هالة تشرشل والألوان الزاهية تجذب المزيد من المعجبين نحو فنه

لجأ تشرشل للرسم بعد الحرب العالمية الأولى، وكتب «لقد أنقذني الرسم في وقت عصيب جداً من حياتي» (غيتي)
لجأ تشرشل للرسم بعد الحرب العالمية الأولى، وكتب «لقد أنقذني الرسم في وقت عصيب جداً من حياتي» (غيتي)
TT

هالة تشرشل والألوان الزاهية تجذب المزيد من المعجبين نحو فنه

لجأ تشرشل للرسم بعد الحرب العالمية الأولى، وكتب «لقد أنقذني الرسم في وقت عصيب جداً من حياتي» (غيتي)
لجأ تشرشل للرسم بعد الحرب العالمية الأولى، وكتب «لقد أنقذني الرسم في وقت عصيب جداً من حياتي» (غيتي)

لم يكن يخطط ونستون تشرشل، الذي جعلت عزيمته المتقدة الكثيرين يعدّونه زعيماً ملهماً وأصيلاً، وإن لم يكن مثالياً، لأن يصبح فناناً بارعاً. إنه لم يبدأ في الرسم التصويري إلا كوسيلة للاستراحة من الاكتئاب، حين استقال وهو في الأربعين من عمره عام 1915 من منصبه كقائد مدني للبحرية الملكية البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى.
لقد أيّد فتح القوات البحرية التابعة للحلفاء ما تبين لاحقاً أنها جبهة كارثية في مضيق الدردنيل. كتب لاحقاً «لقد أنقذني الرسم في وقت عصيب جداً من حياتي». مع ذلك، أصبح تشرشل بفضل المثابرة، التي أفادته كثيراً، مؤدياً جيداً ومنتجاً أبدع بفرشاته أكثر من 500 عمل فني، يحظى بتقدير اليوم ربما بسبب الشخص الذي رسمها أكثر مما تتمتع به من جماليات، لكنها مع ذلك تمثل تصويراً بارعاً للعالم الذي عايشه بألوان زاهية في أكثر الأحوال، وتشهد حالياً تزايداً في الاهتمام بها وارتفاعاً في أسعارها بحسب بعض تجار الأعمال الفنية، ودور المزادات، ومؤرخي الفن.
قال تيموثي رايلي، مدير وكبير أمناء «متحف تشرشل الوطني الأميركي» بكلية «وستمنستر» في مدينة فولتون بولاية ميزوري «لقد اكتشفه جيل كامل. وتم بيع ثلاث لوحات بريشة تشرشل خلال مزاد الشهر الماضي بأسعار تراوحت بين 376 ألف دولار و630 ألف دولار». وقد أعطى تشرشل لوحتين من تلك اللوحات إلى أنطوني إيدن، الذي خلفه في رئاسة وزراء بريطانيا عام 1955، وهما «طبيعة صامتة، فضة في تشارتويل» و«القناة في سانت جورجز موتيل» (عام 1930 تقريباً)، وباع ورثة إيدن الاثنتين في مزاد بدار «كريستيز» بلندن. وسجل عمل من إبداع تشرشل رقماً جديداً في مزاد خلال العام الماضي حين تم بيع لوحة «برج جامع الكتبية» (عام 1943)، التي تصور مشهداً لمدينة مراكش بالمغرب، في مزاد بدار «كريستيز» بلندن بسعر 11.5 مليون دولار إلى جامع أعمال فنية بلجيكي. وقد اشترى جامع الأعمال الفنية أيضاً عملين آخرين لتشرشل في ذلك المزاد، وهما «مشهد في مراكش» (عام 1935) مقابل 2.6 مليون دولار و«باحة كنيسة سانت بول» (عام 1927) مقابل 1.5 مليون دولار.
كانت أنجلينا جولي، الممثلة وصانعة الأفلام، تمتلك لوحة «برج جامع الكتبية»، حيث تلقتها هدية من زوجها براد بيت قبل انفصالهما بحسب بيل رو، تاجر للأعمال الفنية والقطع الفنية القديمة في نيو أورلينز. وقال رو، إنه قد باع الكثير من لوحات تشرشل ومن ضمنها تلك اللوحة المبيعة إلى بيت. وكان السعر المرتفع السابق لإحدى لوحات تشرشل في المزاد هو 2.7 مليون دولار تم دفعها عام 2014 مقابل لوحة «بركة سمك الزينة في تشارتويل» (عام 1932) والتي تم رسمها في عزبته الواقعة في جنوب شرقي إنجلترا.
وكان تشرشل قد أهدى لوحة «جامع الكتبية»، التي يُعتقد أنها الوحيدة التي رسمها خلال الحرب العالمية الثانية، إلى الرئيس فرانكلين روزفلت. وكان قد رسمها بعد مؤتمر الدار البيضاء، وبعد لقاء تشرشل وروزفلت شاهدا الغروب معاً في مراكش وجبال أطلس، ثم رسم تشرشل ذلك المشهد لاحقاً.
ومن الذين تلقوا لوحات تشرشل هدايا الرئيس دوايت آيزنهاور، والرئيس هاري ترومان، والملكة إليزابيث الثانية، والجنرال جورج مارشال، وديفيد لويد جورج، والمشير برنارد مونتغمري، وكليربوث لوس، وفيفيان لي، ولورانس أوليفير.
وباع ورثة أوناسيس خلال العام الماضي لوحة لتشرشل، كان قد أهداها إلى أرسطو أوناسيس، باسم «الخندق، بريكلس»، التي تصور منظراً طبيعياً عام 1921، مقابل 1.85 مليون دولار في أحد المزادات التي أقيمت بدار «فيليبس» بنيويورك. قال متحدث باسم دار «فيليبس»، إن تشرشل قد أعطى اللوحة لأوناسيس عام 1961 لتوطيد الصداقة بينهما، وإن تلك اللوحة كانت معلقة في يخت أوناسيس إلى جانب أعمال لإل غريكو، وغوغان، وبيسارو.
