عمر ميقاتي لـ «الشرق الأوسط»: لبنان هو الدراما الكبرى

الممثل القدير يحتفظ بأوسمة في صندوق وليس في صدر المنزل

عمر ميقاتي
عمر ميقاتي
TT

عمر ميقاتي لـ «الشرق الأوسط»: لبنان هو الدراما الكبرى

عمر ميقاتي
عمر ميقاتي

ثلاث مرات خلال خمس سنوات، دخل الفنان عمر ميقاتي المستشفى، ليبدأ حديثه مع «الشرق الأوسط» بخلاصة: «على الممثل أن يحيط نفسه بظروف مريحة ليحافظ على نشاط دماغه». خمسون عاماً أمضاها بين المسرح والإذاعة ومواقع التصوير، أشعلت آلاماً في الركبة ورفعت عالياً تقدير النِعم: «لا أزال واقفاً على قدمَي. أراعي صحتي وأحيطها بالحذر. عمري 77 عاماً؛ علامتا النصر بالأرقام العربية. أصوّر مسلسلاً بعد أيام، وأمضي الوقت في القراءة والاستماع للموسيقى الكلاسيكية. (بحيرة البجع) لتشايكوفسكي تذهلني، وأمرّن ذهني بألعاب مفيدة».
كانت أمامه ساعة قبل وصول سيارة تقله إلى مدينته طرابلس حيث «المسرح الوطني»؛ مكانه الحميم. الطلاب هناك في انتظاره، فيقدّم لهم تدريبات تُحسّن الإلقاء بالفصحى. خلال الحوار، قدّم صورة المتصالح مع نفسه، الواثق بخياراته: «أعتذر عن (عدم قبول) أدوار لا تليق، ومن أصل 10 خلال السنوات الأخيرة، وافقتُ على 5. الكتّاب والمنتجون يعرفونني جيداً. حين يطلبونني لشخصية، لا يفعلون ذلك إلا لثقتهم بقدرتي. الأهم؛ أن تُتاح ظروف مريحة».
عمر ميقاتي رفيق «الإذاعة اللبنانية» الرسمية، كتب وأخرج عشرات البرامج، ومنح صوته لشخصيات ضخّ فيها اللحم والدم. لا ينتظر دوراً بقدر ما يريد من الدور نفسه أن يشغله: «الأدوار المفضلة تعتمد على دماغ الممثل وتُظهر حضوره وثقافته. في (شتي يا بيروت) كنتُ ذلك الأب الضئيل الذاكرة، لكنه الطيب تجاه ابنتيه. ثمة أدوار يمكن تأديتها بالتمثيل فقط. الدور الحقيقي هو ما نؤديه بشغف المهنة».
بسلامه الداخلي يقرأ المشهد الدرامي الميّال إلى التركيبة المشتركة والنقل من التركي: «لا بأس؛ ما دام التنفيذ محترفاً. يستوقفني نوع يدّعي (الواقعية) وهي مزعجة برأيي، لكون بعض المَشاهد في بعض المسلسلات غريباً عن بيئتنا. الجرأة غيرها الوقاحة، وحين تغلب الأخيرة، أطرح علامات استفهام حول النوايا. للعمل الدرامي أصول، فإن سيطر الهمّ التجاري، قلَّ الحياء وما هو مُوجّه للعائلة».
يعنيه أنّ صغاراً يعرفونه في تجولاته، فيطمئن إلى أنّ فنه آمن. هذا «مبدأ وتربية»؛ برأيه. هاجسه حراسة ما تعلّمه في منزله، فلا يخدش عيناً أو يُخجل جَمعة. يعود إلى أنه ابن الفنان الكبير نزار ميقاتي، مؤسّس «المسرح الوطني» اللبناني. يُحمّله الأب الراحل مكانته وهيبته، فيخشى التفريط في الإرث. يسمّي والده «أستاذي العظيم في الفن والأدب والفكر، ترك لي مكتبة تضم نحو 5000 كتاب؛ بينها النادر»، ويعود بالتاريخ إلى جذور أمه وشجرة العائلة. الرجل على عتبة الثمانين، أمامهما هو طفل لا يكبر.
