«بيت الملز»... سرد فني مزدحم بالحكايات

يضم عروضاً فنية من مهرجان «نور الرياض 2022»

الخيوط المضيئة في «أراك بوضوح في الظلام»
الخيوط المضيئة في «أراك بوضوح في الظلام»
TT

«بيت الملز»... سرد فني مزدحم بالحكايات

الخيوط المضيئة في «أراك بوضوح في الظلام»
الخيوط المضيئة في «أراك بوضوح في الظلام»

السارد لتاريخ مدينة الرياض يتوقف طويلاً أمام حي الملز، أحد أقدم وأعرق أحياء العاصمة، والذي كان يُسمى «الرياض الجديدة» في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، ومنه تشكّلت الروح المدنيّة للرياض، لتصبح مدينة كوزموبوليتانية تستطيع استيعاب الجميع، ولينتقل سكانها إلى عصر نهضوي مشرق، في فترة ما زالت محفورة بذاكرة ووجدان من عاشوا تلك الحقبة.
الحالة الاستثنائية لهذا الحي، تتجدد اليوم عبر بوابة الثقافة والفن في «بيت الملز»، وهو مشروع يعيد للأذهان عراقة الحي الذي ذاع صيته قبل أكثر من أربعة عقود، من خلال مبنى تم بناؤه مطلع الثمانينات بحي الملز، ثم خضع للتجديد وتأسس بشكله الحالي عام 2019، من قبل مؤسسيه: عبد السلام العمري، وخلود البكر، ومنصور الصوفي، ليصبح اليوم واحداً من المواقع الـ40 المختارة لاحتفالية «نور الرياض 2022» المقامة حالياً في العاصمة السعودية.
يتخذ «بيت الملز» موقعه وسط الحي القديم، ليغوص زائره في رحلة عميقة بين شوارع ومباني الملز التي تقاوم النسيان، في محاولة لمزج عراقة الماضي بجماليات الواقع المعاصر؛ إذ تعتمد هويّة «بيت الملز» على أنه مساحة للحوار والتعبير الفني، وملاذاً للفنانين والمبدعين، فضلاً عن كونه شاهداً على قصة تشكّل المشهد العمراني الحديث لمدينة الرياض.

واجهة «بيت الملز» على الطراز القديم لمباني الرياض

- «بيت الملز»
وفي جولة لـ«الشرق الأوسط» داخل «بيت الملز»، تبدو نقطة قوته مستمدة من التصميم المفتوح والنوافذ المتعددة، في جميع طوابقه الثلاثة؛ مما يمنحه ميزة لأن يكون مكاناً متعدد الأغراض، على مساحة تقدر بنحو 600 متر مربع. كما يتألف فريق «بيت الملز» من فنانين ومديري فنون، يتمتعون بخبرات تراكمية على الصعيدين الإقليمي والدولي؛ مما ساعدهم على الاستلهام من المبنى القديم فكرة إقامة مركز حيوي ومنتعش بالفنون.
وقال منصور الصوفي، أحد مؤسسي «بيت الملز»، إن الموقع البعيد عن الحداثة والمناطق الحديثة في الرياض، قام على فكرة تحويل هيكل المنزل إلى مركز ثقافي يُعني بالثقافة والفنون بشكل عام، لجميع فئات الناس. بسؤاله: لماذا الملز؟ يجيب «لعراقة المكان وتاريخه والعمق الثقافي الذي يتمتع به»، مبيناً أن الكثير من الفنانين المعاصرين والقدامى تربطهم الذكريات القديمة في هذا الحي، ويضيف «ناهيك أن حي الملز كان في فترة السبعينات والثمانينات هو مركز مدينة الرياض، وله عمق تاريخي وثقافي لا يضاهيه فيه أي حي آخر».
ويستند الصوفي خلال حديثه الخاص لـ«الشرق الأوسط» على المباني والوزارات والجهات الحكومية التي ظلت شاهدة على عراقة الملز، ويتابع «حينما نتجوّل في هذا الحي نستشعر الروح القديمة له؛ لذا ارتأينا إيجاد مركز ثقافي يجذب أنظار العالم لهذا الحي العريق لكن بمنظور مختلف».
ويشير الصوفي إلى أن «بيت الملز» يهدف إلى إشراك الجمهور وتمكين قطاع الفنون، من خلال تنويع العروض الفنية والثقافية المقدمة، وتوفير أرضية رحبة للمجتمع الفني للاندماج داخله، بما يسهم في نمو الحراك الفني في البلاد. وأخيراً، تمكين الفنانين والمبدعين من خلال تزويدهم بعدد من المساحات متعددة الوظائف لإنتاج وعرض ومناقشة أعمالهم الفنية.

