في البحرين استعادة مبدعة للماضي

مدن الخليج والجزيرة العربية... طفرة عمرانية لا يضاهيها إلا ما يجري في الشرق الأقصى

في البحرين استعادة مبدعة للماضي
TT

في البحرين استعادة مبدعة للماضي

في البحرين استعادة مبدعة للماضي

كنت مؤخراً في البحرين لإلقاء محاضرة في مركز الشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة للتراث والثقافة، لكن المحاضرة التي تناولت ما دعوته «هجرة المفاهيم وتحولات الثقافة» قادت إلى هجرة وتحولات من نوع آخر، هجرة في الزمان وتحولات المكان تبينت لي من خلالها معالم مشروع ثقافي حيوي يستدعي هجرة الماضي إلى الحاضر بغية إغراء الحاضر ببعض منجزات الماضي. كان ذلك المشروع الذي تقوده منذ أعوام الشيخة مي آل خليفة، الرئيسة السابقة لهيئة البحرين للثقافة والآثار، والرئيسة حالياً للمركز الذي أسسته باسم جدها الشيخ إبراهيم آل خليفة، أحد رواد الثقافة في البحرين في فترة لم يكن الكثيرون يدركون قيمة العلم والمعرفة وضرورة اللحاق بركب الحضارة. وكان من اللافت أن ما تأسس عليه المشروع دعامتان: إحياء المساكن القديمة بعمارتها التقليدية، وتقديم معرفة وإبداع معاصرين بأحدث التقنيات المتاحة.
إحياء أواسط المدن ظاهرة عرفتها مدن عديدة في الوطن العربي وخارجه في العقود الأخيرة، وهي في جوهرها حركة منسجمة مع تيار ما يعرف بما بعد الحداثة، التيار الذي سأتوقف عنده بعد قليل. هنا أشير إلى أن الإحياء الذي تقوده الشيخة مي آل خليفة في البحرين وباقتدار لافت وباعث على الإعجاب مختلف عن ألوان الإحياء الأخرى: إنها لا تسعى إلى ترميم المباني القديمة أو إعادة تعمير الأحياء المتداعية فحسب، وإنما تحافظ على المباني والسكان معاً، بحيث تظل المساكن مساكن، أي آهلة بالناس، وهو ما حققت فيه نجاحاً لافتاً، كما أنه ما لم تتمكن من تحقيقه مشاريع إحيائية مشابهة في مدن أخرى في المنطقة وخارجها، مناطق هجرها أهلها ولم يعودوا إليها. هنا يتحقق «إحياء» فعلي أو حقيقي بمعنى إعادة الحياة إلى البيوت المهددة بالزوال، وذلك بتشجيع أهلها على البقاء أو العودة عن طريق الدعم الذي يجدد المساكن ويجعلها صالحة للعيش المريح. وهذا بالفعل ما حدث وما يشاهده الزائر وهو يرى البيوت عامرة بأهلها الذين كان الكثير منهم على أهبة الانتقال إلى فيلات حديثة خارج مدينة المحرق القديمة. والحق أن زائر البحرين اليوم لا يستطيع أن يخفي انبهاره بما يحدث في مدينة المنامة من حركة عمرانية موغلة في التحديث وما تعج به من أحياء جديدة مغرية بالسكنى، الأمر الذي يجعل من الصعب على الكثير من القادرين مقاومة مغريات الانتقال نشداناً للجديد وما يعد به من راحة ورفاهية.
في مدن الخليج والجزيرة العربية اليوم طفرة عمرانية لا يضاهيها إلا ما يجري في الشرق الأقصى، في الصين وهونغ كونغ وكوالالمبور وسنغافورة وغيرها. في دبي والدوحة والمنامة والرياض وجدة ثمة سباق طموح قد يسميه البعض محموماً لحشر الأفق بمبانٍ من الفولاذ والزجاج وبتصاميم عمرانية مبهرة وإضاءة تعشي الأبصار، ويخشى أن تعمي البصائر بسرعتها وتسابقها إلى السماء.
هذه الطفرة تقابلها في معظم تلك المدن العربية حركة مضادة لإحياء القديم ومنح مبانيه المتداعية فرصة للتنفس وسكانَ المدن بعضاً من تاريخ يرونه يتوارى بسرعة هائلة. في مدن مثل الرياض وجدة حركة معاكسة ومضادة تسعى للاحتفاظ بقلب تلك المدن الذي كان نابضاً يوماً، وذلك بعملية تنفس صناعي طموحة وناجحة في بعض الأحيان ومتوسطة النجاح في أخرى. لكن ما يحدث في البحرين، وبالتحديد في بلدة المحرق، وهي في الأساس إحدى جزر البحرين ومن أكثرها عراقة، مختلف كما أسلفت. العنصر البشري الذي يغيب عن عمليات الإحياء الأخرى حاضر هنا وهو ما يسترعي الانتباه. يضاف إلى ذلك أن قيام نشاط ثقافي وإبداعي في قلب تلك الأحياء كالذي اضطلعت به هيئة ثقافة البحرين بقيادة الشيخة مي آل خليفة قبل تركها العمل يضيف إلى الحياة اليومية للسكان بعداً آخر يجعل المنطقة جاذبة للزوار وقادرة من ثم على الاستمرار، لا سيما إن هي أدت إلى نشاط تجاري مصاحب.
