أماني فوزي حبشي: الترجمة حياة جديدة للنص الأصلي في لغة أخرى

المترجمة المصرية قدمت ترجمات متنوعة من الأدب الإيطالي

المترجمة أماني فوزي حبشي
المترجمة أماني فوزي حبشي
TT

أماني فوزي حبشي: الترجمة حياة جديدة للنص الأصلي في لغة أخرى

المترجمة أماني فوزي حبشي
المترجمة أماني فوزي حبشي

تحرص المترجمة المصرية، الدكتورة أماني فوزي حبشي، على تنوع اختياراتها واتساع روافدها، في ترجمة الأدب الإيطالي إلى العربية، فلم يقتصر ذلك على كتابه المعروفين، مثل إيتالو كالفينو، وأومبرتو إيكو، وغيرهما؛ بل ترجمت لأسماء جديدة يتعرّف القارئ العربي عليها للمرة الأولى، منها دومينيكو ستارنونه، وآليتشه كابالي، وغيرهما من كُتاب معاصرين. ونالت أماني فوزي حبشي الجائزة الوطنية الإيطالية للترجمة عام 2003، لإسهاماتها في نشر الثقافة الإيطالية، وحصلت على نجمة التضامن الإيطالي، رتبة فارس، عام 2004.
هنا حوار معها حول اختياراتها في الترجمة، ورؤيتها للأدب الإيطالي المعاصر في سوق النشر العربية.

> تحرصين على تقديم أسماء أدبية إيطالية جديدة للقارئ العربي. بجوار ما قدمت لنجوم هذا الأدب، مثل أومبرتو إيكو وإيتالو كالفينو، كيف تنظرين لمسألة تقديم أسماء جديدة؟ هل ثمة مغامرة في تلك؟ أم تعتبرينها من ركائز مشروعِك؟
- أعتقد أن متابعة إنتاج الأسماء الجديدة هي أساسية للتعرف على التطور في الحركة الأدبية في لغة ما، وهي جزء أساسي من عمل المترجم.
في الحقيقة، ما يدفعني لاختيار أي رواية في البداية هو موضوعها، وأيضاً تقنيات السرد، وخصوصاً لو جديدة، بعدها لا أهتم كثيراً إذا كانت الرواية هي الأولى التي تُرجمت للمؤلف أم لا. الأمر يتعلق أيضاً بأوضاع النشر في العالم العربي، فعلى الرغم من زيادة أعداد دور النشر في الفترة الأخيرة، فإن أغلبها يميل إلى نشر الروايات القديمة، رغبة في تجنب مستحقات حقوق التأليف. ولكن في الفترة الأخيرة بدأ الاهتمام بالأدب الإيطالي المعاصر، وساعد على ذلك أيضاً المِنح الواردة من وزارة الخارجية الإيطالية، والداعمة لمشروعات الترجمة.
> في ترجمتك الجديدة لرواية «إلا أننا نسقط سعداء»، ثمة هامش يجمعك في حوار مع مؤلفها إنريكو جاليانو، نُشر في نهاية الترجمة. حدثينا عن قصة هذا الحوار.
- في الحقيقة، الحوار قامت به جهة النشر الإيطالية، وألحقته بالنص، وقمت بترجمته فقط. ربما اختلط الأمر على دار النشر فوضعت اسمي. أرجح أن ذلك حدث لأنني تحدثت بالفعل مع المؤلف، وغيّرنا عبارتين ربما لن تجيزهما الرقابة، فقررنا الوصول إلى بدائل معاً، ووضعت ما يفيد هذا المعنى في بداية النص. إلا أن فكرة إلحاق حوار مع المؤلف بالنص، أصبح «صيحة» جديدة في الروايات الإيطالية، وإن كان هذا لا ينطبق على جميع دور النشر بالتأكيد، ولكني لاحظت ذلك في أكثر من رواية ترجمتها في الفترة الأخيرة. فإذا لم يكتب المؤلف شيئاً عن ملابسات كتابة الرواية، أو خاتمة، أو تعقيباً عليها، وُضع حوار له لتوضيح الفكرة، ومد القارئ -وربما أيضاً وسائل الإعلام- بالمعلومات عن الرواية وظروف كتابتها.
> حققت ترجمتك لرواية «أربطة» لدومينيكو ستارنونه اهتماماً من جانب القارئ العربي. برأيك، هل أتاحت مساحة المشاعر الإنسانية والعائلية المعقدة في الرواية حالة من ألفة القراءة؟
- برأيي، «أربطة» رواية ذكية جداً، فتقسيمها إلى أصوات الشخصيات بالطريقة التي أبدعها ستارنونه أفسحت للقارئ مكاناً بداخلها. فهناك من تعاطف مع الزوجة، ومن رأى نفسه في الزوج، وبرر له تصرفاته، بالإضافة إلى التعاطف الكبير مع الابنين وما حل بهما. ثم إنه يكتب الرواية بمنأى عن الإدانة، فقد منح لكل شخصية صوتها الذي به تعبر عن نفسها، أولاً الزوجة، ثم الزوج، وصولاً إلى الابن والابنة في الجزء النهائي، بعد أن تابعنا طفولتهما وكيف كانا. وعلى الرغم من عدم ذكرهما كثيراً في الجزأين الأول والثاني، فإنهما كانا في آن واحد سلاح الأم، وأحد الأسباب الرئيسية لتطور القصة، وأهم شاهدين على ما حدث. ربما تلك الزوايا المختلفة من الطرح هي التي منحت لعدد كبير من القراء -على الرغم من التفاوت في الأذواق- ذلك النوع من الألفة مع النص.

