هل ستكون أوكرانيا سبباً في نهاية حركة السلام الغربية؟

هل ستكون أوكرانيا سبباً  في نهاية حركة السلام الغربية؟
TT

هل ستكون أوكرانيا سبباً في نهاية حركة السلام الغربية؟

هل ستكون أوكرانيا سبباً  في نهاية حركة السلام الغربية؟

أسفر الغزو الروسي لأوكرانيا عن كثير من الأزمات على المستوى العالمي. وعلاوة على الأزمات التي تتعلق بالجوانب الإنسانية والطاقة والغذاء، هناك تداعيات للخوف من الخطر على مستوى الدول والشعوب بالنسبة للمجتمعات الغربية. وقال الدكتور عمرو صلاح، المحاضر في كلية كارتر للسلام وحل النزاعات بجامعة جورج ماسون، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأمريكية، إن الخوف من الهجمات الروسية المحتملة انتشر من شرق العالم إلى غربه وزاد بعد تهديد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستخدام الأسلحة النووية. وفي الوقت الحالي، من الممكن أن تؤدي مشاعر عدم الأمان إلى إنهاء عقود من إنجازات حركة السلام الغربية، من خلال التأثير على خيارات الجهات السياسية الرسمية الفاعلة والسياق الثقافي في المجتمعات الغربية. وتعتمد المخاوف من إمكانية انتهاء حركة السلام الغربية على 3 اتجاهات وتوقعات؛ انتهاء نزع السلاح النووي لفترة ما بعد الحرب الباردة، والإنفاق المتزايد على الأسلحة، والتحول الجذري في الرأي العام الذي يتضح في الدعم للتسليح والحفاظ على الأسلحة النووية في الغرب. فبعد عقود من انخفاض الإنفاق على الترسانات والأسلحة النووية من المتوقع أن يكون هناك تزايد في هذا الإنفاق نتيجة للتهديدات الروسية والمخاوف الشعبية من عدم الأمان.
وأضاف صلاح أنه طوال عقود كان الحد من الترسانات النووية والإنفاق على الجيوش عوامل مساهمة رئيسية لحركة السلام الغربية. على الرغم من أن هناك جدلاً في الأدبيات الأكاديمية بالنسبة لدور الحركة في إنهاء الحرب الباردة، هناك شبه إجماع على أن هناك إحساساً عميقاً بتأثيرات الحركة على المستوى الاجتماعي والثقافي الأوسع نطاقاً. وشمل ذلك تشكيل أعراف وقيم القرن الحادي والعشرين بالنسبة للسلام، وإنهاء الاحتكار الرسمي بالنسبة للقرارات الخاصة بالحرب والسلام، وتوعية جزء كبير من المواطنين الغربيين ضد الحرب والأسلحة النووية.
هذا بإلإضافة إلى غرس قيم الحركة في الأحزاب الرئيسية والمؤسسات متعددة الأطراف، ما يمثل ضغطاً على القوى العالمية للحد من ترساناتها النووية، وتشكيل قيم الأجيال الجديدة والقادة التقدميين. وكل تلك العوامل مجتمعة شكلت السياق الذي تم في إطاره توقيع وتنفيذ معاهدات الحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (روسيا فيما بعد).
وقد اتخذ الغرب والاتحاد السوفياتي (روسيا لاحقاً) خطوات جادة نحو خفض التصعيد. وتوضح البيانات أن هناك انخفاضاً كبيراً في الإنفاق العسكري في الغرب وانخفاضاً آخر في مخزونات الترسانات النووية. ووفقاً لمعهد أبحاث السلام الدولي في ستوكهولم (سيبري) انخفض الإنفاق العسكري كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي من 3.4 في المائة عام 1982 إلى 2.2 في المائة عام 2019. وانخفض الإنفاق العسكري في دول مثل الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، والمملكة المتحدة خلال نفس الفترة من 8.6 في المائة، و3.25 في المائة، و3.4 في المائة، و4.5 في المائة إلى 3.43 في المائة، و1.84 في المائة، و1.26 في المائة، و2 في المائة على التوالي. كما توضح البيانات أن مخزونات الرؤوس الحربية النووية انخفضت بشكل كبير من 375770 في عام 1986 إلى 70512 في عام 2022.
