عمر ميقاتي لـ «الشرق الأوسط»: لبنان هو الدراما الكبرى

الممثل القدير يحتفظ بأوسمة في صندوق وليس في صدر المنزل

عمر ميقاتي
عمر ميقاتي
TT

عمر ميقاتي لـ «الشرق الأوسط»: لبنان هو الدراما الكبرى

عمر ميقاتي
عمر ميقاتي

ثلاث مرات خلال خمس سنوات، دخل الفنان عمر ميقاتي المستشفى، ليبدأ حديثه مع «الشرق الأوسط» بخلاصة: «على الممثل أن يحيط نفسه بظروف مريحة ليحافظ على نشاط دماغه». خمسون عاماً أمضاها بين المسرح والإذاعة ومواقع التصوير، أشعلت آلاماً في الركبة ورفعت عالياً تقدير النِعم: «لا أزال واقفاً على قدمَي. أراعي صحتي وأحيطها بالحذر. عمري 77 عاماً؛ علامتا النصر بالأرقام العربية. أصوّر مسلسلاً بعد أيام، وأمضي الوقت في القراءة والاستماع للموسيقى الكلاسيكية. (بحيرة البجع) لتشايكوفسكي تذهلني، وأمرّن ذهني بألعاب مفيدة».
كانت أمامه ساعة قبل وصول سيارة تقله إلى مدينته طرابلس حيث «المسرح الوطني»؛ مكانه الحميم. الطلاب هناك في انتظاره، فيقدّم لهم تدريبات تُحسّن الإلقاء بالفصحى. خلال الحوار، قدّم صورة المتصالح مع نفسه، الواثق بخياراته: «أعتذر عن (عدم قبول) أدوار لا تليق، ومن أصل 10 خلال السنوات الأخيرة، وافقتُ على 5. الكتّاب والمنتجون يعرفونني جيداً. حين يطلبونني لشخصية، لا يفعلون ذلك إلا لثقتهم بقدرتي. الأهم؛ أن تُتاح ظروف مريحة».
عمر ميقاتي رفيق «الإذاعة اللبنانية» الرسمية، كتب وأخرج عشرات البرامج، ومنح صوته لشخصيات ضخّ فيها اللحم والدم. لا ينتظر دوراً بقدر ما يريد من الدور نفسه أن يشغله: «الأدوار المفضلة تعتمد على دماغ الممثل وتُظهر حضوره وثقافته. في (شتي يا بيروت) كنتُ ذلك الأب الضئيل الذاكرة، لكنه الطيب تجاه ابنتيه. ثمة أدوار يمكن تأديتها بالتمثيل فقط. الدور الحقيقي هو ما نؤديه بشغف المهنة».
بسلامه الداخلي يقرأ المشهد الدرامي الميّال إلى التركيبة المشتركة والنقل من التركي: «لا بأس؛ ما دام التنفيذ محترفاً. يستوقفني نوع يدّعي (الواقعية) وهي مزعجة برأيي، لكون بعض المَشاهد في بعض المسلسلات غريباً عن بيئتنا. الجرأة غيرها الوقاحة، وحين تغلب الأخيرة، أطرح علامات استفهام حول النوايا. للعمل الدرامي أصول، فإن سيطر الهمّ التجاري، قلَّ الحياء وما هو مُوجّه للعائلة».
يعنيه أنّ صغاراً يعرفونه في تجولاته، فيطمئن إلى أنّ فنه آمن. هذا «مبدأ وتربية»؛ برأيه. هاجسه حراسة ما تعلّمه في منزله، فلا يخدش عيناً أو يُخجل جَمعة. يعود إلى أنه ابن الفنان الكبير نزار ميقاتي، مؤسّس «المسرح الوطني» اللبناني. يُحمّله الأب الراحل مكانته وهيبته، فيخشى التفريط في الإرث. يسمّي والده «أستاذي العظيم في الفن والأدب والفكر، ترك لي مكتبة تضم نحو 5000 كتاب؛ بينها النادر»، ويعود بالتاريخ إلى جذور أمه وشجرة العائلة. الرجل على عتبة الثمانين، أمامهما هو طفل لا يكبر.