> على الرغم من أن رواية «لن نقدم القهوة لسبينوزا» هي الأولى لكاتبتها آليتشه كابالي، فإنها حققت احتفاء بين الجمهور والنقاد في إيطاليا. ما انطباعك عنها خلال ترجمتك لها إلى العربية؟
- كان الكتاب بالنسبة لي مدخلاً مهماً للاطلاع على بعض المذاهب الفلسفية، بالتأكيد من خلال محاولة التعرف على الأسماء المطروحة في الرواية، ولكن أيضاً قدمتها المؤلفة بطريقة ذكية جداً، فالبروفسور في الرواية يحاول ربط الفلسفة بالحياة والتصرفات اليومية، وكيف يمكن للفلسفة والمعرفة عموماً دفعنا إلى تغيير طريقة تفكيرنا ومراجعة حياتنا وما نعيشه؛ بل أحياناً اتخاذ قرارات لم يكن من السهل علينا اتخاذها.
الأحداث ربما تبدو بسيطة، ولكن في الرواية عمق وبعد إنساني في عرض العلاقات، والأحداث تدفع إلى التأمل، وربما النظر لحياتنا العادية بطريقة مختلفة.
> يقول كثيرون إن النص الأصلي يفقد من جوهره مهما بلغت دقة الترجمة. هل تتفقين مع هذا الرأي؟ هل ثمة مواءمات لغوية وأسلوبية تقومين بها، ليصل النص بشكل سلس للقارئ العربي؟
- النص يكتسب حياة جديدة خلال الرحلة من بلده ولغته إلى لغة وبلد آخرين، ولهذا لا أظن أنه يفقد جوهره، والدليل على ذلك نجاح بعض النصوص في نسختها المترجمة أكثر من نجاحها في اللغة الأصلية.
يقول أومبرتو إيكو في كتابه عن الترجمة: «أن تقول الشيء نفسه تقريباً»: «إن الترجمة هي عملية تفاوض مستمرة، إذ يتحتم على المترجم أن يتفاوض مع الحضور المهيمن للنص المصدر، ومع الصورة التي لا تزال غير محددة للقارئ الذي يترجم له، وأحياناً عليه أن يتفاوض مع الناشر، فضلاً على فهم المترجم للسياق التاريخي والإطار الحضاري الذي أوجد النص، إلى جانب حوارات ذهنية مستفيضة يخوضها المترجم مع الثقافة التي أنتجت النص الأصلي، وكذلك مع الثقافة التي سيذهب إليها النص المترجم. هذا التفاوض المتعدد الأوجه والأطراف، هو الذي يقود، في النهاية إلى تحديد خيارات المترجم، من ناحية التأويل والحذف والإضافة والتعديل، ونقل ظلال الكلمات وحرارة العبارات في الأصل، فعملية الترجمة محمّلة بخصوصيات دلالية وجمالية، تجعل منها، لا مجرد نقل؛ بل (محاولة إبداعية) أخرى موازية للنص الأصلي».
فالتفاوض إذن عملية ضرورية. في روايتَي «لن نقدم القهوة لسبينوزا» و«في عمق البحر؛ حيث لا يُلمس الأرض»، ونظراً للجوء المؤلفين كثيراً للدعابة من خلال اللعب بالكلمات المتشابهة في النطق أحياناً، حاولت بطرق كثيرة أن أوظف اللغة والهوامش لتصل الدعابة بشكل ما للقارئ. وأكثر ما يسعد المترجم أن يعبر القارئ له عن أن نبرة النص أيضاً وصلت إليه، وليس مجرد المعنى.

