيسكو بولاية كاليفورنيا، حاضرة بقوة، وكذلك السعودية التي سبق أن عمل فيها والد ديفيد، حين كان موظفاً في «أرامكو»، والتي زار ديفيد نفسه منطقتها الشرقية، حيث تعرف على صديقه رجب سمعان الذي تلوح عليه ملامح للكاتب نفسه، أي أحمد الشويخات، لا سيما في انتمائهما للمنطقة الشرقية من السعودية وفيما لقي كلاهما من العنت حين عبرا في جامعة البلد العربي الذي درسا فيه، دون التصريح باسمه مع أنه واضح، عن آرائهما حول مسائل تمس المقدس.
تعدد الأماكن في الرواية لم يعنِ تواري المكانين الرئيسيين للأحداث: العراق وأميركا، وإذا كان ديفيد بوكاشيو هو الشخصية المركزية في الرواية، فإن سعيه للعودة إلى بلاده بإقناع الجيش الأميركي بالسماح له بذلك ثم عودته في آخر الرواية هو الخيط الناظم الرئيسي فيها. موقعه بوصفه مترجماً يجعله في المنطقة الأكثر حساسية من الناحيتين الثقافية والسياسية، إن جاز التعبير: «كانت الشكوك تحول حول ديفيد بوكاشيو، كشخصية عجيبة، قد تكون على صلة بالأعداء. كان تحت المراقبة وهو لا يدري». قراءته لجلجامش وألف ليلة وليلة، حبه للغة والثقافة العربية جعلت الجنود في المعسكر الأميركي يصنفونه «رجلاً متعاطفاً جداً، بل متساهلاً، مع السكان المحليين أثناء الترجمة». إنها حكاية المترجم الخائن والترجمة الخائنة، لكن من زاوية سياسية وعسكرية في المقام الأول.
تتخذ الشكوك حول ديفيد بعداً واضحاً ودرامياً حين يحدث تفجير لإحدى الدوريات العسكرية الأميركية التي انطلقت لتبحث عن أحد قادة المقاومة العراقية، الرجل الذي تفتتح الرواية بإحدى هجماته وردود الفعل الأميركية على ذلك الهجوم. تلك الهجمات التي تصعد بالسرد إلى توتر درامي تكثف أيضاً التوتر الإنساني والثقافي الناجم عن الغزو. المفاجأة التي تنتظر القارئ ولا يجد تفسيراً مقنعاً لها هي أن كل أفراد الكتيبة الذين قتلوا نتيجة التفجير ماتوا ما عدا ديفيد. هي نجاة عجائبية لا سيما أنها أدت إلى بقاء ديفيد مع المقاومة العراقية (أو الإرهاب، كما يراه الأميركيون) وتحوله كما يقول هو إلى أسير لديهم. إنها تزيد من الشكوك حول انتماء ديفيد ومدى إخلاصه للأميركيين، الأمر الذي يفسر المدة الطويلة التي اقتضاها التحقيق معه. أسرة ديفيد التي تبلغ في البدء عن وفاته تفاجأ هي الأخرى بأنه حي يرزق وتنتظر عودته مجدداً بعد أن تهيأت لمراسم عزائه.
من الجوانب التي تسترعي الانتباه والاهتمام في «الأميركي الذي قرأ جلجامش» والتي تبدو منافسة للمتن السردي، هو الجانب الثقافي المتعلق مرة بالأدب ومرة أخرى بالفنون، إلى جانب الأساطير وحب المعرفة والاحتفاظ بالمكتبات والجامعات وما فيها من تخصصات، وما إلى ذلك. هذا الجانب يبرز لدى ديفيد بوصفه مترجماً مثقفاً كما لدى صديقه رجب سمعان. وإذا كان بعض ذلك يصدر عن الشخصيات نفسها، فإن بعضه الآخر يصدر عن راوٍ عليم، كما يحدث عند تحليل اللوحات. ومن أمثلة ذلك وصف أحد البورتريهات في منزل الأسرة في سان فرنسيسكو: «وفي البورتريه بدا نصف وجه الجد موريللو مشعاً جداً أمام خلفية داكنة على طريقة لوحات الرسام كورفاجيو وهو يستخدم تقنية الكيروسكورو (تضاد النور والظل)، مع لمسات جريئة بالفرشاة على طريقة رامبرانت». هذا الوصف ينم عن معرفة وثيقة بالفن التشكيلي الأوروبي تتضافر مع المعلومات المبثوثة في جنبات الرواية حول الأعمال الأدبية والأساطير التي يصعب تصور صدورها عن كاتب غير مثقف ثقافة واسعة في هذه المجالات.
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو إلى أي حد يبرر السرد تلك الاستطرادات، وهل هي مقحمة عليه؟ إن حضور مثل تلك الاستطرادات ليس غريباً على أعمال روائية كثيرة وكلما عظمت ثقافة الكاتب كان إغراء دمجها في السرد أعلى. لكن من الخطأ القول إن الأعمال الروائية التي يقل فيها ذلك التدخل الثقافي التحليلي تنم عن محدودية ثقافة الكاتب. الفرق هو في قدرة الكاتب على توظيف تلك الاستطرادات، بحيث لا تبدو كأنها كذلك، أي أن تكون مقنعة سردياً بدلاً من أن تكون حشواً كما يعبر البلاغيون. الشويخات حريص، كما يتضح، على ألا تبدو تلك الإضافات غير مبررة، فهي إن دخلت في موضع على أنها من راوٍ عليم مباشرة، فإنها في موضع آخر تدخل على لسان شخصية خبير، وإن كان من ينسبها إليه راوياً عليماً أيضاً. ومثال ذلك حين نستمع إلى لورا، زوجة ديفيد، تتحدث عن مأساة فقد زوجها حين ورد خبر وفاته. يتغير الصوت السارد فجأة ليروي ما تشاهده الزوجة وبقية رواد مقهى «النورس الأبيض»: «تدير رأسها إلى رسومات متفرقة لبابلو بيكاسو تغطي الجدران...»، ليتلو ذلك وصف للوحة «الجرنيكا» (ويرد اسم اللوحة بالحروف الأجنبية) مقروناً بوجه ديفيد. هنا يأتي الحديث عن اللوحة التي تعبر عن العنف مناسبة للظرف والحدث، وكذلك الحال مع الإشارة التي تتلو إلى لوحة للرسام الإسباني الآخر «جويا»، لكن هذه المرة ينسب التعليق إلى ناقد فني كان صديقاً لديفيد، وهي ملاحظة دقيقة يصعب صدورها عن غير ذي خبرة بالفن التشكيلي عامة، وباللوحات المشار إليها تحديداً.
عنوان رواية أحمد الشويخات يحيلنا منذ البدء على الثقافة واضعاً إياها في منطقة توازن مع العنف الناجم عن غزو العراق، الثقافة التي يمثل حضورها من خلال ديفيد وأصدقائه، سواء كانت ثقافة الأدب أو الفنون أو الترجمة لوناً من المقاومة لجريمة الغزو وما جر إليه من دمار. هو مشروع سردي طموح وجدير بالاحتفاء والتقدير، والمعادلة التي سعى إليها بين العنف والثقافة لا تتكرر كثيراً على صعوبتها وكثرة مزالقها في العملية السردية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

