الراعي يدعو الأمم المتحدة إلى عقد مؤتمر خاص بلبنان

البطريرك صعد مواقفه الرئاسية... ومصادر «كتلة بري» أكدت أن «المشكلة مسيحية ـ مسيحية»

الراعي يعلي سقف المواقف في عظة الأحد (الوكالة الوطنية)
الراعي يعلي سقف المواقف في عظة الأحد (الوكالة الوطنية)
TT

الراعي يدعو الأمم المتحدة إلى عقد مؤتمر خاص بلبنان

الراعي يعلي سقف المواقف في عظة الأحد (الوكالة الوطنية)
الراعي يعلي سقف المواقف في عظة الأحد (الوكالة الوطنية)

صعّد البطريرك الماروني بشارة الراعي من مواقفه حيال استحقاق رئاسة الجمهورية اللبنانية المعطل منذ الفشل في انتخاب خلف للرئيس المنتهية ولايته ميشال عون، رافضاً ما سماه «البدع والفذلكات للتحكم بمسار الاستحقاق»، ومشدداً على أن «الدستور واضح بنصه وروحه بشأن موعد الانتخاب والنصاب». ودعا البطريرك الأمم المتحدة للتحرك وعقد مؤتمر دولي خاص بلبنان «أمام الفشل الذريع بانتخاب الرئيس».
واستدعى موقف البطريرك الماروني الذي جاء في عظة الأحد (أمس)، رداً من مصادر نيابية في كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري، التي أكدت أن «المشكلة مسيحية - مسيحية»، ومن المفتي الجعفري الممتاز أحمد قبلان الذي حذر من «أن المؤتمر الدولي تذويب للسيادة اللبنانية وأن الحل السيادي الإنقاذي يمر بالمجلس النيابي حصراً».
وقال الراعي في عظة الأحد: «كلما وصلنا إلى استحقاق انتخاب رئيس للجمهورية، يبدأ اختراع البدع والفذلكات للتحكم بمسار العملية الانتخابية ونتائجها على حساب المسار الديمقراطي، علماً بأن الدستور واضح بنصه وروحه بشأن موعد الانتخاب، ونصاب انعقاد الجلسات ودوراتها الأولى والتالية، ونصاب الانتخاب». وأضاف: «يتكلمون عن رئيس توافقي. الفكرة مرحب بها في المبدأ، شرط ألا تكون حقاً يراد به باطل، وشرط أن يتم اختيار رئيس حر يلتزم بقسمه والدستور؛ ويكون قادراً على وقف النزاعات وإجراء المصالحات، وشد أواصر الوحدة الداخلية»، موضحاً أن «الرئيس التوافقي بمفهومنا هو صاحب موقف صلب من القضايا الأساسية، وصاحب خيارات سيادية لا يساوم عليها أمام الأقوياء والمستقوين، ولا أمام الضعفاء والمستضعفين، لا في الداخل ولا في الخارج. الرئيس التوافقي هو الذي يحترم الدستور ويطبقه ويدافع عنه، ويظل فوق الانتماءات الفئوية والحزبية، وهي تلتف حوله وتؤيده ويكون مرجعيتها وتطمئن إلى رعايته. ليس الرئيس التوافقي رئيساً ضعيفاً يدير الأزمة، يداوي الداء بالداء، ويداري العاملين ضد مصلحة لبنان، ولا رئيساً يبتعد عن فتح الملفات الشائكة التي هي السبب الأساس للواقع الشاذ السائد في كل البلاد. ولا رئيسَ تحدٍ يفرضه فريقه على الآخرين تحت ستار التفاوض والحوار والتسويات والمساومات، أو يأتون ببديل يتبع سياسة الأصيل نفسها. فيتلاعبون به كخف الريشة، ويسيطرون على صلاحياته ومواقفه، ويخرجونه عن ثوابت لبنان التاريخية، ويدفعونه إلى رمي لبنان في لهيب المحاور».
وتابع الراعي: «الرئيس الذي نريده هو رئيس على مقياس لبنان واللبنانيين، يرفع صوته في وجه المخالفين والفاسدين ومتعددي الولاءات انطلاقاً من موقعه المترفع عن كل الأطراف؛ والذي يقول للعابثين بمصير البلاد: كفوا إساءاتكم عن لبنان، وكفوا عن تعذيب اللبنانيين، وكفوا عن المضي في مشاريع مكتوب لها السقوط الحتمي آجلاً أو عاجلاً؛ لأنها ضد منطق التاريخ، وضد منطق لبنان. الرئيس الذي نريده هو الذي يتحدى كل من يتحدى اللبنانيين ولبنان، والذي يقضي على المساعي الخفية والظاهرة إلى تغيير هوية لبنان الوطنية والتاريخية. مهما كان شكل لبنان الجديد مركزياً أو لا مركزياً، فلن نسمح بالقضاء على خصوصيته وهويته وعلى تعدديته، وعلى كل ما يمثل في هذا الشرق من وطن شكل ملاذاً وطنياً آمناً للمسيحيين كما لسواهم كي يعيشوا بإخاء ورضا ومساواة، وشراكة فيما بينهم في دولة ديمقراطية حضارية. (…) وبقدر ما نحن حاضرون للنضال والكفاح لمنع تغيير وجه لبنان بقيمه وبخصوصيته، فإنا مستعدون أكثر فأكثر للتفاوض والحوار حول تطوير لبنان في إطار الحداثة والعدالة والحياد واللامركزية الموسعة ومقترحات أخرى... إن الرئيس التوافقي المنشود لا يمكن اختياره إلا بالاقتراعات اليومية المتتالية والمشاورات بين سائر الكتل النيابية».
