عواصم عربية تعزز دورها كـ«وسيط موثوق» بالأزمات الدولية

بعد نجاح الرياض في تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا... واستضافة القاهرة لـ«نيو ستارت»

السعودية نقلت الأسرى من روسيا إلى أراضيها (واس)
السعودية نقلت الأسرى من روسيا إلى أراضيها (واس)
TT

عواصم عربية تعزز دورها كـ«وسيط موثوق» بالأزمات الدولية

السعودية نقلت الأسرى من روسيا إلى أراضيها (واس)
السعودية نقلت الأسرى من روسيا إلى أراضيها (واس)

عزز الإعلان رسمياً عن استضافة القاهرة أول اجتماعات اللجنة الاستشارية الأميركية - الروسية بشأن «معاهدة ستارت» للأسلحة النووية بعد الأزمة الأوكرانية، من مكاسب دبلوماسية عربية حققتها عواصم رئيسية على الصعيد الدولي، وهو ما عزاه مراقبون إلى «نهج متوازن» اتخذته السياسة العربية من قضايا دولية ساخنة خلال الآونة الأخيرة، فضلاً عن «فقدان عدة قوى أوروبية اشتهرت بحيادها السياسي لسمعتها التاريخية»، بعد اتخاذها مواقف «منحازة»، لا سيما في الصراع الروسي - الأوكراني الراهن.
وتزامن إعلان روسي على لسان نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، وآخر أميركي للمتحدث باسم وزارة الخارجية نيد برايس، مع تأكيد استضافة العاصمة المصرية اجتماعات اللجنة الاستشارية الثنائية «من أجل تلاشي أي تطور نووي في الأزمة الأوكرانية - الروسية».
وكانت مصادر دبلوماسية مصرية رفيعة المستوى قد أكدت لـ«الشرق الأوسط» قبل عدة أيام أنباء استضافة القاهرة للمباحثات النووية الأميركية - الروسية، وأشارت إلى أنها «المرة الأولى التي تستضيف فيها مدينة غير أوروبية هذا النوع من الاجتماعات».
وعدّ مراقبون النجاحات الدبلوماسية التي حققتها المملكة العربية السعودية، ومصر والإمارات خلال الآونة الأخيرة، بمثابة «اختراق مهم وتكريس لدور ناجح لوساطات عربية فاعلة» في أزمات عالمية شائكة، مؤكدين أن هذه النجاحات تفتح الطريق أمام أدوار أكثر تقدماً مستقبلاً، وفي ملفات أكثر تعقيداً.
وحققت المملكة العربية السعودية نصراً دبلوماسياً في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، عندما نجحت مبادرة ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، بالإفراج عن 10 أسرى من مواطني المغرب والولايات المتحدة وبريطانيا والسويد وكرواتيا، في إطار عملية تبادل أسرى بين روسيا وأوكرانيا.
ولاقى النجاح السعودي إشادات دولية رفيعة المستوى، إذ وجّه البيت الأبيض الشكر إلى ولي العهد السعودي على صفقة تبادل الأسرى التي أبرمتها كييف مع موسكو بوساطة من الرياض، وأطلقت بموجبها روسيا سراح عشرة أسرى حرب بينهم أميركيان.
كما رحبت المملكة المتحدة بعودة خمسة من مواطنيها كانوا محتجزين في شرق أوكرانيا، وذلك في إطار عملية تبادل الأسرى، وأعربت رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك، ليز تراس، عن شكرها للسعودية.
ويعتقد اللواء دكتور محمد الحربي، المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي السعودي، أن نجاح الدبلوماسية العربية في ملفات دولية بالغة الصعوبة، «لم يكن ليتحقق لولا ترتيب البيت العربي الداخلي في المقام الأول، وتنسيق العمل العربي المشترك بين القوى المحورية في هذا العمل».
ورأى الحربي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن قمة العلا الخليجية التي شاركت فيها مصر، كان لها أثر بالغ في تنسيق المواقف العربية، وإطلاق نواة لتكتل عربي فاعل تمثل في تكتل (6+3)، والذي يضم الدول الخليجية الست، إضافة إلى مصر والأردن والعراق، وهو ما أسهم بشكل ملحوظ في تعزيز القدرة العربية على مواكبة المتغيرات، والإسهام بجهد نشط في الأزمات المتلاحقة التي يمر بها العالم في هذه الفترة الصعبة.
