الدهون... بين الصحة والمرض

الاعتدال في تناولها لسد احتياجات الجسم من الطاقة

الدهون... بين الصحة والمرض
TT

الدهون... بين الصحة والمرض

الدهون... بين الصحة والمرض

اختلف إنسان العصر الحديث في كثير من الأمور عن سابقه، فأصبح أكثر إدراكاً للكثير من المتغيرات الصحية في داخله. ولا يكاد يخلو مجلس من الحديث عن الصحة والتغذية، ونسبة الكوليسترول والمواد الدهنية، وعوامل أخرى كزيادة الوزن ووسائل إنقاصه. بل وأصبح الإنسان في يومنا هذا أكثر بحثاً عن المعلومة الصحية البسيطة التي تجعله أكثر اطمئناناً على نفسه من مضار الكوليسترول مثلاً، وأسباب الزيادة وأنواع الأغذية التي تؤدي إلى هذه الزيادة، وغيرها من المعلومات العلمية. وفيما يلي توضيح علمي مبسط لبعض الحقائق الخاصة بتركيب الدهون.

الدهون

• ما هي الدهون؟ استضفنا أحد المتخصصين في هذا المجال الدكتور خالد بن علي المدني استشاري التغذية العلاجية نائب رئيس الجمعية السعودية للعلوم البيئية عضو مجلس إدارة الجمعية السعودية للغذاء والتغذية وهو مؤلف لأكثر من (55) كتابا في علم التغذية خمسة منهم تدرس في جامعات عربية، بالإضافة إلى كتاب «الدهون... الكوليسترول... أثرهما على الصحة والمرض... الوقاية والعلاج»؛ الذي يشرح الدهون بشكل تفصيلي –فأوضح أن الدهون هي مركبات عضوية، تتكون من كربون وأكسجين وهيدروجين ويلاحظ أن كمية الأكسجين في الدهون أقل بكثير منها في الكربوهيدرات، مما يجعلها مصدراً للطاقة أكثر تركيزاً.
وعندما يحرق الجسم الدهون، يطلق من الطاقة أكثر من ضعف ما تطلقه الكربوهيدرات أو البروتينات، إذ يطلق كل غرام من الدهون 9 سعرات حرارية، في حين يطلق كل غرام من الكربوهيدرات أو البروتينات 4 سعرات حرارية فقط. وهذا يعني أنه من الممكن الحصول على كمية كبيرة من الطاقة بتناول كمية صغيرة نسبياً من الطعام الغني بالدهون.
• تركيب الدهون. يضيف الدكتور المدني أن أكثر من 95 في المائة من الدهون يتكون من جزأين، هما: الغليسرول، والأحماض الدهنية. ويعتبر الغليسرول من حيث التركيب الكيميائي كحولا ثلاثيا يحتوي على ثلاث مجموعات من الهيدروكسيل، لذلك يمتاز بقدرته على الاتحاد مع ثلاثة أحماض دهنية لتكوين الدهون أو الزيوت. ويمكن تقسيم الدهون اعتماداً على عدد الأحماض الدهنية المتصلة بالغليسرول، فإذا اتحد الغليسرول بحمض دهني واحد سمي هذا المركب «أحادي الغليسريد»، ويسمى الدهن المحتوي على حمضين دهنيين متصلين بالغليسرول «ثنائي الغليسريد»، بينما يسمى المركب المحتوي على ثلاثة أحماض دهنية (وهو أكبر عدد ممكن) «ثلاثي الغليسريد Triglyceride»، وهذا النوع من الدهون هو الأكثر انتشاراً.
ويحدد عدد ذرات الهيدروجين بالنسبة إلى عدد ذرات الكربون في الحمض الدهني، وجود بعض الدهون على هيئة سوائل (الزيوت)، بينما بعضها الآخر يكون على هيئة مواد شبه صلبة (السمن). وتسمى الأحماض الدهنية التي لا يمكن إدخال هيدروجين في تركيبها بالأحماض الدهنية المشبعة، وهي صلبة في درجة حرارة الغرفة، وعادة ما يكون مصدرها حيوانياً، مثل الزبد وشحوم اللحوم.