أيعقل أنه لم يعتد الغياب ولم يتكيّف مع الرحيل؟ يقيمان فيه؛ «فأستيقظ ليلاً لأرى طيف الوالدة إلى جانبي. الوالد بدوره لا يغادر أفكاري». إطلاق اسم الأب على قاعة «المسرح الوطني» في طرابلس، بهمّة المسرحي الشاب قاسم إسطنبولي، يريح الابن لإحساسه بحضوره الدائم. يترقّب الربيع المقبل موعداً لإصدار كتابه «مشوار نزار» عنه: «لم أرده سرداً. أكتبه منذ سنوات على شكل حوار يُظهر جماله الإنساني».
لا تتخذ مشاعر السخط في داخله مساحة، إلا حيال الوضع اللبناني: «هنا الدراما الكبرى. دراما الشعب. ما بعدها يهون». عاش حروباً وتحولات؛ «إنما ما يحدث اليوم لم نشهده من قبل». صرخته الوحيدة من وجعه على الإنسان الفقير الجائع، وكم تملأ فضاءات ولا تبلغ الآذان!
يحتفظ بأوسمة تقديرية في صندوق، فليس عمر ميقاتي ممن يفلشونها في صدور المنازل. تمنحه إحساساً بأنّ الجهد لا يُحجب. ككل نفس يحرّرها الشبع من الصغائر، يردّ المحبة بأبهى حلّتها إلى ما يكنّه الناس له... «الشباب والكبار»، يؤكد ويشدد، «يعني أنني على السكة الصحيحة، وفني يحاكي العائلة بكامل أفرادها».
السمعة الطيبة ليست وليدة يوم وليلة... هي مسار من المحاولات والدروس والتجارب. سنوات وعمر ميقاتي يقدّم فناً محترماً على المسارح اللبنانية، ويبني مع الخشبة علاقة وفاء. وهو إن تنقّل في أدوار تلفزيونية أو أخذته شخصية سينمائية إلى عالمها، يبقى المسرح الأعزّ على القلب.
يقول عنه: «هو علاقتي المباشرة مع الجمهور وحضوري المُدرَك. لا مجال لنسيان سطر، فذلك يسبّب إرباكاً. ينال المسرح من أعصابي ويقضم وقتي. لسبع أو ثماني سنوات، وأنا أقدّم عروضاً متواصلة مع جورج خباز. بلغتُ مرحلة عدم القدرة على الاستمرار. باستثناء مرة أو اثنتين أسبوعياً، بات الذهاب إلى الشاتو تريانون (مسرح في منطقة الزلقا) صعباً ليلاً. تتعذّر القيادة ويغدو إرهاق الآخرين مسألة غير لطيفة. أرى من الأفضل التفرّغ للكتابة والإخراج. (تمثلياً)، لم يعد الظرف يساعد».
على لسانه ترِد استعادة ذكرياته أيام مجد المسرح مع الرحابنة وزياد الرحباني والمسيرة الطويلة. يشعر بأنه أدّى قسطه. يحمل سؤاله «أين المسرح اليوم؟» حزناً على البلد وأحواله، كحزنه على مدينته طرابلس وهي تُصدّر الجثث إلى البحار وتقتل طلابها لسقوط سقف الصف على الرأس. المضيء في مشهدها هو «المسرح الوطني» الذي يحضّر عرضاً على خشبته. يسدّد الغضب تجاه مُستحقيه: «مسؤولون بمعظمهم لا خير فيهم لأحد. ضمائرهم ميتة».