وزاد الراعي: «أمام فشل مجلس النواب الذريع في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، بحيث كانت الجلسات الخمس في مثابة مسرحية - هزلية أطاحت بكرامة الذين لا يريدون انتخاب رئيس للبلاد، ويعتبرون أنه غير ضروري للدولة، ويحطون من قيمة الرئيس المسيحي - الماروني، بالإضافة إلى فشل كل الحوارات الداخلية أو بالأحرى تفشيلها من سنة 2006 حتى مؤتمر إعلان بعبدا سنة 2012. لا نجد حلاً إلا بالدعوة إلى عقد مؤتمر دولي خاص بلبنان يعيد تجديد ضمان الوجود اللبناني المستقل والكيان والنظام الديمقراطي وسيطرة الدولة وحدها على أراضيها استناداً إلى دستورها أولاً ثم إلى مجموع القرارات الدولية الصادرة بشأن لبنان. فإن أي تأخير في اعتماد هذا الحل الدستوري والدولي من شأنه أن يورط لبنان في أخطار غير سلمية ولا أحد يستطيع احتواءها في هذه الظروف».
ورأى الراعي أن «الأمم المتحدة معنية مع كل دولة تعتبر نفسها صديقة لبنان أن تتحرك لعقد هذا المؤتمر. ولقد رأينا أن هذه الدول حين تريد تحقيق شيء تحققه فوراً مهما كانت العقبات، ولنا في سرعة الوصول إلى اتفاق لبناني / إسرائيلي برعاية أميركية حول ترسيم الحدود البحرية والطاقة، خير دليل على قدرة هذه الدول إذا حسمت أمرها».
من جهتها اعتبرت مصادر كتلة بري أنه «إذا كان المطلوب من المؤتمر إنجاز انتخابات رئاسة الجمهورية، فالأولى بهذا الأمر أن يكون داخلياً بين الفرقاء اللبنانيين إلا إذا كان من يريد استدراج لبنان إلى ذلك هو الخارج، علماً بأن معظم هذا الخارج يؤكد أن الاستحقاق لبناني».
وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «المؤتمر الدولي يجب أن يكون آخر العلاجات»، مذكرة أن «المشكلة الأساسية في الانتخابات الرئاسية هي مسيحية – مسيحية»، ومتسائلة: «هل تستطيع بكركي أو أي جهات لبنانية أخرى لعب الدور التوافقي وتوحيد الرؤية والمعايير على الأقل، بدل الذهاب إلى الخارج، لا سيما أن الاستحقاق وإن كان وطنياً إنما هو يعني المسيحيين بالدرجة الأولى؟».
وفي السياق نفسه قال المفتي قبلان إن «الحل السيادي الإنقاذي يمر بالمجلس النيابي حصراً لا بأي مؤتمر دولي». وأضاف في بيان له «لأن أزمة البلد معقدة جداً والعامل الدولي والمحلي مختلطان بشدة والشلل الداخلي بلغ الذروة أقول: من يصنع التاريخ أو يضيعه الكتل النيابية وليس أي كيان آخر، ولبنان الآن رهين الخيارات السياسية للكتل النيابية، والبلد طوائف ومذاهب والشراكة الوطنية والحسم النيابي ضرورة إنقاذية للبنان وتطويب لبنان للخارج ممنوع، والمؤتمر الدولي تذويب للسيادة اللبنانية، وتجريب المطابخ الدولية مرة أخرى نحر للبنان، والحرب الأهلية مثال قريب للعبة الدولية، لذلك الحل السيادي الإنقاذي يمر بالمجلس النيابي حصراً لا بأي مؤتمر دولي، والتخلي عن السيادة اللبنانية أمر مرفوض بشدة، وأزمة الفراغ الرئاسي يجب أن تنتهي على كراسي مجلس النواب لا عبر مطابخ البيع والشراء الدولية، والرئيس المطلوب يجب أن يكون رئيساً توافقياً لكل اللبنانيين وبمقاس مصالح لبنان أولاً، وميزان الرئيس الوطني يكمن بقدرته على أخذ قرارات سيادية بالإنقاذ السياسي والنقدي والنفطي والكهربائي والوطني بعيداً عن بصمات الحصار الأميركي وسوق البيع والشراء».
وأضاف «أقول للبعض: المشروع الدولي يريد بلداً بلا قرار سياسي ووطناً بلا مؤسسات ودولة ممزقة وشعباً متناحراً والكتل النيابية أمام فرصة النهوض بلبنان أو دفعه نحو المجهول، ولن نقبل بالانتقاص السيادي أبداً، والتعويل على الخارج نحر للبنان ولن نقبل بنحر لبنان، والضغط بالشارع تضييع للحلول، ومصلحة المسيحيين والمسلمين بالتوافق الآن قبل غد على رئيس وطني عبر المجلس النيابي وتنفيذ مشروع دولة قوية وشراكة وطنية ومؤسسات دستورية فاعلة بعيداً عن المناشير الدولية التي تتعامل مع لبنان كملعب للصفقات وساحة للتصفيات».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

