بيوت اللبنانيين تحولت إلى بنوك صغيرة بسبب انعدام الثقة بمصارفهم

7 مليارات دولار تحويلات من الخارج تنتقل مباشرة إلى المنازل

رجال أمن ومواطنون أمام فرع أحد المصارف في بيروت الذي اقتحمه مودعون في سبتمبر الماضي للحصول على أموالهم (إ.ب.أ)
رجال أمن ومواطنون أمام فرع أحد المصارف في بيروت الذي اقتحمه مودعون في سبتمبر الماضي للحصول على أموالهم (إ.ب.أ)
TT

بيوت اللبنانيين تحولت إلى بنوك صغيرة بسبب انعدام الثقة بمصارفهم

رجال أمن ومواطنون أمام فرع أحد المصارف في بيروت الذي اقتحمه مودعون في سبتمبر الماضي للحصول على أموالهم (إ.ب.أ)
رجال أمن ومواطنون أمام فرع أحد المصارف في بيروت الذي اقتحمه مودعون في سبتمبر الماضي للحصول على أموالهم (إ.ب.أ)

لم تكن سرقة مبلغ مليون وخمسين ألف دولار أميركي، من أحد المنازل في لبنان، الوحيدة في البلاد التي تشهد واحدة من أسوأ أزماتها المالية والاقتصادية في تاريخها؛ لكنها كانت الأكبر من نوعها في سلسلة من السرقات التي استهدفت منازل اللبنانيين في الآونة الأخيرة. لكن هذه الحادثة ومثيلاتها تكشف النقاب عن تحول بيوت اللبنانيين إلى مصارف صغيرة، بعد أن فقدوا ثقتهم بالقطاع المصرفي الذي احتجز بطريقة أو بأخرى أموال كل اللبنانيين –ما عدا المحظيين منهم– المودعة في القطاع قبل أكتوبر (تشرين الأول) 2019.
تقنياً، لم يعد أمام اللبنانيين من خيارات، سوى الاعتماد على أنفسهم في حماية أموالهم، بعد أن تراجعت الثقة بالمصارف إلى حد كبير. ويقول مسؤول مصرفي كبير لـ«الشرق الأوسط»، إن التحويلات القادمة إلى البلاد تناهز 7 مليارات دولار سنوياً؛ لكن كل هذه المبالغ «تتبخر سريعاً من صناديق المصارف؛ لأن أصحابها يعمدون إلى سحبها بالسرعة نفسها التي تصل فيها».
ويقدر المسؤولون عن المالية العامة في لبنان وجود نحو 10 مليارات دولار على الأقل في منازل اللبنانيين، وهو رقم يزداد بشكل مستمر، ويوازي –أو يفوق– الأموال الموجودة في احتياطات مصرف لبنان، والتي قدرت أخيراً بمبلغ 10.8 مليار دولار، كما ورد على لسان وزير المال أمام اللجان النيابية الأسبوع الماضي.
ويقول المسؤول المصرفي إن نحو ملياري دولار فقط هو ما يبقى كرقم وسطي في المصارف، وهي عبارة عن أموال يحتاجها التجار والصناعيون لتأمين شراء البضائع من الخارج.
فمنذ 17 أكتوبر 2019، بدأت المصارف في تقنين الدفعات النقدية للمواطنين الذين تهافتوا على صناديقها، بعد إقفال أبوابها لفترة، مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية، ثم توقفت نهائياً. وتم تحويل كامل حسابات اللبنانيين في المصارف إلى «دولار وهمي» اصطلح على تسميته بـ«اللولار»، أي الدولار اللبناني، وذلك لتمييزه عن الدولارات التي وردت إلى البلاد بعد هذا التاريخ، والتي أعطي أصحابها الحق في سحبها كاملة.
وبعد تمنُّع الدولة عن دفع مستحقات الديون التي تكتتب المصارف اللبنانية بالجزء الأكبر منها، تمنَّعت المصارف بدورها عن سداد حسابات زبائنها، ما خلق أزمة كبيرة في البلاد، وكل ذلك من دون أي سند قانوني.