مقالات ذات صلة

أسماء جلال تتحرك ضد برنامج رامز جلال

يوميات الشرق رامز جلال وأسماء جلال بعد المقلب (حسابه على فيسبوك)

أسماء جلال تتحرك ضد برنامج رامز جلال

أثار برنامج «رامز ليفل الوحش» جدلاً حول حدود المزاح والمسؤولية الإعلامية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق مبنى الإذاعة والتلفزيون المصري «ماسبيرو» (الهيئة الوطنية للإعلام) 

مصريون يتمسكون بـ«الراديو» في رمضان رغم «إغراءات» التلفاز

لم يقتصر استقبال مصريين لشهر رمضان على التزاحم بالأسواق لشراء التمور والياميش أو الفوانيس بل امتد مشهد الزحام إلى ورش الصيانة ومراكز إصلاح أجهزة الراديو 

محمد عجم (القاهرة)
يوميات الشرق مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

بعد يومين من الجدل المصاحب لتسجيل شهادات نسائية عبر حسابات موثقة لأصحابها على «فيسبوك» تجاه مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق مسلسل «صحاب الأرض» يرصد اعتداء الجيش الإسرائيلي على الأطباء في غزة (الشركة المتحدة)

إشادات بـ«صحاب الأرض» بعد توثيقه معاناة أهل غزة درامياً

حصدت الحلقات الأولى من المسلسل المصري «صحاب الأرض» إشادات عربية لافتة عبر مواقع «السوشيال ميديا» لتوثيقه معاناة سكان غزة خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)

احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

احتفى الجمهور المصري بعودة الفنانة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة، ابتعدت خلالها عن الظهور الفني والإعلامي.

داليا ماهر (القاهرة)

النفط في أعلى مستوياته من 7 أشهر وسط توترات إيران

حقل غرب القرنة النفطي في البصرة جنوب شرقي بغداد (رويترز)
حقل غرب القرنة النفطي في البصرة جنوب شرقي بغداد (رويترز)
TT

النفط في أعلى مستوياته من 7 أشهر وسط توترات إيران

حقل غرب القرنة النفطي في البصرة جنوب شرقي بغداد (رويترز)
حقل غرب القرنة النفطي في البصرة جنوب شرقي بغداد (رويترز)

ارتفعت أسعار النفط، يوم الثلاثاء، مقتربةً من أعلى مستوياتها في 7 أشهر، حيث يُقيّم المتداولون المخاطر الجيوسياسية قبيل جولة جديدة من المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، في حين زاد عدم اليقين بشأن السياسة التجارية الأميركية من المخاوف العامة.

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 59 سنتاً، أو 0.8 في المائة، لتصل إلى 72.08 دولار للبرميل بحلول الساعة 04:24 بتوقيت غرينيتش، بينما ارتفعت العقود الآجلة للخام الأميركي 57 سنتاً، أو 0.9 في المائة، لتصل إلى 66.88 دولار للبرميل.

وقالت بريانكا ساشديفا، كبيرة محللي السوق في شركة «فيليب نوفا»: «في هذه المرحلة، تلعب العوامل الجيوسياسية الدور الأكبر في تحديد أسعار النفط، حيث يعود الثبات الحالي إلى حد كبير، إلى التوقعات وليس إلى نقص فعلي في الإمدادات». وأضافت: «يتزايد خطر التصعيد العسكري المحتمل في الشرق الأوسط، ولذا يبدو أن المتداولين يحتاطون لأسوأ السيناريوهات».

وصرح وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، يوم الأحد، بأن إيران والولايات المتحدة ستعقدان جولة ثالثة من المحادثات النووية يوم الخميس في جنيف.

وتطالب الولايات المتحدة إيران بالتخلي عن برنامجها النووي، لكن إيران ترفض ذلك بشدة، وتنفي سعيها لتطوير سلاح نووي.

وأعلن مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية، يوم الاثنين، أن الوزارة ستسحب موظفيها الحكوميين غير الأساسيين وعائلاتهم من السفارة الأميركية في بيروت، وسط تزايد المخاوف بشأن خطر نشوب صراع عسكري مع إيران.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الاثنين، إن عدم التوصل إلى اتفاق مع إيران سيكون «يوماً عصيباً للغاية» بالنسبة لها.

وقال توني سيكامور، محلل أسواق بشركة «آي جي»، في مذكرة لعملائه: «لا يزال سعر النفط الخام عند أعلى نطاق التداول الذي يتراوح بين 55 دولاراً و66.50 دولار، والذي ميّز الأشهر الستة الماضية».

