في البحرين استعادة مبدعة للماضي

مدن الخليج والجزيرة العربية... طفرة عمرانية لا يضاهيها إلا ما يجري في الشرق الأقصى

في البحرين استعادة مبدعة للماضي
TT

في البحرين استعادة مبدعة للماضي

في البحرين استعادة مبدعة للماضي

كنت مؤخراً في البحرين لإلقاء محاضرة في مركز الشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة للتراث والثقافة، لكن المحاضرة التي تناولت ما دعوته «هجرة المفاهيم وتحولات الثقافة» قادت إلى هجرة وتحولات من نوع آخر، هجرة في الزمان وتحولات المكان تبينت لي من خلالها معالم مشروع ثقافي حيوي يستدعي هجرة الماضي إلى الحاضر بغية إغراء الحاضر ببعض منجزات الماضي. كان ذلك المشروع الذي تقوده منذ أعوام الشيخة مي آل خليفة، الرئيسة السابقة لهيئة البحرين للثقافة والآثار، والرئيسة حالياً للمركز الذي أسسته باسم جدها الشيخ إبراهيم آل خليفة، أحد رواد الثقافة في البحرين في فترة لم يكن الكثيرون يدركون قيمة العلم والمعرفة وضرورة اللحاق بركب الحضارة. وكان من اللافت أن ما تأسس عليه المشروع دعامتان: إحياء المساكن القديمة بعمارتها التقليدية، وتقديم معرفة وإبداع معاصرين بأحدث التقنيات المتاحة.
إحياء أواسط المدن ظاهرة عرفتها مدن عديدة في الوطن العربي وخارجه في العقود الأخيرة، وهي في جوهرها حركة منسجمة مع تيار ما يعرف بما بعد الحداثة، التيار الذي سأتوقف عنده بعد قليل. هنا أشير إلى أن الإحياء الذي تقوده الشيخة مي آل خليفة في البحرين وباقتدار لافت وباعث على الإعجاب مختلف عن ألوان الإحياء الأخرى: إنها لا تسعى إلى ترميم المباني القديمة أو إعادة تعمير الأحياء المتداعية فحسب، وإنما تحافظ على المباني والسكان معاً، بحيث تظل المساكن مساكن، أي آهلة بالناس، وهو ما حققت فيه نجاحاً لافتاً، كما أنه ما لم تتمكن من تحقيقه مشاريع إحيائية مشابهة في مدن أخرى في المنطقة وخارجها، مناطق هجرها أهلها ولم يعودوا إليها. هنا يتحقق «إحياء» فعلي أو حقيقي بمعنى إعادة الحياة إلى البيوت المهددة بالزوال، وذلك بتشجيع أهلها على البقاء أو العودة عن طريق الدعم الذي يجدد المساكن ويجعلها صالحة للعيش المريح. وهذا بالفعل ما حدث وما يشاهده الزائر وهو يرى البيوت عامرة بأهلها الذين كان الكثير منهم على أهبة الانتقال إلى فيلات حديثة خارج مدينة المحرق القديمة. والحق أن زائر البحرين اليوم لا يستطيع أن يخفي انبهاره بما يحدث في مدينة المنامة من حركة عمرانية موغلة في التحديث وما تعج به من أحياء جديدة مغرية بالسكنى، الأمر الذي يجعل من الصعب على الكثير من القادرين مقاومة مغريات الانتقال نشداناً للجديد وما يعد به من راحة ورفاهية.
في مدن الخليج والجزيرة العربية اليوم طفرة عمرانية لا يضاهيها إلا ما يجري في الشرق الأقصى، في الصين وهونغ كونغ وكوالالمبور وسنغافورة وغيرها. في دبي والدوحة والمنامة والرياض وجدة ثمة سباق طموح قد يسميه البعض محموماً لحشر الأفق بمبانٍ من الفولاذ والزجاج وبتصاميم عمرانية مبهرة وإضاءة تعشي الأبصار، ويخشى أن تعمي البصائر بسرعتها وتسابقها إلى السماء.
هذه الطفرة تقابلها في معظم تلك المدن العربية حركة مضادة لإحياء القديم ومنح مبانيه المتداعية فرصة للتنفس وسكانَ المدن بعضاً من تاريخ يرونه يتوارى بسرعة هائلة. في مدن مثل الرياض وجدة حركة معاكسة ومضادة تسعى للاحتفاظ بقلب تلك المدن الذي كان نابضاً يوماً، وذلك بعملية تنفس صناعي طموحة وناجحة في بعض الأحيان ومتوسطة النجاح في أخرى. لكن ما يحدث في البحرين، وبالتحديد في بلدة المحرق، وهي في الأساس إحدى جزر البحرين ومن أكثرها عراقة، مختلف كما أسلفت. العنصر البشري الذي يغيب عن عمليات الإحياء الأخرى حاضر هنا وهو ما يسترعي الانتباه. يضاف إلى ذلك أن قيام نشاط ثقافي وإبداعي في قلب تلك الأحياء كالذي اضطلعت به هيئة ثقافة البحرين بقيادة الشيخة مي آل خليفة قبل تركها العمل يضيف إلى الحياة اليومية للسكان بعداً آخر يجعل المنطقة جاذبة للزوار وقادرة من ثم على الاستمرار، لا سيما إن هي أدت إلى نشاط تجاري مصاحب.