أنواع الدهون

تقسم الأحماض الدهنية من الناحية الكيميائية إلى ثلاثة أنواع:
- النوع الأول: أحماض دهنية مشبعة. وهذه تعمل عادة على رفع نسبة الكوليسترول في الدم، ولكن تأثير هذه الأحماض على رفع مستوى الكوليسترول في الدم يختلف من حمض دهني مشبع إلى آخر، وكمثال على هذا التباين في التأثير نجد أن زيت النخيل الذي يحتوي على حوالي 50 في المائة أحماض دهنية مشبعة، وحوالي 50 في المائة غير مشبعة، لا يرفع الكوليسترول الكلي في الدم، كما أثبتت الأبحاث العلمية العديدة. وقد يرجع ذلك إلى نوعية الأحماض الدهنية المشبعة الموجودة في زيت النخيل. كما يعتبر زيت النخيل من أعلى المصادر لفيتامين إي (E)، والذي يعتبر مضاداً للأكسدة وبالتالي يعوق أكسدة الكوليسترول السيئ وبالتالي فهو يمثل نوعاً من الوقاية من حدوث تصلب الشرايين. كما يعتبر زيت النخيل الخام من أعلى المصادر لطلائع فيتامين أيه (A) والتي تسمى بيتاـ كاروتين والتي تتحول بالجسم إلى فيتامين إيه (A).
- النوع الثاني: أحماض دهنية أحادية اللاتشبع.
- النوع الثالث: أحماض دهنية عديدة اللاتشبع. وكلا النوعين من هذه الأحماض الدهنية (أحادية اللاتشبع وعديدة اللاتشبع) لا ترفع نسبة الكوليسترول بل قد تخفضه في الدم. ويلاحظ أنه لا يوجد أي زيت أو دهن يحتوي على نوع واحد فقط من الأحماض الدهنية، بل إنها تتواجد بنسب متفاوتة يجعلها تختلف عن بعضها في خواصها الكيميائية والطبيعية.
ومن المعروف أن الدهون غير المشبعة أسرع تعرضاً للأكسدة من الدهون المشبعة، مما ينتج عنها التزنخ (حيث يتحد الأكسجين الجوي مع جزيئات الدهن، فينتج مواد تعطي رائحة وطعماً كريهين)، كما يساعد الضوء والحرارة على سرعة الأكسدة. والتزنخ يفسد الدهون، ويجعلها ضارة بصحة الإنسان، لذلك يضاف للزيوت والدهون مواد مضادة للأكسدة تعمل على منع أو تأخير فترة التغيرات التي تحدث نتيجة تفاعل الأكسجين مع الزيوت أو الدهون.
ويمكن تغيير الخواص الطبيعية للأحماض الدهنية غير المشبعة بهدرجتها (أي إدخال ذرات هيدروجين للحامض الدهني غير المشبع فيتحول الزيت السائل إلى السمنة) إلى أحماض دهنية مشبعة. وهذه العملية تؤدي إلى ظهور أنواع مختلفة من الأحماض الدهنية التي تسمى الأحماض الدهنية المتحولة (ترانس) التي ترفع من نسبة الكوليسترول السيئ وتخفض من نسبة الكوليسترول الجيد بالدم؛ وبالتالي تمثل خطورة على صحة وسلامة القلب والأوعية الدموية.