وأضاف: «إن تجاوزاً مستداماً لأعلى هذا النطاق، سيفتح المجال لمزيد من الارتفاع من نحو 70 دولاراً إلى 72 دولارأ. في المقابل، من المرجح أن تؤدي مؤشرات خفض التصعيد إلى تراجع السعر نحو 61 دولاراً».

وعلى صعيد السياسة التجارية، حذّر ترمب يوم الاثنين، الدول من التراجع عن الاتفاقيات التجارية التي تم التفاوض عليها مؤخراً مع الولايات المتحدة، وذلك بعد أن ألغت المحكمة العليا تعريفاته الجمركية الطارئة، مُشيراً إلى أنه سيفرض عليها رسوماً أعلى بكثير بموجب قوانين تجارية أخرى.

وقال محللو بنك «يو أو بي» في مذكرة موجهة للعملاء: «خلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حالة من عدم اليقين بشأن النمو العالمي، وأجّج الطلب بجولة جديدة من رفع الرسوم الجمركية».

وكان ترمب قد أعلن يوم السبت، أنه سيرفع الرسوم الجمركية المؤقتة من 10 في المائة إلى 15 في المائة على الواردات الأميركية من جميع الدول، وهو الحد الأقصى المسموح به قانوناً.


سيناريوهات حرب أوكرانيا... بين الجمود والتسوية والتصعيد

بوتين وترمب خلال قمة ألاسكا (أ.ب)
بوتين وترمب خلال قمة ألاسكا (أ.ب)
TT

سيناريوهات حرب أوكرانيا... بين الجمود والتسوية والتصعيد

بوتين وترمب خلال قمة ألاسكا (أ.ب)
بوتين وترمب خلال قمة ألاسكا (أ.ب)

رغم التقدم البري البطيء الذي تحرزه القوات الروسية على جبهات القتال في شرق أوكرانيا، لا يزال النصر العسكري بعيد المنال من روسيا عقب أربع سنوات من «العملية العسكرية الخاصة» التي تحوّلت إلى حرب استنزاف طاحنة لم يتمكن الرئيس فلاديمير بوتين خلالها من تحقيق أهدافها. يعتقد بعض الخبراء الأميركيين الآن أن الوقائع الميدانية على الأرض تدل على أن بوتين لم يتمكن من إخضاع أوكرانيا، بل إن روسيا قد تُمنى بهزيمة استراتيجية.

أجرى الرئيس بوتين إصلاحاً عسكريّاً في كل الأبعاد فزاد موازنة الدفاع ومعاشات العسكر (أ.ب)

لطالما اعتبر الدبلوماسيون ومراقبو السياسات الخارجية أن التنبؤات تعدّ مغامرة محفوفة بالمخاطر، غير أن السفير الأميركي السابق ويليام كورتني خبير معهد راند للدراسات، الذي اضطلع بأدوار محورية في العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا (بما في ذلك في زمن الاتحاد السوفياتي)، ينظر إلى غزو أوكرانيا من زوايا مختلفة، اقتصادياً وبشرياً وعسكرياً وسياسياً، محاولاً رسم صورة أكثر وضوحاً لاحتمالات نهايات الحرب في ظل الجهود المكثفة التي تبذلها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي لم تؤد حتى الآن إلى نتائج ملموسة. ويتقاطع معه نائب مدير برنامج روسيا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات جون هاردي، الذي يعتقد أن «المواقف المتشددة» للرئيس بوتين هي العقبة الرئيسية في وجه السلام الأميركي المنشود.

نموذج أفغانستان

وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، يلاحظ كورتني الدبلوماسي الأميركي الذي كان عضواً في اللجنة الأميركية - السوفياتية المعنية بتنفيذ معاهدة حظر التجارب النووية وشغل منصب كبير مستشاري لجنة الأمن والتعاون في أوروبا (لجنة هلسنكي) ومساعداً خاصاً للرئيس السابق بيل كلينتون ومديراً لشؤون روسيا وأوكرانيا وأوراسيا في مجلس الأمن القومي الأميركي، أن الاقتصاد الروسي «يتأثر بشكل متزايد وحاد بالعقوبات» الأميركية والأوروبية، مما أدى إلى «تحويل متطلبات اقتصاد الحرب الروسي، من رأس المال إلى التكنولوجيا بعيداً عن القطاع المدني».