عملية الإحياء المشار إليها يعدها بعض المنظرين الغربيين واحدة من سمات مرحلة ما بعد الحداثة. إنها الاستعادة لبعض سمات مرحلة سبقت الحداثة، وذلك على المستوى العمراني. هي مراجعة لسمات الحداثة، المراجعة المنطوية على نقض لبعض تلك السمات. يتضح ذلك في العمارة بصفة خاصة من حيث إن عمارة الستينيات التي انتشرت في العالم العربي كانت حداثية بمقدار خروجها على النمط القديم في البناء: الفيلات والعمارات الإسمنتية المسلحة بأشكالها المثلثة أو الدائرية والمتجهة إلى الخارج بدلاً من الداخل. وكان في تلك الطفرة الحداثية خروج متعمد على المنازل والأبنية التقليدية المتراصة بفنائها الداخلي وعمارتها الحجرية أو الطينية (تماماً كما حدث في الأعمال الأدبية التي سعت حداثتها إلى كسر نمطية الكتابة التقليدية لا سيما في الشعر). في فترة ما بعد الحداثة حدث ارتداد إلى فترة ما قبل الحداثة، ليس الارتداد الكامل أو الاستعادة الشاملة وإنما بالمحاكاة غير المنبتة عن الكثير من العناصر المكتسبة في فترة الحداثة. تفسير المابعدية يكمن في رفض ما قبلها مباشرة، لكن المابعدية تضمنت استعادة لماضٍ أقدم: البناء بما يشبه الطين، الأفنية المطلة على الداخل، الزوايا غير الحادة.
ما نجده أمامنا، ليس في مدن منطقة الجزيرة العربية فحسب وإنما في مدن أخرى من العالم، هو ازدواجية وأحياناً تعددية: الحداثة وما قبلها متجاورة مع ما بعدها، لكن الوضع في المنطقة العربية يختلف عن غيره، لا سيما عن أوروبا أو الغرب عموماً، في أن التباين حاد بل انقطاعي بين تلك المراحل. ففي حين تتعاقب المراحل العمرانية في مدن الغرب ضمن تسلسل يحكمه إطار حضاري متجانس يفضي بعضه إلى بعض، تعيش المدن العربية تناقضاً بين الجديد والقديم، لا سيما مرحلتي الحداثة وما قبلها. ومن هنا تبدو مرحلة ما بعد الحداثة، التي تتسم بالسعي لاستعادة القديم أقرب إلى استعادة الهوية الأساسية التي أربكتها الحداثة وسعت إلى محوها. فعمارة الحداثة أبعد ما تكون عن الانسجام مع مكونات البيئة ومعطيات الثقافة، المكونات والمعطيات التي تتضح في مرحلة الما قبل وتعاود الظهور في مرحلة الما بعد. وفي كل الحالات ما نشاهده هو التحدي الصعب الذي تواجهه الثقافة العربية في مواجهة اختلاف الآخر، أي اضطرارها لمجاراة المستجد من أدوات الحضارة الغربية ومظاهرها ورغبتها في الحفاظ على هوية مستقلة في الآن نفسه. ذلك التحدي هو ما لاحظه أحد أبرز مفكري أوروبا في القرن العشرين. يقول بول ريكير (أو ريكور) Ricoeur، فيلسوف الهرمنيوطيقا الفرنسي المعروف في كتابه «التاريخ والحقيقة»: «ها هي المفارقة: كيف يمكن أن تكون حديثاً وتعود إلى المنابع: كيف تحيي حضارة قديمة غافية وتشارك في حضارة كونية». يقول المفكر الفرنسي ذلك ضمن تأسيه من وضع عالم يتشابه ضمن حضارة عالمية واحدة و«متوسطة القيمة» إلى درجة الإفقار: «إننا نشعر أن هذه الحضارة العالمية الواحدة تفرض في الوقت نفسه لوناً من الاستنزاف أو الإنهاك على حساب الموارد الثقافية التي صنعت الحضارات العظيمة في الماضي».
الحفاظ على تلك الموارد الثقافية هو الهدف الذي تسعى إليه المشاريع المنتشرة هنا وهناك للحفاظ على التراثين المعماري والثقافي، لكن دون الوقوع في فخ الأحلام غير الواقعية، أي مع الوعي بأن مشاريع كتلك تحتاج إلى مقومات اقتصادية ومعرفية تمكنها من الاستمرار، وأن تكون أيضاً مفيدة من منجزات العصر، وهو ما يحدث في البحرين ومناطق أخرى. هي حركة مناهضة للعولمة الثقافية الغربية ومعاكسة لمفهوم التقدم الذي أشاعه عصر التنوير بالقول إن القادم أفضل من السابق بالضرورة، وأن حركة الثقافة إلى الأمام وليست باستعادة الماضي أو التمسك بمعطياته. التوجه ما بعد الحداثي إلى نقض تقدمية الحداثة أو إلى مساءلتها على الأقل يتمظهر في النشاط الإحيائي النوعي وفيما أسميه «الإبداع الماضوي».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: قضية «فرد أمن التجمع» بين «ضغوط» التنازل واستمرار محاكمة المتهم