مصادر الدهون الغذائية

* ما هي المصادر الغذائية للدهون؟ يجيب الدكتور خالد المدني أن هناك مصدرين للدهون، هما:
- مصادر مرئية، مثل: الزيوت، الزبد، السمن، القشدة، والدهون التي توجد حول العضلات في اللحوم.
- مصادر غير مرئية، مثل: ما بين التعريق في عضلات اللحوم، وصلصات السلطات (مثل المايونيز)، والكريم المضروب (المخفوق) والأجبان عالية الدسم، والأفوكادو، والمكسرات، والحليب، والحلوى الدسمة، وهي توجد أيضاً في الشوكولاتات، والأطعمة المقلية.
ما هي فوائد المواد الدهنية ووظائفها؟ تعد الدهون مصدراً أساسياً ومركزاً للسعرات الحرارية، التي تستهلك لسد احتياجات الجسم من الطاقة الحرارية، أو قد تختزن في الجسم. تعطي الدهون إحساساً بالشبع، حيث تمكث في المعدة مدة أطول من الكربوهيدرات أو البروتينات. ولهذا فإن الإحساس بالجوع يتأخر بعد تناول طعام غني بالدهون.
كما تظهر الأهمية لبعض الأحماض الدهنية مثل حمض اللينوليك (الذي يوجد بكثرة في زيوت النخيل ودوار الشمس، والعصفر، والذرة، وفول الصويا) وحمض اللينولينيك (الذي يوجد بكثرة في زيت الكتان)، وكلاهما له أهمية في حماية الجلد، والمحافظة على صحته، وهما من الأحماض الدهنية الأساسية Essential Fatty Acids والتي لا يستطيع جسم الإنسان تصنيعها أو تكوينها بكميات كافية في داخله، ولذلك لا بد من الحصول عليها عن طريق الطعام، وتظهر نتيجة عدم توافرها في الغذاء أمراض تغذوية تختفي بإضافتها للغذاء.
وكذلك تقوم الدهون بحمل الفيتامينات الذائبة فيها: إيه (A)، دي (D)، إي (E)، كيه (K). كما تجعل الطعام مقبولاً لوجود روائح معينة تنبعث منه فيعطي طعماً مميزاً.
وتوفر الدهون الحماية لأعضاء الجسم الداخلية، وذلك بتكوين طبقة حول العضو لحمايته من الصدمات، كما في الكلى والقلب. وتشارك الدهون أيضاً في تناسق الجسم بجعل زوايا العظام ناعمة، فلا تبدو بروزات واضحة.
وتعمل الدهون طبقة عازلة للجلد تمنحه الوقاية من تأثير برودة الجو الخارجي. وأخيراً فإن الدهون تدخل في تركيب الغشاء الخارجي لخلايا الجسم.

احتياجات الدهون

• ما هي احتياجات الجسم من المواد الدهنية؟ تعتمد التوصيات الغذائية بشأن الدهون على كمية السعرات الحرارية اليومية التي يحتاجها الجسم، فيوصي المختصون بأن لا تزيد نسبة السعرات الحرارية اليومية من الدهون عن 35 في المائة من السعرات اليومية الكلية، وكنتيجة للدراسات والأبحاث المستمرة، أوصى مجلس التغذية والأطعمة التابع للأكاديمية الوطنية للعلوم الأميركية، بمتوسط احتياجات الفرد اليومية من السعرات الحرارية بناءً على المعلومات العلمية الموجودة لديهم، وهذا المتوسط يحتوي على سعرات كافية لإمداد الأفراد الأصحاء باحتياجاتهم في مراحل العمر المختلفة.
وهذه الاحتياجات تجري مراجعتها وتحديثها كل خمس سنوات تقريباً بناءً على آخر الأبحاث، والاكتشافات العلمية، مع إيضاح كيفية التوصل إلى تلك الكميات. وهذه الاحتياجات الموصى بها لم تتطرق إلى الاحتياجات الخاصة، والتي تظهر نتيجة الالتهابات، أو الأمراض الهضمية أو الأمراض المزمنة، أو أي حالات غير طبيعية تستلزم إحداث تغييرات في الغذاء، ولا يصح أن تخلط مع الحد الأدنى للمتطلبات الغذائية.
• هضم الدهون. يقول الدكتور خالد المدني أن عملية الهضم تبدأ ميكانيكياً في الفم، حيث يتم مضغ الدهون وتدفئتها، وتستمر هذه العملية في المعدة، مما يؤدي إلى تحويل الدهون إلى سوائل. ثم تصل معظم الدهون إلى الأمعاء على هيئة مستحلب دهني غير مهضوم، وتبدأ عصارة الصفراء التي تصل إلى الأمعاء من المرارة بتحويل الدهون إلى جزيئات دقيقة جداً في المستحلب، مما يوفر السطح اللازم للإنزيمات البنكرياسية والمعوية المحللة للدهون، لإكمال هضم جزئيات الدهون وتكسيرها إلى مكوناتها الأساسية (الأحماض الدهنية والغليسرول) التي تمتص من خلال الخملات (Villi) الموجودة في جدار الأمعاء الدقيقة.
• امتصاص الدهون. في داخل الخلايا الطلائية لجدار الأمعاء وفي الغشاء المخاطي لها، تنتقل الأحماض الدهنية القصيرة والمتوسطة السلسلة (أقل من إحدى عشرة ذرة كربون) مباشرة إلى الكبد بواسطة الوريد البابي. أما الأحماض الدهنية طويلة السلسلة، فتتحد مع الغليسرول مرة أخرى لتكوين ثلاثي الغليسريد وحيث إن الدم وسط مائي، فإن هذه المواد لا تذوب فيه. لذلك تغلف الدهون بطبقة من البروتين الشحمي لتكون الدقائق الكيلوسية (الكيلوميكرونات Chylomicrons)، ومن ثم تنتقل من خلال الجهاز اللمفاوي إلى الدورة الدموية (الدم).
• التمثيل الغذائي (الأيضي). بعد وصول الدقائق الكيلوسية (المحتوية على الدهون) إلى الدم، تبدأ عملية التحليل بواسطة الإنزيمات الموجودة في الأوعية الدموية بالخلايا الدهنية، حيث تبدأ تفاعلات إطلاق الطاقة من الدهون، بتحرير الأحماض الدهنية من الغليسرول أولاً فيدخل الغليسرول في أيض الكربوهيدرات بينما تتأكسد (تتهدم) الأحماض الدهنية تدريجياً إلى وحدات ذات ذرتين كربون فقط (استيل)، وتستخدم هذه الوحدات الثنائية الكربون في تكوين الهرمونات الجنسية والكوليسترول، وأحماض دهنية أخرى ومركبات أخرى معقدة، وربما تدخل هذه الأجزاء بالاتحاد مع مشتقات الكربوهيدرات، لإنتاج ثاني أكسيد الكربون، والماء، وإطلاق الطاقة وإذا لم توجد الكربوهيدرات تتكدس هذه الوحدات ثنائية الكربون لتكون الأجسام الكيتونية في الدم، وهي مركبات سامة للجسم حين تتجمع فيه. ولتجنب هذا التسمم الكيتوني يجب أن يحتوي الطعام على نسبة معينة من الكربوهيدرات، إذ تسمى الكربوهيدرات بمضادات تكوين الأجسام الكيتونية، أما الدهون فتسمى بمولدات الأجسام الكيتونية.