بحسب ما جاء في كتاب «السير ونستون تشرشل: حياته ولوحاته» لديفيد كومبس وميني تشرشل، تم إهداء لوحة أخرى في خمسينات القرن العشرين إلى آرثر هييز سولزبرجر، الذي كان آنذاك ناشر صحيفة «نيويورك تايمز»، احتفاءً وتقديراً للذكرى العشرين لشغله ذلك المنصب. لم يخطط تشرشل، الذي شغل منصب رئيس وزراء بريطانيا منذ عام 1940 حتى 1945، ومرة أخرى منذ عام 1951 حتى 1955، يوماً لبيع ما أطلق عليه «تلطيخاته الصغيرة». وقد كتب في خطاب إلى عمته ليوني ليزلي، في بداية مسيرته المهنية في الرسم التصويري «إنها سيئة بدرجة تحول دون بيعها، ومحببة وعزيزة إلى نفسي بدرجة تجعل من الصعب عليّ إهدائها». مع ذلك، أهدى تشرشل في النهاية مائة عمل على الأقل إلى أفراد في عائلته، وأصدقائه، وزملائه، وموظفيه، ووجهاء أجانب.
يتم الاحتفاظ حالياً بنحو مائة لوحة تقريباً من لوحات تشرشل في تشارتويل، وهي عزبة تمتد على مسافة 80 فداناً، في مقاطعة كنت بجنوب شرقي إنجلترا، كان تشرشل قد اشتراها عام 1922، وعاش فيها حتى فترة قصيرة قبل وفاته عام 1965. أصبحت المناظر الطبيعية لعزبته مصدر إلهام له، وبنى تشرشل أسوار الحديقة بنفسه، وكان سعيداً بالاعتراف به عضواً شرفياً في اتحاد البنّائين. وتم الاحتفاظ بالمزرعة حالياً كعقار تاريخي لدى مؤسسة التراث الوطني البريطاني.
أكثر لوحات تشرشل هي مناظر طبيعية أو تصوير للطبيعة الصامتة من ورود، وزهور التيوليب، والماغنوليا، والزنابق، والسحالب، والنرجس البري، إلى جانب الفواكه وزجاجات النبيذ. تم بيع لوحة للطبيعة الصامتة بسعر 1.3 مليون دولار عام 2020. كذلك رسم صوراً شخصية، أكثرها لأفراد في عائلته، لكنه كان يفضل المشاهد الطبيعية، حيث قال يوماً «لا تشكو الشجرة من تعرضها للظلم من جانبي».
لقد بدأ الرسم باستخدام ألوان المياه، وكان ذلك خلال عطلة نهاية أسبوع مع زوجته كليمنتاين في مزرعة في مدينة ساري. بعد مشاهدة شقيقة زوجته غويندولين ترسم بألوان المياه، استعار منها بعض المواد، وبدأ في الرسم، ثم تحول إلى استخدام ألوان الزيت التي كان يفضلها. وقال ديفيد كاناداين، أستاذ التاريخ في جامعة «برينستون»، في كتاب قام بتحريره بعنوان «تشرشل: رجل الدولة كفنان»، إن الرسم التصويري كان بمثابة استراتيجية ناجحة تبناها تشرشل من أجل السيطرة على اكتئابه. قال تشرشل لصديقه جون روتينستاين، الذي كان مدير «تيت غاليري» آنذاك «لولا الرسم ما كنت لأعيش، لا يمكنني تحمل ما تثيره الأمور من توترات وانفعالات».
كتب كاناداين، إن تشرشل كان «في أفضل الأحوال غير مبالٍ، وفي أسوأ الأحوال عدوانياً، تجاه الفن التجريدي الحديث» لشاغال وبيكاسو؛ وكان عوضاً عن ذلك مفتوناً بمانيه، ومونيه، وسيزان، وماتيس، الذين كانت أعمالهم، كما أوضح في كتابه الذي يحمل اسم «الرسم التصويري كسلوى»، «تتميز بالبهجة، وتحلق في الهواء المتلألئ».
تولت اثنتان من أحفاد تشرشل، وهما إدوينا وسيليا سانديز، مسؤولية الإشراف على أحد عروض تشرشل كان قد تمت إقامته في الأكاديمية الوطنية للتصميم في نيويورك عام 1983. تذكرت إدوينا سانديز، خلال مقابلة تمت في الاستوديو الخاص بها في النادي الوطني للفنون في نيويورك، مشاهدتها جدها وهو يرسم. قالت «لقد كان هادئاً للغاية، كنا نلحق به أحياناً إلى الحديقة، وكان يلقي بالدود إلى السمك، ثم كنا نتمشى حتى البحيرة، وكان يطعم البجعات». وأضافت قائلة «أريته يوماً ما بطاقة صنعتها لأعياد الميلاد، وأسدى لي النصح، وقال إن عليّ التحلي بالجرأة، وجعلها جذابة ولافتة للنظر».
قالت سانديز، إن أوقات العشاء في تشارتويل كانت من أفضل الأوقات التي تقضيها مع جدها. وأوضحت قائلة «كان الحديث يدور عن إطعام السمك الذهبي، أو عادات بناء العش لدى البجعات السوداء، وكان يعقب ذلك الحديث مناقشة مع المشير مونتغمري عن معركة العلمين في شمال أفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية، أو ربما مع ضيف شهير آخر. عندما كان يفرغ جدي من تدخين السيجار، كان يتلو بعض الأبيات الشعرية من قصائد (أناشيد روما القديمة) لتوماس ماكولاي عن الفترات البطولية في التاريخ المبكر لروما، وكانت الدموع تترقرق في عينيه».
توقفت سانديز عن الحديث قليلاً، ثم استطردت قائلة «لقد كان يحب طوال حياته الألوان الزاهية من درجات الأزرق والأخضر الأحمر والأصفر، وقد ناقش الألوان المختلفة في كتابه «الرسم التصويري كسلوى». وذكر تشرشل في ذلك الكتاب «لا يمكنني التظاهر بالشعور بالحياد تجاه الألوان، فإنا ابتهج بالألوان الزاهية، وأشعر بالأسف الشديد حقا تجاه درجات البني المسكينة».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس.

وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر».

وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير.

وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات.

كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً.

واستعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية.

واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».


البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
TT

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته بعدما خطفته من المستشفى سيدة ارتكبت جرائم اختطاف عدة، وتم القبض عليها، لكنها لم تفصح عن أسرته أو مكان اختطافه (أدت دورها في المسلسل الفنانة ريهام عبد الغفور). وظهر إسلام الذي أطلق على نفسه لقب «إسلام الضائع» عبر حسابه بـ«تيك توك» في بث مباشر مساء الأربعاء ليعلن عثوره على أسرته الحقيقية وأنه أخيراً لم يعد ضائعاً بعد تطابق تحليل البصمة الوراثية «DNA» لوالديه معه.

وتحدث إسلام خلال البث مع والدته المصرية، ووالده الليبي الجنسية، اللذين كانا قد اعتقدا أنه مات بعد أن أخبرتهم إدارة المستشفى في الإسكندرية أن طفلهما قد توفي وبعدها سافرت الأسرة إلي ليبيا، وقد أعيته الحيل للوصول إليهم. وكشف إسلام أن اسمه الحقيقي محمد وأن والده ليبي الجنسية، لكنه عاش في مصر وتزوج والدته المصرية، وأضاف أن لديه 20 شقيقاً وشقيقة، وكان قد كشف في تصريحات تلفزيونية سابقة عن إجرائه 55 تحليلاً مع أسر فقدت أبناءها ولم يستدل منها على أسرته.

واقعة خطف إسلام تطرق إليها مسلسل «حكاية نرجس» المأخوذ عن قصة حقيقية، وتصدر «الترند» على منصة «غوغل» الخميس، بعد إعلان إسلام عثوره على أسرته. ويروي المسلسل حكاية نرجس التي تواجه نظرة مجتمعية قاسية لكونها عاقراً، فتنزلق لسيل من الأكاذيب التي تقودها إلي جرائم خطف الأطفال ونسبهم لها وزوجها رسمياً، وتتواصل رحلتها في خطف المزيد منهم والمتاجرة بهم حتى تنتهي حياتها بشكل مأساوي.

