الفنان الألماني أنسيلم كييفر يثير أشباح التاريخ

«لقد جمعتُ في أعمالي بين المعاصرة وأعماق التاريخ»

«بلاد ما بين النهرين» من لوحات أنسيلم كييفر المعروضة بمنزل الفنان في فرنسا (أنسيلم كييفر - جوليان مينوت / {نيويورك تايمز})
«بلاد ما بين النهرين» من لوحات أنسيلم كييفر المعروضة بمنزل الفنان في فرنسا (أنسيلم كييفر - جوليان مينوت / {نيويورك تايمز})
TT

الفنان الألماني أنسيلم كييفر يثير أشباح التاريخ

«بلاد ما بين النهرين» من لوحات أنسيلم كييفر المعروضة بمنزل الفنان في فرنسا (أنسيلم كييفر - جوليان مينوت / {نيويورك تايمز})
«بلاد ما بين النهرين» من لوحات أنسيلم كييفر المعروضة بمنزل الفنان في فرنسا (أنسيلم كييفر - جوليان مينوت / {نيويورك تايمز})

بالنسبة لأنسيلم كييفر، ليس هناك مشهد بريء. إذ يرى الفنان الألماني - المولود تحت قنابل الشهور الأخيرة من الحرب العالمية الثانية - في كل شيء دورة من الخراب والانبعاث. إذ دائماً ما يخرج من بين الغبار والركام شيء ما. وهنا في «لاريبوت»، الضيعة مترامية الأطراف في جنوب فرنسا، حيث عاش وعمل لمدة 15 عاماً، خلق كييفر متاهة من هواجسه في صورة أكثر من 70 عملاً مثيراً للإرباك مثبتة في مختلف الأنحاء.
الأبراج المائلة المصنوعة من حاويات السفن المهملة تتحدى الجاذبية في إرسال الظلال إلى الأحواض المتموجة. والمدرج الكبير، المُعلق ببقايا بكرات الأفلام المتلاشية، هو نصب تذكاري للإمكانية والانحلال، من شرفاته العليا المملوءة بالضياء إلى الأنفاق المتخمة أسفل المسرح. أزهار عباد الشمس المجففة، والكتب المصنعة من الرصاص، هي تيمات متكررة لعالم يتوه في أشباه الظلام ما بين الحياة والموت.
قال لي كييفر في مقابلة: «إذا لم يكن هناك موت، فلن نكون. إنها الطريقة التي تحدد هويتنا. وإنني لأفكر في هذا الأمر، ولكن ليس بطريقة سقيمة. حتى في حالة نشوب حرب نووية»، كما تابع قائلاً: «حتى لو مُحيت البشرية عن بكرة أبيها، فستكون هنالك بكتيريا في نهر جليدي بمكان ما، حيث يبدأ تطور جديد. كل شيء عبارة عن تدفق غير خطي، كمثل خيمياء العناصر. لقد جمعتُ في أعمالي بين المعاصرة وأعماق التاريخ».
وقد أسفر تطوره الذاتي في لاريبوت، موضع مصنع الحرير السابق، حيث عاش كييفر مع عائلته من 1992 إلى 2007، عن نشوء مستوطنة غير محتملة من المباني والسرادقات التي لا يسكنها الناس وإنما الأعمال الفنية. تمتد هذه الضيعة على ما يقرب من 100 فدان، وتتصل بجسور المشاة والممرات تحت الأرض، طبقاتها أشبه ما تكون بالحفريات الأثرية، وقد فُتحت للعامة أول مرة خلال العام الحالي. وصارت الآن معرضاً دائماً، يُفتتح سنوياً من مايو (أيار) إلى أكتوبر (تشرين الأول).

أنسيلم كييفر في الاستوديو (نيويورك تايمز)