وفي غياب قانون «الكابيتال كونترول» تمكن نافذون من تحويل مليارات من الدولارات إلى حسابات خارجية، بينما تحول ما بقي من أموال إلى «لولار» تبلغ قيمته التداولية حالياً نحو 18 سنتاً. وفي المقابل، تمكن أجانب ولبنانيون من حملة الجنسيات الغربية من الحصول على ودائعهم بقوة القانون في بلدانهم، بعد سلسلة من الدعاوى القضائية؛ خصوصاً في الولايات المتحدة التي تعتبر مصارفها المراسلة رئة لا يمكن للمصارف اللبنانية التخلي عنها.
ومع تبدل الأحوال، بات اللبنانيون مطالبين بإيجاد بدائل لحفظ أموالهم. وقد لجأ كثيرون للاستثمار في العقارات وفي بدائل أخرى، أما من يمتلك حسابات خارجية، فقد حوَّل ما استطاع إليها. أما الباقون، فلم يعد أمامهم إلا منازلهم؛ خصوصاً أن خزانات المصارف بدورها لم تعد خياراً جيداً.
ويروي جورج -وهو تاجر بناء لبناني- أنه وضع أمواله في إحدى خزائن الأمانات في أحد المصارف؛ لكنه ما لبث أن أدرك أن الأمر غير عملي مع تكرار إقفال المصارف التي أضربت لأيام وأسابيع، احتجاجاً على هجمات تعرضت لها صناديقها من قبل المودعين الغاضبين.
ويروي مواطنون في إحدى القرى الجبلية في شمال لبنان، أن أحد الأشخاص جهز حفرة تحت الأرض في حديقة منزله، وضع فيها مدخراته، ثم زرع فوقها شجرة للتمويه. أما في المنازل، فقد تم تحويل غرف فيها إلى خزانات ضخمة، توضع في داخلها خزانات أصغر، لتصعيب المهمة على السارقين.
ونشطت تجارة الخزانات الحديدية بشكل قياسي منذ بدء الأزمة اللبنانية. ولم تعد تقتصر على الخزائن الضخمة والكبيرة؛ حيث لجأ كثيرون إلى شراء خزانات حديدية صغيرة لا يتخطى وزنها الثمانية كيلوغرامات، ويمكن تثبيتها بحائط داخل خزانة، ما يمنع سرقة محتوياتها.
ويقول تاجر خزانات في بيروت، إنه في عام 2020 باع نحو 300 خزانة صغيرة بثلاثة أحجام مختلفة، يتراوح سعرها بين 35 و55 دولاراً، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذا الرقم «لم أبع بما يشبهه خلال السنوات العشر التي سبقت الأزمة؛ حيث كان الناس يطمئنون إلى إيداع أموالهم في المصارف». وأضاف: «كان الإقبال كبيراً، ولو أنه الآن بات أقل مما كان عليه في عام 2020، وهو مؤشر بالغ الأهمية على أن الناس حولت منازلها إلى خزائن».
واللجوء إلى الخزانات الحديدية هو الوسيلة الأكثر أماناً من إيداع الأموال النقدية في المنازل بلا حماية. فقد أُبلغت القوى الأمنية خلال السنوات الثلاث الماضية عن حالات سرقة كثيرة من المنازل، بينما انشغلت مواقع التواصل في عام 2020 بحادثة العثور على رزمة دولارات محترقة ضمن أمتعة امرأة مسنة توفيت في وقت سابق في جنوب لبنان. وكانت المرأة تحتفظ بمبلغ مالي في إحدى وسائدها، ولم تبلغ به أي طرف.
ومنذ خسارته 107 آلاف دولار في أحد المصارف اللبنانية التي تحتجز الودائع المالية، قرر علي (38 عاماً) المغترب في أفريقيا، الإحجام عن إيداع أمواله في أي من المصارف، واشترى خزانة صغيرة وضعها في منزله، وباتت عائلته تسحب شهرياً راتبه البالغ نحو 3 آلاف دولار وراتب شقيقه، وتودعهما في المنزل.