وزارة الداخلية أصدرت بياناً حول الواقعة (وزارة الداخلية)
وزارة الداخلية أصدرت بياناً حول الواقعة (وزارة الداخلية)
TT

مصر: قضية «فرد أمن التجمع» بين «ضغوط» التنازل واستمرار محاكمة المتهم

وزارة الداخلية أصدرت بياناً حول الواقعة (وزارة الداخلية)
وزارة الداخلية أصدرت بياناً حول الواقعة (وزارة الداخلية)

تصاعدت تداعيات حادث تعدي شخص على فرد أمن في مجمع سكني بالتجمع الخامس (شرق القاهرة) وسط آراء متباينة عن سبب المشاجرة، وتعليقات على صفحات «سوشيالية» متعاطفة مع فرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، ومطالبات له برفض أي «ضغوط» قد يتعرض لها للتصالح والتنازل.

وتصدر وسم «فرد الأمن» قوائم «الترند» على «إكس» و«غوغل» بمصر، السبت، بعد انتشار القصة التي تم ترديدها بأكثر من طريقة، لكنها في النهاية تخضع لجهات التحقيق، بينما ظهرت آراء متباينة بعضها يشير إلى تعرض فرد الأمن لإغراءات وربما «ضغوط» للتنازل مقابل تعويض، بينما دعته تعليقات أخرى لعدم التنازل.

وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت في بيان سابق أنه قد تبلغ لقسم شرطة التجمع الخامس من فرد أمن إداري بمجمع سكني (مصاب بسحجات وكدمات متفرقه بالجسم) وآخر من الملاك بذات المجمع بتضررهما من أحد قاطني المجمع؛ لقيامه بالتعدي بالضرب على الأول محدثاً إصابته، وكذا التعدي على الثاني بالسب والشتم حال تدخله لمعاتبته.

وعقب تقنين الإجراءات تم ضبط المشكو في حقه «صاحب مصنع»، وبمواجهته اعترف بارتكاب الواقعة على النحو المشار إليه، لتضرره من عدم قيام فرد الأمن بممارسة عمله، واعتراضه على تدخل الثاني.