ومشكلة أخرى تحتاج لنوع خاص من التفاوض، هي استخدام اللهجات في النص، أحياناً يضطر المترجم (إلى العربية أو غيرها حسبما اطلعت عليه من ترجمات لروايات إيطالية إلى الإنجليزية) إلى التخلي تماماً عن محاولة العثور على بدائل، واستخدام لغة موحدة للنص كله، وبالتالي يفقد النص إحدى الميزات وإن كان لا يفقد جوهره بالتأكيد.
> خضتِ تجربة صفحة «المقهى الثقافي الإيطالي» قبل سنوات، فما الغرض منها؟ وهل لمستِ حالة من التواصل بين القراء والمقهى وما يقدمه؟
- جاءت فكرة المقهى من محاولة عمل بيبليوغرافيا للأعمال الإيطالية المترجمة، والتعريف بالمترجمين الشباب، والتعارف بين المترجمين من مختلف الدول العربية، والتعريف بهم أيضاً.
يتواصل القراء مع الصفحة من خلال التعليق على ما ننشره، أو طلب معلومات عن كتب معينة لا يستطيعون العثور عليها، أو الاستفسار عن أماكن بيع الترجمات التي نشارك خبر صدورها. أحياناً يراسلنا بعض الناشرين للحصول على وسيلة للتواصل مع بعض المترجمين، والبعض يرسل لنا مقالاته أو ما كتبه على موقعه لنشاركه على الصفحة. وأطرف شيء هو سؤال البعض عن عنوان المقهى للذهاب إليه!
> هل يمكن أن يتخلى المترجم المحترف في اختياراته عن ذائقته الأدبية الخاصة، في مقابل الإنتاج والنشر؟
- أعتقد أن الذائقة الأدبية تتطور مع القراءات المختلفة والكثيرة. وأحياناً لا يفكر المترجم في ذائقته فقط، ولكن في ذائقة القارئ أيضاً. فأنا أعمل من مبدأ أن ذائقتي الخاصة محدودة وتخصني، ولا بد من النظر إلى ما يعجب القارئ الإيطالي أيضاً، وما نال إعجاب النقاد، والذي ربما يستحق أن يطّلع عليه القارئ العربي.
تظهر ذائقتي كقارئة فيما أختاره من أعمال، ربما لم تنل نجاحاً كبيراً في إيطاليا، ولكن أرى أنها ستحظى بقبول في العالم العربي، ربما من منطلق أنها تناسب ما يحدث فيه، تكشف وتعري وتُنطق المسكوت عنه، وتتناول موضوعات نحتاجها ولكن لا نجرؤ على تناولها أحياناً.
> في تقديرك، إلى أي مدى تستوعب الترجمة العربية حالياً اتجاهات الإنتاج الأدبي المعاصر في إيطاليا؟
- الإنتاج الأدبي المعاصر في إيطاليا غزير وغني إلى درجة كبيرة، ولكن طبعاً حجم ترجمته مقارنة مثلاً بما يترجم من الإنجليزية ضئيل جداً. ولكن في الفترة الحالية الوضع أفضل بكثير مما كان عندما بدأت الترجمة في التسعينات، وبدأت دور النشر العربية تلتفت للأدب الإيطالي بصورة أفضل في الفترة الأخيرة. وكما ذكرت، يعود هذا أيضاً لدعم إيطاليا من جهتها مادياً لحركة ترجمة أعمالها.
> هل تمنحكِ الترجمة هامشاً من الاستمتاع بها وسط ما تنطوي عليه من إشكاليات، غير مشاغل الحياة اليومية؟
- بالنسبة لي الترجمة عمل ممتع في كل وقت، على الرغم من متاعبها. فكما ذكرت من قبل: مشاركة ما قرأته وأعجبني مع آخرين من خلال ترجمته لهم، بمثابة إعداد ومشاركة وجبة جيدة مع أصدقاء. لكن الترجمة تفتح لنا آفاق المعرفة، فأحياناً لترجمة كتاب واحد أجد نفسي أقرأ كثيراً من الكتب الأخرى؛ بل أحيانا أشاهد أفلاماً وأسمع أغاني اقترحها عليَّ النص. والأهم من كل هذا المترجم يتطور مع كل كتاب يترجمه، من خلال قراءة النص مع آخرين (محررين، ومدققين لغويين) فالتعلم يحدث بشكل دوري ومستمر. وبالنسبة لي، أجد في التعلم متعة كبيرة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

