جوزيف عطية: جاهز للعيش فقيراً في غرفة بالقرية

الفنان اللبناني قال لـ«الشرق الأوسط» إن أغنية «جمالا» حققت الهدف

الفنان جوزيف عطية
الفنان جوزيف عطية
TT

جوزيف عطية: جاهز للعيش فقيراً في غرفة بالقرية

الفنان جوزيف عطية
الفنان جوزيف عطية

في شخصية الفنان جوزيف عطية وأسلوب عيشه ما يتناقض كثيراً مع حياة الشهرة والأضواء. لا يحتاج إلى منبّه حتى ينهض من سريره مثلاً، فهو يستفيق يومياً بين السادسة والسابعة صباحاً حتى وإن كان عائداً لتوّه من حفل غنائي.
يبدأ يومه بالصلاة ثم ينتقل إلى الرياضة. في هذَين الواجبين الروحي والجسدي، يجد المغنّي اللبناني الشاب حصانة نفسية. يتمسك بالنظام الذي خلقه لحياته ويتعامل معه على أنه إحدى نقاط قوّته وصلابته.
يخبر «الشرق الأوسط» عن استعداداته لجولة طويلة تأخذه من الولايات المتحدة الأميركية إلى الأردن، مروراً بسوريا ولبنان وألمانيا، وتمتد من نوفمبر (تشرين الثاني) حتى مطلع 2023، يقول: «تُقلقني التحضيرات للرحلات البعيدة لكني أضع جدولاً واضحاً وأكتب كل التفاصيل أمامي، بما في ذلك الملابس التي سأرتديها في كل حفلة من الحفلات. يخفف التنظيم والترتيب من وطأة القلق».
أما ما لا يمكن تنظيمه خلال الأسفار، فهو الشوق إلى العائلة. وجوزيف معروف بتعلّقه الشديد بوالدَيه وشقيقتَيه. لا يتحمّل «ابن البيت» أن يمضي ليلة عيد الميلاد وحيداً، لذلك يتحايل على الواقع ويستدعي أختَيه سيلين وأنجيلا إلى جانبه، أينما حلّ صوته في العالم تلك الليلة.