خطة مصرية لإنعاش «ماسبيرو» واستعادة «تأثيره»

خطة حكومية لتطوير ماسبيرو (الهيئة الوطنية للإعلام)
خطة حكومية لتطوير ماسبيرو (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

خطة مصرية لإنعاش «ماسبيرو» واستعادة «تأثيره»

خطة حكومية لتطوير ماسبيرو (الهيئة الوطنية للإعلام)
خطة حكومية لتطوير ماسبيرو (الهيئة الوطنية للإعلام)

تباشر الحكومة المصرية خطة لإنعاش «الهيئة الوطنية للإعلام» (ماسبيرو)، بهدف استعادة تأثيره، مع تسريع وتيرة تسديد المديونيات المتراكمة على مدار سنوات ضمن جدول زمني واضح.

وناقش رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، برفقة عدد من الوزراء ورئيس «الهيئة الوطنية للإعلام» أحمد المسلماني وخلال اجتماع عقد (الاثنين) بمقر مجلس الوزراء في القاهرة، ملف تطوير «الهيئة الوطنية للإعلام»، وآليات تسوية مديوناتها، مع الالتزام بتنفيذ خطة التطوير.

وأكد مدبولي أن خطة الدولة تستهدف عودة «ماسبيرو» لسابق عهده كقوة ناعمة كبرى، وعدم تكرار تراكم المديونيات، مشيراً إلى بذل كافة الجهود الممكنة لحل مشكلات متراكمة منذ عشرات السنين.