بلغ كييفر درجة من التمجيد المثالي ببلوغه السابعة والسبعين من عمره. وهو واحد فقط من اثنين من الفنانين الأحياء ممن لهم عمل معروض في متحف اللوفر، إذ صدر إليه التكليف من الرئيس إيمانويل ماكرون عام 2020 لإنشاء عمل فني مُثبت الآن في البانثيون. وهو يحظى بشرف كبير في فرنسا، حتى إن صحيفة «لوموند» أشارت العام الماضي، إلى أنه صار قاب قوسين أو أدنى لأن يصبح الفنان الرسمي للبلاد. وفي الولايات المتحدة، حيث تعاظمت شهرته عبر عقود من الزمان، افتتح هذا الشهر عرضان تحت عنوان «الخروج» في صالات «جاغوسيان» في نيويورك ولوس أنجليس.
مع ذلك، غالباً ما يلقى استخفافاً غريباً في موطنه الأصلي بألمانيا. الواقع أن هناك شيئاً ما في استِجلاء كييفر غير المتوقف لما سماه «الدقة المريعة» لآلة القتل النازية، هناك أمر ما يتعلق بانهماكه البحثي الدؤوب في سبر منطقة الشفق الشاسعة ذات الغطاء الرمادي المفعم بالسواد، أمر أشبه بعشقه لما سماه الكاتب الفرنسي بيير كورنيل: «ذلك السطوع القاتم الهابط من بين النجوم»، أمر قد أثبت لفترة طويلة إزعاجه المتكرر وإحراجه اللاذع إلى الحد الذي جعل الألمان ينكرونه رافضين. وأشار ناقد بصحيفة «دي فيلت» الألمانية ذات مرة قائلاً: «نحن فقط في هذا البلد (ألمانيا) لم ندرك تماماً مرامي ومقاصد ما يحاول أن ينادي به أو يدعو إليه».
أجاب كييفر ذات مرة بقوله: «إنهم غير مترددين في نقد أعمالي، بل إنهم يعارضونها على الدوام. ويقولون الآن إنني فنان عتيق الطراز قد غادرني الزمان»، هز كتفه، كأنه يقول إنها رواية قديمة مبتذلة لم تعد تلفت اهتمامه.
رجل مهووس بالحدود - وما من موضع كان أكثر شرباً للدماء حتى منتصف القرن العشرين من الحدود بين فرنسا وألمانيا - إذ وجد نفسه يتبعثر في المشهد الألماني الذي خلفه وراءه، ومع ذلك لا يزال يحبه، فضلاً عن المشهد الفرنسي الذي وجد فيه حرية العمل. هذه مشاعر قديمة. فعندما كان طفلاً، كان نهر الراين المجاور يغمر قبو بيته، وقد أحب فكرة أنه الآن في فرنسا لأن حدود النهر قد تغيرت.
قال كييفر كاتباً: «كل حد هو وهم، يُبنى لأجل راحتنا كما يقولون، حتى يمنحنا انطباع المكان المؤكد الواضح، مع أنه ليس هناك ما يُسمى الأماكن المؤكدة».
حتى في أعماله قد تغيرت الأشياء. إذ قال: «اللوحة في أعمالي لا تنتهي أبداً - أبداً. بل إنها تستمر على الدوام. إنني أداوم العمل على لوحات منذ أواخر الستينات لا تزال قابعة في الحاويات». وجاءه سؤال: حتى الموجودة في لاريبوت؟، فأجاب: «حسناً، إنها تعد منتهية فقط لأنني لا أستطيع تغييرها بعد الآن؛ إنها الآن في متحف أو شيء من هذا القبيل».

عمل بعنوان «الشهيدات» يعرضه كييفر في ضيعته بفرنسا (نيويورك تايمز)

إن لوحة ألوان كييفر ليست لينة أو مريحة. إن كل ما في الأمر أنها نجمية التأثير، في تذكير بأن هذه الأرض الصغيرة والحياة القائمة عليها تواصل الدوران في فضاءات لامتناهية مفعمة بالغموض. يقول كييفر واصفاً إياها: «عادة ما تبدأ لوحاتي بكثير من الألوان، ثم تُختزل وتتلاشى. أعتقد بأهمية اللون؛ إنه شيء علميّ: فهو يعتمد على أي جزء من المشكال (رسم متعدد الألوان أو منظار متغير النماذج) ينشأ في ذهنك»، ثم توقف برهة ليتابع: «أتظاهر بأن الرمادي عندي هو أكثر ثراء مما لدى مونيه. الرمادي لون مُتخم، أتعرفون ذلك؟ إنه أكثر ثراء، ففيه من الألوان ما ليس في اللون الأحمر الفقير».
الرصاص مادته المفضلة. أخبرني كييفر أن لديه منزلاً قديماً في ألمانيا توجد فيه أنابيب الرصاص، بعضها قديم للغاية، وقد استقدم سباكاً لاستبدالها. ففتنه لون الرصاص، واستفسر من السباك عن كيفيه إسالة الرصاص ولحامه. ثم أوضح قائلاً: «كان لدي مجرد حدس، ثم صار اهتمامي أكثر عقلانية. الرصاص مهم بالنسبة إلى الخيميائي، الذي أراد تحويل الرصاص إلى ذهب».
كان أستاذ الفنون في مدرسة كييفر عضواً سابقاً في قوات «إس إس» النخبوية النازية. وعندما درس كييفر القانون بالجامعة، كان أساتذته من النازيين السابقين. ثم خيّم الصمت المطبق على كل ذلك في ألمانيا لما بعد الحرب الثانية. كانت الحقيقة مخفية. وبعد ذلك، لم يعد باستطاعته الوثوق في ظواهر الأمور، وإنما تعين عليه سبر غور الأشياء.
منذ ذلك الحين، على ما يبدو، كان كييفر يُرغم نفسه إرغاماً، مُستكشفاً حدود الأمور، أو الأشياء التي قد تصرف البشرية أعينها عنها. وقال: «عندما أشرع في رسم لوحة، أدرك في الوقت ذاته أنها عمل فاشل». ثم أضاف: «رغم ذلك، فأنا أرسمها. وأتابع العمل عليها. فقط أتابع».
ثم نظر نحوي وقال: «لا أعتقد أنه يمكنني الخروج برائعة فنية أو تحفة خالدة. فقط لا أستطيع. وإنما أحاول. أدرك أنه لن يحدث».
حقيقة أن كثيراً من الناس قد يختلفون في ذلك لا تهُم كييفر كثيراً. فلقد عاش وفقاً للبوصلة الخاصة بذاته، فحسب.
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