ودخل على خط التعليقات شخصيات بارزة من بينهم رجل الأعمال نجيب ساويرس الذي قام بإعادة نشر الواقعة مصحوبة بتعليق لشخص آخر عن السبب وراء صمت فرد الأمن وعدم رده على صاحب المصنع. وهو ما رد عليه ساويرس بأن فرد الأمن يخاف أن يخسر عمله، متابعاً في تعليقه بأن هناك جزءاً ناقصاً في القصة، متسائلاً عن سبب الخلاف أصلاً، وما دفع الرجل الثري للتعدي على العامل، وهو ما قوبل بتعليقات تؤكد أنه أياً كان السبب فلا مبرر لواقعة التعدي على فرد الأمن بهذا الشكل.

ووصل الأمر ببعض التعليقات أن تطالب فرد الأمن بعدم التنازل عن القضية، والتمسك بحقه في مقاضاة المعتدي، وأعلنت أيضاً صفحات «سوشيالية» عن مكافأة إذا لم يتنازل.

ومع التداول «السوشيالي» الواسع للواقعة وتصدرها «الترند» ليومين على التوالي، يرى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، أن «هذا الحادث لم يشهد تبايناً حول مع أم ضد، لكن كان هناك إجماع ضد تجاوز واضح على موظف يؤدي عمله».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «مع نشر مقطع الفيديو بكثافة مصحوب بالتعليقات الغاضبة، وحملات التضامن، وهو الأمر الذي أسهم في تصعيد الاهتمام العام، ودفع جهات التحقيق إلى إصدار بيانات توضيحية سريعة؛ فلم يعد الحدث محصوراً في أطرافه المباشرين، بل أصبح ساحة للنقاش حول احترام القانون».

وتابع فتحي: «أيضاً أثرت الخلفية الاجتماعية للأطراف في حجم التعاطف والإدانة، على المنصات، وناشد الجميع تطبيق القانون دون النظر لأي اعتبارات طبقية؛ بينما دعا البعض لتدشين حملات مقاطعة لعلامة تجارية يمتلكها المتهم كعقاب اجتماعي جمعي، وتكشف الواقعة عن قوة وتأثير المنصات الرقمية، وقدرتها على تحويل حادثة محدودة إلى قضية عامة خلال ساعات».

في المقابل، ظهرت تعليقات تشير إلى اعتذار محامي المعتدي للشعب المصري مشيراً إلى ملابسات ما حدث.

بينما جاءت تعليقات أخرى لمستخدمين متضامنين مع فرد الأمن، تطالبه بالتنازل لكن مقابل مبلغ كبير يضمن له حياة جيدة.

وترى الخبيرة الحقوقية هبة عادل أن «فرد الأمن في المنشآت الخاصة يتمتع بالحماية القانونية الكاملة بوصفه مواطناً يؤدي عملاً مشروعاً، وأي اعتداء عليه يُعد جريمة يُعاقب عليها القانون وفقاً لنصوص الضرب أو استعمال القوة». وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «العدالة لا تُبنى على مقاطع مجتزأة أو انحيازات رقمية. وتداول الوقائع خارج إطار التحقيق يخلق محاكمات شعبية تضر بحقوق جميع الأطراف».

وأشارت إلى ضرورة احترام مسار التحقيق، وضمان أن تكون الحقيقة القضائية هي المرجعية الوحيدة للحكم، مؤكدة أن «تداول الوقائع عبر (السوشيال ميديا) يضر بجميع الأطراف، ويضر بأسرهم، ويشهر بهم، ويخلق آراء وافتراضات حول الوقائع وتوقعات بالأحكام».

ويرى المتخصص في علم النفس، الدكتور جمال فرويز، أن «هناك تبايناً كبيراً بين الرأسماليين أو الطبقات الثرية قديماً وحديثاً، وهو ما يظهر في بعض الوقائع التي تشير إلى أن المال أصبح سلطة في حد ذاته»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «في بعض الحوادث يمكن أن تكون هناك عصبية غير مبررة، وفي المشكلات المماثلة يجب أن نراجع الظروف النفسية للشخص نفسه عبر اختبارات نفسية متعددة، هل تعرض لاستفزاز بكلمة أو إيماءة، ومن ثم رأينا عصبية غير مبررة وتعاملاً بصورة مبالغ فيها».