وتحدث وزير المالية أحمد كجوك عن العمل على توفير موارد مالية مستدامة للهيئة لتصبح قادرة على الانطلاق، فيما أكد المسلماني على استمرار العمل بخطة التطوير التي بدأت الفترة الماضية، وتضمنت خفض النفقات، والعمل على جذب الوكالات الإعلانية الكبرى للتعاون مع «ماسبيرو»، بالإضافة إلى إحداث «نقلة عبر منصات التواصل الاجتماعي»، وفق البيان.

مجلس الوزراء ناقش استعادة تأثير ماسبيرو (رئاسة مجلس الوزراء)

ورغم أن البيان الصادر عن الاجتماع لم يتضمن حجم المديونية الحالية على «ماسبيرو»، فإن رئيس «الهيئة الوطنية للإعلام» قال خلال اجتماع في مجلس النواب (البرلمان) الشهر الماضي إن أصل الدين والجزء الأكبر من المديونية 42.6 مليار جنيه (الدولار يساوي 52.25 جنيهاً في البنوك) لصالح بنك الاستثمار ناتج عن تمويل أصول وطنية تم تحميلها على ميزانية «ماسبيرو».

وأكد خلال الاجتماع أن التوجه لحل جذري ونهائي لكافة الديون المتراكمة لصالح الضرائب، والتأمينات، والمرافق يجري مناقشته عبر حزمة واحدة تشمل مبادلة الأصول غير المستغلة، ودعم الدولة بأراضٍ إضافية.

وخلال الشهور الماضية، اشتكى عدد من العاملين بالتلفزيون الذين بلغوا سن التقاعد من عدم صرف المستحقات الخاصة بهم رغم مرور سنوات على تقاعدهم، منهم الإعلامية بثينة كامل التي نشرت شكواها على صفحتها بموقع «فيسبوك»، بينما اشتكى آخرون من عدم صرف تكاليف العلاج الخاصة بهم، والتي يفترض أن تتحمل جهة عملهم جزءاً منها.

وقال وكيل لجنة الثقافة والإعلام والآثار بمجلس النواب (البرلمان) عماد الدين حسين إن هناك رغبة حقيقية في إحداث تغيير إيجابي بالتلفزيون، سواء من الحكومة، أو قيادات الهيئة، لكن في الوقت نفسه هناك تحديات صعبة، ومتراكمة لا تقتصر فقط على الأمور المالية، ولكن تتضمن تحديات مرتبطة بإعادة الهيكلة، والمحتوى المقدم، وإعادة المشاهدين لشاشات «ماسبيرو».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه التحديات تمثل عبئاً إضافياً يجب النظر إليه، فالتطور الرقمي جعل عادات المشاهدين تتغير، بالإضافة إلى وجود مشكلات، وديون متراكمة منذ عقود، هناك نية حقيقية للتعامل معها، وحلحلتها، رغم إدراك تعقيدات الأمر من جوانب عدة».

عقد المسلماني اجتماعات عدة مع مسؤولي التلفزيون (الهيئة الوطنية للإعلام)

ويرى الناقد الفني أحمد سعد الدين أن السعي الحكومي لتسوية المديونيات هو أساس التعامل مع ملف «ماسبيرو»، بينما يبقى الحديث عن التطوير بلا نتيجة حقيقية، في ظل غياب الإحصائيات، والبيانات المحدثة عن عدد الاستوديوهات، وافتقار البرامج لميزانيات توفر الحد الأدنى من الظهور التلفزيوني المناسب، والقادر على المنافسة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفترة الماضية شهدت الإعلان عن عدة مشاريع تستهدف عودة التلفزيون، منها عودة قطاع الإنتاج، وهو الذراع الإنتاجية للدراما التلفزيونية لـ(ماسبيرو)، لكن في الواقع هذه العودة لم تتحقق بشكل فعلي».

لكن الناقد الفني المصري، محمد عبد الخالق، اعتبر قرار مدبولي وضع آليات واضحة لتسوية المديونيات خطوة مهمة للغاية في طريق إعادة «ماسبيرو» إلى مكانته التاريخية باعتباره مؤسسة تستحق دعماً حقيقياً يعيد لها تأثيرها الواسع على الشارع، والرأي العام.