ويقول صلاح إن هجمات 11 سبتمبر (أيلول) مثلت تحدياً بعد سنوات من الانحسار. واعتماداً على الأعراف السلمية لفترة ما بعد الحرب الباردة، تحدت حركة السلام الحرب العالمية ضد الإرهاب التي تزعمها جورج دبليو بوش وتوني بلير. وعلى الرغم من أن الحركة لم تستطع وقف غزو العراق وأفغانستان، أثبتت تعبئة الملايين ضد الحروب أن الحركة لها أهميتها ولها أتباعها.
ورغم الاتهامات بأن هناك تسللاً فيها للماركسيين والمتشددين الإسلاميين، أثبتت هذه الحروب أن موقف الحركة كان صحيحاً. فحرب بوش ضد الإرهاب لم تؤد إلى القضاء على الإرهاب. وعلى العكس، فقد دفعت الجيش الأمريكي نحو منحدر زلق، وخلقت فوضى في العراق أسفرت في نهاية المطاف عن ظهور «تنظيم داعش» بعد 20 عاماً، وهو تنظيم أكثر وحشية من «تنظيم القاعدة»، وجعل إيران أكثر قوة من ذي قبل.
وفي الوقت الراهن، لم يؤدِ غزو روسيا لأوكرانيا إلى تركيز جديد على الدفاع والأمن فحسب، لكنه أيضاً أضعف مواقف من يدعون إلى الحد من الإنفاق العسكري والترسانات النووية. ففي المملكة المتحدة، زاد الدعم لتبديل الغواصات الحاملة للصواريخ الباليستية «تريندت» واللجوء إلى نظام دفاع صاروخي نووي قوي إلى 42 في المائة في أغسطس (آب) 2022 بالمقارنة بـ32 في المائة قبل أشهر قليلة من الغزو الروسي. وفي تلك الفترة، انخفض عدد من يرون أنه يتعين على المملكة المتحدة التخلي عن الأسلحة النووية من 24 في المائة إلى 16 في المائة فقط.
وفي ألمانيا، وهي دولة معروفة تقليدياً أنها ضد التسلح وإرسال الأسلحة إلى مناطق النزاعات، تغير موقف الرأي العام المحلي بعد الغزو الروسي. وقد تم اتخاذ قرار إرسال أسلحة ثقيلة إلى أوكرانيا في سياق بدا فيه أن كثيراً من الناخبين الألمان يؤيدون إنشاء المستشار أولاف شولتس لصندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو للمشتريات العسكرية، وتخصيص أكثر من 2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي الألماني للدفاع. وفي الولايات المتحدة، حيث يشعر 80 في المائة من الأمريكيين تقريباً بالقلق إزاء اندلاع حرب أوسع نطاقاً أو إمكانية استخدام روسيا للأسلحة النووية، تمت الموافقة على الميزانية العسكرية للعام المالي 2023 دون أي اعتراضات.
وفي مثل هذا السياق الحساس، تبدو حركة السلام الغربية التي قامت بالتعبئة ضد العدوان الروسي مترددة في رفع صوتها ضد الحكومات الغربية وإحياء مهمة بدأتها منذ عشرات السنين. فتلك المهمة تتطلب عملا ً ملموساً لضمان ألا يكون الرد الغربي على العدوان الروسي على حساب المواطنين المعرضين للخطر في المجتمعات الغربية، حيث ما زال كثيرون يعانون من التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا، ومن زيادة أسعار الطاقة مؤخراً. ويتعين على الحركة أن تقوم بتعبئة مواردها لممارسة أقصى درجات التحقق ومراقبة الميزانيات العسكرية الغربية وأن تهدف إلى إبطاء الاندفاع نحو إعادة التسلح النووي الذي سوف يؤثر على الإنفاق العام والرعاية الاجتماعية.
ويقول صلاح إن كل ذلك يتطلب صياغة واضحة وصريحة لموقف الحركة، والتأكيد على أنه رغم أن زيادة الإنفاق العسكري قد تردع روسيا والصين في المدى القصير، فإن هذا سيؤدي في المدى الطويل إلى تفاقم المتاعب الاجتماعية الاقتصادية وعدم الأمان الاجتماعي في الغرب. وهذا بدوره يمكن أن يفيد الحركات الشعبوية، ويقلص من مرونة المجتمعات الغربية داخلياً ويؤدي في
نهاية المطاف إلى تعزيز الأنظمة الروسية والصينية على المستوى العالمي بدلاً من إضعافها. ومع ذلك، لا يمكن القول إن مهمة حركة السلام بدون تحديات. وأكبر هذه التحديات هو الرأي العام الهائج حالياً والأصوات الشعبوية التي سوف تتهم الحركة بتقديم تنازلات، لكونها غير متشددة بالنسبة لقضايا الأمن القومي، وتسترضي المعتدين. وتلك التحديات تثير تساؤلاً، وهو؛ هل لدى الحركة القدرة على التغلب على انحسارها عندما يحتاج الأمر إلى التدفق؟