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

كم ساعة نشاط بدني أسبوعياً تبطئ تقدم مرض باركنسون؟

صحتك مرض باركنسون هو اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي (أ.ف.ب)

كم ساعة نشاط بدني أسبوعياً تبطئ تقدم مرض باركنسون؟

يُعرف مرض باركنسون بأنه اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي يؤثر تدريجياً على الحركة والتحكم العضلي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الامتناع عن الطعام قبل الجراحة خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض(رويترز)

لماذا يُنصح بعدم تناول الطعام قبل الخضوع لأي جراحة؟

قد يبدو الامتناع عن الطعام والشراب قبل الخضوع للجراحة إجراءً روتينياً مزعجاً؛ خصوصاً عند تحديد موعد العملية في ساعات الصباح الباكر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك طبيب ينظر إلى فحوص تصوير مقطعي للدماغ (أ.ب)

بروتين يحمي خلايا الدماغ من الشيخوخة... هل يفتح الطريق لعلاج ألزهايمر؟

اكتشف باحثون بروتيناً يحمي الخلايا المناعية في الدماغ من التدهور المرتبط بالتقدم في العمر، وهو ما قد يمهد الطريق لابتكار علاجات مستقبلية لمرض ألزهايمر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك يعاني ما لا يقل عن 3.8 مليون شخص حول العالم من مرض التهاب الأمعاء (رويترز)

قبل عقد من ظهور الأعراض... إشارات في الدم قد تنذر بالإصابة بالتهاب الأمعاء

كشفت دراسة جديدة أن أنماط الأجسام المضادة في دم الإنسان قد تتنبأ بظهور مرض التهاب الأمعاء قبل عقد كامل من تشخيصه، مما يفتح باب الأمل للكشف المبكر عن هذه الحالة.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
صحتك قد تشمل العلامات المبكرة لضعف القلب ضيق التنفس والتعب المستمر وتورم القدمين والكاحلين (بيكسلز)

5 علامات مبكرة لضعف القلب لا تتجاهلها

قد تشمل العلامات المبكرة لضعف القلب ضيق التنفس، والتعب المستمر، وتورم القدمين والكاحلين، وتسارع ضربات القلب، والدوخة أو الإغماء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هل تساعد أدوية السكري والسمنة في علاج الإدمان؟

حقنة أوزمبيك أحد مصادر أدوية «جي إل بي -1» (أرشيفية - رويترز)
حقنة أوزمبيك أحد مصادر أدوية «جي إل بي -1» (أرشيفية - رويترز)
TT