عطية مع عائلته
هذا الفَقد للعائلة تعوّض عنه كذلك لهفة الجمهور المغترب: «لكل بلد من بلاد الانتشار خصوصيته، لكن القاسم المشترك هو شوق الناس لأي فنان لبناني يغنّي للجالية ويحمل معه رائحة الوطن»، يقول عطية.
إنه الوطن الذي غنّى له «لبنان رح يرجع والحق ما بيموت، والشمس رح تطلع تزيّن سما بيروت». أغنية ينتظرها المغتربون ويرددونها ملء حناجرهم، حالمين ببلدٍ قد يبدو أجمل عن بُعد.
يدرك عطية أن أغنيته تلك التي رافقت حراك الشارع وصرخات اللبنانيين، ربما خسرت معناها بالنسبة إلى كثيرين: «ما مررنا به كان صعباً جداً وثقيلاً. قد يكون البعض فقد الثقة بكلام الأغنية، أتفهم ذلك رغم أنني شخصياً لم أفقد الأمل بها يوماً وأنا مؤمن بكل كلمة من كلماتها». ويضيف: «حصلت على الإقامة الذهبية من دولة الإمارات العربية المتحدة لكني لم أغادر لبنان… (من هون ما منفلّ) على ما تقول الأغنية».
لا يدّعي عطية الطوباوية ولا المثالية فهو، كما سواه من اللبنانيين خسر الكثير بسبب الأزمة، لكنه يبدو محصّناً تجاه الظروف المحيطة الضاغطة. يقول: «حتى لو أفلست وصرت بلا بيت، لا مشكلة. أتأقلم سريعاً وأنا جاهز للعيش فقيراً في غرفة في القرية… أزرع الأرض وآكل من خيراتها وأكون سعيداً». يعتبر نفسه متآخياً مع الوحدة، إذ قد تمر 10 ساعات وهو جالسٌ مع لوحاته وألوانه، يمارس موهبته الثانية بعد الغناء، وهي الرسم. يجد في الكتب والبيانو رفاقاً أيضاً.
إلا أن اللحظة ليست للعزلة، فالفنان يستمتع حالياً بالأصداء التي رافقت أغنيته الجديدة «جمالا». يصف التعاون مع الملحّن والكاتب نبيل خوري بالناجح، ويشرح: «خلال التحضير توقّعنا نبيل وأنا أن تشعل الأغنية التيك توك، وهكذا حصل».
https://twitter.com/aawsat_News/status/1590393781597052930?s=20&t=sSjgQzrtIczaA1NgxGjMMw
كن ألا يقلل هاجس الترند من قيمة المحتوى؟ يرد عطية بالقول إن «لا خطأ في البحث عن كلمة جاذبة تعلق في مسامع الناس. هذه هي الموضة الرائجة عالمياً». ويضيف: «أحاول أن أوفّق بين الأغنية الخفيفة الراقصة التي تناسب متطلبات منصات التواصل، وفي المقابل أفرد مساحة للأغنية الصعبة والدسمة. فأذواق الناس تختلف وهذا يظهر جلياً في الحفلات، فمنهم من يحب أن يسمع أغنية (النحلة)، ومنهم من يطلب (إلا أنت)».
«لست من الفنانين الذين يعيشون 5 دقائق من الشهرة بفضل أغنية ضاربة ثم أختفي»، يقول عطية بثقة مَن أتمّ سنته السابعة عشرة في الوسط الفني. يوضح أنه يعمل على تَراكُم الأعمال والتجارب، التي بفضلها تُصنع الاستمرارية والثبات. كما أنه لا يهجس كثيراً بالاستماعات: «أنا جاهل في هذا الموضوع وفريقي يقوم بمتابعة تفاصيله. لا أعاين عدد الاستماعات، وأفضّل على ذلك اللحظة التي أقف فيها على المسرح وأسمع جمهوري يردّد الأغاني معي. هذا هو التقدير الحقيقي للفنان».

بعد «جمالا»، يستعد عطية لإطلاق 3 أغنيات إحداها باللهجة المصرية، وهي من ألحان عزيز الشافعي قد تصدر في نهاية السنة. أما خليجياً، فلا جديد: «أحب اللون الخليجي كثيراً ومن الأغاني الأقرب إلى قلبي (طبيعي)، التي شكّلت حالة خاصة وتصدّرت الاستماعات لفترة قياسية. لكن رغم نجاحها لم تكن جواز عبور كافٍ إلى دول الخليج، ربما لأنها من النوع الهادئ. لكني حتماً سأكرر التجربة الخليجية مع أغنية إيقاعية راقصة».
أما المشروع الموسيقي الحلم بالنسبة لجوزيف عطية فهو تسجيل أغنية كلاسيكية مباشرة برفقة أوركسترا فيلهارمونية عالمية، وهو في بحث عن أغنية تليق بها المقاييس الأوركسترالية.

للأحلام الشخصية مساحة كذلك في بال الفنان الثلاثيني الذي يتمنى أن يؤسس عائلته الصغيرة. يعترف بأنه أمضى سنوات من الصخب والضياع في بداياته، تعرّض خلالها لمغريات الأضواء والشهرة. «لعبت عائلتي دوراً كبيراً في إرجاعي إلى الأنا الحقيقية، فحتى في عز فورتي لم أكن سعيداً»، يقول عطية. ثم يضيف: «أنا جاهز لمشروع الزواج وعلى يقين بأنني قادر على أن أمنح الوقت اللازم لعائلتي. ليس صحيحاً أن الفنان لا يستطيع التوفيق بين المنزل الزوجي والفن. لكل شيء وقته والتنظيم مهم».
لكن لماذا لم يتم النصيب حتى اللحظة؟ يجيب عطية: «أدقق كثيراً قبل أن أخطو الخطوة النهائية باتجاه القرار، لأن الموضوع مقدّس وأنا لست من النوع الذي يتزوّج حتى يتطلّق. أرغب في أن أكون زوجاً وأباً صالحاً».
وعلى سيرة الأحلام، يحلو لجوزيف أن يعود إلى تلك اللحظة التي صدرت فيها أغنيته الأولى «لا تروحي» عام 2005 غداة فوزه في برنامج «ستار أكاديمي». يسترجعها قائلاً: «منذ الطفولة، كان حلم حياتي أن أصنع أغنية. أذكر الأيام الأولى بعد صدور (لا تروحي) كيف كنت أفتح نوافذ السيارة وأرفع الصوت عالياً وأجول في شوارع مدينة جبيل لأُسمع الناس أغنيتي الجديدة».