مطربون يطلّون في أكثر من إعلان رمضاني مع زخم المتابعات

عمرو دياب قدم إعلانين في رمضان (يوتيوب)
عمرو دياب قدم إعلانين في رمضان (يوتيوب)
TT

مطربون يطلّون في أكثر من إعلان رمضاني مع زخم المتابعات

عمرو دياب قدم إعلانين في رمضان (يوتيوب)
عمرو دياب قدم إعلانين في رمضان (يوتيوب)

شهدت الحملات الترويجية التي انطلقت مع بداية شهر رمضان ظهور مطربين في أكثر من إعلان ترويجي.

أبرز هؤلاء الفنانين عمرو دياب الذي أطل مع أبنائه الأربعة في إعلان لصالح إحدى شركات الاتصالات في مصر، يركز على لمّ شمل الأسرة واجتماع أفرادها معاً، بينما قدم أغنية ترويجية للعام الثاني على التوالي لصالح أحد التجمعات السكنية.

كما ظهر الفنان تامر حسني برفقة والدته وأبنائه في حملة ترويجية لصالح إحدى شركات الاتصالات، بينما قدم إعلاناً ترويجياً آخر لصالح أحد المستشفيات الخيرية، فيما أطلت روبي بإعلانين؛ أحدهما لصالح شركة منتجات منزلية تتعاون معها منذ سنوات، والثاني لصالح شركة للمنتجات الغذائية.

كما وُجد محمد عدوية في إعلانين أحدهما شارك فيه مع المطربة الشعبية الحاجة نبيلة لصالح أحد محلات الحلويات، بينما الآخر جاء لمشاركته في أغنية ترويجية لصالح أحد محلات الوجبات الجاهزة الشهيرة.

وقال الناقد الفني محمد عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»، إن اهتمام الوكالات الإعلانية في السنوات الأخيرة بأن تتضمن الحملات أغنية جذابة تعلق في أذهان الجمهور، أسهم بشكل واضح في زيادة الإقبال على الاستعانة بالمطربين داخل الإعلانات، مشيراً إلى أن «صناع الدعاية باتوا يدركون أن الأغنية قادرة على تحقيق انتشار أسرع وتأثير أعمق من الفكرة البصرية وحدها، خصوصاً في موسم مزدحم مثل شهر رمضان».

روبي (حسابها على «فيسبوك»)

وأضاف أن «المطربين من جهتهم ينظرون إلى الوجود الإعلاني باعتباره نوعاً من التعويض عن غيابهم الفني خلال الشهر، في ظل تراجع طرح الألبومات أو الحفلات الغنائية في هذه الفترة»، على حد تعبيره، موضحاً أن «الإعلان يمنحهم مساحة حضور جماهيري واسعة تضمن بقاء أسمائهم في دائرة الضوء، حتى لو لم يكن لديهم إنتاج فني جديد».

وأشار عبد الرحمن إلى أن نجاح الأغنيات التي قدمها كل من محمود العسيلي وبهاء سلطان في إحدى حملات البنوك، شكّل نقطة تحول لافتة، بعدما حققت تلك الأغنيات انتشاراً كبيراً وتفاعلاً ملحوظاً، مما دفع علامات تجارية أخرى إلى تكرار التجربة والاستعانة بمطربين لتقديم أغانٍ خاصة بحملاتها.

وأكد أن هذه الظاهرة تعكس تحولاً في فلسفة الإعلان نفسها، التي باتت تراهن على صناعة «أغنية إعلان» قادرة على العيش بعد انتهاء الحملة، لتتحول إلى مادة متداولة عبر المنصات الرقمية، وهو ما يحقق مكسباً مزدوجاً للمعلن والمطرب في آن واحد.

رأي يدعمه الناقد الموسيقي محمود فوزي السيد الذي يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن «شهر رمضان لم يعد مجرد موسم درامي كما كان يُنظر إليه لسنوات طويلة، بل تحوّل تدريجياً إلى موسم غنائي متكامل، تتسابق فيه أصوات المطربين قبل الأعمال الدرامية أحياناً، مدفوعين برغبة واضحة في الحضور والمنافسة والاستفادة من الزخم الجماهيري الذي يصاحب الشهر الكريم».