السفير الأميركي السابق البروفسور ويليام كورتني (الشرق الأوسط)

وأضاف أن الخسائر البشرية في القوات الروسية «مرتفعة للغاية» إلى درجة أنها «تتجاوز بكثير الخسائر السوفياتية خلال الحرب في أفغانستان».

في المقابل، رأى أن «السياسة الأميركية تحوّلت من دعم قوي لأوكرانيا إلى موقف أقرب إلى موقف الوسيط المحايد»، وبالتالي «لم تعد الولايات المتحدة في وضع يسمح لها بالتفاوض مع روسيا نيابة عن أوكرانيا أو أوروبا»، مضيفاً أن العديد من الزعماء الأوروبيين «ينظرون بشكل متزايد إلى الحرب في أوكرانيا باعتبارها مرتبطة بشكل وثيق بالأمن الأوروبي». وأوضح أن «القلق يتزايد» في أوروبا من أنه في حال انتصار روسيا في أوكرانيا، فإن «دولاً أوروبية أخرى قد تكون في خطر».

وللتأكيد على هذا التوجه من زاوية مختلفة، لم ير الخبير هاردي حتى الآن «جهداً متواصلاً وشاملاً من الولايات المتحدة لممارسة أقصى قدر من الضغط على روسيا لإجبارها على تقديم تنازلات حقيقية». ورغم أن «هناك بعض التحركات الدبلوماسية في الوقت الراهن، لا تزال الفجوة واسعة بين الطرفين، ولم تحقق بعد التسويات الحاسمة اللازمة للسلام».

أبعد من الأرض

ولتحقيق أهداف روسيا فيما يتعلق بإنهاء الحرب، ذكر هاردي بأن إدارة ترمب ترى ضرورة أن تتنازل أوكرانيا عن الأجزاء المتبقية من منطقة دونباس، مما يسمح بإنهاء الحرب ويمهد الطريق لاستئناف التعاون الاقتصادي بين الولايات المتحدة وروسيا، مستبعداً أن يكون هذا التقييم دقيقاً؛ إذ إنه «على مدى عقود، ركز بوتين على إعادة فرض هيمنته على أوكرانيا» لإعادتها إلى دائرة النفوذ الروسي، لتصير أقرب إلى بيلاروسيا منها إلى دولة مستقلة ذات توجه غربي». وفسر طبيعة مطالب روسيا بأنها «تتجاوز بكثير مسألة الأرض».

الخبير لدى مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات البحثية الأميركية جون هاردي (الشرق الأوسط)

واتفق معه السفير كورتني؛ لأن «روسيا لطالما نظرت، منذ أواخر عمر الإمبراطورية الروسية وحتى الحقبة السوفياتية - إلى الولايات المتحدة باعتبارها نظيرتها الجيوسياسية الرئيسية. ولم تنظر قط إلى أوروبا على أنها ذات أهمية استراتيجية مماثلة». وبالتالي، يبدو أن «موسكو مستعدة للتفاوض مباشرة مع ترمب، وهي تواصل التأكيد على مطالبها القصوى، بما فيها الاعتراف بسيطرتها على الأراضي المحتلة وتعزيز قبضتها على ما تبقى من منطقة دونباس».

وعسكرياً، أكد السفير كورتني أن الوضع الميداني «يتسم بالجمود إلى حد كبير»، مشيراً إلى أن القوات الروسية «لم تحرز مكاسب تُذكر على الأرض» في شرق أوكرانيا، رغم خسائرها الفادحة. بينما أسهم تطور حرب المسيرات في تقليل الخسائر البشرية على الجانب الأوكراني.