أيعقل أنه لم يعتد الغياب ولم يتكيّف مع الرحيل؟ يقيمان فيه؛ «فأستيقظ ليلاً لأرى طيف الوالدة إلى جانبي. الوالد بدوره لا يغادر أفكاري». إطلاق اسم الأب على قاعة «المسرح الوطني» في طرابلس، بهمّة المسرحي الشاب قاسم إسطنبولي، يريح الابن لإحساسه بحضوره الدائم. يترقّب الربيع المقبل موعداً لإصدار كتابه «مشوار نزار» عنه: «لم أرده سرداً. أكتبه منذ سنوات على شكل حوار يُظهر جماله الإنساني».
لا تتخذ مشاعر السخط في داخله مساحة، إلا حيال الوضع اللبناني: «هنا الدراما الكبرى. دراما الشعب. ما بعدها يهون». عاش حروباً وتحولات؛ «إنما ما يحدث اليوم لم نشهده من قبل». صرخته الوحيدة من وجعه على الإنسان الفقير الجائع، وكم تملأ فضاءات ولا تبلغ الآذان!
يحتفظ بأوسمة تقديرية في صندوق، فليس عمر ميقاتي ممن يفلشونها في صدور المنازل. تمنحه إحساساً بأنّ الجهد لا يُحجب. ككل نفس يحرّرها الشبع من الصغائر، يردّ المحبة بأبهى حلّتها إلى ما يكنّه الناس له... «الشباب والكبار»، يؤكد ويشدد، «يعني أنني على السكة الصحيحة، وفني يحاكي العائلة بكامل أفرادها».
السمعة الطيبة ليست وليدة يوم وليلة... هي مسار من المحاولات والدروس والتجارب. سنوات وعمر ميقاتي يقدّم فناً محترماً على المسارح اللبنانية، ويبني مع الخشبة علاقة وفاء. وهو إن تنقّل في أدوار تلفزيونية أو أخذته شخصية سينمائية إلى عالمها، يبقى المسرح الأعزّ على القلب.
يقول عنه: «هو علاقتي المباشرة مع الجمهور وحضوري المُدرَك. لا مجال لنسيان سطر، فذلك يسبّب إرباكاً. ينال المسرح من أعصابي ويقضم وقتي. لسبع أو ثماني سنوات، وأنا أقدّم عروضاً متواصلة مع جورج خباز. بلغتُ مرحلة عدم القدرة على الاستمرار. باستثناء مرة أو اثنتين أسبوعياً، بات الذهاب إلى الشاتو تريانون (مسرح في منطقة الزلقا) صعباً ليلاً. تتعذّر القيادة ويغدو إرهاق الآخرين مسألة غير لطيفة. أرى من الأفضل التفرّغ للكتابة والإخراج. (تمثلياً)، لم يعد الظرف يساعد».
على لسانه ترِد استعادة ذكرياته أيام مجد المسرح مع الرحابنة وزياد الرحباني والمسيرة الطويلة. يشعر بأنه أدّى قسطه. يحمل سؤاله «أين المسرح اليوم؟» حزناً على البلد وأحواله، كحزنه على مدينته طرابلس وهي تُصدّر الجثث إلى البحار وتقتل طلابها لسقوط سقف الصف على الرأس. المضيء في مشهدها هو «المسرح الوطني» الذي يحضّر عرضاً على خشبته. يسدّد الغضب تجاه مُستحقيه: «مسؤولون بمعظمهم لا خير فيهم لأحد. ضمائرهم ميتة».