وتعد هذه الطريقة آخر تحولات التعامل اللبناني مع الأموال. كما لجأ مغتربون إلى مصارف خارجية في قبرص أو تركيا أو دبي لإيداع أموالهم، بينما ذهب آخرون إلى شراء العقارات «كونها استثماراً أكثر أماناً»، أو السيارات «منعاً للتحسر في حال ذهبت أموالنا»، بينما اختار آخرون المنازل لإيداع الأموال بعد تراجع الثقة بالمصارف.
لكن خطورة وجود المال في المنزل، دفع الشقيقين علي وفراس لاستثمار ما يفيض عنهما في العقارات. يقول: «منذ 3 سنوات، تمكنت وشقيقي من شراء عقارين صغيرين في القرية. هذا الاستثمار هو الأربح والأضمن والأكثر موثوقية»، حسبما يقول لـ«الشرق الأوسط»، لافتاً إلى أن ثقته بالمصارف «تلاشت، ولم تعد تتمتع بموثوقية عالية، حتى لو تغيرت الأحوال». وأضاف: «لو كنت أستثمر في العقارات، لما خسرت جنى عمري الذي كنت أودعه على مدى 12 عاماً في المصرف، وفي النهاية ذهب مع الريح».
منذ بدء الأزمة، تبدل نمط حياة اللبنانيين لجهة الاحتفاظ بالأموال، أو إنفاقها. تقول زينة (34 عاماً) التي تعمل في إحدى الدول العربية منذ عام 2016، إنها استطاعت أن تشتري سيارتين في بداية الأزمة بالوديعة المالية التي كانت تمتلكها في المصرف، عبر شيك مصرفي. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «عملت بنصيحة عمي، وكانت خطوة صحيحة». وأضافت: «على الأقل ربحت سيارتين بدلاً من انتظار الحكومة لتتخذ أي إجراء سيعود عليَّ بخسائر إضافية».
أما ابنة عمها التي كانت تمتلك نحو 25 ألف دولار في المصرف، فلجأت إلى تسييل وديعتها عبر سحبها على شكل شيك مصرفي، ومبادلتها بالعملة الورقية بخسارة ناهزت الـ20 في المائة في أوائل الأزمة، علماً بأن أسعار الشيكات المصرفية الآن باتت أقل بنسبة 82 في المائة من قيمتها الفعلية، بالنظر إلى أن معظم المصارف ترفض إيداع الشيكات المصرفية بالعملة الصعبة في حسابات الأفراد، وتحصرها بالشركات، وتفرض إخراجها بشيك أو تحويل في حال تم قبولها «بهدف التخفيف من الدولارات القديمة المعروفة بـ(اللولار) من الحسابات المصرفية»، حسبما تقول مديرة إحدى الفروع المصرفية.
ويرفض رئيس جمعية المصارف في لبنان، الدكتور سليم صفير، تحميل المصارف مسؤولية الأزمة الحالية. ويقول صفير الذي تعرض منزله ومكاتبه أكثر من مرة لهجمات مودعين غاضبين، إن إعادة بناء الثقة ‏تشكل المعبر الإلزامي لإنقاذ لبنان، وينبغي أن تكون العنوان الأبرز لأي خطة ‏معالجة شاملة تكفل انتشال الاقتصاد من أزمته العاتية، ومعالجة الفجوات المالية ‏والنقدية، وطمأنة أصحاب المدخرات والرساميل لسلامة توظيفها في المؤسسات المالية والمصرفية، عبر وضع آليات موثوقة تكفل إعادة الانتظام التام إلى القطاع المالي، وبما يشمل العمليات الائتمانية والاستثمارية المعهودة لصالح الأفراد والشركات داخل البلاد وخارجها.
ويرى صفير أنه ما دامت نواة الأزمة تكمن في المالية ‏العامة، فإنه ينبغي توجيه الاهتمام وصوغ الاقتراحات الملائمة لمعالجة أصل ‏المشكلة، ومن ثم التعامل مع ما أنتجته من فجوات وتداعيات على الاقتصاد ‏وقطاعاته المنتجة.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

