الدهون... بين الصحة والمرض

الاعتدال في تناولها لسد احتياجات الجسم من الطاقة

الدهون... بين الصحة والمرض
TT

الدهون... بين الصحة والمرض

الدهون... بين الصحة والمرض

اختلف إنسان العصر الحديث في كثير من الأمور عن سابقه، فأصبح أكثر إدراكاً للكثير من المتغيرات الصحية في داخله. ولا يكاد يخلو مجلس من الحديث عن الصحة والتغذية، ونسبة الكوليسترول والمواد الدهنية، وعوامل أخرى كزيادة الوزن ووسائل إنقاصه. بل وأصبح الإنسان في يومنا هذا أكثر بحثاً عن المعلومة الصحية البسيطة التي تجعله أكثر اطمئناناً على نفسه من مضار الكوليسترول مثلاً، وأسباب الزيادة وأنواع الأغذية التي تؤدي إلى هذه الزيادة، وغيرها من المعلومات العلمية. وفيما يلي توضيح علمي مبسط لبعض الحقائق الخاصة بتركيب الدهون.

الدهون

• ما هي الدهون؟ استضفنا أحد المتخصصين في هذا المجال الدكتور خالد بن علي المدني استشاري التغذية العلاجية نائب رئيس الجمعية السعودية للعلوم البيئية عضو مجلس إدارة الجمعية السعودية للغذاء والتغذية وهو مؤلف لأكثر من (55) كتابا في علم التغذية خمسة منهم تدرس في جامعات عربية، بالإضافة إلى كتاب «الدهون... الكوليسترول... أثرهما على الصحة والمرض... الوقاية والعلاج»؛ الذي يشرح الدهون بشكل تفصيلي –فأوضح أن الدهون هي مركبات عضوية، تتكون من كربون وأكسجين وهيدروجين ويلاحظ أن كمية الأكسجين في الدهون أقل بكثير منها في الكربوهيدرات، مما يجعلها مصدراً للطاقة أكثر تركيزاً.
وعندما يحرق الجسم الدهون، يطلق من الطاقة أكثر من ضعف ما تطلقه الكربوهيدرات أو البروتينات، إذ يطلق كل غرام من الدهون 9 سعرات حرارية، في حين يطلق كل غرام من الكربوهيدرات أو البروتينات 4 سعرات حرارية فقط. وهذا يعني أنه من الممكن الحصول على كمية كبيرة من الطاقة بتناول كمية صغيرة نسبياً من الطعام الغني بالدهون.
• تركيب الدهون. يضيف الدكتور المدني أن أكثر من 95 في المائة من الدهون يتكون من جزأين، هما: الغليسرول، والأحماض الدهنية. ويعتبر الغليسرول من حيث التركيب الكيميائي كحولا ثلاثيا يحتوي على ثلاث مجموعات من الهيدروكسيل، لذلك يمتاز بقدرته على الاتحاد مع ثلاثة أحماض دهنية لتكوين الدهون أو الزيوت. ويمكن تقسيم الدهون اعتماداً على عدد الأحماض الدهنية المتصلة بالغليسرول، فإذا اتحد الغليسرول بحمض دهني واحد سمي هذا المركب «أحادي الغليسريد»، ويسمى الدهن المحتوي على حمضين دهنيين متصلين بالغليسرول «ثنائي الغليسريد»، بينما يسمى المركب المحتوي على ثلاثة أحماض دهنية (وهو أكبر عدد ممكن) «ثلاثي الغليسريد Triglyceride»، وهذا النوع من الدهون هو الأكثر انتشاراً.
ويحدد عدد ذرات الهيدروجين بالنسبة إلى عدد ذرات الكربون في الحمض الدهني، وجود بعض الدهون على هيئة سوائل (الزيوت)، بينما بعضها الآخر يكون على هيئة مواد شبه صلبة (السمن). وتسمى الأحماض الدهنية التي لا يمكن إدخال هيدروجين في تركيبها بالأحماض الدهنية المشبعة، وهي صلبة في درجة حرارة الغرفة، وعادة ما يكون مصدرها حيوانياً، مثل الزبد وشحوم اللحوم.