مقالات ذات صلة

احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

يوميات الشرق عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)

احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

احتفى الجمهور المصري بعودة الفنانة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة، ابتعدت خلالها عن الظهور الفني والإعلامي.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)

حمادة هلال: «المدّاح» جعلني أكثر نضجاً في التمثيل

وعد حمادة هلال الجمهور بأن يشاهدوا في الجزء الجديد صورة مختلفة على مستوى التنفيذ البصري...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مسلسل «روج إسود» (ماسبيرو)

«ماسبيرو» لاستعادة تألقه الرمضاني بعد سنوات من الأفول

يسعى التلفزيون المصري «ماسبيرو» لاستعادة تألقه بالموسم الرمضاني الجديد بعد سنوات من الأفول، حيث يعرض 8 مسلسلات جديدة للمرة الأولى منذ 15 عاماً.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق قصة حب كمال وفوسون المأثورة إلى الشاشة بإشراف الكاتب أورهان باموق (نتفليكس)

«متحف البراءة» نسخة «نتفليكس»... أَنصفَت رواية باموق ولم تتفوّق على سِحرها

تحفة أورهان باموق الأدبية «متحف البراءة» إلى الشاشة، والكاتب التركي أشرفَ على المسلسل، ومثّل فيه.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق أشرف عبد الباقي وبطلات المسلسل في أحد مشاهد «راجل وست ستات» (الشرق الأوسط)

عودة «راجل وست ستات» بحكايات جديدة بعد غياب 10 سنوات

يعود المسلسل الكوميدي المصري «راجل وست ستات» مجدداً للجمهور بعد غياب 10 سنوات، عبر حكايات جديدة بين أبطاله بعدما كبروا وتغيرت أحوالهم.

انتصار دردير (القاهرة )

«الكلاسيكو السعودي»... سطوة «زرقاء» بالأرقام

الهلال تفوق بالأرقام على الاتحاد في مواجهاتهما على صعيد دوري المحترفين (تصوير: عدنان مهدلي)
الهلال تفوق بالأرقام على الاتحاد في مواجهاتهما على صعيد دوري المحترفين (تصوير: عدنان مهدلي)
TT

«الكلاسيكو السعودي»... سطوة «زرقاء» بالأرقام

الهلال تفوق بالأرقام على الاتحاد في مواجهاتهما على صعيد دوري المحترفين (تصوير: عدنان مهدلي)
الهلال تفوق بالأرقام على الاتحاد في مواجهاتهما على صعيد دوري المحترفين (تصوير: عدنان مهدلي)

يترقب عشاق كرة القدم السعودية والعربية، انطلاق المواجهة المرتقبة التي ستجمع الهلال بنظيره الاتحاد، مساء السبت، في قمة مباريات الجولة 23 في الدوري السعودي للمحترفين.

وسجلت هذه المواجهة نفسها تاريخياً كواحدة من أقوى المواجهات بين الأندية السعودية، الأمر الذي قادها لمسمى «الكلاسيكو السعودي» الذي يجمع قطبي الرياض وجدة.

وبالعودة لتاريخ مواجهات الفريقين المباشرة، نجد أنهما تقابلا حسب إحصائية خاصة لـ»الشرق الأوسط« في 165 لقاء طوال التاريخ في مختلف البطولات والمسابقات حتى الآن، فاز الهلال في 77 لقاءً، بينما انتصر الاتحاد في 42 مباراة، وحضر التعادل بين الفريقين خلال 46 مباراة، مع الإشارة إلى أن المباريات التي انتهت بينهما بضربات الترجيح في مباريات خروج المغلوب تم احتسابها تعادلاً، وسجل الهلال خلال هذه المواجهات في مرمى الاتحاد 246 هدفاً، بينما استقبلت الشباك الزرقاء 187 هدفاً من لاعبي الاتحاد.

أما على صعيد المواجهات التي جمعت الفريقين في بطولة الدوري السعودي، فقد التقيا في 107 مباريات سابقة، فاز الهلال في 51 مناسبة، بينما انتصر الاتحاد في 28 لقاءً، وحضر التعادل بينهما في 28 مواجهة، وسجل لاعبو الزعيم خلال هذه اللقاءات 165 هدفاً، أما لاعبو الاتحاد فقد سجلوا 121 هدفاً.

وبما أن اللقاء المقبل هو في الدوري السعودي للمحترفين، فإننا ننشر هنا إحصائية بالمواجهات التي جمعت الفريقين، منذ انطلاق الدوري السعودي للمحترفين موسم 2008 - 2009، حيث سبق أن تقابلا في 35 مباراة، تمكن الهلال من الفوز بـ18 مباراة منها، بينما انتصر الاتحاد في 7 مناسبات، وحضر التعادل بينهما في 10 لقاءات، واستطاع لاعبو الهلال تسجيل 65 هدفاً في الشباك الاتحادية، بينما سجل لاعبو العميد 40 هدفاً في الشباك الزرقاء.