هل تساعد أدوية السكري والسمنة في علاج الإدمان؟

حقنة أوزمبيك أحد مصادر أدوية «جي إل بي -1» (أرشيفية - رويترز)
حقنة أوزمبيك أحد مصادر أدوية «جي إل بي -1» (أرشيفية - رويترز)

تمثل اضطرابات تعاطي المواد عبئاً صحياً عالمياً كبيراً. ومع ارتفاع معدلات الانتكاس ومحدودية الخيارات الدوائية المتاحة لعلاج الإدمان على بعض المواد، تبرز الحاجة إلى علاجات إضافية، إلى جانب توسيع نطاق الوصول إلى العلاجات المعتمدة.

وفي هذا السياق، يدرس الباحثون إمكانية استخدام أدوية السمنة «جي إلى بي -1» (GLP-1)، التي تُستخدم لعلاج السكري من النوع الثاني والسمنة، في علاج الإدمان؛ نظراً إلى تأثيراتها في دوائر المكافأة في الدماغ. لكن استخدامها لهذا الغرض لا يزال قيد البحث، ولم تتأكد بعد فاعليتها السريرية.

كيف يمكن أن تؤثر أدوية «GLP-1» في الإدمان؟

طُوّرت هذه الأدوية في الأصل لعلاج الاضطرابات الأيضية، من خلال محاكاة عمل هرمون «GLP-1» الطبيعي، وتحسين تنظيم مستويات السكر في الدم، وتعزيز الشعور بالشبع. وتساعد مدة تأثيرها الطويلة على استمرار مفعولها العلاجي. ويُنتج الجسم هرمون «جي إلى بي -1» في خلايا الأمعاء، وكذلك في بعض الخلايا العصبية في منطقة جذع الدماغ.

وتشير الأبحاث إلى أن الإشارات التي ينقلها هذا الهرمون تؤثر في شبكات الدماغ المسؤولة عن المكافأة والتحكم المعرفي، بما في ذلك المسارات التي تربط المنطقة السقيفية البطنية والنواة المتكئة والقشرة الجبهية الأمامية. ويستند جانب كبير من الأدلة المتعلقة بهذه التأثيرات إلى دراسات أُجريت على الحيوانات.

وتؤثر دورات الإدمان في هذه المسارات، بما ينعكس على القدرة على التحكم في السلوك، وإشارات الدوبامين، والاستجابة للتوتر والمحفزات المرتبطة بالمواد المخدرة.

وقد تساعد أدوية «جي إلى بي -1» على تعديل بعض هذه العمليات. وأظهرت دراسات على الحيوانات انخفاض استجابات الدوبامين الناجمة عن تعاطي المواد، كما أدى دواء إكسيناتيد، في نموذج لدراسة الكوكايين، إلى تقليل إشارات الالتهاب العصبي المرتبطة بعامل نووي يُعرف باسم NF-κB في النواة المتكئة، وفق ما أفادت موقع «نيوز ميديكال».

وتشير أبحاث حديثة في مجال الاضطرابات العصبية والنفسية إلى وجود مسارات مشتركة للمكافأة والتحكم المعرفي بين الإدمان وبعض أشكال السمنة. وقد أظهرت دراسات أن الأشخاص المصابين بالسمنة لديهم اتصال وظيفي أقل بين المنطقة السقيفية البطنية والقشرة الجبهية الأمامية، لكن هذه النتائج لا تثبت أن السمنة والإدمان ينشآن عن آليات مرضية متطابقة.

كما كشفت دراسات جينية عن أساس وراثي متعدد الجينات مشترك بين اضطراب تعاطي الكحول ومؤشر كتلة الجسم، مع وجود بعض المتغيرات الجينية المشتركة التي تؤثر بصورة متعاكسة في كل منهما.

التأثير في المكافأة والرغبة في التعاطي

حددت الدراسات ما قبل السريرية إشارات هرمون «GLP-1» بوصفها أحد العوامل التي تعدّل معالجة الدماغ للمكافأة. ويقيّم الباحثون تأثيراتها السلوكية من خلال قياس استهلاك المواد طوعاً، والاستجابة للمحفزات المرتبطة بها، وعودة الرغبة في البحث عنها بعد الامتناع عنها.