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
TT

سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الفلسطينية سوسن قاعود إن فيلمها الوثائقي «غزة غراد» جاء من رغبة في الاقتراب من التجربة الإنسانية للناجين من الحرب، موضحةً أن السؤال الذي شغلها منذ البداية لم يكن فقط كيف يهرب الناس من القصف، بل ماذا يحدث لهم بعد ذلك، حين يجدون أنفسهم فجأة في مكان آخر بعيد تماماً عن حياتهم السابقة.

وأضافت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «كثيراً من القصص التي تُروى عن الحروب تُركِّز على لحظات الدمار، أو الهروب، في حين أن ما يحدث بعد النجاة يظل أقل حضوراً في السرد، رغم أنه يحمل في داخله طبقات عميقة من المشاعر، والتجارب المعقدة التي تستحق أن تُروى».

المخرجة الفلسطينية سوسن قاعود (مهرجان سالونيك)

وأوضحت سوسن أن «الفيلم يحاول الاقتراب من تلك المساحة الصامتة التي يعيشها الإنسان بعد أن يبتعد جسدياً عن الحرب، لكنه يظل يحملها داخله»، لافتة إلى أن فكرة العمل بدأت من تأملها في مصير العائلات التي تضطر إلى مغادرة غزة تحت ضغط القصف، ثم تجد نفسها فجأة في بيئة جديدة لا تشبه شيئاً من عالمها الأول.

وأكدت أن هذا التحول المفاجئ يخلق حالة مركبة من المشاعر، حيث يمتزج الإحساس بالنجاة مع شعور عميق بالخسارة، لأن الإنسان يكتشف أنه لم يفقد بيتاً فقط، بل فقد أيضاً شبكة كاملة من العلاقات، والذكريات، والتفاصيل اليومية التي صنعت معنى حياته. وعدّت العائلة التي تطرقت إليها في الفيلم نموذجاً لتجربة يعيشها كثير من الفلسطينيين في السنوات الأخيرة.

ويرصد الفيلم الوثائقي «غزة غراد»، الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، رحلة الفلسطيني غسان، الذي يضطر إلى الفرار من القصف الإسرائيلي على غزة برفقة زوجته الروسية آنا وابنتيهما، ليبدأوا حياة جديدة في روسيا. وهناك يجد غسان نفسه أمام تحدي إعادة بناء حياته من الصفر في بلد يختلف تماماً عن المكان الذي نشأ فيه، بينما تحاول الأسرة كلها التأقلم مع واقع جديد.

ومع مرور الوقت يتحول المنفى، الذي بدا في البداية ملاذاً آمناً، إلى مساحة معقدة من المشاعر المتناقضة، حيث تتصارع الرغبة في الاستقرار مع الحنين المستمر إلى البيت الذي تركوه خلفهم. فالحياة التي تركوها في غزة لم تكن مجرد مكان للسكن، بل كانت منظومة كاملة من العلاقات، والذكريات، والعادات اليومية التي صنعت معنى وجودهم لسنوات طويلة.