وسيحتضن ملعب المملكة أرينا معقل الزعيم مواجهته المرتقبة أمام الاتحاد للمرة الرابعة، حيث سبق أن تواجه الفريقان في هذا الملعب في 3 مناسبات سابقة، واحدة كانت في مسابقة الدوري وفاز الهلال حينها بنتيجة 3 - 1، والثانية جاءت ضمن بطولة دوري أبطال آسيا وانتصر فيها الهلال كذلك بنتيجة 2 - 0، أما اللقاء الثالث بينهما على الملعب نفسه فكان في بطولة كأس الملك، وفاز الاتحاد حينها بركلات الترجيح بعد أن انتهت المواجهة بأشواطها الأصلية والإضافية بتعادل الفريقين بنتيجة 2 - 2.


سلام يدعو لحصر التمثيل الطائفي في لبنان بمجلس الشيوخ وتحرير البرلمان

رئيس الحكومة نواف سلام متحدثاً الجمعة في مؤتمر المواطنة وسيادة الدولة وآفاق المستقبل (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة نواف سلام متحدثاً الجمعة في مؤتمر المواطنة وسيادة الدولة وآفاق المستقبل (رئاسة الحكومة)
TT

سلام يدعو لحصر التمثيل الطائفي في لبنان بمجلس الشيوخ وتحرير البرلمان

رئيس الحكومة نواف سلام متحدثاً الجمعة في مؤتمر المواطنة وسيادة الدولة وآفاق المستقبل (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة نواف سلام متحدثاً الجمعة في مؤتمر المواطنة وسيادة الدولة وآفاق المستقبل (رئاسة الحكومة)

عاد النقاش الدستوري إلى الواجهة في لبنان، من بوابة تطبيق اتفاق الطائف واستكمال بنوده المعلّقة منذ أكثر من 3 عقود. وأتى الطرح هذه المرة على لسان رئيس الحكومة نواف سلام، في لحظة سياسية تتقاطع فيها ملفات السيادة والسلاح والانتخابات والإصلاح الدستوري. وبين من يرى في نظام المجلسين مدخلاً طبيعياً لاستكمال الطائف، ومن يعدّه نقاشاً سابقاً لأوانه قياساً إلى أولويات الدولة، ينفتح سجال عميق حول شكل النظام ومستقبله.

سلام: تحرير النيابة من القيد الطائفي

قال نواف سلام الجمعة، إنّه «من الممكن أن ننتقل إلى العمل بنظام المجلسين المنصوص عليه في المادة 22 من الدستور، بحيث يتم حصر التمثيل الطائفي في مجلس الشيوخ وتحرير مجلس النواب من القيد الطائفي ليؤمن المشاركة الوطنية، أو بالأحرى المشاركة المواطنية».

وقال سلام في مؤتمر حول «المواطنية وسيادة الدولة: الواقع الراهن وآفاق المستقبل»: «علينا أن نعود إلى المادة 95 من الدستور، وأن نطبقها بالكامل دون اجتزاء أو تشويه».

واعتبر أنّ «إعاقة نمو المواطنة تقع مسؤوليتها على النظام السياسي الذي يرتكز على الطوائف ودورها ولو على حساب حقوق الأفراد».

وأضاف: «أزمة المواطنة في لبنان تكمن في غياب الاعتراف السياسي الكامل بحقوق الفرد بالاستقلال عن انتمائه الطائفي».

وبهذا الطرح، يضع سلام مسألة مجلس الشيوخ في سياق استعادة روحية الطائف، لا في إطار تعديل جذري للنظام؛ فالمادة 22 تنص صراحة على استحداث مجلس شيوخ بعد انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، على أن تتمثل فيه العائلات الروحية وتُحصر صلاحياته في القضايا المصيرية. غير أن هذا المسار بقي معلقاً منذ عام 1990، في ظل تعثّر إلغاء الطائفية السياسية.