غي مانوكيان يُعيد صياغة موسيقى نشرة «إل بي سي آي» بروح حديثة

وضع مقطوعة موسيقية حديثة لنشرة أخبار «إل بي سي آي» (غي مانوكيان)
وضع مقطوعة موسيقية حديثة لنشرة أخبار «إل بي سي آي» (غي مانوكيان)
TT

غي مانوكيان يُعيد صياغة موسيقى نشرة «إل بي سي آي» بروح حديثة

وضع مقطوعة موسيقية حديثة لنشرة أخبار «إل بي سي آي» (غي مانوكيان)
وضع مقطوعة موسيقية حديثة لنشرة أخبار «إل بي سي آي» (غي مانوكيان)

في خطوة فنّية جديدة لم يسبق أن خاضها، وضع الموسيقي غي مانوكيان موسيقى نشرة أخبار تلفزيون «إل بي سي آي». وهي مقطوعة تمتدّ لـ3 دقائق، بدأت المحطة اعتماد مقتطفات منها مؤخراً.

وعلى عكس مذيعي الأخبار الذين يتبدّلون بين آونة وأخرى، تحافظ الموسيقى الخاصة بالنشرات على هويتها لسنوات طويلة، ونادراً ما يطرأ تغيير على ملامحها. وهذا الثبات يخلق علاقة وثيقة بينها وبين نداء غير مباشر يدعو المتفرِّج إلى ترك ما بين يديه، والجلوس أمام الشاشة بمجرّد أن تتردَّد نغماتها.

ومنذ عام 2013 تعتمد «إل بي سي آي» موسيقى ثابتة لنشرة أخبارها، تحوَّلت مع الوقت إلى عنوان افتتاحي يرافق كلّ نشرة. وقرَّرت المحطة مؤخراً تحديث استوديوهات الأخبار، والموسيقى الخاصة بها، فكلَّفت غي مانوكيان بهذه المهمّة.