ويضيف أن «اتجاه القوى العربية الرئيسية نحو التنوع والتوازن والاعتدال في علاقاتهم مع العالم، كان له أكبر الأثر في تعزيز دورهم الدولي، وتأكيد قدرتهم على الإسهام بدبلوماسية نشطة في الكثير من الأزمات الدولية».
ويؤكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن النجاحات التي حققتها الدول العربية الرئيسية مثل السعودية ومصر والإمارات، ويمكن أن نضيف إليها الأردن، خلال الآونة الأخيرة في أزمات دولية محتدمة تؤكد أن القوى العربية تمتلك من الأدوات ما يمكّنها من لعب أدوار أكبر وأكثر عمقاً على الساحة الدولية.
ويضيف فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن الحضور الدولي اللافت لمصر في قمة الأمم المتحدة للمناخ (cop27)، واستضافتها نهاية الشهر اجتماعات اتفاقية «ستارت» بين موسكو وواشنطن، وكذلك الحضور السعودي المميز لولي العهد الأمير محمد بن سلمان في قمة العشرين، واستضافة الإمارات لقمة المناخ المقبلة، عكست جميعاً حجم ما باتت تتمتع به عواصم عربية فاعلة من ثقة على المستوى الدولي، وقدرات مستقبلية للإسهام بجهد أكبر في ظل نظام عالمي يعاني من حالة سيولة واضحة ويُعاد تشكيله الآن، وهو ما يضفي مزيداً من الأهمية على الأدوار العربية لحجز موقع متقدم في أي ترتيبات أمنية واستراتيجية مستقبلية، يجري التباحث بشأنها حالياً بين القوى الكبرى في العالم.
ويتابع أستاذ العلوم السياسية القول إن «هناك حاجة عالمية في ظل الأزمات الشائكة التي يواجهها العالم حالياً، لوجود أدوار متوازنة وحيادية ويمكن التعويل عليها، لا سيما في ظل حالة الارتباك السياسي والتعثر والتشكك في التحالفات التي تعانيها دول أوروبية عدة، وبالتالي تستطيع القوى العربية الرئيسية، التي يمكن تصنيفها ضمن الفاعلين الصاعدين الجدد على مسرح السياسة الدولية، أن يقدموا أدواراً ملموسة في تهدئة واحتواء صراعات دولية محتدمة، وهو ما يسهم في مساعي إرساء الاستقرار إقليمياً ودولياً».
ويرى الدكتور أحمد يوسف أحمد، أستاذ العلوم السياسية، المدير السابق لمعهد البحوث والدراسات العربية، أن النشاط المتسارع للدبلوماسية العربية على الساحة الدولية، «يعكس تقديراً واضحاً لمواقف متوازنة أبدتها السياسة العربية خلال الفترة الأخيرة، في ظل استقطابات دولية واسعة وانقسامات حادة في المواقف، وبالتالي بات الحفاظ على مبدأ (الحياد الإيجابي) مسألة بالغة الصعوبة في بيئة دولية تهيمن عليها الصراعات».
ويضرب يوسف في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» مثالاً بالكثير من المدن الأوروبية التي اشتهرت تاريخياً بالحياد وعدم الانحياز لأطراف الصراعات الدولية، ومنها مدينة جنيف السويسرية، التي كانت عنواناً للحياد وعدم الانخراط في أزمات دولية، لكنّ ذلك تغيَّر في الأزمة الروسية - الأوكرانية الأخيرة، إذ وافقت سويسرا على تطبيق العقوبات الغربية ضد روسيا، وهو ما أفقدها دورها كوسيط مقبول بين قوى التنافس العالمي، وفتح المجال أمام الالتفات لأدوار سياسية مهمة لعواصم يمكن أن تلعب دوراً حيوياً في هذا الصدد، ومنها القاهرة، وإذا ما أضفنا إلى ذلك أدوار لا تقل أهمية قدّمتها الرياض وأبوظبي، فإنه يمكن الحديث عن تحرك عربي فاعل، مرشَّح للتنامي خلال الفترة المقبلة.
ويُعرب يوسف عن أمله في أن تقدم الدول العربية الرئيسية، وبمعاونة جامعة الدول العربية نوعاً من «الدبلوماسية الجماعية»، وهو ما يعتقد أنه سيعزز الحضور العربي على الساحة الدولية كوسيط موثوق، ويتمتع بالجدارة والفاعلية في نزع فتيل الكثير من الأزمات المحتدمة والصراعات المسلحة.