وفي تجربة بشرية على أشخاص يعانون اضطراب تعاطي الكحول، قلل دواء إكسيناتيد استجابة مناطق في المخ، تشمل الجسم المخطط البطني والحاجز الدماغي، للمحفزات المرتبطة بالكحول. لكن هذه النتيجة، التي رُصدت باستخدام التصوير العصبي، لم تصاحبها انخفاضات عامة في استهلاك الكحول؛ لذلك لا يمكن عدّ تراجع الاستجابة للمحفزات دليلاً على الوقاية من الانتكاس.

وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن العلاجات القائمة على ناهضات مستقبلات «GLP-1» قد تؤثر في استجابة الدماغ للمكافأة والرغبة في التعاطي. لكن التغيرات التي تُرصد في السلوك التجريبي أو نشاط الدماغ تحتاج إلى تأكيد من خلال نتائج سريرية ملموسة، مثل الانخفاض المستمر في تعاطي المواد ومعدلات الانتكاس.

ماذا أظهرت الدراسات على الحيوانات؟

تشير أدلة متزايدة من الدراسات ما قبل السريرية إلى أن أدوية «GLP-1» قد تقلل استهلاك المواد أو قدرتها على تعزيز السلوك الإدماني، أو تحد من عودة البحث عنها، في نماذج تجريبية تتناول الكحول والنيكوتين والكوكايين والمواد الأفيونية.

ويقصد بعودة البحث عن المادة استئناف هذا السلوك بعد إيقافه تجريبياً.

وفي دراسات على القوارض والرئيسيات غير البشرية، أدت أدوية عدة، من بينها سيماغلوتايد وليراغلوتايد وإكسندين-4، إلى تقليل شرب الكحول أو السلوكيات الشبيهة بالانتكاس، مع اختلاف النتائج حسب الجرعة والمركب الدوائي والنموذج التجريبي. فعلى سبيل المثال، أدى حقن إكسندين-4 مباشرة في مناطق مرتبطة بالمكافأة، بما فيها النواة المتكئة والمنطقة السقيفية البطنية، إلى تقليل استهلاك الكحول لدى القوارض.

ورصدت بعض التجارب هذا الانخفاض من دون تغيرات مماثلة في استهلاك الماء أو الوظائف الحركية، لكن مدى خصوصية التأثير اختلف بين الدراسات.

وفي نماذج اضطراب تعاطي التبغ، نشّط النيكوتين الخلايا العصبية المنتجة لهرمون «GLP-1» في نواة السبيل المنفرد في جذع الدماغ. وعززت إشارات الهرمون عبر مسارات الحُبَين تجنب النيكوتين، في حين قلل دواء ليراجلوتايد من الإدارة الذاتية للنيكوتين، أي تناوله طوعاً في بيئة تجريبية، ومن عودة سلوك البحث عنه.

ماذا تقول التجارب السريرية على البشر؟

لم يجد تحليل تجميعي لثلاث تجارب عشوائية محكومة، شملت 430 بالغاً ودرست نتائج مرتبطة بالكحول، انخفاضاً إجمالياً ذا دلالة إحصائية في استهلاك الكحول بعد العلاج بأدوية «GLP-1». كما لم تُظهر النتائج المجمعة انخفاضاً ذا دلالة إحصائية في عدد المشروبات لكل يوم من أيام الشرب أو في الرغبة في تناول الكحول.

ومن المهم الإشارة إلى اختلاف الفئات المشاركة في الدراسات؛ إذ جاءت نتائج دواء دولاجلوتايد من تجربة للإقلاع عن التدخين، وليس من تجربة صُممت أساساً لعلاج اضطراب تعاطي الكحول. كما أن التحليل التجميعي وصف هذه العينة بصورة غير متسقة بصفتها من المصابين باضطراب تعاطي الكحول؛ ما يعقد تفسير نتائجه المجمعة.

ولم تجد تجربة خاصة بدواء إكسيناتيد فائدة عامة في خفض استهلاك الكحول. لكن تحليلاً ثانوياً أظهر انخفاض الاستهلاك لدى المشاركين المصابين بالسمنة أيضاً، التي عُرّفت بأنها مؤشر كتلة جسم يبلغ 30 كيلوغراماً لكل متر مربع أو أكثر. وتحتاج هذه النتيجة الاستكشافية إلى تأكيد، ولا تثبت أن السمنة مؤشر موثوق لتوقع الاستجابة للعلاج.