وثقت المخرجة جوانب مختلفة من حياة العائلة بعد الرحيل من غزة (الشركة المنتجة)

وأكدت المخرجة الفلسطينية أن «الفيلم لا يحاول تقديم قصة بطولية أو استثنائية، بقدر ما يسعى إلى إظهار الحياة اليومية كما هي، بكل ما تحمله من لحظات هدوء، وارتباك، وحنين. وأكثر ما كان يهمني أثناء التصوير هو التقاط اللحظات الصغيرة التي تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تكشف في الحقيقة عن عمق التحولات التي يعيشها الإنسان عندما يجد نفسه في مكان جديد تماماً». كما أشارت إلى أن التصوير بين غزة وروسيا ومصر جرى بترتيب وتنسيق مع العائلة، وإن كانت الصعوبة الأكبر في تصوير الجزء داخل غزة، خصوصاً بعد «طوفان الأقصى» مباشرة.

وتحدثت عن أهمية التفاصيل في بناء الفيلم، مشيرةً إلى أن تلك التفاصيل البسيطة، مثل صمت العائلة داخل البيت الجديد، أو محاولة الأطفال التأقلم مع بيئة مختلفة، تحمل في داخلها كثيراً من المعاني التي لا يمكن التعبير عنها بالكلمات المباشرة. ولفتت إلى أنها حاولت أن تكون الكاميرا قريبة من الشخصيات دون أن تتدخل في حياتها، حتى تظهر المشاعر بشكل طبيعي وصادق، بعيداً عن أي مبالغة، أو افتعال.

الفيلم تناول قصص ما بعد الحرب على غزة (الشركة المنتجة)

وقالت إن «تجربة المنفى التي يعرضها الفيلم ليست مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل هي تجربة نفسية وإنسانية عميقة، لأن الإنسان عندما يترك بلده تحت ضغط الحرب يترك خلفه أيضاً جزءاً من هويته، وذاكرته». موضحةً أن هذا الشعور يصبح أكثر تعقيداً عندما يبدأ الشخص في بناء حياة جديدة في مكان مختلف، إذ يجد نفسه دائماً معلقاً بين عالمين: العالم الذي جاء منه، والعالم الذي يحاول أن يعيش فيه الآن.

وتحدثت كذلك عن الأمل بوصفه عنصراً أساسياً في الفيلم، موضحةً أن «هذا الأمل لا يظهر في صورة كبيرة، أو خطاب مباشر، بقدر ما يتجلى في قدرة الشخصيات على الاستمرار في حياتها رغم كل شيء. فالإنسان يمتلك قدرة مدهشة على التكيف، حتى في أصعب الظروف، وهذه القدرة هي ما تمنح الحياة معناها في النهاية».

وأوضحت أن تصوير الفيلم تطلّب قدراً كبيراً من الصبر، والاقتراب الإنساني من الشخصيات، لأن الهدف لم يكن مجرد تسجيل أحداث، بل فهم التجربة التي يعيشونها من الداخل. ولفتت إلى أن العلاقة التي نشأت بينها وبين العائلة خلال التصوير ساعدت على خلق مساحة من الثقة، وهو ما انعكس في صدق اللحظات التي تظهر على الشاشة.


هل كُشف أخيراً عن هوية بانكسي؟ جدل يتجدد وتحقيق يثير أسئلة أكثر مما يجيب

ظهرت لوحة بانكسي الشهيرة لأول مرة في أغسطس الماضي (غيتي)
ظهرت لوحة بانكسي الشهيرة لأول مرة في أغسطس الماضي (غيتي)
TT

هل كُشف أخيراً عن هوية بانكسي؟ جدل يتجدد وتحقيق يثير أسئلة أكثر مما يجيب

ظهرت لوحة بانكسي الشهيرة لأول مرة في أغسطس الماضي (غيتي)
ظهرت لوحة بانكسي الشهيرة لأول مرة في أغسطس الماضي (غيتي)

عاد الجدل حول هوية الفنان الغامض بانكسي إلى الواجهة مجدداً، بعد تحقيق حديث أجرته وكالة «رويترز»، خلص إلى ما وصفه بأنه استنتاج لا يدع مجالاً للشك بأن الشخصية التي تقف خلف هذا الاسم المستعار هي روبن غانينغهام، وهو رجل من مدينة بريستول طالما ارتبط اسمه بتكهنات سابقة.