مقالات ذات صلة

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

العالم العربي تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

أعلن النائب التونسي ثابت العابد، اليوم (الثلاثاء) تشكيل «الكتلة الوطنية من أجل الإصلاح والبناء»، لتصبح بذلك أول كتلة تضم أكثر من 30 نائباً في البرلمان من مجموع 151 نائباً، وهو ما يمثل نحو 19.8 في المائة من النواب. ويأتي هذا الإعلان، بعد المصادقة على النظام الداخلي للبرلمان المنبثق عمن انتخابات 2022 وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي برلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية، لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي. ومن المنت

المنجي السعيداني (تونس)
العالم العربي مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

بدأت مصر في مايو (أيار) الحالي، تحريكا «تدريجيا» لأسعار سلع تموينية، وهي سلع غذائية تدعمها الحكومة، وذلك بهدف توفير السلع وإتاحتها في السوق، والقضاء على الخلل السعري، في ظل ارتفاعات كبيرة في معدلات التضخم. وتُصرف هذه السلع ضمن مقررات شهرية للمستحقين من أصحاب البطاقات التموينية، بما يعادل القيمة المخصصة لهم من الدعم، وتبلغ قيمتها 50 جنيهاً شهرياً لكل فرد مقيد بالبطاقة التموينية.

محمد عجم (القاهرة)
العالم العربي «الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

«الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

نفت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا «بشكل قاطع»، دعمها أياً من طرفي الحرب الدائرة في السودان، متوعدة بتحريك دعاوى قضائية محلياً ودولياً ضد من يروجون «أخباراً كاذبة»، وذلك بهدف «صون سمعتها». وأوضحت المؤسسة في بيان اليوم (الاثنين)، أنها «اطلعت على خبر نشره أحد النشطاء مفاده أن المؤسسة قد تتعرض لعقوبات دولية بسبب دعم أحد أطراف الصراع في دولة السودان الشقيقة عن طريق مصفاة السرير»، وقالت: إن هذا الخبر «عارٍ من الصحة». ونوهت المؤسسة بأن قدرة مصفاة «السرير» التكريرية «محدودة، ولا تتجاوز 10 آلاف برميل يومياً، ولا تكفي حتى الواحات المجاورة»، مؤكدة التزامها بـ«المعايير المهنية» في أداء عملها، وأن جُل ترك

جمال جوهر (القاهرة)
العالم العربي طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

أعلن كلّ من الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» تمديد أجل الهدنة الإنسانية في السودان لمدة 72 ساعة إضافية اعتباراً من منتصف هذه الليلة، وذلك بهدف فتح ممرات إنسانية وتسهيل حركة المواطنين والمقيمين. ولفت الجيش السوداني في بيان نشره على «فيسبوك» إلى أنه بناء على مساعي طلب الوساطة، «وافقت القوات المسلحة على تمديد الهدنة لمدة 72 ساعة، على أن تبدأ اعتباراً من انتهاء مدة الهدنة الحالية». وأضاف أن قوات الجيش «رصدت نوايا المتمردين بمحاولة الهجوم على بعض المواقع، إلا أننا نأمل أن يلتزم المتمردون بمتطلبات تنفيذ الهدنة، مع جاهزيتنا التامة للتعامل مع أي خروقات». من جهتها، أعلنت قوات «الدعم السريع» بقيادة م

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي «السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

«السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

في وقت يسارع سودانيون لمغادرة بلادهم في اتجاه مصر وغيرها من الدول، وذلك بسبب الظروف الأمنية والمعيشية المتردية بالخرطوم مع استمرار الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، يغادر عدد من السودانيين مصر، عائدين إلى الخرطوم. ورغم تباين أسباب الرجوع بين أبناء السودان العائدين، فإنهم لم يظهروا أي قلق أو خوف من العودة في أجواء الحرب السودانية الدائرة حالياً. ومن هؤلاء أحمد التيجاني، صاحب الـ45 عاماً، والذي غادر القاهرة مساء السبت، ووصل إلى أسوان في تمام التاسعة صباحاً. جلس طويلاً على أحد المقاهي في موقف حافلات وادي كركر بأسوان (جنوب مصر)، منتظراً عودة بعض الحافلات المتوقفة إلى الخرطوم.


السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.