- «أراك بوضوح في الظلام»
حالياً، يُعرض في «بيت الملز» العمل الفني «أراك بوضوح في الظلام» للفنان السعودي مهند شونو، ضمن احتفالية «نور الرياض 2022»، التي تعدّ من أكبر احتفالات الضوء الفنية في العالم، حيث يتوزّع هذا العمل على امتداد طوابق «بيت الملز» في قصة فنية متسلسلة بشكل لافت.
عن قصة هذا التعاون، يوضح الصوفي، أن فريق «نور الرياض» حين زار «بيت الملز» لاحظ منذ الوهلة الأولى أن الموقع يبدو مناسباً، كما رأى مهند شونو، أن المكان ملائم للأعمال الفنية التي كان يخطط لها، ومن هنا انطلقت الرحلة بين «بيت الملز» و«نور الرياض»، والتي تكللت بالنجاح، باعتبار أن الموقع يحظى اليوم بزيارات كبيرة جداً، كما يفيد.
ويَلمح المتلقي ذكاء الفنان مهند شونو في هذا العمل، حيث استخدم كل الأدوار الداخلية لـ«بيت الملز» وحوّلها عملاً فنياً متسلسلاً وأخاذاً، مع توظيفه للنوافذ المتعددة بدخول الإضاءة من أكثر من اتجاه، باعتبار الضوء هو عنصر أساسي في هذا العمل، إضافة إلى استثماره للمبنى الخالي من الأعمدة في خلق حالة فنية داخل المساحة المفتوحة.

عمل الفنان مهند شونو

- رحلة الإنسان
يشكل هذا العمل الفني عملية تداخل غامرة للحواس، حيث يأتي واسع النطاق ومتعدد الغرف يخترق أرضيات المبنى الواقع في قلب حي الملز بمدينة الرياض، والذي يعود تاريخه إلى عام 1980، كما يحفز العمل الجمهور لمتابعة الخيوط المضيئة في الظلمة، والتي تشق طريقها وتنتقل من الطابق السفلي إلى السقف. وتعبّر هذه الخيوط عن مواضيع تتكشف فيها رحلة الإنسان مع الخسارة والتفاني والاستسلام، بدءاً من الطابق السفلي، حيث تتسرب سلاسل دقيقة من الضوء إلى الغرفة المظلمة من خلال نوافذها، كناية عن أولئك الذين لم نعد قادرين على رؤيتهم. ثم يصبح كل طابق بمثابة مرحلة، أو خطوة متسلسلة في السرد.
وخلال هذا كله، تتم أرشفة المواضيع والقصص التي يحملونها إلى الطابق الثاني، وتعود إلى مكتبة من البكرات (بكرة الخيوط)، كرمز للذكريات التي يتم الاحتفاظ بها بشكل منظم وآمن، وتفتح بوابات للمداخل التي نشعر بها، ولكن لا يمكننا المرور عبرها. وفي الطابق الثالث، تمر الأوتار عبر «النول»، في محاولة لنسج ما تم تجزئته، تجسيداً للكدح المبذول في الجهد عديم الجدوى لإعادة تشكيل الذكريات، حيث تتشابك بعض الخيوط حتماً. وأخيراً، على سطح «بيت الملز»، حيث تمر الخيوط أعلاه، وتتجسد لتصبح قطعة قماش واحدة منسوجة؛ وهنا يعبّر الفنّان مهند شونو بالقول «نحن نغسل أحزاننا ونعلّقها بعيداً وعلى نطاق واسع من فوقنا».

- مهند شونو
مهند شونو هو فنان ولد في الرياض عام 1977، وقد تعلم الفن بنفسه، وتظهر مفرداته البصرية المميزة في أعمال تضم الرسومات الحميمة والمنحوتات كبيرة الحجم والأعمال التركيبية الآلية التي تحركها التكنولوجيا، ويقوم بتحفيز مشاريعه وتنظيمها من خلال السرد؛ مما يشكل مناقشة مع الحقائق الجماعية والتاريخية التي غالباً ما تجد أصولها في ذكرياته الشخصية.
تدور العديد من أعمال شونو حول فكرة «الخط»، التي طورها كإطار مفاهيمي أفقي موجود في تركيباته الرئيسية، حيث تكون فكرة التنمية سواء عن تحديث الأمة أو ممارسة الفنان الخاصة بمثابة استعارة رئيسية، كما يشير الخط إلى ممارسته المستمرة، وإن كانت أقل عرضاً في الرسم ورواية القصص المصورة.
وقد مثل مهند شونو السعودية في بينالي فينيسيا 2022، وأصبحت جمالية شونو السوداء بالكامل شعاراً معروفاً للجيل الجديد من الفنانين السعوديين، كما شارك مع اللجان الكبرى الأخرى مثل بينالي الدرعية للفن المعاصر بالرياض عام 2021، وديزرت إكس العلا عام 2020، وآي لوف يو أرجنتلي، وفنون جدة 21، 39 عام 2019.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.