وأضاف أن «معظم المطربين يسعون اليوم لأن يكون لهم وجود واضح في رمضان، سواء من خلال الإعلانات أو الأغاني الدعائية أو الحملات المرتبطة بالعلامات التجارية الكبرى»، معتبراً أن الوجود في هذا الموسم بات يُنظر إليه بوصفه علامة على النجومية والاستمرارية، فالمنافسة في رمضان - بحسب رأيه - لم تعد تقتصر على المسلسلات، بل امتدت إلى سوق الإعلانات التي تضخ أجوراً جذابة، وتمنح الفنان انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة.

محمد عدوية (حسابه على «فيسبوك»)

لكن محمود فوزي السيد يشير في الوقت نفسه، إلى أن «هذه الظاهرة تحمل جانباً سلبياً قد ينعكس على صورة المطرب نفسه، لأن الظهور المكثف في أكثر من إعلان خلال الشهر قد يفقد النجم جزءاً من بريقه، خصوصاً إذا تكررت الأغاني أو الرسائل الإعلانية بشكل مبالغ فيه»، مؤكداً أن الظهور الواحد أحياناً يكون أكثر تأثيراً من الحضور المتكرر، لأن إعلاناً واحداً قوياً ومدروساً يمكن أن يرسّخ في أذهان الجمهور أكثر من عدة إعلانات متتالية.

ولفت إلى أن «فكرة مشاركة المطرب في أكثر من حملة إعلانية خلال رمضان قد تؤدي إلى نوع من التضارب أو الالتباس لدى الجمهور، خصوصاً إذا كانت الأغنيات تحمل طابعاً متشابهاً أو تُعرض في فترات متقاربة»، مؤكداً أن النجم الكبير تحديداً يجب أن يكون أكثر انتقائية، وأن يكتفي غالباً بإعلان واحد قوي التأثير، لأن قيمة اسمه وحدها كفيلة بصناعة الحدث دون الحاجة إلى التكرار.


إشادات بـ«صحاب الأرض» بعد توثيقه معاناة أهل غزة درامياً

مسلسل «صحاب الأرض» يرصد اعتداء الجيش الإسرائيلي على الأطباء في غزة (الشركة المتحدة)
مسلسل «صحاب الأرض» يرصد اعتداء الجيش الإسرائيلي على الأطباء في غزة (الشركة المتحدة)
TT

إشادات بـ«صحاب الأرض» بعد توثيقه معاناة أهل غزة درامياً

مسلسل «صحاب الأرض» يرصد اعتداء الجيش الإسرائيلي على الأطباء في غزة (الشركة المتحدة)
مسلسل «صحاب الأرض» يرصد اعتداء الجيش الإسرائيلي على الأطباء في غزة (الشركة المتحدة)

حصدت الحلقات الأولى من المسلسل المصري «صحاب الأرض»، إشادات عربية لافتة عبر مواقع «السوشيال ميديا» لتوثيقه معاناة سكان غزة خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع، وباعتباره أول مسلسل درامي عربي يتناول هذه المعاناة.

المسلسل الذي تقوم ببطولته منة شلبي والفنان الأردني إياد نصار، بمشاركة فنانين أردنيين وفلسطينيين من بينهم كامل الباشا، وآدم بكري، وتارا، وسارة يوسف، مستوحى من أحداث حقيقية كتبه المؤلف عمار صبري، وقام بتطوير السيناريو والحوار المؤلف محمد هشام عبية، وإخراج بيتر ميمي، ومن إنتاج «الشركة المتحدة»، وتعرضه منصة «Watch It»، كما يعرض عبر قناتي «دي إم سي» و«الحياة»، ويعرض في عدة قنوات عربية.

وشهدت الحلقات الأولى من المسلسل وصول الطبيبة المصرية «سلمى شوقي» (منة شلبي) المتخصصة في علاج الحالات الحرجة، إلى معبر رفح ضمن قافلة الإغاثة المصرية التي توجهت لغزة مع اندلاع الحرب، لتتابع الطبيبة المصرية من زجاج السيارة أصوات الانفجارات، قبل أن تصل إلى المستشفى الذي ستعمل به، وقد حملت معها جهاز تنفس يعمل بالبطارية بعدما ألحت على الضابط في منفذ رفح أن يسمح لها بالدخول به وسط إجراءات صارمة.