يحصد الأرواح وينشر الفوضى... سلاح العائلات يؤرق حياة الغزيين

عناصر من شرطة «حماس» في أحد شوارع مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)
عناصر من شرطة «حماس» في أحد شوارع مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)
TT

يحصد الأرواح وينشر الفوضى... سلاح العائلات يؤرق حياة الغزيين

عناصر من شرطة «حماس» في أحد شوارع مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)
عناصر من شرطة «حماس» في أحد شوارع مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)

تواجه العائلات في قطاع غزة خطراً بات يؤرق حياتهم بعد تكرار الاشتباكات العشائرية والعائلية في الأيام والأسابيع القليلة الماضية، والتي يستخدم فيها السلاح بشكل كبير؛ ما تسبب في مقتل العديد من أفراد أطراف الشجارات التي تنشب بمناطق عدة من القطاع.

أحد أخطر المشاهد التي وثقتها كاميرات الغزيين تَمَثَّلَ في إقدام مجموعة مسلحة ترجلت في الخامس عشر من الشهر الحالي، من مركبة «جيب»، وأطلقت النار في اتجاهات عدة بحي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة؛ ما أدى لمقتل شخصين، وإصابة آخرين. ولم يمض سوى أقل من 24 ساعة حتى وقع مشهد آخر في منطقة الكتيبة غرب المدينة، بظهور أفراد عائلة يحملون أسلحة، وأطلقوا النار اتجاه آخرين من عائلة ثانية؛ ما أدى لمقتل شخص على الأقل، بينما وقع حدث ثالث بين عائلتين في خان يونس جنوب القطاع، تسبب بوقوع إصابات.