وفي تجربة منفصلة استمرت تسعة أسابيع، أدى سيماجلوتايد إلى خفض استهلاك الكحول في المختبر، وعدد المشروبات لكل يوم من أيام الشرب، والرغبة في تناول الكحول، مقارنة بالعلاج الوهمي. ولم تُجرَ مقارنة مباشرة بين سيماجلوتايد وإكسيناتيد؛ ولذلك لا يمكن الاستنتاج من هاتين التجربتين أن أحد الدواءين يتفوق على الآخر.

أما نتائج دراسات الإقلاع عن التدخين، فجاءت متباينة. فقد أظهرت تجربة صغيرة أن إضافة إكسيناتيد إلى لصقات النيكوتين حسّنت الامتناع عن التدخين وقللت زيادة الوزن بعد الإقلاع عنه.

لكن تجربة أكبر اختبرت إضافة دولاجلوتايد إلى فارينيكلين لم تجد تحسناً في معدلات الامتناع عن التدخين، رغم انخفاض زيادة الوزن خلال فترة العلاج. ولم يستمر هذا الأثر المتعلق بالوزن خلال المتابعة الأطول.

كذلك، لم تجد دراسة صغيرة استخدمت جرعة واحدة من إكسيناتيد لدى أشخاص يعانون اضطراب تعاطي الكوكايين انخفاضاً في الاستهلاك الذاتي للكوكايين أو في آثاره التي أبلغ عنها المشاركون.

لا تزال الحاجة قائمة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد مدى فعالية أدوية «GLP-1» في علاج اضطرابات تعاطي المواد، وتقييم سلامتها على المدى الطويل، ومعرفة الفئات التي قد تستفيد منها، قبل التوصل إلى استنتاجات بشأن إمكانية استخدامها علاجاً للإدمان.


كم ساعة نشاط بدني أسبوعياً تبطئ تقدم مرض باركنسون؟

مرض باركنسون هو اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي (أ.ف.ب)
مرض باركنسون هو اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي (أ.ف.ب)
TT

كم ساعة نشاط بدني أسبوعياً تبطئ تقدم مرض باركنسون؟

مرض باركنسون هو اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي (أ.ف.ب)
مرض باركنسون هو اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي (أ.ف.ب)

يُعرف مرض باركنسون بأنه اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي يؤثر تدريجياً على الحركة والتحكم العضلي.

وتشير الدراسات إلى أن ممارسة النشاط البدني بانتظام قد تساعد على إبطاء تراجع القدرات الحركية وتحسين جودة الحياة لدى المصابين بمرض باركنسون. ويُنصح غالباً بممارسة نحو 150 دقيقة أسبوعياً من التمارين المناسبة للحالة، مع تمارين التوازن والقوة، بعد استشارة الطبيب. لكن لا توجد مدة محددة ثبت أنها توقف تطور المرض أو تبطئه بشكل مؤكد.

ما هو مرض باركنسون؟

• يحدث نتيجة تلف أو موت الخلايا العصبية في جزء من الدماغ يُسمى «المادة السوداء».

• تتوقف هذه الخلايا عن إنتاج الدوبامين، وهو ناقل عصبي مهم ينظم حركة الجسم وتوازنه.

• يُعد التقدم في العمر هو عامل الخطر الأبرز، وغالباً ما تبدأ الأعراض في الظهور بعد سن الخمسين.

مستويات النشاط البدني:

نشاط منخفض:

مستويات قليلة من الحركة أسبوعياً.

نشاط متوسط:

مستويات معتدلة من النشاط البدني التي أظهرت الدراسات ارتباطها بتباطؤ واضح في التدهور الإدراكي والحركي.

نشاط مرتفع:

مستويات عالية من النشاط البدني، حيث تشير بعض الملاحظات إلى أن زيادة المجهود المفرط قد لا تعطي بالضرورة فوائد إضافية مضاعفة للذاكرة والتفكير مقارنة بالنطاق المعتدل.

تشير التوصيات العامة إلى أن الحفاظ على مستوى منتظم من النشاط البدني أسبوعياً يساعد في الحفاظ على الصحة البدنية وتقليل حدة الأعراض.