سرقة أكثر من 400 ألف قطعة شوكولاته «كيت كات» في إيطاليا

عبوة من بسكويت «كيت كات» المغطى بالشوكولاته معروضة في صالة عرض شركة «نستله» السويسرية العملاقة للأغذية في مدينة فيفي (أرشيفية - أ.ف.ب)
عبوة من بسكويت «كيت كات» المغطى بالشوكولاته معروضة في صالة عرض شركة «نستله» السويسرية العملاقة للأغذية في مدينة فيفي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

سرقة أكثر من 400 ألف قطعة شوكولاته «كيت كات» في إيطاليا

عبوة من بسكويت «كيت كات» المغطى بالشوكولاته معروضة في صالة عرض شركة «نستله» السويسرية العملاقة للأغذية في مدينة فيفي (أرشيفية - أ.ف.ب)
عبوة من بسكويت «كيت كات» المغطى بالشوكولاته معروضة في صالة عرض شركة «نستله» السويسرية العملاقة للأغذية في مدينة فيفي (أرشيفية - أ.ف.ب)

قالت شركة الأغذية السويسرية العملاقة «نستله» إنه تمت سرقة نحو 12 طناً أو 413793 قطعة شوكولاته تحمل علامتها التجارية «كيت كات» بعد انتقالها من موقع الإنتاج في إيطاليا إلى بولندا في وقت سابق من الأسبوع الحالي.

واختفت شحنة الحلوى المقرمشة الأسبوع الماضي بينما كانت في الطريق بين موقعي الإنتاج والتوزيع. وكان من المقرر أن يتم توزيع قطع الشوكولاته على مستوى أوروبا.

وقالت الشركة التي يقع مقرها في بلدة فيفي في سويسرا في بيان إنه «لم يتم العثور على المركبة أو حمولتها». وذكرت الشركة أن قطع الحلوى المفقودة يمكن أن تدخل في قنوات بيع غير رسمية عبر الأسواق الأوروبية، لكن إذا حدث هذا يمكن أن يتم تتبع جميع المنتجات عبر كود فريد مخصص لكل قطعة، وفق ما نقلت وكالة «أسوشييتد برس».

وقال متحدث باسم شركة نستله لصحيفة «الغارديان» إن الشركة تُجري تحقيقاً في الحادثة بالتعاون مع السلطات المحلية وشركاء سلسلة التوريد.

وأكَّد المتحدث عدم وقوع أي إصابات خلال عملية السرقة.

وأفادت شركة «نستله» في بيان لها، مستوحيةً شعار «كيت كات»: «لطالما شجعنا الناس على أخذ استراحة من (كيت كات)، ولكن يبدو أن اللصوص أخذوا الرسالة حرفياً وسرقوا أكثر من 12 طناً من شوكولاتتنا».

أفادت صحيفة «ذا أثليتيك» أن ألواح الشوكولاته المسروقة كانت من خط إنتاج «كيت كات» الجديد بنكهة الـ«فورمولا 1»، والذي جاء بعد أن أصبحت «كيت كات» الراعي الرسمي لشوكولاته «فورمولا 1» العام الماضي. وقد صُممت هذه الألواح على شكل سيارات سباق، مع احتفاظها برقائق الشوكولاته الشهيرة المغطاة بالشوكولاته.


المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
TT

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

جاء المتحف المصري الكبير ضمن الأماكن التي اختارها تقرير عالمي للزيارة خلال 2026، وفقاً لما نشرته مجلة «Time»، مسلطة الضوء على أفضل المعالم السياحية والأثرية على مستوى العالم التي يُنصح بزيارتها خلال عام 2026، وكان المتحف ضمن هذه القائمة.

ووفق بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أشاد التقرير بالمجموعات الأثرية التي تُعرض بالمتحف، ووصفها بـ«الاستثنائية التي تجسّد عراقة الحضارة المصرية عبر آلاف السنين»، مشيراً إلى أن هذا الصرح الثقافي يمثّل إضافة نوعية وداعماً رئيسياً لقطاع السياحة في مصر.

وأضاف التقرير الذي نشرته «تايم»، أن المتحف يُجسّد نقلة نوعية في أساليب حفظ الآثار وصونها، حيث تم تزويد قاعاته بأحدث تقنيات التحكم البيئي بما يضمن الحفاظ الأمثل على القطع الأثرية، لافتاً إلى كنوز الملك توت عنخ آمون التي تُعدّ من أبرز ما يميّز المتحف.

وأشار التقرير إلى أن جاذبية المتحف بالنسبة للعديد من الزائرين تكمن في تقديم تجربة فريدة تجمع بين البساطة والعمق، حيث يتيح لهم فرصة مشاهدة أشهر كنوز الحضارة المصرية في موطنها الأصلي.

افتتاح المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ويُعدّ المتحف المصري الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة «حضارة مصر القديمة»، ويمتد على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تروي تاريخ مصر عبر العصور، وتعود أقدم قطعة أثرية فيه إلى 700 ألف عام قبل الميلاد، في حين يرجع تاريخ أحدث قطعة إلى عام 394 ميلادياً. ويضم بهواً رئيسياً به تمثال للملك رمسيس الثاني، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يمتد على مساحة نحو 6 آلاف متر مربع، بارتفاع يعادل 6 طوابق، وفق بيان سابق لرئاسة مجلس الوزراء المصري.

كما يضم المتحف 12 قاعة عرض رئيسية بمساحة نحو 18 ألف متر مربع، وقاعات عرض مؤقتة بمساحة نحو 1700 متر مربع، وكذلك قاعات لعرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون على مساحة تقارب 7.5 ألف متر مربع، وتشمل أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك تُعرض مجتمعة لأول مرة، بالإضافة إلى متحف الطفل بمساحة نحو 5 آلاف متر مربع، ومن المتوقع أن يجذب المتحف نحو 5 ملايين زائر سنوياً.

وعدّ الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، المتحف المصري الكبير «صرحاً متكاملاً يجمع بين الآثار والحضارة والتاريخ والعراقة والتصميم الحديث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن المتحف «يمثّل نقلة حضارية لعرض الآثار به، ويتفرد ويتميز بأسلوب العرض المتحفي. كما يضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 ألف قطعة أثرية تُعرض لأول مرة».

وأشار عامر إلى أن المتحف قد حصد العديد من الجوائز منها جائزة «فيرساي» العالمية في عام 2024، إذ تم تصنيفه ضمن أجمل 7 متاحف في العالم خلال احتفالية نظمتها «اليونيسكو» في باريس، تقديراً لتميزه المعماري الذي يدمج التراث المصري بالمعايير البيئية العصرية، بالإضافة إلى جائزة الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك) عام 2024، وأحدث انتعاشة كبيرة للسياحة الثقافية في مصر منذ افتتاحه.

وافتتح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 في حفل أسطوري حضره 119 وفداً دولياً تضمّن رؤساء وملوك وأمراء عدد من الدول، وشهدت الأيام الأولى لافتتاح المتحف أمام الجمهور زخماً كبيراً في الحضور، بمعدل نحو 19 ألف زائر يومياً، وفق ما أعلنه في ذلك الوقت الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف. في حين توقعت وزارة السياحة والآثار أن يزور المتحف يومياً نحو 15 ألف زائر.


رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
TT

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)

عن عمر يناهز 72 عاماً، غيّب الموت في القاهرة مؤرخ السريالية المصرية، وأحد أبرز قيادات وزارة الثقافة المصرية سابقاً الكاتب سمير غريب، صاحب البصمات الواضحة ومؤسس العديد من المؤسسات الثقافية المصرية مثل صندوق التنمية الثقافية الذي شهدت فترة إدارته ازدهاراً، كما أسس جهاز التنسيق الحضاري ووضع إطار عمله، ولم يتمكن من تفعيل دوره بسبب قلة الإمكانات، وفق قول الفنان التشكيلي محمد عبلة، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «سمير غريب أول من كتب عن السريالية في مصر، ووضعها في بؤرة الاهتمام. فحين كان في باريس تعرف على أعمال عدد من فنانيها، وكتب مجموعة من المقالات أصدرها في كتاب فيما بعد، كان وقتها ما زال عدد من فناني السريالية المصريين على قيد الحياة مثل أنور كامل، وكامل التلمساني، وهو ما ساعده في سبر أغوار كثير من الأمور لإصدار كتاب (السريالية في مصر) الذي يعد أهم وثيقة عن السريالية المصرية».

وقام سمير غريب بتنظيم معرض خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من عام 1987 بعنوان كتابه «السريالية في مصر» في المركز المصري للتعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة بالقاهرة. وكان هذا المعرض هو الوحيد الذي جمع أعمالاً فنية ووثائق ومتعلقات شخصية لرواد السريالية في مصر، حصل عليها غريب من أُسر الفنانين رمسيس يونان، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، وسمير رافع، وإنجي أفلاطون، وبن بهمان، وإيمي نمر.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الكاتب سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، وقالت في بيان أصدرته الوزارة، السبت، إن مسيرة الكاتب الراحل حافلة بالعطاء الثقافي والفكري. وكان أحد القامات الثقافية البارزة، وصاحب إسهامات مهمة في دعم الحركة الثقافية في مصر، وأسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، قبل أن يُكلَّف برئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وصولاً إلى تأسيسه ورئاسته لجهاز التنسيق الحضاري.

وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن «سمير غريب كان مثقفاً متفرداً جمع بين الفكر والنقد والعمل المؤسسي، وأثرى الثقافة بعدد كبير من المؤلفات، وكرّس جهده لخدمة الثقافة المصرية، والدفاع عن الهوية الحضارية، ما يجعله واحداً من الرموز التي ستظل حاضرة في الوجدان الثقافي».

سمير غريب خلال مناقشة كتابه «السريالية في مصر» (صفحته على «فيسبوك»)

ولد سمير غريب عام 1954 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس الصحافة في مايو (أيار) 1975، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة الأخبار، وفي منتصف الثمانينات كتب مقالات نقدية في الفن التشكيلي عن السريالية في مصر بمجلة الكواكب، ثم أصدرها في كتاب، قبل أن ينتقل للعمل بوزارة الثقافة التي تقلد فيها مناصب عديدة منها وكيل وزارة الثقافة ورئيس قطاع مكتب الوزير، ثم أسس صندوق التنمية الثقافية وتولى رئاسته في أهم فترات ازدهاره، وتولى خلال مسيرته منصب رئيس دار الكتب والوثائق القومية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر في مجلس الكاتب الكبير سعد الدين وهبة 1997.

وقال مدير مهرجان الإسكندرية السينمائي، الأمير أباظة، إنه عرف الراحل سمير غريب في منتصف الثمانينات عندما كان يكتب مقالاته عن «السريالية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «التقينا خلال هذه المرحلة وتوثقت علاقتنا إلى أن جاء الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق وعينه وكيلاً للوزارة، ثم رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وقتها بدأ اهتمامه الحقيقي بدعم السينما حيث أسس أرشيفاً للصور السينمائية، وقام بشراء نيجاتيف هذه الصور، ودعم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط».

و«أعاد سمير غريب مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة بعد توقف سنوات، وعين الناقد السينمائي سمير فريد رئيساً له، كما أشرف على طباعة بانوراما السينما المصرية الروائية التي كانت حجر الأساس في حفظ تاريخ السينما المصرية والتي قام بها الناقد والمؤرخ السينمائي أحمد الحضري والناقد محمد عبد الفتاح، كما أنه قام بإعادة المهرجان القومي للسينما ودمجه مع المهرجان القومي للأفلام القصيرة»، وفق قول أباظة.

وأصدر الكاتب الراحل العديد من المؤلفات النقدية خلال مشواره انصب معظمها على الفن التشكيلي منها «السريالية في مصر» 1986، و«راية الخيال» 1993، و«نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي» 1997، و«في تأريخ الفنون الجميلة» 1998، و«كتاب الفن» 2003.