وقال: «يبدو أن المفاوضات متعثرة بالمثل»، مستدلاً على ذلك بتوضيحات مسؤولين روس، وبينهم وزير الخارجية سيرغي لافروف، أن «الجانبين لا يزالان بعيدين عن التوصل إلى اتفاق، على رغم التصريحات المتفائلة التي صدرت بين الحين والآخر من بعض القادة الأميركيين والأوكرانيين».

الشراكة مع الصين

ورداً على سؤال في شأن دعم بكين لموسكو، أكد كورتني أن «الصين قدمت دعماً لروسيا، وإن لم يكن ذلك على شكل أسلحة فتاكة، بل زودتها بالتكنولوجيا والسلع ذات الاستخدام المزدوج».

ومع ذلك، حافظت الصين خلال السنوات الأربع الماضية «على موقف حذر نسبياً». بل عندما لمّح الرئيس بوتين في سبتمبر (أيلول) 2022 إلى إمكان استخدام أسلحة نووية، سارع نظيره الصيني شي جينبينغ إلى التحذير بصورة متكررة من استخدام الأسلحة النووية. وبالتالي، على الرغم من أن «دعم الصين لروسيا كان كبيراً من الناحيتين الاقتصادية والتكنولوجية، فإنه لم يكن حاسماً عسكرياً، كما أنه لم يُترجم إلى دعم سياسي غير مشروط»، علماً بأنه قبل بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022 أعلنت بكين وموسكو «شراكة بلا حدود». لكن عملياً، أضاف كورتني: «كانت هناك حدود واضحة». ومن ثم، حافظت بكين على «مسافة استراتيجية» من موسكو، في ظل سعي الصين إلى «تجنب تعريض علاقاتها الاقتصادية الأهم مع أوروبا والولايات المتحدة والاقتصاد العالمي الأوسع للخطر».

وإلى حد ما، أكد هاردي أن «الصين تعد الشريك الأهم لروسيا في هذه الحرب»؛ لأنها «قدمت دعماً اقتصادياً، من خلال شراء كميات كبيرة من النفط الروسي وتوسيع التجارة الثنائية»، فضلاً عن أنها عملت كـ«قناة لنقل مدخلات أساسية كالإلكترونيات الدقيقة، وآلات التحكم الرقمي الكمبيوتري، وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج التي أسهمت في دعم القاعدة الصناعية الدفاعية الروسية».

وبالإضافة إلى الصين، لم يغفل هاردي أن «الحرب في أوكرانيا ليست منفصلة تماماً عن التحدي الصيني» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. فإذا سمحت لروسيا بالسيطرة على أوكرانيا «فقد يُضعف ذلك الردع في جبهات أخرى، بما في ذلك أي تحرك صيني محتمل ضد تايوان». ولاحظ أن «البعض في الولايات المتحدة يرى أن على واشنطن تقليص دعمها لأوكرانيا والتركيز حصراً على ردع الصين. ومع ذلك، فإن العديد من الدول الأكثر تعرضاً للنفوذ الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ تُقدم حجة معاكسة: فهي ترى أن الدفاع عن أوكرانيا يُعزز صدقية الردع على نطاق أوسع».

وفي الوقت نفسه، استعاد كورتني ما يُشير إليه الاستراتيجيون الروس بـ«توازن القوى» - وهو مقياس واسع للقوة والنفوذ - يسير ضد موسكو في علاقتها بأوروبا. فاقتصادياً، صارت روسيا أقل أهمية بالنسبة إلى أوروبا. وعسكرياً، وصلت الحرب إلى طريق مسدود. وأكد أنه «لا يوجد دليل يُذكر على قدرة روسيا على تغيير هذه المسارات بشكل حاسم».