إسرائيل تمعن بخرق الهدنة وتدمير وإحراق القرى اللبنانية المحتلّة

مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)
مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل تمعن بخرق الهدنة وتدمير وإحراق القرى اللبنانية المحتلّة

مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)
مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)

تتواصل الخروقات الإسرائيلية للهدنة التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية على جبهة لبنان، في ظلِّ استمرار العمليات العسكرية والغارات التي يشنّها الطيران الحربي على أهداف يزعم أنها تابعة لـ«حزب الله»، ما حمل الأهالي العائدين إلى بعض القرى الجنوبية إلى مغادرتها فوراً؛ خوفاً من تجدد القتال على نحوٍ سريع.

الخط الأصفر

وتترافق هذه الخروقات، مع إعلان الجيش الإسرائيلي «إنشاء الخطّ الأصفر في جنوب لبنان على غرار غزّة»، ما يعني منع الأهالي من العودة إلى 55 بلدة لبنانية واقعة ضمن هذا الخطّ.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أنه أقام خطاً أصفر فاصلاً في جنوب لبنان على غرار الخط الذي يفصل قواته عن المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس» في غزة، لافتاً إلى أنه استهدف مسلحين مشبوهين حاولوا الاقتراب من قواته على طول هذا الخط. وقال الجيش: «خلال الساعات الـ24 الأخيرة، رصدت قوات الجيش الإسرائيلي، العاملة جنوب الخط الأصفر في جنوب لبنان، إرهابيين انتهكوا اتفاق وقف إطلاق النار، واقتربوا من القوات من شمال الخط الأصفر في صورة شكَّلت تهديداً مباشراً»، في إشارة أولى إلى هذا الخط منذ بدء تنفيذ وقف النار.

وأضاف: «مباشرة بعد الرصد وبهدف القضاء على التهديد، هاجمت القوات الإرهابيين في مناطق عدة بجنوب لبنان»، مذكِّراً بأنَّ الجيش مخوّل التحرك ضد التهديدات، رغم وقف إطلاق النار.

وفي هذا الإطار، يقول الخبير العسكري والأمني العميد فادي داود لـ«الشرق الأوسط»: «إن الخط الأمني الإسرائيلي غير رسمي، لكنه عملياً يشكل نقطة احتكاك خطيرة. هو يُعرف ميدانياً بالخط التقني الإسرائيلي على طول الحدود بين لبنان وإسرائيل، وهو ليس حدوداً رسمية معترفاً بها دولياً، بل إجراء أمني فرضته إسرائيل لأنه يتجاوز الخط الأزرق، و يُستخدم لفرض وقائع ميدانية، كما أنه يمكن أن يشعل اشتباكاً بسرعة كبيرة».

وضع غير مطمئن

أمام التطورات الميدانية التي فرضتها الحرب الأخيرة، بات من الصعب إحصاء الخروقات الإسرائيلية، لعدم قدرة قوات «اليونيفيل» على دخول البلدات الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. وأوضح مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»، أن الخروقات الإسرائيلية «ليست محصورة بالقصف المدفعي والاستهداف عبر المسيّرات، أو بنقاط الاشتباك مع مقاتلي (حزب الله)، بل هناك تفخيخ متعمّد للمنازل ونسفها بالكامل، بذريعة تدمير البنى التحتية العائدة للحزب». ورأى أن الوضع في الجنوب «غير مطمئن، وثمة قلق من العودة إلى دوامة القتال». وأكد المصدر أن «الجانب اللبناني كان يتابع التطورات عبر مهمّة لجنة (الميكانيزم)، إلّا أن هذه اللجنة ليست موجودة حالياً، وبالتالي لا توجد آلية للتعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية الجديدة».

مواطنون لبنانيون يزيلون الأنقاض من محل تجاري دُمِّر نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة النبطية بجنوب لبنان (أ.ب)

على الصعيد الميداني، قُتل شخص في بلدة كونين، وأُصيب آخرون جراء جسم مشبوه يعتقد أنه قنبلة عنقودية من مخلفات القصف الإسرائيلي، وذلك بعد ساعات قليلة على دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، بينما يستمرّ القصف المدفعي يٌسمع في عدّة قرى واقعة في القطاع الأوسط، كما أطلق الجيش الإسرائيلي رشقات نارية على بلدة عيترون. وأفادت المعلومات الميدانية بأن مدينة الخيام لا تزال تتعرَّض لقصف مدفعي، كما نفَّذت القوات الإسرائيلية عمليات نسف لمبانٍ في بلدات الخيام، والقنطرة، وشمع، وبنت جبيل، والبياضة، كما سُمعت في محيط بنت جبيل أصوات انفجارات وتمشيط.

مساران للعمليات في الجنوب

وفرضت شروط الهدنة التي دخلت حيّز التنفيذ منتصف ليل الخميس ـ الجمعة، واقعاً جديداً أكثر صعوبة مما كان عليه الوضع في قرار وقف الأعمال العدائية الذي اتفق عليه الجانبان، اللبناني والإسرائيلي، في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ورأى داود، أن «العمليات الإسرائيلية جنوب نهر الليطاني تجري على مسارين متوازيين، يهدفان إلى تثبيت واقع ميداني جديد في المنطقة». ويوضح أن المسار الأول «يتمثَّل بمحاولة الجيش الإسرائيلي ترسيخ وجوده في القرى التي سيطر عليها، بالتوازي مع استكمال سياسة التدمير الشامل التي اعتمدها سابقاً في قطاع غزة»، مشيراً إلى أنَّ الجيش الإسرائيلي «يركز الآن على تدمير المباني في القرى التي أحكم سيطرته عليها في النسقين الأول والثاني، ويعمد إلى اقتلاع الأشجار، بما فيها الزيتون، وإضرام النيران في الأحراج لتحويلها إلى منطقة محروقة بالكامل»، لافتاً إلى أنَّ إسرائيل «تعمد إلى تجريف ركام المنازل المُهدَّمة ونقلها لإعادة تدويرها، في مؤشر إلى نية إحداث تغيير جذري في طبيعة المنطقة».

نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان بعد إعلان وقف إطلاق النار (أ.ب)

معركة بنت جبيل

أما المسار الثاني، فيتركز وفق تقدير العميد داود على معركة بنت جبيل، ويؤكد: «هذه المعركة لها بعدان أساسيان: الأول رمزي، بعد أن أطلق (حزب الله) على المدينة اسم (عاصمة المقاومة)، والثاني استراتيجي، نظراً إلى موقعها الجغرافي القريب من الحدود، وتجعل مَن يسيطر عليها قادر على أن يتحكم بشمال إسرائيل وجنوب لبنان».

أهمية بنت جبيل لا تقتصر على رمزية المدينة فحسب، بل ترتبط بمحيطها، ويعدّ العميد فادي داود، أن «السيطرة عليها تعني سيطرة تلقائية على الطرق والبلدات المحيطة بها، لأنَّها تمنح أفضليةً ميدانيةً تسمح بالتحكم الناري بالقطاعين الشمالي الشرقي والغربي من المنطقة»، لافتاً إلى أنَّ «العمليات داخل بنت جبيل ستستمرّ بغض النظر عن الهدنة». ورجّح أنه «في حال توفر ضوء أخضر أميركي، فإنَّ إسرائيل قد تواصل عملياتها ضمن ما تُعرف بـ(الحرب الصغيرة) أو ما تُعرف بـ(حرب العصابات)؛ بهدف استكمال السيطرة على ما تبقَّى من مواقع للحزب داخل المدينة».

أطفال يرفعون إشارة النصر خلال عودتهم إلى قراهم في جنوب لبنان بعد وقف إطلاق النار (رويترز)

وشدَّد العميد داود، على أنَّ «العمليات الإسرائيلية غير المرئية، هي ترجمة فعلية لسياسة الأرض المحروقة، وتحويل البلدات المحتلة في جنوبي الليطاني إلى مساحة مدمرة بالكامل، بما يعكس نمطاً عملياتياً مشابهاً تماماً لما جرى في غزة».


ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

تواجه حركة «حماس» أكبر حالة ضغط من الوسطاء وأطراف أخرى للموافقة على وثيقة «مجلس السلام» حتى ولو بشكل مبدئي، قبل التفاوض عليها بشأن خطة نزع سلاح الفصائل التي تنشط داخل قطاع غزة، وخاصةً جناحها المسلح «كتائب القسام».

وقال مصدران من «حماس» في خارج قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك محاولات من بعض الدول الوسيطة لإقناع الحركة بإبداء موافقة خطية مبدئية على الخطة، التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف، لقيادة الحركة منذ نحو أسبوعين، على أن يتم التفاوض بشأن بنودها لاحقاً في مرحلة أخرى.

وأوضح المصدران أن هناك محاولات لانتزاع هذه الموافقة قبل الحصول على ضمانات واضحة تلزم إسرائيل بتنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، مبينةً أن الفريق المفاوض مُصر على الاستمرار في التمسك بموقفه الذي يهدف لضمان تنفيذ المرحلة الأولى بكامل بنودها، قبل الانتقال للتفاوض على المرحلة الثانية.

الدمار في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال المصدران: «إن هناك محاولات من الوسطاء وجهات عدة ليكون هناك تنفيذ للمرحلة الأولى بجميع بنودها بلا استثناء، مقابل أن يتم العمل فوراً على بدء تطبيق الثانية بشكل متزامن، وقد يفضي هذا الحراك إلى اتفاق».

ولفت مصدر إلى أن هناك مخاوف حقيقية لدى قيادة «حماس» من استغلال إسرائيل والولايات المتحدة، لموافقة الحركة المبدئية للتوقيع على الوثيقة المتعلقة بالمرحلة الثانية، لإجبار الحركة على خطوات ما زالت ترفضها ضمن الخطة الأصلية وطلبت تعديلات واضحة عليها.