أنواع الدهون

تقسم الأحماض الدهنية من الناحية الكيميائية إلى ثلاثة أنواع:
- النوع الأول: أحماض دهنية مشبعة. وهذه تعمل عادة على رفع نسبة الكوليسترول في الدم، ولكن تأثير هذه الأحماض على رفع مستوى الكوليسترول في الدم يختلف من حمض دهني مشبع إلى آخر، وكمثال على هذا التباين في التأثير نجد أن زيت النخيل الذي يحتوي على حوالي 50 في المائة أحماض دهنية مشبعة، وحوالي 50 في المائة غير مشبعة، لا يرفع الكوليسترول الكلي في الدم، كما أثبتت الأبحاث العلمية العديدة. وقد يرجع ذلك إلى نوعية الأحماض الدهنية المشبعة الموجودة في زيت النخيل. كما يعتبر زيت النخيل من أعلى المصادر لفيتامين إي (E)، والذي يعتبر مضاداً للأكسدة وبالتالي يعوق أكسدة الكوليسترول السيئ وبالتالي فهو يمثل نوعاً من الوقاية من حدوث تصلب الشرايين. كما يعتبر زيت النخيل الخام من أعلى المصادر لطلائع فيتامين أيه (A) والتي تسمى بيتاـ كاروتين والتي تتحول بالجسم إلى فيتامين إيه (A).
- النوع الثاني: أحماض دهنية أحادية اللاتشبع.
- النوع الثالث: أحماض دهنية عديدة اللاتشبع. وكلا النوعين من هذه الأحماض الدهنية (أحادية اللاتشبع وعديدة اللاتشبع) لا ترفع نسبة الكوليسترول بل قد تخفضه في الدم. ويلاحظ أنه لا يوجد أي زيت أو دهن يحتوي على نوع واحد فقط من الأحماض الدهنية، بل إنها تتواجد بنسب متفاوتة يجعلها تختلف عن بعضها في خواصها الكيميائية والطبيعية.
ومن المعروف أن الدهون غير المشبعة أسرع تعرضاً للأكسدة من الدهون المشبعة، مما ينتج عنها التزنخ (حيث يتحد الأكسجين الجوي مع جزيئات الدهن، فينتج مواد تعطي رائحة وطعماً كريهين)، كما يساعد الضوء والحرارة على سرعة الأكسدة. والتزنخ يفسد الدهون، ويجعلها ضارة بصحة الإنسان، لذلك يضاف للزيوت والدهون مواد مضادة للأكسدة تعمل على منع أو تأخير فترة التغيرات التي تحدث نتيجة تفاعل الأكسجين مع الزيوت أو الدهون.
ويمكن تغيير الخواص الطبيعية للأحماض الدهنية غير المشبعة بهدرجتها (أي إدخال ذرات هيدروجين للحامض الدهني غير المشبع فيتحول الزيت السائل إلى السمنة) إلى أحماض دهنية مشبعة. وهذه العملية تؤدي إلى ظهور أنواع مختلفة من الأحماض الدهنية التي تسمى الأحماض الدهنية المتحولة (ترانس) التي ترفع من نسبة الكوليسترول السيئ وتخفض من نسبة الكوليسترول الجيد بالدم؛ وبالتالي تمثل خطورة على صحة وسلامة القلب والأوعية الدموية.