واعتمد كورتني مقارنة الحرب الروسية في أوكرانيا بالحرب السوفياتية في أفغانستان، حيث لم يتمكن «المجاهدون» بين عامي 1979 و1989 من هزيمة القوات السوفياتية بشكل ساحق، لكنهم كانوا أقوياء بما يكفي لمنع موسكو من تحقيق النصر.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وفي نهاية المطاف، شكّل تطوران مهمان ذلك الصراع. أولاً، في منتصف الحرب، حدث تغيير في القيادة بوصول ميخائيل غورباتشوف إلى الحكم وسعيه إلى تخفيف عبء الالتزامات العسكرية السوفياتية، وتحسين العلاقات مع الغرب لأسباب اقتصادية. ونتيجة لذلك، لم يعد الكرملين ملتزماً بصورة تامة بمواصلة الحرب إلى أجل غير مسمى. وثانياً، استنزف المجاهدون القوات السوفياتية تدريجياً على مدى عقد من الزمن. ومع أنهم لم يتمكنوا من هزيمة الاتحاد السوفياتي بصورة ساحقة، جعلوا الحرب مكلفة للغاية - سياسياً واقتصادياً وعسكرياً - مما دفع موسكو في نهاية المطاف إلى الانسحاب».

وذكر السفير كورتني بأنه في السنوات الأولى للحرب الحالية في أوكرانيا، توقعت روسيا نصراً سريعاً، لكنها واجهت مقاومة شرسة. وقال: «يبدو أن موسكو غير قادرة على إجبار كييف على قبول شروطها القصوى. ولا تبدو أوكرانيا قوية بما يكفي لإجبار روسيا على قبول وقف النار. والنتيجة هي حرب استنزاف طاحنة».

الرئيس الصيني مستقبلاً بوتين في احتفالات الذكرى الـ80 لانتصار الصين على اليابان في سبتمبر 2025 (إ.ب.أ)

ورأى هاردي أنه بالمقاييس التاريخية، «إذا واصلت أوكرانيا حصر مكاسب روسيا البريّة بمكاسب تدريجية بتكلفة باهظة من حيث القوى البشرية والمعدات، مع تثبيت خطوطها الدفاعية والحفاظ على سيادتها، فيرجح أن تُعتبر هذه الحرب فشلاً استراتيجياً لروسيا». ومع ذلك، فإن «الحذر واجب»؛ لأنه «إذا أنهت روسيا هذه الحرب، وأخضعت نفسها لفترة إعادة تسليح وإعادة بناء، ثم شنت غزواً آخر لاحقاً - ربما بتحضير ونجاح أكبر - فقد تتغير الأحكام التاريخية بشكل كبير». ونبه إلى أن «انتهاء الحرب الحالية، إن حصل، لن يعني بالضرورة نهاية التحدي الاستراتيجي الأوسع».

سيناريو الحرب الكورية

بسبب طبيعة الحرب المختلفة في أوكرانيا، تجنب كورتني التكهن باحتمالاتٍ كنهاية الحرب في أفغانستان عندما حصل التغيير في الكرملين بصعود آخر الزعماء السوفيات ميخائيل غورباتشوف. ولكن المقارنة الأخرى تمثلت بالحرب الكورية، حين لم يكن الجنوب وحده قوياً بما يكفي لإجبار الشمال على قبول وقف النار. ولكن بمجرد تدخل الولايات المتحدة «تغير ميزان القوى. وكانت النتيجة هدنة استمرت لأكثر من سبعين عاماً». فهل يتدخل الغرب لفرض معادلة من هذا النوع؟ وبالنظر إلى كل المتغيرات الحالية - من السياسة الداخلية في روسيا، ووحدة الغرب، والتطورات العسكرية على الأرض، والقيادة الأميركية المستقبلية - يستحيل التنبؤ بنتيجة واحدة حاسمة. وسيتوقف مسار الحرب على قرارات سياسية لم تُتخذ بعد.

ومع أنه عبّر عن اعتقاده بأننا «ربما في بداية نهاية الحرب»، حذر هاردي من أن ذلك لا يعني أن «اتفاق سلام بات وشيكاً خلال الأشهر القليلة المقبلة»؛ لأن «العائق الرئيسي هو المطالب المتشددة» من الرئيس بوتين، الذي «لا يسعى فقط إلى الاعتراف الرسمي بالأراضي التي لم تتمكن روسيا من احتلالها بالكامل بالقوة، بل أيضاً إلى سلسلة من التنازلات السياسية الأوسع نطاقاً»، بما في ذلك حياد أوكرانيا وفرض قيود على قدراتها العسكرية وإجراء تعديلات قانونية لتوفير حماية معززة للغة والمؤسسات الثقافية الروسية، فضلاً عن قطاعات من الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية المتحالفة مع موسكو.