التطبيق الشامل أولاً

من زاوية قانونية، أكد الخبير الدستوري سعيد مالك في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنّ «المادة 22 من الدستور تتعلق باستحداث مجلس شيوخ، غير أنّ هذا الأمر يبقى معلقاً بانتظار إلغاء الطائفية السياسية»، مشيراً إلى أنّ «المادة 95 نصّت صراحة على أنه إلى حين إلغاء الطائفية السياسية، يتولى مجلس النواب المشكّل مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، السلطة التشريعية».

وأوضح أنّ «الانتخابات النيابية المنتظرة في الربيع، يفترض أن تشكّل محطة للذهاب جدياً إلى تطبيق اتفاق الطائف»، لافتاً إلى أنّ «في طليعة ما يجب العمل عليه هو استحداث مجلس شيوخ استناداً إلى نصوص تُشرّع في حينه».

وفيما يتعلق بنظام المجلسين، اعتبر مالك أنّ «الأمر يحتاج حكماً إلى تعديل دستوري لبيان صلاحية كل مجلس على حدة»، مؤكداً أنّ «هذا المسار يجب أن يستتبع بتعديل لعدد من مواد الدستور، إذ أثبتت الممارسة أنّ هناك كثيراً من المواد بحاجة إلى إعادة نظر». ورأى أنّ «مجلس النواب الجديد، بعد انبثاقه من الانتخابات المنتظرة في مايو (أيار) المقبل، يفترض أن يذهب مبدئياً إلى ورشة تعديلية للدستور اللبناني، لا سيما في المواد التي تبيّن أن تعديلها ضروري».

«لا تضعوا العربة أمام الحصان»

في المقابل، رأى النائب جورج عقيص، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن النقاش الدستوري المطروح حالياً، لا سيما ما يتصل بإنشاء مجلس الشيوخ أو اعتماد نظام المجلسين، «قد يكون مستنداً إلى نصوص الدستور وله ما يبرره قانونياً، لكنه لا ينسجم مع سلّم الأولويات الوطنية في هذه المرحلة».

ورأى أن البحث في الطائف أو إنشاء مجلس شيوخ أو إلغاء الطائفية السياسية «يُفترض أن يأتي بعد تحقيق المساواة الفعلية بين اللبنانيين تحت سقف الدولة الواحدة»، معتبراً أن «أي إصلاح دستوري في ظل واقع السلاح، سيبقى قاصراً أو مشوباً بالخلل».

وفيما يتعلق بطرح نظام المجلسين، أبدى عقيص تأييداً له، لافتاً إلى أن هذا النموذج «نجح في دول عدة تعتمد مجلس نواب ومجلس شيوخ»، لكنه استدرك قائلاً: «في الحالة اللبنانية الراهنة، يصعب تطبيق أي صيغة إصلاحية كبرى قبل معالجة الخلل الأساس المتصل بالسلاح غير الشرعي».

وفي مقاربة أشمل للنظام السياسي، طرح عقيص رؤيته القائلة إن «الطائفية والدولة المركزية بصيغتهما الحالية لا تنتجان إصلاحاً حقيقياً»، معتبراً أن خفض منسوب الطائفية يقتضي «الانتقال إلى صيغة لا مركزية موسعة، بحيث تُحصر الاعتبارات الطائفية ضمن السلطات المحلية، فيما تتحرر السلطة المركزية من القيد الطائفي».

ورأى أنّ «الإصلاح الدستوري سلة متكاملة لا يمكن تجزئتها، فلا يمكن اختيار بند وترك آخر، وأي مسار إصلاحي جدي يفترض السير بالتوازي نحو حصر السلاح بيد الدولة، وتطبيق اللامركزية، وإنشاء مجلس الشيوخ، ضمن رؤية شاملة تعيد بناء الدولة على أسس واضحة وثابتة».

المشكلة في انتظام العلاقة

أما النائب ملحم خلف فاعتبر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الحديث عن العودة إلى نظام المجلسين يندرج في صلب تطبيق اتفاق الطائف لا خارجه، مشدداً على أن المشكلة في لبنان «ليست في النصوص الدستورية بقدر ما هي في كيفية انتظام الحياة العامة وتحرير العلاقة بين المواطن والدولة».

جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

وقال خلف إن تطبيق الطائف «يجب أن يعيدنا إلى الفكرة الأساسية التي قام عليها، أي بناء دولة تنتظم فيها الحياة العامة بشكل واضح، وتقوم على علاقة مباشرة بين المواطن والدولة». وأشار إلى أنّ «العلاقة منذ نشوء الكيان كانت تمرّ وجوباً بالطائفة، بحيث لا توجد صلة مباشرة بين المواطن والدولة؛ بل تمر عبر وسيط طائفي».

وأضاف أن «تصحيح هذه العلاقة يقتضي تنقيتها، بحيث لا تبقى الطائفة وسيطاً إلزامياً بين المواطن والدولة»، موضحاً أن ذلك لا يعني إلغاء الخصوصية اللبنانية، أو البعد الإيماني المتجذر في المجتمع. وقال: «لبنان يتميّز بخصوصية إيمانية وثقافية لا يمكن القفز فوقها أو إنكارها، ولا يجوز لأحد أن يتطاول عليها، لكن في الوقت نفسه لا ينبغي أن تتحوّل هذه الخصوصية إلى عائق أمام قيام الدولة وأدائها».

ورأى خلف أن المخرج الدستوري يكمن في «إخراج الطوائف من صلب العلاقة التنفيذية والتشريعية اليومية بين المواطن والدولة، ووضعها في موقعها الطبيعي ضمن مجلس شيوخ يتمتع بصلاحيات محددة». وأوضح أن صلاحيات مجلس الشيوخ «يجب أن تنحصر في القضايا المصيرية كما نصّ عليها الدستور، ما يطمئن المكوّنات ويحرّر مجلس النواب ليكون مجلساً وطنياً خارج القيد الطائفي».


«زينة رمضان»... طقس تاريخي يلازم الشوارع والحارات المصرية

الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
TT

«زينة رمضان»... طقس تاريخي يلازم الشوارع والحارات المصرية

الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)

اعتاد المصريون أن يستقبلوا شهر رمضان كل عام بالزينة مختلفة الألوان والأشكال، حتى أصبح هذا الطقس ملازماً للشوارع والحواري خصوصاً في المناطق الشعبية، وباستخدام خامات بسيطة يتم توفيرها من تبرعات تضامنية بين الأهالي.

ورغم ارتفاع أسعار الزينة التي وصلت لما يزيد على 40 جنيهاً (الدولار يصل إلى نحو 47 جنيها) لحبل الورق الملون الذي لا يتجاوز طوله عشرة أمتار، في حين تتراوح قيمة متر حبل الإضاءة «الليد» ما بين 15 و20 جنيهاً، أما الفانوس المعلق فسعره بين 350 و1000 جنيه. إلا أن هذا لم يمنع المصريين من الاحتفال بقدوم شهر رمضان، وكان الطريق إلى ذلك من خلال جمع الأموال والإسهامات البسيطة من كل بيت، لكي لا يحرم أي مكان من الاحتفال، ولم تخل حارة أو شارع من الأعلام والأشرطة الملونة والفوانيس، فضلاً عن المصابيح مختلفة الألوان.

ولتجاوز عقبات الغلاء في مواد الزينة لجأ بعض الشباب إلى صنعها بأنفسهم، واشتروا -حسب سعد عبد الهادي «عشريني» في منطقة الطالبية بحي الهرم- الأفرخ الملونة من المكتبات، وراحوا يكوّنون فريقاً، منهم من حوّلها إلى قصاصات، ومنهم من لصقها بالصمغ في أحبال الخيط، وقال عبد الهادي لـ«الشرق الأوسط» كانت هذه حيلتنا لتجاوز ارتفاع سعر رابطة الزينة، المكونة من الأشرطة المصنوعة من «السلوفان»، لم نشتر شيئاً سوى الفانوس، لأننا لا نمتلك حرفية صناعته.