مصادر الدهون الغذائية

* ما هي المصادر الغذائية للدهون؟ يجيب الدكتور خالد المدني أن هناك مصدرين للدهون، هما:
- مصادر مرئية، مثل: الزيوت، الزبد، السمن، القشدة، والدهون التي توجد حول العضلات في اللحوم.
- مصادر غير مرئية، مثل: ما بين التعريق في عضلات اللحوم، وصلصات السلطات (مثل المايونيز)، والكريم المضروب (المخفوق) والأجبان عالية الدسم، والأفوكادو، والمكسرات، والحليب، والحلوى الدسمة، وهي توجد أيضاً في الشوكولاتات، والأطعمة المقلية.
ما هي فوائد المواد الدهنية ووظائفها؟ تعد الدهون مصدراً أساسياً ومركزاً للسعرات الحرارية، التي تستهلك لسد احتياجات الجسم من الطاقة الحرارية، أو قد تختزن في الجسم. تعطي الدهون إحساساً بالشبع، حيث تمكث في المعدة مدة أطول من الكربوهيدرات أو البروتينات. ولهذا فإن الإحساس بالجوع يتأخر بعد تناول طعام غني بالدهون.
كما تظهر الأهمية لبعض الأحماض الدهنية مثل حمض اللينوليك (الذي يوجد بكثرة في زيوت النخيل ودوار الشمس، والعصفر، والذرة، وفول الصويا) وحمض اللينولينيك (الذي يوجد بكثرة في زيت الكتان)، وكلاهما له أهمية في حماية الجلد، والمحافظة على صحته، وهما من الأحماض الدهنية الأساسية Essential Fatty Acids والتي لا يستطيع جسم الإنسان تصنيعها أو تكوينها بكميات كافية في داخله، ولذلك لا بد من الحصول عليها عن طريق الطعام، وتظهر نتيجة عدم توافرها في الغذاء أمراض تغذوية تختفي بإضافتها للغذاء.
وكذلك تقوم الدهون بحمل الفيتامينات الذائبة فيها: إيه (A)، دي (D)، إي (E)، كيه (K). كما تجعل الطعام مقبولاً لوجود روائح معينة تنبعث منه فيعطي طعماً مميزاً.
وتوفر الدهون الحماية لأعضاء الجسم الداخلية، وذلك بتكوين طبقة حول العضو لحمايته من الصدمات، كما في الكلى والقلب. وتشارك الدهون أيضاً في تناسق الجسم بجعل زوايا العظام ناعمة، فلا تبدو بروزات واضحة.
وتعمل الدهون طبقة عازلة للجلد تمنحه الوقاية من تأثير برودة الجو الخارجي. وأخيراً فإن الدهون تدخل في تركيب الغشاء الخارجي لخلايا الجسم.

احتياجات الدهون

• ما هي احتياجات الجسم من المواد الدهنية؟ تعتمد التوصيات الغذائية بشأن الدهون على كمية السعرات الحرارية اليومية التي يحتاجها الجسم، فيوصي المختصون بأن لا تزيد نسبة السعرات الحرارية اليومية من الدهون عن 35 في المائة من السعرات اليومية الكلية، وكنتيجة للدراسات والأبحاث المستمرة، أوصى مجلس التغذية والأطعمة التابع للأكاديمية الوطنية للعلوم الأميركية، بمتوسط احتياجات الفرد اليومية من السعرات الحرارية بناءً على المعلومات العلمية الموجودة لديهم، وهذا المتوسط يحتوي على سعرات كافية لإمداد الأفراد الأصحاء باحتياجاتهم في مراحل العمر المختلفة.
وهذه الاحتياجات تجري مراجعتها وتحديثها كل خمس سنوات تقريباً بناءً على آخر الأبحاث، والاكتشافات العلمية، مع إيضاح كيفية التوصل إلى تلك الكميات. وهذه الاحتياجات الموصى بها لم تتطرق إلى الاحتياجات الخاصة، والتي تظهر نتيجة الالتهابات، أو الأمراض الهضمية أو الأمراض المزمنة، أو أي حالات غير طبيعية تستلزم إحداث تغييرات في الغذاء، ولا يصح أن تخلط مع الحد الأدنى للمتطلبات الغذائية.
• هضم الدهون. يقول الدكتور خالد المدني أن عملية الهضم تبدأ ميكانيكياً في الفم، حيث يتم مضغ الدهون وتدفئتها، وتستمر هذه العملية في المعدة، مما يؤدي إلى تحويل الدهون إلى سوائل. ثم تصل معظم الدهون إلى الأمعاء على هيئة مستحلب دهني غير مهضوم، وتبدأ عصارة الصفراء التي تصل إلى الأمعاء من المرارة بتحويل الدهون إلى جزيئات دقيقة جداً في المستحلب، مما يوفر السطح اللازم للإنزيمات البنكرياسية والمعوية المحللة للدهون، لإكمال هضم جزئيات الدهون وتكسيرها إلى مكوناتها الأساسية (الأحماض الدهنية والغليسرول) التي تمتص من خلال الخملات (Villi) الموجودة في جدار الأمعاء الدقيقة.
• امتصاص الدهون. في داخل الخلايا الطلائية لجدار الأمعاء وفي الغشاء المخاطي لها، تنتقل الأحماض الدهنية القصيرة والمتوسطة السلسلة (أقل من إحدى عشرة ذرة كربون) مباشرة إلى الكبد بواسطة الوريد البابي. أما الأحماض الدهنية طويلة السلسلة، فتتحد مع الغليسرول مرة أخرى لتكوين ثلاثي الغليسريد وحيث إن الدم وسط مائي، فإن هذه المواد لا تذوب فيه. لذلك تغلف الدهون بطبقة من البروتين الشحمي لتكون الدقائق الكيلوسية (الكيلوميكرونات Chylomicrons)، ومن ثم تنتقل من خلال الجهاز اللمفاوي إلى الدورة الدموية (الدم).
• التمثيل الغذائي (الأيضي). بعد وصول الدقائق الكيلوسية (المحتوية على الدهون) إلى الدم، تبدأ عملية التحليل بواسطة الإنزيمات الموجودة في الأوعية الدموية بالخلايا الدهنية، حيث تبدأ تفاعلات إطلاق الطاقة من الدهون، بتحرير الأحماض الدهنية من الغليسرول أولاً فيدخل الغليسرول في أيض الكربوهيدرات بينما تتأكسد (تتهدم) الأحماض الدهنية تدريجياً إلى وحدات ذات ذرتين كربون فقط (استيل)، وتستخدم هذه الوحدات الثنائية الكربون في تكوين الهرمونات الجنسية والكوليسترول، وأحماض دهنية أخرى ومركبات أخرى معقدة، وربما تدخل هذه الأجزاء بالاتحاد مع مشتقات الكربوهيدرات، لإنتاج ثاني أكسيد الكربون، والماء، وإطلاق الطاقة وإذا لم توجد الكربوهيدرات تتكدس هذه الوحدات ثنائية الكربون لتكون الأجسام الكيتونية في الدم، وهي مركبات سامة للجسم حين تتجمع فيه. ولتجنب هذا التسمم الكيتوني يجب أن يحتوي الطعام على نسبة معينة من الكربوهيدرات، إذ تسمى الكربوهيدرات بمضادات تكوين الأجسام الكيتونية، أما الدهون فتسمى بمولدات الأجسام الكيتونية.