عملية الإحياء المشار إليها يعدها بعض المنظرين الغربيين واحدة من سمات مرحلة ما بعد الحداثة. إنها الاستعادة لبعض سمات مرحلة سبقت الحداثة، وذلك على المستوى العمراني. هي مراجعة لسمات الحداثة، المراجعة المنطوية على نقض لبعض تلك السمات. يتضح ذلك في العمارة بصفة خاصة من حيث إن عمارة الستينيات التي انتشرت في العالم العربي كانت حداثية بمقدار خروجها على النمط القديم في البناء: الفيلات والعمارات الإسمنتية المسلحة بأشكالها المثلثة أو الدائرية والمتجهة إلى الخارج بدلاً من الداخل. وكان في تلك الطفرة الحداثية خروج متعمد على المنازل والأبنية التقليدية المتراصة بفنائها الداخلي وعمارتها الحجرية أو الطينية (تماماً كما حدث في الأعمال الأدبية التي سعت حداثتها إلى كسر نمطية الكتابة التقليدية لا سيما في الشعر). في فترة ما بعد الحداثة حدث ارتداد إلى فترة ما قبل الحداثة، ليس الارتداد الكامل أو الاستعادة الشاملة وإنما بالمحاكاة غير المنبتة عن الكثير من العناصر المكتسبة في فترة الحداثة. تفسير المابعدية يكمن في رفض ما قبلها مباشرة، لكن المابعدية تضمنت استعادة لماضٍ أقدم: البناء بما يشبه الطين، الأفنية المطلة على الداخل، الزوايا غير الحادة.
ما نجده أمامنا، ليس في مدن منطقة الجزيرة العربية فحسب وإنما في مدن أخرى من العالم، هو ازدواجية وأحياناً تعددية: الحداثة وما قبلها متجاورة مع ما بعدها، لكن الوضع في المنطقة العربية يختلف عن غيره، لا سيما عن أوروبا أو الغرب عموماً، في أن التباين حاد بل انقطاعي بين تلك المراحل. ففي حين تتعاقب المراحل العمرانية في مدن الغرب ضمن تسلسل يحكمه إطار حضاري متجانس يفضي بعضه إلى بعض، تعيش المدن العربية تناقضاً بين الجديد والقديم، لا سيما مرحلتي الحداثة وما قبلها. ومن هنا تبدو مرحلة ما بعد الحداثة، التي تتسم بالسعي لاستعادة القديم أقرب إلى استعادة الهوية الأساسية التي أربكتها الحداثة وسعت إلى محوها. فعمارة الحداثة أبعد ما تكون عن الانسجام مع مكونات البيئة ومعطيات الثقافة، المكونات والمعطيات التي تتضح في مرحلة الما قبل وتعاود الظهور في مرحلة الما بعد. وفي كل الحالات ما نشاهده هو التحدي الصعب الذي تواجهه الثقافة العربية في مواجهة اختلاف الآخر، أي اضطرارها لمجاراة المستجد من أدوات الحضارة الغربية ومظاهرها ورغبتها في الحفاظ على هوية مستقلة في الآن نفسه. ذلك التحدي هو ما لاحظه أحد أبرز مفكري أوروبا في القرن العشرين. يقول بول ريكير (أو ريكور) Ricoeur، فيلسوف الهرمنيوطيقا الفرنسي المعروف في كتابه «التاريخ والحقيقة»: «ها هي المفارقة: كيف يمكن أن تكون حديثاً وتعود إلى المنابع: كيف تحيي حضارة قديمة غافية وتشارك في حضارة كونية». يقول المفكر الفرنسي ذلك ضمن تأسيه من وضع عالم يتشابه ضمن حضارة عالمية واحدة و«متوسطة القيمة» إلى درجة الإفقار: «إننا نشعر أن هذه الحضارة العالمية الواحدة تفرض في الوقت نفسه لوناً من الاستنزاف أو الإنهاك على حساب الموارد الثقافية التي صنعت الحضارات العظيمة في الماضي».
الحفاظ على تلك الموارد الثقافية هو الهدف الذي تسعى إليه المشاريع المنتشرة هنا وهناك للحفاظ على التراثين المعماري والثقافي، لكن دون الوقوع في فخ الأحلام غير الواقعية، أي مع الوعي بأن مشاريع كتلك تحتاج إلى مقومات اقتصادية ومعرفية تمكنها من الاستمرار، وأن تكون أيضاً مفيدة من منجزات العصر، وهو ما يحدث في البحرين ومناطق أخرى. هي حركة مناهضة للعولمة الثقافية الغربية ومعاكسة لمفهوم التقدم الذي أشاعه عصر التنوير بالقول إن القادم أفضل من السابق بالضرورة، وأن حركة الثقافة إلى الأمام وليست باستعادة الماضي أو التمسك بمعطياته. التوجه ما بعد الحداثي إلى نقض تقدمية الحداثة أو إلى مساءلتها على الأقل يتمظهر في النشاط الإحيائي النوعي وفيما أسميه «الإبداع الماضوي».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.