وأشار المصدر إلى أن بعض الدول الوسيطة تتفهم موقف «حماس» ومخاوفها وتحاول نقل رسائل طمأنة بهذا الشأن، فيما لا تزال الاتصالات والنقاشات الداخلية في أوساط الحركة ومع الفصائل الفلسطينية مستمرة.

واقترحت بعض الفصائل، بدعم من وسطاء، أن يتم تقصير مدة المرحلة الثانية من 8 أشهر إلى 3 أو 4، لاستغلال أي تقدم إيجابي في تحسين الوضع الإنساني والحياتي للسكان بقطاع غزة، وخاصةً إطلاق مرحلة إعادة الإعمار في ظل الحاجة الماسة للتقدم في هذا الملف، مع استمرار تفاقم حياة النازحين المدمرة منازلهم والذين يعيشون في ظروف قاسية وصعبة جداً، حسب مصدر فصائلي لـ«الشرق الأوسط».

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ورأى المصدر الفصائلي أن الهدف من تقصير مدة تطبيق المرحلة الثانية، هو الانتقال لمراحل أكثر تقدماً تخدم جميع الأطراف، وخاصةً الفلسطيني الذي يسعى إلى لملمة أوراقه على الصعيد الداخلي والالتفات لاحتياجات السكان، والعمل على بناء نظام وطني فلسطيني متكامل، مشيراً إلى أن هناك جهوداً تُبذل أيضاً بدعم عربي وكذلك من دول إسلامية، منها تركية، للعودة إلى الحوار الوطني الفلسطيني ولكن حتى هذه اللحظة لا يوجد تقدم ممكن أن يشير إلى عقد اجتماع قريب، ولكن الجهود مستمرة من أجل ذلك.

ولفت إلى أن هناك توافقاً لدى الفصائل بشأن قضية حصر السلاح، لكن ليس بالطريقة المطروحة نفسها، وهناك تعديلات تريد الفصائل إدخالها على المقترح الأساسي، وستنتظر ما ستؤول إليه الاتصالات الجارية حالياً لتقديم تعديلاتها في حال بدأت مناقشات جدية بشأن المرحلة الثانية.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي الميداني داخل قطاع غزة، ما أدى لارتفاع عدد الضحايا الفلسطينيين.

وأصيب 4 فلسطينيين، صباح السبت، أحدهم وُصفت جروحه بالخطيرة، إثر إطلاق النار باتجاههم شرقي مدينة غزة، وشرق بلدة جباليا شمالي القطاع.

وقتل الجمعة، 3 فلسطينيين في سلسلة اعتداءات إسرائيلية طالت مجموعات من المواطنين وخيام النازحين في خان يونس جنوب القطاع، ومناطق شماله. ومن بين الضحايا فلسطينيان شقيقان كانا يقودان مركبة مياه محلاة تقدم خدمات للنازحين بدعم من منظمة «اليونيسف» التي أعلنت تعليق نشاطاتها شمال القطاع بعد الحادثة.

وارتفع عدد الضحايا الفلسطينيين في قطاع غزة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى أكثر من 773، وأكثر من 2015 مصاباً، والعدد التراكمي منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72500.


ماكرون يعلن قتل جندي فرنسي في هجوم بجنوب لبنان ويتهم «حزب الله»

لبنانيون يعودون لقرى الجنوب (رويترز)
لبنانيون يعودون لقرى الجنوب (رويترز)
TT

ماكرون يعلن قتل جندي فرنسي في هجوم بجنوب لبنان ويتهم «حزب الله»

لبنانيون يعودون لقرى الجنوب (رويترز)
لبنانيون يعودون لقرى الجنوب (رويترز)

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مقتل جندي فرنسي في هجوم بجنوب لبنان، متهماً «حزب الله» بالمسؤولية عن قتله.

وكتب ماكرون في ‌منشور ‌على ​موقع ‌«إكس» أن ‌ثلاثة جنود آخرين أصيبوا بجروح، وتم إجلاؤهم، وحث ‌الحكومة اللبنانية على اتخاذ ⁠إجراءات ضد المسؤولين ⁠عن الهجوم.

من جانبه، تعهد الرئيس اللبناني جوزيف عون بملاحقة المسؤولين عن استهداف القوة الفرنسية.