الزينة الرمضانية يعلقها الأهالي في الشوارع والحارات (الشرق الأوسط)

وبالقرب من شارع العروبة بالهرم لجأ عدد من أبناء السكان إلى حيلة متفردة، لخصها محمود حسين «ثلاثيني» ويعمل في صناعة الحلوى، في تأجير الزينة خلال الشهر، وردها بعد انقضائه، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «حين عرفنا أن ما نقوم به كل عام سوف يكلفنا الكثير فكرنا في الاكتتاب وتأجير أحبال المصابيح من محل قريب لمستلزمات الأفراح، بدلاً من شرائها، كما اتفقنا مع صاحب المحل على المشاركة معنا في تزيين الشارع احتفالاً بحلول الشهر الكريم». ولفت إلى أن البعض يعلق فانوساً كبيراً وسط الزينة، لكن «لأن سعره يبدأ من 400 جنيه اكتفينا بالزينة المضيئة وأحبال المصابيح (الليد) المؤجرة»، على حد تعبيره.

ولأن تجارة الزينة والأشرطة الملونة تلقى رواجاً كبيراً خلال شهر رمضان، راحت معظم محلات وأصحاب المتاجر يبيعونها بحثاً عن الأرباح، بدءاً من محلات الكهرباء، حتى أصحاب الدكاكين الصغيرة، والمكتبات، ومن بينهم سعيدة مرزوق التي تمتلك مكتبة في منطقة ترسا بحي الهرم، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إنها تنتهز فرصة حلول شهر رمضان وتذهب إلى منطقة تحت الربع بالقرب من العتبة لتشتري من التجار هناك أنواعاً مختلفة من الزينة، لتبيعها لجيرانها. وأضافت أن «الإقبال كبير على شرائها، فلم يبق منها إلا كمية قليلة، وضعتها في مقدمة المكتبة التي تتخصص في بيع الأقلام والملخصات والأدوات الكتابية، لتعلن قرب نفاد بضاعتها».

زينة رمضان تأخذ أشكالاً متعددة (الشرق الأوسط)

اهتمام المصريين واحتفالاتهم بقدوم شهر رمضان -وفق قول الدكتور مسعود شومان، الباحث في الفنون الشعبية والتراث- مرتبطان بسعيهم الدائم للمزج بين المناسبات الدينية والسعادة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هم يرون المناسبات الدينية تقترن بالفرح والسرور، وفي كثير من البلدان حتى الآن يستقبلون رمضان بزفة يشارك فيها كل الطوائف وأصحاب المهن والحرفيين». وأشار شومان إلى أمثلة شعبية تصف رمضان وتعبر عن الفرحة به مثل «أوله مرق، ووسطه حلق، وآخره خلق» يقصدون اللحم، وصناعة الكعك، ثم الاحتفال بالعيد وارتداء الملابس الجديدة. كل أشكال الفرح هذه لا ينفصل عنها في رأي شومان تزيين الشوارع، موضحاً أن «المصريين يرون الشهر الكريم ضيفاً يجب استقباله بالأعلام والزينات، كأنه قريب طال غيابه، هنا تبدو (أنسنة رمضان) واضحة، يتعاملون معه على أنه مولود يتجلى في الهلال، وهنا تأتي الاحتفالات الطقسية بتزيين الشوارع، والأغنيات الشعبية لاستقباله، والموائد العامرة، يستمر هذا حتى يكبر الهلال ويختفي، ليبدأ دورة جديدة في رحلة عودة أبدية مرة أخرى».

ومع الزينات تظهر أغاني «يا أبو رمضان يا أبو صحن نحاس يا داير في بلاد الناس، سقت عليك أبو العباس لتبات عندنا الليلة»، و«يا رمضان يا عود كبريت يا مخوف كل العفاريت سقت عليك أهل البيت لتبات عندنا الليلة»، ويوضح هذا -حسب شومان- أنهم «يعدّونه ضيفاً، وكل منهم يسعى لاستضافته ليلة، ويجب هنا أن تكون الاستضافة بالزينات في الشوارع والأضواء في كل مكان، وهو عمل جماعي أساسه المشاركة والتعاون، وكل يُسهم بقدر استطاعته، القضية هنا لا دخل لها بالفقر وضيق ذات اليد، لكنها بالغنى الروحي الذي يتمتع به الناس في كل مكان»، على حد تعبيره.