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

ما الذي يجعل القهوة مفيدة؟ دراسة تكشف السرّ

صحتك الأشخاص الذين يستهلكون القهوة بانتظام يكونون أقل عرضة للإصابة بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن (بيكسلز)

ما الذي يجعل القهوة مفيدة؟ دراسة تكشف السرّ

لطالما كانت القهوة موضع اهتمام العلماء وعشّاقها على حد سواء، ليس فقط لما تمنحه من نشاط ويقظة، بل لما ارتبط بها من فوائد صحية لافتة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سيدة مصابة بالخرف (رويترز)

4 تغيرات في طريقة الكلام قد تكون مؤشرات مبكرة للخرف

كشفت مراجعة لمجموعة من الدراسات الحديثة أن هناك تغيرات دقيقة في طريقة الكلام يمكن أن تكون من أوائل المؤشرات على الإصابة بمرض الخرف

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك توقيت العشاء يساهم في إدارة الوزن وهو عامل مهم لمرضى السكري (بيكسلز)

هل تناول العشاء يضر بمرضى السكري؟

التعايش مع مرض السكري لا يقتصر على اختيار نوعية الطعام فحسب، بل يشمل أيضاً الانتباه إلى توقيت الوجبات، وكيفية توزيعها على مدار اليوم.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك القرفة قد تلعب دوراً داعماً لصحة القلب (رويترز)

فوائد شرب القرفة لمرضى القلب

في ظل البحث المستمر عن وسائل طبيعية لدعم صحة القلب، تتجه الأنظار إلى بعض التوابل التي تحمل فوائد محتملة، ومن بينها القرفة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا السفينة السياحية التي تعرضت لتفش محتمل لفيروس هانتا (أ.ف.ب)