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» (أرشيفية - رويترز)

وتكررت الشجارات العشائرية والعائلية في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ في شوارع قطاع غزة، وكان في جميعها يستخدم السلاح الخفيف مثل «الكلاشنكوف»، وحتى في بعض الأحيان إلقاء قنابل صوتية أو يدوية، وفي أخرى كان يستخدم السلاح الأبيض، الأمر الذي أودى في بعض الحالات لوقوع قتلى وجرحى.

وفي عديد الحالات، جلبت تلك الشجارات ردود فعل غير محمودة، أدت لإغلاق شوارع وانتشار مسلحين، وإشعال إطارات السيارات، وسط حالة غضب في أوساط الغزيين الذين كانوا يخشون على حياتهم وأطفالهم، خصوصاً في ظل أن بعض العائلات ذهبت لتبني شعارات انتقامية من أخرى.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، إن الشجارات التي يشهدها القطاع هي جزء من حالة الفوضى التي خلقتها إسرائيل خلال الحرب، إلى جانب الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها السكان والتي تفرض واقعاً مختلفاً، مشيراً إلى تعمد إسرائيل استهداف هياكل سلطة القانون سواء سلطة الأمر الواقع أو حتى المجتمع لمنعه من تنظيم نفسه لمواجهة هذه الظاهرة، ولمنع ضبط الأمن والحفاظ على السلم الأهلي.

ويلفت إبراهيم إلى أن المجتمع الفلسطيني بطبعه مجتمع مسلح، وهذا يسهم في زيادة عدد الشجارات، مشيراً إلى أن الوضع سيبقى أكثر خطورة في ظل البطالة والفقر والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة، وظهور بعض الفئات التي تتحكم في العمالة، وكل ذلك يدفع لتعزيز هذه الظاهرة المؤرقة للمجتمع.

مسلحون من «حماس» في مدينة غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ودفع هذا الواقع، بعض النشطاء لتدشين حملة عبر منصات التواصل الاجتماعي، دعت بشكل أساسي إلى تسليم سلاح العائلات ضمن عملية حصر السلاح التي يجب أن تتم وفق «خريطة الطريق» التي وافقت عليها الفصائل الفلسطينية في إطار اتفاق وقف إطلاق النار. وهو أمر بالأساس تنص عليه تلك الخريطة والتي تؤكد على جمع السلاح الخفيف والثقيل من جميع الفصائل والعشائر والجهات المختلفة بالقطاع.

وتقول الناشطة براء لافي لـ «الشرق الأوسط»، إن غالبية الشجارات العائلية تقع في مناطق مكتظة بالسكان، مثل الأسواق الشعبية ومخيمات النازحين، وهذا يؤثر في حياتنا وأطفالنا كنازحين، ونخشى أن نفقد أرواحنا أو أي فرد من أفراد عوائلنا نتيجة هذا العمل الطائش والخطير غير المسؤول.

وأضافت: «ما يحدث أصبح لا يحتمل، ولا يمكن أن نقبل به كثيراً»، داعيةً كل الجهات المسؤولة للتدخل العاجل، ووقف هذه الشجارات، وإنقاذ حياة المواطنين، مؤكدةً أنها مع الدعوات لجمع هذه الأسلحة من العشائر.

مسلحون من «حماس» في شمال قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

وعقد التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية بقطاع غزة، بعد تكرار تلك الحوادث، لقاءً شاملاً بحث فيه سبل مواجهة ظاهرة استخدام السلاح في الشجارات وما يمثله من خطر على السلم الأهلي والنسيج المجتمعي، معلنين في بيان ختامي رفع الغطاء الكامل عن كل من يستخدم السلاح في الشجارات، ودعمها للأجهزة الأمنية المختصة في ملاحقتهم، داعياً الفصائل لتحمل مسؤولياتها برفع الغطاء التنظيمي عن منتسبيها ممن يشاركون في تلك الشجارات، ويستخدمون السلاح لإطلاق النار.

وأعلن التجمع عن أنه سيعمل على إطلاق وثيق شرف مجتمعي تتضمن تجريم استخدام وحمل السلاح في الشجارات العائلية، مؤكداً تمسكه بالسلم الأهلي في مواجهة هذه الظاهرة.