لماذا يُنصح بعدم تناول الطعام قبل الخضوع لأي جراحة؟

الامتناع عن الطعام قبل الجراحة خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض(رويترز)
الامتناع عن الطعام قبل الجراحة خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض(رويترز)
TT

لماذا يُنصح بعدم تناول الطعام قبل الخضوع لأي جراحة؟

الامتناع عن الطعام قبل الجراحة خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض(رويترز)
الامتناع عن الطعام قبل الجراحة خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض(رويترز)

قد يبدو الامتناع عن الطعام والشراب قبل الخضوع للجراحة إجراءً روتينياً مزعجاً؛ خصوصاً عند تحديد موعد العملية في ساعات الصباح الباكر، ولكنه في الواقع خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض.

وتختلف مدة الصيام المطلوبة وفقاً لنوع الطعام والشراب، والحالة الصحية للمريض، وطبيعة العملية والتخدير المستخدم، حسب موقع «أونلي ماي هيلث» العلمي.

فلماذا يجب الامتناع عن الطعام قبل الجراحة؟

يتمثل السبب الرئيسي للصيام قبل الجراحة في تقليل خطر الشفط الرئوي، وهي حالة ترتد فيها محتويات المعدة، مثل الطعام أو السوائل، إلى القصبة الهوائية والرئتين بدلاً من انتقالها عبر الجهاز الهضمي بصورة طبيعية، ما قد يؤدي إلى التهابات ومشكلات خطيرة في التنفس، وقد تؤدي في الحالات الشديدة إلى مضاعفات تهدد الحياة.

وفي الظروف المعتادة، يمتلك الجسم ردود فعل وقائية، مثل السعال والبلع، تساعد على منع دخول الطعام والسوائل إلى الجهاز التنفسي. ولكن أدوية التخدير العام تؤدي إلى فقدان الوعي وإضعاف هذه الآليات الوقائية، كما قد ترخي العضلات التي تساعد على منع ارتداد محتويات المعدة إلى المريء.

لماذا تختلف مدة الصيام من طعام إلى آخر؟

تظل الأطعمة داخل المعدة فترة تختلف حسب نوعها وكميتها، قبل انتقالها تدريجياً إلى الأمعاء الدقيقة.

وتحتاج الوجبات الدسمة والغنية بالدهون إلى وقت أطول للهضم ومغادرة المعدة مقارنة بالسوائل الصافية، وهو ما يفسر اختلاف فترات الامتناع عن الطعام والشراب قبل العمليات.

وبالنسبة إلى كثير من البالغين الأصحاء الذين يخضعون لعمليات اختيارية، تتضمن الإرشادات الشائعة للتخدير الفترات التالية:

السوائل الصافية:

يمكن عادة تناولها حتى ساعتين قبل التخدير، وتشمل الماء والعصائر المصفاة، والشاي أو القهوة من دون حليب.

الوجبات الخفيفة:

تتطلب عادة الامتناع عن الطعام لمدة 6 ساعات على الأقل قبل التخدير.

الوجبات الثقيلة أو الغنية بالدهون:

قد تتطلب صياماً لمدة 8 ساعات أو أكثر، نظراً إلى بطء إفراغ المعدة بعد تناولها.

وتظل هذه المدد إرشادات عامة وليست قواعد تنطبق على جميع المرضى؛ إذ قد تستلزم بعض الحالات الصحية احتياطات مختلفة، ولذلك ينبغي الالتزام بالتعليمات المحددة التي يقدمها فريق الجراحة والتخدير.

ماذا يحدث إذا تناول المريض الطعام قبل العملية؟

في هذه الحالة، يقيِّم طبيب التخدير مقدار الخطر وفقاً لنوع الطعام أو الشراب الذي تناوله المريض، وكميته، والوقت المنقضي منذ تناوله، إلى جانب حالته الصحية ونوع التخدير المخطط له.

وقد يقرر الفريق الطبي تأجيل العملية أو إعادة جدولتها إذا رأى أن المعدة لم تفرغ بصورة كافية، وأن استمرار الجراحة في موعدها قد يعرض المريض لمخاطر إضافية.

لكن تناول الطعام قبل العملية لا يعني بالضرورة حدوث مضاعفات؛ إذ يعتمد القرار على تقييم الحالة. والأهم هو إبلاغ الفريق الطبي بكل دقة عن أي طعام أو شراب تم تناوله عن طريق الخطأ، وعدم إخفاء هذه المعلومات، حتى لو كانت الكمية صغيرة.