أدخل آلات موسيقية حديثة إلى العمل (غي مانوكيان)

ويروي مانوكيان كيفية تنفيذه المقطوعة قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «أنجزتها منذ نحو 3 أشهر، وشعرتُ بمسؤولية كبيرة خلال العمل عليها. فموسيقى نشرة الأخبار تختلف تماماً عن غيرها، إذ تُمثّل هوية المؤسسة، وذاكرتها، وتاريخها، لذلك كان عليَّ أن أجدّدها مع الحفاظ على روحها».

واستطاع مانوكيان مقاربة هذه المهمّة مستعيناً بما تختزنه نشرة أخبار «إل بي سي آي» من رصيد لدى الجمهور، فنسج مقطوعة تجمع بين الحداثة، والرصانة، وتحاكي في آنٍ واحد ذاكرة المُشاهد، وتطلّعاته.

فالإبقاء على القديم مع إجراء تعديلات عليه تطلَّبا منه المزج بين الحنين والتطلُّع إلى المستقبل. وقال: «كان يجب أن يشعر المُشاهد بالتجديد من دون أن يفقد علاقته بالنشرة التي اعتادها، فهي بمثابة قصة ثقة تولد على مرّ السنوات، ولا يمكن كسرها، أو تشويهها».

ويتابع: «أسوةً بغيري من اللبنانيين، تربّيتُ مع هذه الشاشة، وأعدُّ نفسي ابنها، لا سيما أنها شكّلت داعماً للفنّ منذ بداياتها. وما أسهم في تكوين فكرة المقطوعة بصيغتها الجديدة هو بساطة النغمة القديمة، إذ اتّجهت إلى بناء تركيبة أكثر تعقيداً».

ويشير إلى أنه استعان بعدد من الآلات الموسيقية لتلوين القالب الفنّي الجديد، موضحاً: «اعتمدتُ على الآلات الإلكترونية إلى جانب الغيتار، والدرامز، كما عملتُ على تسريع النغمة المتكررة من دون إحداث تغيير جذري، فجاءت حماسية، وإيجابية، وتوحي بأخبار تحمل قدراً من التفاؤل». وأضاف: «المقطوعة تحمل ذاكرة جماعية، مع التركيز على الثقة القائمة بين المشاهد والمؤسّسة».

ويكشف مانوكيان أنه ألَّف مقطوعتين مختلفتين، إحداهما تُعيد الموسيقى القديمة بتوزيع حديث، والأخرى جديدة بالكامل لجهة التركيبة، والطابع: «نصحتُ بالإبقاء على النسخة المطوَّرة من الموسيقى القديمة، حفاظاً على هوية النشرة، وهو ما اختارته المحطة».

ويصف هذه التجربة بأنها أضافت إلى مسيرته، مشيراً إلى أنه حظي بمساحة للعمل وفق رؤيته الفنّية. وقال: «عندما نعمل مع مؤسّسة إعلامية تمثّل جزءاً من تاريخ لبنان الحديث، نشعر بثقل المسؤولية، وقد ساعدني استخدام آلات عصرية على تحقيق الاختلاف المطلوب».

يُحضّر لألبوم موسيقي يتألَّف من 13 مقطوعة سيمفونية (غي مانوكيان)

من ناحية أخرى، يستعدّ مانوكيان لإطلاق ألبوم موسيقي جديد يقترب فيه من الطابع السيمفوني، ويضمّ 13 مقطوعة بالتعاون مع أوركسترا ياريفان الوطنية. ومن المتوقَّع أن ينجز العمل مطلع صيف 2026، على أن يصدر قبل عام 2027.

وعن التأليف في ظلّ الظروف التي يشهدها لبنان، يقول: «من الصعب ممارسة التأليف في هذه الأوضاع. فالموسيقى لغة سلام، ونحن نعيش حالة من عدم الاستقرار منذ السبعينات. أحاول إبراز وجه لبنان الثقافي، ورغم تأثير الحرب في الفنان، أصرُّ على الاستمرار، وعدم التوقُّف».