إسبانيا ستستقبل السفينة «الموبؤة» خلال أيام

ستستقبل إسبانيا السفينة السياحية التي تعرضت لتفش محتمل لفيروس هانتا في غضون «3 إلى 4 أيام» في جزر الكناري، وفق ما أعلنت وزارة الصحة مساء الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

ما الذي يجعل القهوة مفيدة؟ دراسة تكشف السرّ

الأشخاص الذين يستهلكون القهوة بانتظام يكونون أقل عرضة للإصابة بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن (بيكسلز)
الأشخاص الذين يستهلكون القهوة بانتظام يكونون أقل عرضة للإصابة بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن (بيكسلز)
TT

ما الذي يجعل القهوة مفيدة؟ دراسة تكشف السرّ

الأشخاص الذين يستهلكون القهوة بانتظام يكونون أقل عرضة للإصابة بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن (بيكسلز)
الأشخاص الذين يستهلكون القهوة بانتظام يكونون أقل عرضة للإصابة بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن (بيكسلز)

لطالما كانت القهوة موضع اهتمام العلماء وعشّاقها على حد سواء، ليس فقط لما تمنحه من نشاط ويقظة، بل لما ارتبط بها من فوائد صحية لافتة. وعلى مدى سنوات طويلة، حاولت الدراسات العلمية فكّ لغز هذه الفوائد وفهم آلياتها الدقيقة داخل جسم الإنسان. واليوم، تضيف دراسة حديثة بُعداً جديداً لهذا الفهم، إذ تكشف عن دور محتمل لمركبات القهوة في التأثير على بروتين مهم يرتبط بالشيخوخة والاستجابة للتوتر، ما قد يفسّر جانباً من تأثيراتها الإيجابية على الصحة، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

القهوة وصحة الإنسان: نتائج متراكمة عبر العقود

تشير عقود من الأبحاث إلى وجود علاقة وثيقة بين استهلاك القهوة وطول العمر، إضافة إلى انخفاض خطر الإصابة بالعديد من الأمراض المزمنة. وقد أظهرت الدراسات السكانية أن الأشخاص الذين يستهلكون القهوة بانتظام يكونون أقل عرضة للإصابة بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن، مثل اضطرابات التمثيل الغذائي، وبعض أنواع السرطان، ومرض باركنسون، والخرف، وأمراض القلب. أثبتت الدراسات أن القهوة تحتوي على مجموعة من المواد الكيميائية الحيوية الفعالة، من أبرزها البوليفينولات والفلافونويدات. وتتميّز هذه المركبات بخصائص مضادة للأكسدة والالتهابات، ما يساعد على حماية الخلايا من التلف ويُبطئ من عمليات الشيخوخة. ومع ذلك، ظلّ السؤال المطروح: كيف تُترجم هذه الخصائص إلى فوائد صحية ملموسة داخل الجسم؟

الاكتشاف الجديد: دور بروتين NR4A1

تقدّم دراسة حديثة إجابة جزئية عن هذا التساؤل، إذ تشير إلى أن القهوة قد تؤثر في بروتين مستقبل داخل الجسم يُعرف باسم NR4A1. ويحظى هذا البروتين باهتمام متزايد نظراً لدوره في تنظيم الاستجابة للتوتر، والمساهمة في عمليات الشيخوخة، إضافة إلى ارتباطه بأمراض القلب.

وأوضح ستيفن سيف، أحد مؤلفي الدراسة المنشورة في مجلة «Nutrients»، أن بعض التأثيرات الصحية للقهوة قد تكون ناتجة عن تفاعل مركباتها مع هذا المستقبل، الذي يؤدي دوراً مهماً في حماية الجسم من الأضرار الناتجة عن الضغط النفسي.

يُعرف عن بروتين NR4A1 أنه ينظم نشاط الجينات استجابةً للضغوط المختلفة والتلف الذي قد يصيب أنسجة الجسم. كما يشارك في مجموعة واسعة من العمليات الحيوية، من بينها الالتهاب، والتمثيل الغذائي، وإصلاح الأنسجة. وترتبط هذه العمليات بشكل مباشر بأمراض الشيخوخة، مثل السرطان، والتدهور المعرفي، واضطرابات التمثيل الغذائي.