ومع الملاحقة الإسرائيلية المستمرة، لقوات شرطة حكومة غزة التي تقودها «حماس»، باتت حالة السيطرة على واقع الاضطراب الأمني، أكبر في ظل الظروف التي يعيشها السكان في القطاع، إلا أنه وبالرغم من عمليات الاغتيال والقتل التي يمارسها الجيش الإسرائيلي بحق ضباط وعناصر تلك الشرطة، فإنها تحاول باستمرار العمل على ضبط الحالة الأمنية، وهو الأمر الذي أدى لمقتل عدد من عناصرها في غارات جوية استهدفتهم بعد خروجهم لحل تلك الإشكاليات.

عنصران من «حماس» في وسط مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)

وقالت وزارة الداخلية والأمن الوطني بغزة، إنها تقدر حالة التماسك المجتمعي والرفض الشعبي لمظاهر الفوضى، مؤكدةً أنها تبذل جهوداً مضنية لوقفها وتدفع في سبيل ذلك فاتورة باهظة من دماء ضباطها ومنتسبيها الذين يتعمد الاحتلال الإسرائيلي اغتيالهم أثناء القيام بواجبهم في حفظ الأمن الداخلي وحماية السلم الأهلي والمجتمعي.

وأهابت الوزارة، بكافة العائلات والعشائر بتحمل مسؤولياتها والتصدي لمثل هذه الأحداث. مطالبةً الجميع بتحكيم لغة العقل وعدم الانجرار خلف أي شجار أو سوء فهم يتحول إلى تحشيد عائلي واستخدام السلاح الذي يفاقم الحالة بدلاً من تطويقها السريع.

وقالت الوزارة في بيان لها، إن «استخدام السلاح وإطلاق النار في الشجارات العائلية جريمة كبرى، بما يسببه من إزهاق للأرواح وبث للخوف في نفوس المواطنين وترويع للآمنين، وإن المؤسسة الأمنية والشرطية لن تتوانى في اتخاذ كل ما يلزم من إجراءات قانونية حازمة ضد مطلقي النار، ومصادرة السلاح المستخدم بشكل نهائي. ولن نسمح بحال من الأحوال بأية مساعٍ لإحداث الفوضى داخل المجتمع».


عمليات تفجير وتدمير إسرائيلية لـ«تطويع جغرافيا» جنوب لبنان

الدخان يتصاعد من منازل استُهدفت بقذائف دبابات إسرائيلية في قرية ميس الجبل المجاورة وذلك في 21 أغسطس (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من منازل استُهدفت بقذائف دبابات إسرائيلية في قرية ميس الجبل المجاورة وذلك في 21 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

عمليات تفجير وتدمير إسرائيلية لـ«تطويع جغرافيا» جنوب لبنان

الدخان يتصاعد من منازل استُهدفت بقذائف دبابات إسرائيلية في قرية ميس الجبل المجاورة وذلك في 21 أغسطس (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من منازل استُهدفت بقذائف دبابات إسرائيلية في قرية ميس الجبل المجاورة وذلك في 21 أغسطس (أ.ف.ب)

تتواصل في جنوب لبنان عمليات التفجير والتدمير الإسرائيلية بوتيرة متصاعدة، في مشهد ميداني يتكرر يومياً، ويطول المنازل والأحياء والأحراج ومواقع جغرافية عدة، في وقت يستمر فيه القصف المدفعي والغارات والتحليق المكثف للطيران المسيّر. وتتركز العمليات على بلدات وقرى في القطاعين الغربي والأوسط، وسط تدمير واسع للمباني، وتغيير تدريجي لمعالم المنطقة.

تطويع الجغرافيا وفرض واقع ميداني جديد

ويرى العميد المتقاعد والخبير العسكري حسن جوني أن لهذه العمليات «جملة أسباب»، في مقدمها ما يسميها بـ«تطويع الجغرافيا»، موضحاً أن إسرائيل تعمل على «إزالة أي مبنى يمكن لاحقاً أن يُستغل أو يُشكل تهديداً بالنسبة إلى الإسرائيلي، سواء أكان مشرفاً على أراضيهم أم موجوداً في المنطقة».