وحسب تقرير لمجلة «نيوزويك»، استند التحقيق إلى مزيج من مقابلات مع شهود، وسجلات قضائية، إضافةً إلى تتبع تحركات مرتبطة بجداريات ظهرت في أوكرانيا عام 2022، ما عزز الرواية التي راجت لسنوات دون حسم.

غير أن هذا الطرح، على الرغم من قوته، لم ينهِ الغموض بقدر ما أعاد إشعاله. إذ لم يصدر أي تعليق من بانكسي نفسه، فيما اكتفت شركة «Pest Control» بالتأكيد أن الفنان اختار عدم التعليق. في المقابل، أبدى المحامي مارك ستيفنز اعتراضه على بعض نتائج التحقيق، معتبراً أن كشف الهوية يمثل انتهاكاً للخصوصية، وقد يعرّض الفنان للخطر.

استعادة سريعة لعمل بانكسي الأشهر (رويترز)

الغموض... جوهر الحكاية

في الواقع، لا يبدو أن المسألة تتعلق فقط بصحة ما توصل إليه التحقيق، بل بمدى قابلية كشف هوية بانكسي أصلاً ضمن سياق فني يقوم، في جوهره، على الغموض. فقد أصبحت سرية الهوية جزءاً لا يتجزأ من الأسطورة التي تحيط بأعماله، من بينها لوحة «Girl with Balloon»، وجدارياته ذات الطابع السياسي المفاجئ.

هكذا، تبدو كل محاولة لكشف هويته اكتشافاً مثيراً من جهة، وفصلاً جديداً من لعبة تخمين قديمة من جهة أخرى، لعبة لا تنتهي بسهولة.

وعلى منصات التواصل، عكست ردود الفعل هذا الانقسام. ففي تطبيق «تيك توك»، عبّر كثيرون عن شكوكهم، إذ كتب أحد المستخدمين أن هذه ليست المرة الأولى التي يُكشف فيها عن بانكسي، فيما رأى آخرون أن معرفة الحقيقة قد تنتقص من سحر الظاهرة نفسها، بل ذهب بعضهم إلى التساؤل عمّا إذا كان الأمر برمّته خدعة جديدة من الفنان.

جداريات بانكسي... رسائل احتجاج لا تهدأ (أ.ف.ب)

بين الحقيقة والأسطورة

هذا الشك ليس جديداً. فقد أعاد تقرير سابق لمجلة «نيوزويك» نشر مقابلة قديمة مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، نُقل فيها أن بانكسي أجاب بأنه روبي حين سُئل عن اسمه، ما فتح الباب مجدداً أمام موجة من التكهنات.

ورغم أن تحقيق «رويترز» أضفى مصداقية أكبر من معظم الشائعات، لاعتماده على أدلة ملموسة، فإن ردود الفعل تشير إلى أن كثيرين لا يكترثون كثيراً للاسم الحقيقي، بقدر اهتمامهم بالحفاظ على هذا الغموض بوصفه جزءاً أصيلاً من التجربة الفنية.

في المحصلة، لم يعد السؤال مجرد: من هو بانكسي؟

بل بات أقرب إلى سؤال آخر أكثر حساسية: هل معرفة الحقيقة ستُقدَّم بوصفها كشفاً صحافياً، أم ستُفقد الفن سحره تجريداً لا يرغب فيه جمهوره تعويضاً جمالياً عمّا صنعته الأسطورة؟

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


يتفوَّق على الألماس العادي... ما «الألماس السداسي»؟

بلورة استثنائية قد تدفع حدود المواد الصلبة إلى مستوى جديد (شاترستوك)
بلورة استثنائية قد تدفع حدود المواد الصلبة إلى مستوى جديد (شاترستوك)
TT

يتفوَّق على الألماس العادي... ما «الألماس السداسي»؟

بلورة استثنائية قد تدفع حدود المواد الصلبة إلى مستوى جديد (شاترستوك)
بلورة استثنائية قد تدفع حدود المواد الصلبة إلى مستوى جديد (شاترستوك)

نجح علماء صينيون في تخليق «الألماس السداسي»، وهو شكل من الألماس طال تنظيره علمياً، ويُعدّ أقوى من الألماس الحقيقي، ولم يكن يُعثر عليه حتى الآن إلا في مواقع اصطدام النيازك.