مقالات ذات صلة

هدنة عيد الفصح بين روسيا وأوكرانيا تتعثر

أوروبا جنود أوكرانيون في غرفة تحوَّلت لكنيسة قرب الجبهة في دونيتسك (اللواء 93 الميكانيكي - أ.ف.ب) p-circle

هدنة عيد الفصح بين روسيا وأوكرانيا تتعثر

اتهمت القيادة العسكرية الأوكرانية روسيا بانتهاك هدنة عيد الفصح الأرثوذكسي مراراً، مع تسجيلها 470 حادثة تتراوح بين الضربات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة والقصف

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا نيران تشتعل بمبنى أصابته مسيّرة أوكرانية في بيلغورود (رويترز)

روسيا: إصابة 5 في هجمات لأوكرانيا على منطقتين حدوديتين رغم الهدنة

قال حاكما منطقتَين حدوديَّتين روسيَّتين إنَّ طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت أهدافاً في منطقتَي كورسك وبيلغورود؛ مما أسفر عن إصابة 5 أشخاص.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية الصواريخ الإيرانية تُعرض في متحف القوة الجوية الفضائية لـ«الحرس الثوري» في طهران بإيران - 15 نوفمبر 2024 (رويترز) p-circle

تقارير: الصين وروسيا قدمتا مساعدات ومعلومات إلى إيران

قال مسؤولون إن وكالات الاستخبارات الأميركية حصلت على معلومات تفيد بأن الصين ربما تكون قد أرسلت خلال الأسابيع الأخيرة شحنة من صواريخ الدفاع الجوي المحمولة.

أوروبا جنود أوكرانيون يؤدون صلاة العيد في قرية قرب سلوفيانسك (إ.ب.أ)

روسيا وأوكرانيا تفرجان عن أسرى حرب قُبيل هدنة عيد الفصح

تستعد روسيا وأوكرانيا لوقف مؤقت لإطلاق النار لمناسبة عيد الفصح الأرثوذكسي، اليوم (السبت)، سبقه تبادل لأسرى الحرب وضربات بالمسيّرات خلال الليل.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الحافلة التي أصابتها مُسيّرة روسية وسط مدينة ‌نيكوبول جنوب شرقي أوكرانيا الثلاثاء (أ.ب) p-circle

بوتين يعلن بمناسبة عيد الفصح عن وقف لإطلاق النار... وزيلينسكي يرد بالمثل

بوتين يعلن بمناسبة عيد الفصح عن وقف لإطلاق النار... وزيلينسكي يرد بالمثل، وكييف تتوقع ضغوطاً دبلوماسية وعسكرية مع نشر قوات روسية استراتيجية على الخطوط الأمامية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.