وفي هذا السياق، يوضح الدكتور سيف أن هذا البروتين يتدخل عند حدوث ضرر في أي نسيج تقريباً للحد من تفاقمه، بينما يؤدي غيابه إلى ازدياد حدة الضرر.

كيف تتفاعل مركبات القهوة مع هذا البروتين؟

وجد الباحثون أن عدداً من المركبات الكيميائية الموجودة في القهوة، ومن بينها حمض الكافيين، يمكن أن يرتبط ببروتين NR4A1 ويؤثر في نشاطه. ويعني ذلك أن القهوة قد تُسهم في تنشيط هذا البروتين وتعزيز دوره الوقائي داخل الجسم.

وأشار الدكتور سيف إلى أن جزءاً من الفوائد الصحية للقهوة قد يعود إلى هذه الآلية، أي من خلال قدرتها على الارتباط بهذا المستقبل وتنشيطه.

وتكشف هذه الدراسة عن جانب جديد من العلاقة المعقّدة بين القهوة وصحة الإنسان، حيث لا تقتصر فوائدها على احتوائها على مضادات الأكسدة، بل قد تمتد إلى التأثير في آليات جزيئية دقيقة داخل الجسم. ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتأكيد هذه النتائج، فإنها تُعزز الفهم العلمي لدور القهوة بوصفها مشروباً قد يحمل فوائد صحية تتجاوز مجرد التنبيه.


4 تغيرات في طريقة الكلام قد تكون مؤشرات مبكرة للخرف

سيدة مصابة بالخرف (رويترز)
سيدة مصابة بالخرف (رويترز)
TT

4 تغيرات في طريقة الكلام قد تكون مؤشرات مبكرة للخرف

سيدة مصابة بالخرف (رويترز)
سيدة مصابة بالخرف (رويترز)

كشفت مراجعة لمجموعة من الدراسات الحديثة أن هناك تغيرات دقيقة في طريقة الكلام يمكن أن تكون من أوائل المؤشرات على الإصابة بمرض الخرف، وذلك قبل ظهور أعراضه المعروفة.

وحسب صحيفة «التلغراف» البريطانية، يشير كثير من الباحثين في مجال الخرف وألزهايمر إلى أن اللغة من أكثر وظائف الدماغ تعقيداً، لافتين إلى أن عملية استيعاب كلمات الشخص الآخر وتحويلها إلى معنى، تعتمد على تنسيق شبكة من مناطق الدماغ المختلفة.

وحسب الخبراء، فحين يتعرض هذا النظام للضعف، قد تظهر آثاره في كلامنا قبل ظهور أعراض أخرى.

وأظهرت مراجعة علمية لعدد من الدراسات الحديثة أن تحليل أنماط الحديث يمكن أن يتنبأ بالإصابة بالخرف قبل سنوات، بل بدقة تفوق اختبارات الذاكرة التقليدية.

ورصد الباحثون 4 تغيرات في طريقة الكلام قد تكون مؤشرات مبكرة للمرض، وهي:

بطء الكلام

تبين أن انخفاض سرعة الحديث قد يكون علامة أدق على تراجع القدرات الذهنية مقارنة بصعوبة إيجاد الكلمات.

وتقول الدكتورة إيمر ماكسويني، استشارية الأشعة العصبية والرئيسة التنفيذية لـRe:Cognition Health، وهي عيادة رائدة تُجري تجارب سريرية لعلاجات مرض ألزهايمر: «إذا بدأ شخص اعتاد التحدث بوتيرة طبيعية في التحدث ببطء، فهذه إشارة مقلقة».

كثرة استخدام كلمات مثل «همم» و«آه»

يعد الإكثار من كلمات التردد مثل «همم» و«آه»، التي نستخدمها عند صعوبة البحث عن الكلمات المناسبة، من العلامات المبكرة للخرف، حيث إن تكرار هذا الأمر قد يشير إلى ضعف في وظائف التخطيط والانتباه.

ويقول الدكتور تيم بينلاند، رئيس قسم المعرفة والتعلم في جمعية ألزهايمر البريطانية: «مع تقدمنا ​​في العمر، تحدث تغيرات في المادة البيضاء للدماغ، وهي الشبكة العصبية التي تسمح بانتقال الإشارات بين المناطق المختلفة. الأمر أشبه بالانتقال من طريق سريع بثلاثة مسارات إلى طريق سريع بمسارين: لا تزال المعلومات تصل، ولكن بوتيرة أبطأ».