ويقول جوني لـ«الشرق الأوسط» أن التفجيرات التي تطول الأراضي نفسها تدخل أيضاً في إطار «تغيير الجغرافيا وتطويعها»، عبر القضاء على ميزاتها حتى لا يستفيد منها من سيكون موجوداً فيها لاحقاً، لافتاً إلى أن «حرق الأحراج والأشجار أيضاً يدخل ضمن الهدف نفسه». ويضيف أن «تدمير المباني يهدف كذلك إلى إزالة أي عوائق أمام الرؤية، بحيث لا تبقى هناك مناطق تعوقها، أو مبانٍ قد تُشكل عائقاً أمامهم لاحقاً بعد الانسحاب».

دبابة إسرائيلية تسير في منطقة وادي السلوقي كما تظهر من قرية شقرا في جنوب لبنان بتاريخ 21 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

معاقبة بيئة «حزب الله»... والدولة اللبنانية

أما السبب الآخر، وفق جوني، فيرتبط بـ«معاقبة بيئة (حزب الله) عبر التفجير والتدمير»، مشيراً إلى أن «هذه المباني لم يعد فيها أسلحة ولا عناصر لـ(حزب الله)»، ومن ثم، فإن استمرار تفجيرها «بات مثل مسلسل يومي» يحمل، برأيه، طابع «المعاقبة الجماعية للبيئة التي دعمت المقاومة و(حزب الله)»، في محاولة لـ«قتل هذه الفكرة» عبر إظهار نتائج هذا الدعم للسكان.

وعلى المستوى الاستراتيجي، يرى جوني أن الهدف يتصل أيضاً بـ«الدولة اللبنانية»، من خلال «القضاء على كل مقومات الحياة» بما يُعقّد إمكانية العودة «لسنوات طويلة»، حتى في حال حصول انسحاب إسرائيلي.

ويشير إلى أن ذلك قد يفتح المجال أمام مطالبات أو مشروعات مستقبلية من قبل تل أبيب تتعلق بـ«إقامة مناطق اقتصادية»، بحيث تصبح الأرضية مهيأة لمشروعات من هذا النوع.

ويضيف أن بعض التفجيرات ترتبط بما هو موجود «في باطن الأرض»، وتهدف إلى القضاء على البنية التحتية التابعة لـ«حزب الله»، مشيراً إلى أن مناطق مثل المنصوري ومجدل زون تمثل «مفتاحاً جغرافياً وممراً في المنطقة»، ويُعتقد بوجود أنفاق وبنى تحتية فيها، إلى جانب منطقة علي الطاهر.

غارات وتفجيرات وقصف مدفعي في الجنوب

ميدانياً، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي صباحاً غارتين على مرتفع علي الطاهر عند الأطراف الشمالية لبلدة النبطية الفوقا، بعد سلسلة غارات ليلية استهدفت المرتفع نفسه وحي الدير في النبطية الفوقا، إضافة إلى منطقة الدبشة وأطراف زوطر ـ دير سريان ومشاع المنصوري.

جنود إسرائيليون يقومون بدورية في منطقة وادي السلوقي (إ.ب.أ)

ونفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيرات في بلدات كفر تبنيت وأرنون وطلوسة، فيما نفّذ تفجيراً كبيراً لعدد من المنازل في منطقة حوشين عند الأطراف الغربية لمدينة ميس الجبل، بالتزامن مع استهداف أطراف البلدة بالقصف المدفعي.

وفي خراج بلدة صربين، أقدمت محلّقة إسرائيلية على إلقاء قنبلة باتجاه أحد الرعاة، من دون تسجيل إصابات.

وفي القطاع الغربي، شهدت بلدات المنصوري ومجدل زون وبيوت السياد ليلاً عمليات تفجير واسعة، ترافقت مع قصف مدفعي مركز امتد حتى ساعات الفجر. وحسب المعطيات الميدانية، طالت عمليات التفجير عدداً كبيراً من المنازل في هذه البلدات، في وقت أفيد بأن بيوت السياد لم يبقَ فيها منزل واحد من دون تدمير.