وعن كيفية انتهاء الحرب، رأى هاردي أنه «في نهاية المطاف، سيتعين على روسيا تعديل مطالبها لتتوافق بشكل أكبر مع الواقع»، علماً بأن أوكرانيا «لا تملك حالياً حافزاً يُذكر لقبول ما يمكن اعتباره سلاماً خاسراً».


الذهب يتراجع من أعلى مستوى في 3 أسابيع وسط عمليات جني أرباح

سبائك ذهبية تزن كل منها 1000 غرام تعرض في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)
سبائك ذهبية تزن كل منها 1000 غرام تعرض في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)
TT

الذهب يتراجع من أعلى مستوى في 3 أسابيع وسط عمليات جني أرباح

سبائك ذهبية تزن كل منها 1000 غرام تعرض في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)
سبائك ذهبية تزن كل منها 1000 غرام تعرض في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار الذهب يوم الثلاثاء مع جني المستثمرين للأرباح بعد ارتفاع المعدن النفيس بأكثر من 2 في المائة في الجلسة السابقة، في حين أثر ضغط قوة الدولار أيضاً على المعدن الأصفر.

وانخفض سعر الذهب الفوري بنسبة 1.2 في المائة إلى 5167.28 دولار للأونصة بحلول الساعة 05:38 بتوقيت غرينيتش، منهياً بذلك سلسلة مكاسب استمرت 4 جلسات، ومتراجعاً من أعلى مستوى له في أكثر من 3 أسابيع، وقد سجله في وقت سابق من اليوم.

وانخفضت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان)، بنسبة 0.7 في المائة لتصل إلى 5187.40 دولار.

وقال إيليا سبيفاك، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في شركة «تاتسي لايف»: «من الواضح أننا شهدنا ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الذهب أمس. نشهد الآن فترة استقرار نسبي، ومن الجدير بالذكر أننا لم نرَ حالة الذعر التي شهدناها في وول ستريت تمتد إلى الأسواق الآسيوية».

واستقرت الأسهم الآسيوية بعد بداية متذبذبة، حيث أثارت موجة بيع جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي في وول ستريت قلق المستثمرين، كما تأثرت المعنويات سلباً بتزايد القلق بشأن سياسة التعريفات الجمركية للرئيس الأميركي دونالد ترمب والتوترات الجيوسياسية.

وارتفع الدولار بشكل طفيف، مما جعل الذهب، المُسعّر بالدولار، أكثر تكلفة لحاملي العملات الأخرى.

ويوم الاثنين، حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الدول من التراجع عن الاتفاقيات التجارية التي تم التفاوض عليها مؤخراً مع الولايات المتحدة، وذلك بعد أن ألغت المحكمة العليا تعريفاته الجمركية الطارئة، قائلاً إنه في حال فعلت ذلك، فسيفرض عليها رسوماً جمركية أعلى بكثير بموجب قوانين تجارية مختلفة.

وفي سياق متصل، صرّح محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كريستوفر والر، بأنه منفتح على إبقاء أسعار الفائدة ثابتة في اجتماع مارس (آذار)، إذا أشارت بيانات الوظائف لشهر فبراير (شباط) المقبل، إلى أن سوق العمل قد «استقرّت» بعد ضعفها في عام 2025.

وتتوقع الأسواق حالياً 3 تخفيضات في أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس هذا العام، وفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لبورصة شيكاغو التجارية.

كما انخفض سعر الفضة الفوري بنسبة 0.9 في المائة إلى 87.39 دولار للأونصة، بعد أن سجّل أعلى مستوى له في أكثر من أسبوعين يوم الاثنين.

وخسر البلاتين الفوري 0.5 في المائة إلى 2142.35 دولار للأونصة، بينما ارتفع سعر البلاديوم بنسبة 0.4 في المائة إلى 1750.98 دولار.