وأضاف عبد الخالق لـ«الشرق الأوسط» أن «التحرك الحكومي الحالي يستحق التحية»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن «الأمر لا يجب أن يتوقف عند سداد الديون فقط، لأن التطوير الحقيقي لـ(ماسبيرو) يحتاج إلى خطة موازية تقوم على تحديث البنية التحتية بالكامل، بداية من الاستوديوهات، والكاميرات، وحتى التقنيات المستخدمة داخل قطاعات الإنتاج، والبث، مع أهمية الاستثمار في العنصر البشري بالتوازي مع التطوير التقني، من خلال إطلاق دورات تدريبية، وورش عمل متخصصة تشمل جميع العاملين».


بريطانيا تسجّل حرارة قياسية لشهر مايو بلغت 33.5 درجة

سياح يمرون أمام بائع هدايا تذكارية أمام ساعة بيغ بن خلال موجة حرّ في لندن 25 مايو 2026 (رويترز)
سياح يمرون أمام بائع هدايا تذكارية أمام ساعة بيغ بن خلال موجة حرّ في لندن 25 مايو 2026 (رويترز)
TT

بريطانيا تسجّل حرارة قياسية لشهر مايو بلغت 33.5 درجة

سياح يمرون أمام بائع هدايا تذكارية أمام ساعة بيغ بن خلال موجة حرّ في لندن 25 مايو 2026 (رويترز)
سياح يمرون أمام بائع هدايا تذكارية أمام ساعة بيغ بن خلال موجة حرّ في لندن 25 مايو 2026 (رويترز)

سجّلت بريطانيا، الاثنين، أعلى درجة حرارة لشهر مايو (أيار)، وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية الوطنية، بعدما وصلت إلى 33.5 درجة قرب لندن وسط موجة حر شديدة تشهدها البلاد.

كانت أعلى مستويات حرارة مسجلة سابقاً في مايو 32.8 درجة، وسُجلت لأول مرة عام 1922 ثم في 1944، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذا رقم جديد غير مسبوق لدرجات الحرارة في المملكة المتحدة التي شهدت أعلى معدلات حرارة في عام 2025. وحذّر علماء من أن البلاد غير مهيأة لمواجهة موجات الحر المتزايدة التي يُسببها تغيّر المناخ بفعل الإنسان.

كان مكتب الأرصاد قد توقّع في وقت سابق أن تصل مستويات الحرارة إلى 35 درجة مئوية، بعدما امتدت موجة الحر إلى أجزاء من جنوب شرقي إنجلترا ولندن.

وكتب مكتب الأرصاد على وسائل التواصل الاجتماعي: «وصلت مستويات الحرارة في مطار هيثرو مؤخراً إلى 33.5 درجة، متجاوزةً بذلك المستوى القياسي المسجَّل في مايو».

أشخاص يستمتعون بركوب القوارب في بحيرة سيربنتين بهايد بارك بلندن وسط موجة حر شديدة 25 مايو 2026 (إ.ب.أ)

وأضافت هيئة الأرصاد في وقت سابق: «عادةً ما تُحطّم المستويات القياسية بفوارق لا تتجاوز أجزاء من عشرة من الدرجة، مما يجعل هذه الموجة الحارة غير مسبوقة في هذا الوقت من العام».

وقال الخبير في مكتب الأرصاد الجوية، توم مورغان، لوكالة الأنباء البريطانية «برس أسوسييشن»: «قلَّما نشهد مستويات حرارة تتجاوز 35 درجة حتى في أشهر الصيف، لذا فإن رؤيتها تقترب من 35 درجة في شهر مايو... أمر غير مسبوق».

ويقول علماء إن تغيّر المناخ الناتج عن النشاط البشري يزيد من حدة الظواهر الجوية القاسية كموجات الحر والجفاف والفيضانات، مما يجعل تسجيل درجات حرارة غير مسبوقة أكثر تكراراً.

وحذّر خبراء المناخ الحكومة البريطانية الأسبوع الماضي، من أن البلاد «بُنيت لمناخ لم يعد موجوداً»، ودعوها إلى تكييف بنيتها التحتية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات، مع واقع كوكب يزداد احتراراً.