كما طالت عمليات التفجير بلدات حداثا وبيت ياحون وعيتا الجبل، بالتزامن مع عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه الأودية المجاورة، وسط تحليق متواصل للطيران المسيّر في أجواء قرى وبلدات القطاعين الغربي والأوسط.

وفيما ترددت معلومات عن استخدام صواريخ ارتجاجية خلال الغارات، واصل الطيران المسيّر الإسرائيلي التحليق فوق الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت.


سوريا تندد بـ«انتهاك صارخ للسيادة» بعد غارة إسرائيلية على بيت جن

دبابة إسرائيلية تسير على طول خط وقف إطلاق النار بين مرتفعات الجولان المحتلة وسوريا (رويترز)
دبابة إسرائيلية تسير على طول خط وقف إطلاق النار بين مرتفعات الجولان المحتلة وسوريا (رويترز)
TT

سوريا تندد بـ«انتهاك صارخ للسيادة» بعد غارة إسرائيلية على بيت جن

دبابة إسرائيلية تسير على طول خط وقف إطلاق النار بين مرتفعات الجولان المحتلة وسوريا (رويترز)
دبابة إسرائيلية تسير على طول خط وقف إطلاق النار بين مرتفعات الجولان المحتلة وسوريا (رويترز)

ندّدت سوريا السبت بغارة إسرائيلية أدّت إلى إصابة شخص جنوب دمشق، معتبرة أنها «انتهاك صارخ للسيادة»، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف «إرهابياً» في المنطقة، وذلك بعد أيّام من إعلان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أنه لن يسمح بـ«ترسيخ» التهديدات على الحدود.

وقالت وزارة الخارجية السورية في بيان إن «هذا الاعتداء يشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة» سوريا «وسلامة أراضيها»، محملةً «الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذه الاعتداءات المتكررة».

وأفاد التلفزيون السوري الرسمي بـ«إصابة مواطن باستهداف مسيّرة للاحتلال الإسرائيلي سيارة في بلدة بيت جن بريف دمشق».

وأعلن الجيش الاسرائيلي من جهته أن قواته أطلقت النار «في جنوب سوريا على إرهابي كان وصل إلى مراحل متقدمة في التحضير لهجمات إرهابية».

وأضاف في بيان «أن النشاط الإرهابي شكل خطراً مباشراً» على القوات الاسرائيلية.

وقال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، الأربعاء، خلال تفقد قواته في منطقة أمنية تحتلها إسرائيل في جنوب سوريا: «نحن نراقب التغيرات على الجبهة السورية، ولن نسمح لقوات معادية بأن تُرسخ وجودها على حدودنا، وسنعرف كيف نستخدم قدراتنا العملياتية بدقة في الزمان والمكان المناسبين».

وعقب إطاحة بشار الأسد في ديسمبر (كانون الثاني) 2024، شنّت القوات الإسرائيلية مئات الضربات الجوية على سوريا تركزت على أهداف عسكرية، قالت إن هدفها الحؤول دون استحواذ السلطات الجديدة على ترسانة الجيش السابق.

وتوغلت قواتها تباعاً خارج المنطقة العازلة في هضبة الجولان التي تحتل أجزاء منها منذ عام 1967، إذ أعلنت عزمها إقامة منطقة منزوعة السلاح. ويكرر مسؤولون إسرائيليون أن قواتهم لا تنوي الانسحاب من هناك.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، قتل 13 شخصاً بنيران إسرائيلية في جنوب سوريا، وفق حصيلة رسمية، خلال عملية توغل نفذها الجيش الإسرائيلي، ووصفتها دمشق بـ«جريمة حرب». وأصيب ستة جنود إسرائيليين كذلك في تبادل إطلاق النار حينها.

واتهمت سوريا والولايات المتحدة، إسرائيل، بقصف مطار عسكري في شمال غرب سوريا هذا الأسبوع، بينما لمح مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضمنياً إلى مسؤولية الدولة العبرية.

وجاء في بيان لمكتب رئيس الحكومة: «اتفقت إسرائيل وسوريا على وضع قائم في المسائل الأمنية، وكانت سوريا على وشك خرقه من خلال الموافقة على انتشار قوات تركية في قاعدة جوية قرب حلب». ونفت أنقرة أي حضور لقواتها في الموقع.