رواد «أرتميس 2» يوثّقون الأرض من الطريق إلى القمر: «تبدين مذهلة»

الأرض تلمع في العتمة وتُعيد تعريف معنى البُعد (ناسا)
الأرض تلمع في العتمة وتُعيد تعريف معنى البُعد (ناسا)
TT

رواد «أرتميس 2» يوثّقون الأرض من الطريق إلى القمر: «تبدين مذهلة»

الأرض تلمع في العتمة وتُعيد تعريف معنى البُعد (ناسا)
الأرض تلمع في العتمة وتُعيد تعريف معنى البُعد (ناسا)

أرسل رواد الفضاء الأربعة في مهمة «أرتميس 2» إلى القمر الصور الأولى للأرض. وقال رائد الفضاء في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، فيكتور غلوفر، من الكبسولة «أوريون»: «أنتِ تبدين مذهلة. أنتِ تبدين جميلة».

ويُعدّ غلوفر وزميلاه الأميركيان، كريستينا كوتش وريد وايزمان، إلى جانب رائد الفضاء الكندي جيرمي هانسن، أول بشر يُسافرون إلى القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وانطلق رواد الفضاء الأربعة، الأربعاء الماضي، على متن الكبسولة «أوريون» باستخدام صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» من ميناء كيب كانافيرال الفضائي في ولاية فلوريدا الأميركية.

وذكرت «وكالة الأنباء الألمانية» أنه بعد نحو 24 ساعة، غادروا مدار الأرض باستخدام مناورة خاصة. وبعد مرور 24 ساعة أخرى تقريباً، أتموا نحو نصف الرحلة إلى القمر. وخلال هذا الوقت، أجرى رواد الفضاء عدداً من الاختبارات العلمية، والمَهمّات التدريبية.

ومن المقرَّر أن تستمر مهمة «أرتميس 2» نحو 10 أيام، وتشمل تحليق رواد الفضاء الأربعة حول القمر. ومن خلال هذه المهمة، سيصلون إلى مسافة أبعد عن الأرض من أيّ إنسان قطعها من قبل.

وكانت «أبولو 8» أول مهمّة فضائية تحمل بشراً إلى القمر، ثم تعيدهم إلى الأرض. وعلى غرار مهمّة «أرتميس 2»، لم يهبط طاقم تلك الرحلة على سطح القمر، بل داروا حول جانبه الخلفي قبل العودة إلى الأرض.

وقد أمضى رواد الفضاء فرانك بورمان، وجيمس لوفيل، وويليام أندرس نحو 20 ساعة في الدوران حول القمر قبل التوجُّه عائدين إلى الأرض. واستغرقت المهمّة بأكملها ما يزيد قليلاً على 6 أيام، قبل أن يهبط الطاقم في مياه المحيط الهادئ.

هناك... نرى الأرض كما لو أننا نكتشفها للمرة الأولى (ناسا)

ومن المُنتظر أيضاً أن يُسجّل رواد «أرتميس 2» إنجازات تاريخية، فإلى جانب ريد وايزمان، قائد المهمّة التابعة لـ«ناسا»، تصبح كريستينا كوتش أول امرأة تذهب إلى القمر، وفيكتور غلوفر، الطيار التابع لـ«ناسا»، أول رجل أسود يذهب إليه أيضاً. وكذلك زميلهما جيرمي هانسن، رائد الفضاء في وكالة الفضاء الكندية، يصبح أول شخص غير أميركي يُحقّق هذا الإنجاز.