مصر: عودة موسم التندُّر بـ«العجول الهربانة» وسط جدل الرفق بالحيوان

أحد فيديوهات «العجول الهربانة» (إكس)
أحد فيديوهات «العجول الهربانة» (إكس)
TT

مصر: عودة موسم التندُّر بـ«العجول الهربانة» وسط جدل الرفق بالحيوان

أحد فيديوهات «العجول الهربانة» (إكس)
أحد فيديوهات «العجول الهربانة» (إكس)

عاد موسم «التندر» بمقاطع فيديو «العجول الهربانة» إلى الواجهة مجدداً مع قرب حلول عيد الأضحى المبارك، وتصدرت «الترند» على منصة «إكس» في مصر «العجول الهربانة»، الاثنين، مع تداول واسع لفيديوهات تعود لسنوات ماضية، مصحوبة بتعليقات «سوشيالية» تحمل نبرة سخرية، في حين احتجت بعض التعليقات المناصرة لجمعيات الرفق بالحيوان بأنه لا يجوز التهكم بهذا الأمر؛ لأن هذه العجول غالباً ما تكون في طريقها للذبح.

وتوالت الفيديوهات التي تظهر فيها العجول وهي تهرب من أصحابها، بل تطارد البعض الآخر في حالة هياج شديد، مع تعليقات تتندر بهذا المشهد. ونشر بعض مستخدمي «إكس» معترضين على هذه الظاهرة، وقال أحدهم: «كل عيد الناس تعتبر موضوع العجول الهربانة مادة للضحك والسخرية، لكنها بجد قمة الوجع، لما روح خلقها ربنا تكون خايفة وبتحاول تهرب من مصيرها، خاصة أن أسلوب وطريقة بعض الجزارين غير آدمية بالمرة».

من جانبه، يرى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «عودة فيديوهات (العجول الهربانة) لصدارة (الترند) لا تعتبر مجرد صدفة موسمية؛ فهي تبدو وكأنها جزء من ذاكرة رقمية يعاد تشغيلها كلما اقترب عيد الأضحى»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الصفحات والحسابات تعرف أن هذا النوع من المقاطع يحقق تفاعلاً سريعاً سواء كانت حديثة أو قديمة؛ لأنك تشاهد مطاردة مصحوبة بتعليقات ساخرة، فتضمن تفاعلاً معها بعدد الإعجابات والمشاركات، أما الرفق بالحيوان فهو ضرورة؛ لأن الأمر في جوهره أضحية تجسد شعيرة ورحمة لا مشهد فوضى للكاميرات».

وكانت دار الإفتاء المصرية تصدت لهذا الأمر في العام الماضي؛ إذ كتب أمين عام الفتوى بدار الإفتاء المصرية، الدكتور هشام ربيع، على صفحته بموقع «فيسبوك»، أن «مشاهد هروب الأضاحي قبل الذَّبْح في موسم العيد، وجعل ذلك طُرْفَة للتَّندُّر والضحك يتنافى كليّاً مع الأمر الإلهي: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 195]، ويناقِض أيضاً الأمر النبوي: (وإذا ذبحتُم فأحسِنوا الذِّبحة)». وأضاف أن «الأضحية شعيرة تُعبِّر عنَّا معشر المسلمين... فعَبِّر صَح وبإحسان».

أصول شرعية وصحية لذبح الأضاحي (وزارة الزراعة المصرية)

وبينما اعتاد بعض الأهالي ذبح الأضاحي بالقرب من منازلهم أو في جراجات العمارات، فقد حذرت وزارة الزراعة المصرية من الذبح العشوائي، ونشرت فيديو تبرز فيه الفارق بين الذبح الصحي في المجازر الحكومية، وبين الذبح العشوائي في الشارع أو لدى الأهالي وما يمكن أن يسببه من أضرار وتلوث. وتدعو المواطنين للالتزام بالذبح داخل المجازر الرسمية حفاظاً على البيئة والصحة العامة.

في السياق نفسه، أكدت الدكتورة منى خليل، رئيس اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان، أن التندر بمشاهد «العجول الهربانة» هو أمر غير إنساني، وضد الشرع أيضاً الذي يوصي بالإحسان للأضحية، ويحدد طريقة معينة للذبح، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «لا يجوز التندر بمثل هذه الفيديوهات، ولكن للأسف البعض ربما يتخذونها وسيلة للتسلية أو حتى للتكسب من وراء المشاهدات، وهو ما يتعارض مع مبادئ الإنسانية وقواعد الرفق بالحيوان».