ويضيف: «قد يُصعّب هذا التباطؤ استرجاع الكلمات بسرعة، مما يدفعنا إلى الاعتماد بشكل أكبر على كلمات مؤقتة ريثما نستوعب ما فاتنا».

التوقفات الطويلة أثناء الحديث

أظهر دراسات كثيرة تمت مراجعتها أن طول فترات التوقف وتكرارها في الكلام من أوائل العلامات التي يمكن رصدها للتدهور المعرفي.

وتعكس فترات التوقف هذه تباطؤاً في سرعة معالجة الدماغ للكلمات ومشاكل في الأنظمة المسؤولة عن تحويل الأفكار إلى لغة.

وفي الشيخوخة الطبيعية، تميل فترات التوقف إلى أن تكون قصيرة. ولكن في المراحل المبكرة من مرض الخرف، غالباً ما تصبح أطول وأكثر تكراراً، مما يُخلّ بالتدفق الطبيعي للمحادثة.

وتقول ماكسويني: «يرتبط التوقف المتكرر، ولمدة أطول في منتصف الجملة، ارتباطاً وثيقاً بالمراحل المبكرة من مرض الخرف. سيبدو الأشخاص أكثر تردداً بشكل عام، وسيصبح تدفق كلامهم أقل سلاسة».

تبسيط الجمل

تشير بعض الدراسات إلى أن بنية الجملة قد تتأثر في المراحل المبكرة من مرض الخرف، حيث يميل المصابون إلى استخدام جمل أقصر وأقل تعقيداً، مع تراجع استخدام الروابط التي تربط الأفكار، ما يجعل الكلام أكثر تقطعاً.

وبينما لا يزال بإمكان الأشخاص تكوين جمل صحيحة نحوياً، فقد وجدت الدراسات تحولاً من استخدام الجمل متعددة الأجزاء إلى جمل أقصر، حيث يحاول الدماغ تقليل الجهد المبذول في تنظيم الأفكار.

عملياً، قد يعني هذا استخدام عدد أقل من كلمات مثل «لأن» و«بسبب» و«مع أن» و«عندما»، التي تربط بين أجزاء الجملة المختلفة.

فعلى سبيل المثال، بدلاً من قول: «لم أخرج بسبب المطر الغزير»، قد يقول أحدهم: «لم أخرج. كانت تمطر».

وتقول ماكسويني: «يبدأ إيقاع كلام الناس ووتيرته بالتغير. تصبح جملهم أقل تعقيداً وأكثر تجزؤاً. وقد يبدو الكلام أيضاً أكثر نمطية، معتمداً على عبارات مألوفة ومتكررة».


هل تناول العشاء يضر بمرضى السكري؟

توقيت العشاء يساهم في إدارة الوزن وهو عامل مهم لمرضى السكري (بيكسلز)
توقيت العشاء يساهم في إدارة الوزن وهو عامل مهم لمرضى السكري (بيكسلز)
TT

هل تناول العشاء يضر بمرضى السكري؟

توقيت العشاء يساهم في إدارة الوزن وهو عامل مهم لمرضى السكري (بيكسلز)
توقيت العشاء يساهم في إدارة الوزن وهو عامل مهم لمرضى السكري (بيكسلز)

التعايش مع مرض السكري لا يقتصر على اختيار نوعية الطعام فحسب، بل يشمل أيضاً الانتباه إلى توقيت الوجبات، وكيفية توزيعها على مدار اليوم. وتُعدّ وجبة العشاء من أكثر الوجبات تأثيراً على توازن الجسم؛ إذ يرتبط توقيتها وحجمها بشكل مباشر بمستويات السكر في الدم، وجودة النوم، وكفاءة الهضم. لذلك، فإن فهم العلاقة بين العشاء وصحة مريض السكري يُعد خطوة أساسية نحو إدارة أفضل للمرض.