«أكتر من أي وقت»... جسرٌ موسيقيّ تمُدّه «أنغامي» بين العرب

مجموعة من الفنانين العرب المشاركين في أغنية «أكتر من أي وقت» (أنغامي)
مجموعة من الفنانين العرب المشاركين في أغنية «أكتر من أي وقت» (أنغامي)
TT

«أكتر من أي وقت»... جسرٌ موسيقيّ تمُدّه «أنغامي» بين العرب

مجموعة من الفنانين العرب المشاركين في أغنية «أكتر من أي وقت» (أنغامي)
مجموعة من الفنانين العرب المشاركين في أغنية «أكتر من أي وقت» (أنغامي)

منذ تترات مسلسلات رمضان وعدّاد الإصدارات الغنائية متوقّف. وفي وقتٍ كان ينتظر الفنانون عيد الفطر ليُصدروا جديدهم الموسيقي، شكّل هذا العام استثناءً، حيث تَقدّم دويّ الحرب على الإيقاعات، والنغمات.

أمام الواقع المستجدّ الذي وضع الفن في خانة الكماليّات، جاءت منصة «أنغامي» لتُذكّر بأنّ الموسيقى حياة في وجه الموت. ورغم تقطّع الأوصال، اختصرت المنصة العربية للبث الموسيقي المسافات جامعةً 7 أصواتٍ متعدّدة الجنسيات، وموحّدة حول عنوانٍ واحد هو «أكتر من أي وقت».

تجمع الأغنية 7 فنانين هم: سليم عساف من لبنان، وأصيل هميم من العراق، وبدر الشعيبي وسلطان خليفة من المملكة العربية السعودية، وعبد العزيز لويس من الكويت، وجابر التركي من البحرين، وغالية من سوريا. أما اللحن، والكلام، فلسليم عسّاف الذي أوضح أنّ «الموسيقى في هذه اللحظة المفصليّة يجب ألا يُنظر إليها على أنها مجرّد مجموعة نغمات، وإنما هي الذاكرة الجماعيّة، وشعلة الأمل اللتان تجمعان ما بين الشعوب العربية أكثر من أي وقت».

تُعَدّ أغنية «أكتر من أي وقت» إنتاجاً عابراً للحدود، وقد كان «الإجماع على المشاركة فورياً من قِبَل الفنانين»، على ما يؤكد عساف.

«أكتر من أي وقت نحنا بحاجة لبعض... خلّي صوتك مع صوتي ت تسمع كل الأرض»؛ معاني الصمود، وتغليب لغة التواصل على التفرقة ترجمها المغنّون من خلال نصٍ يمزج ما بين اللهجتَين الشاميّة، والخليجيّة. مع العلم بأنه جرى تطوير العمل خلال فترة زمنية قصيرة، وقد سُجّل في مواقع متعدّدة بمبادرة ذاتية من الفنانين، وبدعم من «أنغامي» التي ذلّلت المسافات، وأتاحت لكل فنان أن يضيف صوته ورؤيته الخاصة التي تتماهى والمنطقة الآتي منها.

يعلّق إدي مارون، الشريك المؤسس لـ«أنغامي»، في هذا السياق قائلاً: «(أكتر من أي وقت) تذكير بأثر الموسيقى القويّ، وبقدرتها على اختصار المسافات، والجمع بين الناس». ويضيف مارون: «ما يمنح هذا المشروع قوته الحقيقية هو أنه ينبع من رغبة الفنانين أنفسهم في التعبير عن مشاعرهم الصادقة في هذه المرحلة».

يرافق الأغنية فيديو مصوّر يوثّق أداء الفنانين خلال التسجيل، إضافةً إلى مشاهد واقعية من تفاصيل الحياة اليومية في المنطقة، تعكس روابط الألفة الإنسانية التي تجمع بين البشر. وليست هذه المرة الأولى التي تختصر فيها «أنغامي» المسافات عبر الموسيقى، أو تضيء على القضايا الإنسانية من خلال الإنتاجات الغنائية، ففي رصيد المنصة مشاريع فنية عدة امتدّت جسوراً بين الشعوب العربية خلال لحظاتٍ مفصلية.