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وأدى الممثل يوسف رأفت شخصية «يوسف» التي تعادل شخصية إسلام في الواقع، حيث خطفته نرجس طفلاً وتمسكت بادعاء أنه ابنها. في المسلسل ترفض نرجس إخبار يوسف عن عائلته الحقيقية وتنهي حياتها بالقفز من أعلى بناية لتلقى حتفها وتتركه في حيرته.

ومنذ حلقته الأولى لقي المسلسل تفاعلاً واسعاً وتصدّر استفتاءات «أفضل مسلسل رمضاني»، ونالت بطلته الفنانة ريهام عبد الغفور لقب أفضل ممثلة، وأشاد الجمهور والنقاد ببراعتها وبأداء جميع أبطال المسلسل الذي خاض مخرجه وكاتب القصة سامح علاء من خلاله أولى تجاربه التلفزيونية، بينما كتب المؤلف عمار صبري السيناريو والحوار، وضم بين أبطاله سماح أنور، وحمزة العيلي، وتامر نبيل، وأحمد عزمي.

وأبدى المؤلف عمار صبري سعادته بعثور إسلام على أسرته وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا خبر سعيد للغاية فإسلام هو الضحية الكبرى لهذه القصة وكنت أتابع منذ سنوات رحلة بحثه الطويلة عن أسرته، وإذا كان مسلسل (حكاية نرجس) قد تسبب في إثارة أزمته بشكل ساعد في وصوله لأسرته فهذا هدف نبيل للفن عامة»، وأشار إلى أن المسلسل يحكي قصة نرجس بينما جاءت قصة إسلام كحدث تابع.

وسادت فرحة كبيرة مواقع «السوشيال ميديا» لعثور إسلام على أسرته وأشاد متابعون بمسلسل «حكاية نرجس» لطرحه القصة التي كانت سبباً في إلقاء الضوء على أزمة إسلام، موجهين الشكر لأسرة العمل، فيما طالب بعض الجمهور بتقديم جزء ثانٍ من المسلسل بعد عودة إسلام، ونشرت الفنانة ريهام عبد الغفور عبر حسابها بـ«فيسبوك» خبر عثور إسلام على أسرته وعلقت عليه قائلة «الحمد لله».

إسلام البطل الحقيقي لمسلسل «حكاية نرجس» (فيسبوك)

ويقول عمار صبري عن ذلك: «قصة إسلام تستحق مسلسلاً خاصاً عنها لأنها ذات أبعاد درامية جذابة للغاية لقصة شاب عاش حياته متنقلاً بين أسر مختلفة يظن أن كلاً منها هي أسرته الحقيقية ولكنه يجد نفسه ضائعاً».

وعدت الناقدة الفنية المصرية، ناهد صلاح، أن مسلسل «حكاية نرجس» أول عمل درامي يساهم في عودة مختطف إلى أسرته ويكون عاملاً مهماً في أن يجد الطرفان بعضهما، محققاً رسالة إنسانية مهمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لولا نجاح المسلسل ووصوله إلى الجمهور بهذه الطريقة لم تكن أسرة إسلام قد انتبهت وأجرت التحاليل اللازمة التي أكدت أنه ابنهم».

وأشارت ناهد إلى أن الدراما يمكن أن تكون عاملاً مساعداً ومهماً في قضايا عديدة كاسترداد حقوق وتغيير قوانين، «لكن العثور على مفقودين هي أول واقعة يحققها عمل فني فهناك كثير من الأفلام اللبنانية تناولت المفقودين في الحرب الأهلية اللبنانية ولم يتم العثور عليهم، من بينها الفيلم الروائي (مفقود) للمخرج بشير أبو زيد والوثائقي (خط التماس) إخراج سيلفي باليوت، مما يبرز قوة تأثير الدراما حين يتم تنفيذها بشكل متكامل. وتثير القصة أسئلة عامة عن حوادث خطف الأطفال الموجودة في المجتمع ولعل أقربها واقعة اختطاف طفلة رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي قبل يومين».

في السياق؛ ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على السيدة المنتقبة التي اختطفت قبل يومين رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، بعد أن تتبع فريق البحث الجنائي عبر كاميرات المراقبة المتهمة حتى العثور عليها بمنزلها بمدينة بدر.

وكانت والدة الطفلة قد أعطتها بحسن نية حسبما ذكرت في التحقيقات لسيدة منتقبة داخل المستشفى لتتمكن من تهدئة الطفلة لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات.

وأكد الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، متابعته الشخصية لتطورات هذ الحادث، باعتباره يخص مستشفى تابعاً لجامعة الأزهر، وأصدر بياناً عبر فيه عن أسفه على اختطاف الرضيعة، موجهاً بضرورة تنسيق الجهود مع الجهات المعنية لسرعة التوصل للطفلة.