أهمية توقيت العشاء لمرضى السكري

يُعدّ الحفاظ على استقرار مستوى السكر في الدم أمراً بالغ الأهمية، ويلعب توقيت وجبة العشاء دوراً محورياً في ذلك. فتناول الطعام في وقت متأخر من الليل قد يؤدي إلى تقلبات حادة في مستوى السكر، سواء بالارتفاع، أو الانخفاض، خاصة خلال ساعات النوم. كما أن الجسم يكون أقل نشاطاً ليلاً، مما يبطئ عملية الهضم، ويؤثر في كفاءة عمل الإنسولين.

لذلك، يُنصح بتناول العشاء قبل النوم بساعتين إلى ثلاث ساعات على الأقل، لإتاحة الوقت الكافي للجسم لهضم الطعام، ومعالجة الغلوكوز بصورة أفضل.

تأثير العشاء المتأخر على الهضم والنوم

لا يقتصر تأثير العشاء المتأخر على مستويات السكر في الدم فقط، بل يمتد ليشمل الجهاز الهضمي، وجودة النوم. فقد تؤدي الوجبات المتأخرة إلى مشكلات مثل عسر الهضم، أو ارتجاع المريء، خاصة عند الاستلقاء مباشرة بعد تناول الطعام.

كما أن تناول وجبات دسمة أو ثقيلة في وقت متأخر قد يسبب اضطراباً في النوم، وهو ما ينعكس سلباً على حساسية الجسم للإنسولين، وبالتالي يؤثر في السيطرة على مستوى السكر في اليوم التالي.

العلاقة بين توقيت العشاء والتحكم في الوزن

يساهم توقيت العشاء أيضاً في إدارة الوزن، وهو عامل مهم لمرضى السكري. فتناول الطعام في وقت مبكر يمنح الجسم فرصة أكبر لحرق السعرات الحرارية بكفاءة، بدلاً من تخزينها على شكل دهون. أما الأكل المتأخر، خاصة مع قلة الحركة، فقد يؤدي إلى زيادة الوزن، مما يزيد من مقاومة الإنسولين.

تناول وجبات دسمة أو ثقيلة في وقت متأخر قد يسبب اضطراباً في النوم (بيكسلز)

ما هو أفضل وقت لتناول العشاء؟

تشير الدراسات إلى أن تناول العشاء قبل النوم بساعتين إلى ثلاث ساعات يُعد الخيار الأمثل. ويساعد هذا التوقيت على:

- تحسين استقلاب الغلوكوز، مما يقلل من تقلبات السكر أثناء الليل.

- تعزيز حساسية الإنسولين، والحد من ارتفاع السكر في الصباح.

- تقليل احتمالية الإصابة بحرقة المعدة، وعسر الهضم الناتج عن الاستلقاء بعد الأكل مباشرة.

التحكم في الكربوهيدرات خلال وجبة العشاء

يحتاج مرضى السكري إلى مراقبة كمية الكربوهيدرات التي يتناولونها بعناية، خصوصاً في وجبة العشاء. فالإفراط في تناولها قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات الغلوكوز بشكل غير متوازن. لذا يُفضل استخدام أدوات القياس -مثل الأكواب المخصصة، أو التطبيقات الذكية- لضبط الكميات ضمن الحدود اليومية الموصى بها.

اختيار الأطعمة المناسبة للعشاء

تلعب نوعية الطعام دوراً لا يقل أهمية عن توقيته. فالأطعمة الغنية بالدهون المشبعة، مثل الدجاج المقلي، والصلصات الكريمية والأطباق المليئة بالجبن، قد تُبطئ عملية الهضم، وتزيد من مقاومة الإنسولين، فضلاً عن مساهمتها في زيادة الوزن.

لذلك يُنصح باللجوء إلى خيارات صحية، مثل الأطعمة المشوية، أو المطهوة على البخار، أو المخبوزة، مع التركيز على التوازن بين البروتينات، والخضراوات، والكربوهيدرات المعقدة.

ولا يُعدّ تناول العشاء بحد ذاته مضراً لمرضى السكري، بل إن توقيته ونوعيته هما العاملان الحاسمان. فاختيار الوقت المناسب، وتناول وجبة متوازنة وخفيفة يمكن أن يساعدا بشكل كبير في الحفاظ على استقرار مستويات السكر، وتحسين جودة النوم، ودعم الصحة العامة.