ويُعدّ الألماس «المكعب» الشائع هو أكثر المعادن صلادة على وجه الأرض، ويُستخدم على نطاق واسع في صناعة المجوهرات، وأدوات القطع الدقيقة، وأشباه الموصلات ذات الأداء العالي.

ورغم أنّ الألماس السداسي نادر ويُحتمل أن يكون أكثر متانة، فإنّ وجوده الفعلي ظلَّ محلَّ نقاش طويل.

وكتب الباحثون في الدراسة التي نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلتها «الإندبندنت»: «نظراً إلى عدم تقديم أدلة تجريبية صلبة تثبت وجوده، ظلَّت الخصائص الفيزيائية للألماس السداسي غير مستكشفة إلى حدّ كبير».

وتصف الدراسة الأخيرة عملية تخليق هذا الشكل النادر جداً من الكربون داخل المختبر، إذ أوضح باحثون من مختبر «هينان» الرئيسي للمواد وأجهزة الألماس في الصين كيفية تصنيع قطعة ضخمة من الألماس السداسي النقي باستخدام الضغط والحرارة الهائلين.

وفي إطار الدراسة، وضع العلماء شكلاً عالي التنظيم من الغرافيت بين «سندانين» مصنوعَيْن من كربيد التنجستن، وعرّضوه لضغط قدره 20 غيغاباسكال، وهو ما يعادل نحو 200 ألف ضعف الضغط الجوّي.

وأشار الباحثون إلى أنّ العملية جرت في درجات حرارة تتراوح بين 1300 و1900 درجة مئوية. ووفق الدراسة، أدَّى الضغط المُسلط من أعلى طبقات الكربون المتراصة إلى تكوين قطعة من الألماس السداسي النقي بحجم الملليمتر.

وكتب الباحثون في دراستهم: «نعلن هنا تخليق ألماس سداسي نقي الطور بمقياس الملليمتر، وذلك انطلاقاً من (غرافيت بيروليتي حراري فائق التوجيه)».

واستخدم العلماء تقنية «حيود الأشعة السينية»، وهي تقنية تعتمد على تسليط الأشعة السينية على الذرات لرسم خرائط لمواقعها، لإثبات أنّ العيّنة عبارة عن ألماس سداسي نقي من الناحية الهيكلية. كما استعانوا بمجاهر متطوّرة لرؤية أنماط التراص السداسية الفريدة لذرات الكربون بوضوح.

ثم اختبر الباحثون الخصائص الميكانيكية للمادة المبتكرة عبر ضغط طرف ألماسي داخل العينة لتقييم مدى مقاومتها للخدش أو الانبعاج.

وأظهرت النتائج أنّ عيّنة الألماس السداسي سجَّلت صلادة بلغت نحو 114 غيغاباسكال، مقارنة بعدد من قطع الألماس الطبيعي التي تبلغ صلادتها نحو 110 غيغاباسكال.

ويشير هذا إلى أنّ الباحثين ربما نجحوا في ابتكار مادة تفوق الألماس الطبيعي صلادة بشكل طفيف. وكتب العلماء: «يُظهر الألماس السداسي الكتلي صلادة أعلى قليلاً من الألماس المكعب، بالإضافة إلى استقرار حراري عالٍ».

وختم الباحثون دراستهم بالقول: «تحسم هذه النتائج الجدل الطويل الدائر حول وجود الألماس السداسي على أنه طور كربوني منفصل، وتقدّم رؤى جديدة حول عملية تحوّل الطور من الغرافيت إلى الألماس؛ الأمر الذي يُمهّد الطريق للبحوث المستقبلية والاستخدام العملي للألماس السداسي في التطبيقات التقنية المتقدّمة».