وعلى الجانب الآخر يظهر إياد نصار في شخصية ناصر أبو رضوان، الذي حالت وقوع الحرب دون سفره لأولاده المقيمين في الضفة، ويبقى مع شقيقه وأسرته في غزة، وبمجرد خروجه من بيت شقيقه ينهار البيت على شقيقه وزوجته وأطفاله بفعل القصف المتواصل للقوات الإسرائيلية، بينما يتعرض نجل شقيقه الطفل يونس لإصابة بالغة، ويكون كل همّ ناصر أن ينقذ الطفل الباقي من عائلة شقيقه.

من الحلقة الأولى، يرصد المسلسل الدمار الهائل بالأبنية والشوارع، ويتعرض المستشفى الذي تعمل به الطبيبة المصرية للقصف، ويفقد غرفة عمليات ليعمل بواحدة فقط، ويواجه الأطباء صعوبة في إنقاذ المصابين، وشهدت الحلقة الثالثة دخول قوات الاحتلال لتفتيش المستشفى، رغم رفض مديرها وقيامهم بالبحث في المشرحة عن هاربين وحمل بعض جثث الشهداء معهم، ما يثير رعب الجميع.

واستعان المخرج بيتر ميمي في تتر المسلسل، بأغنية فلسطينية بعنوان «يُمّا مويل الهوا» بصوت المطرب المصري أمير عيد والمطربة الفلسطينية ناي برغوثي، وهي الأغنية التي كتب كلماتها الشاعر أحمد دحبور، مثلما أوضح المخرج بيتر ميمي عبر حسابه على «فيسبوك»، بعدما نُسبت خطأ للشاعر أحمد فؤاد نجم.

وشهدت منصة «X» تعليقات لمتابعين مع طرح الحلقات الأولى للمسلسل، وكتب مصطفى علي مستعيناً بصورة لخريطة فلسطين جاءت ضمن مشاهد المسلسل: «هذا المشهد من مسلسل (صحاب الأرض) يقدم رسالة عميقة»، موجهاً الشكر للقائمين على المسلسل.

وكتب حساب باسم «Khaled»: «كنا نسمع عن المآسي التي كان يعيشها أهل غزة أثناء القصف، لكن مسلسل (صحاب الأرض) جعلنا نعيشها معهم».

فيما كتب «Mutaz M.ALmasloukhi» أن «صحاب الأرض» أول عمل درامي يوثق أحداث الإبادة الجماعية في غزة بتفاصيلها الحقيقية المرعبة التي لم يكن يتصورها عقل بشري، وأن عنوان المسلسل رسالة واضحة للعالم بأن الشعب الفلسطيني هو صاحب الأرض، وأن الاحتلال الإسرائيلي هو الدخيل والمغتصب للأرض والتاريخ والهوية.

إياد نصار في لقطة من العمل (الشركة المتحدة)

وكتبت الناقدة الفلسطينية علا الشيخ تعليقاً على الحلقة الأولى من المسلسل عبر حسابها بـ«فيسبوك»: «هذا عمل يقتحم الذاكرة من اللحظة الأولى، لا طلباً للتعاطف بل فرضاً للمواجهة، بأداء قوي إلى حد الإرباك»، مشيرة إلى أداء إياد نصار. وأضافت أنه رغم أن العمل يفتح جرحاً لم يُمنح زمنه الكافي للشفاء، فإن ما يحسب له أن الإخراج لا ينزلق إلى الابتزاز العاطفي، بل يدير الألم بوعي بصري وسردي يحترم ثقل الحكاية ويترك أثره دون خطاب مباشر.

وكشف الكاتب محمد هشام عبية الذي قام بتطوير السيناريو والحوار، أن تصوير المسلسل تم كاملاً بالقاهرة داخل مدينة الإنتاج الإعلامي وإحدى قرى الجيزة، قائلاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «المسلسل كان قد بدأ بين المؤلف عمار صبري والمخرج بيتر ميمي، ثم انضممت لهما لتطوير السيناريو والحوار وإضافة بعض الشخصيات».

إشادة بأداء منة شلبي (الشركة المتحدة)

وأكد أن طاقم العمل اتفق على أن المسلسل لا يهدف إلى استعطاف الجمهور ولا الدخول في معارك سياسية؛ بل هدفه الرئيسي هو الإنسان الفلسطيني ومعاناته خلال الحرب.

وأثار المسلسل ردود أفعال قوية من الإعلام الإسرائيلي عبر صحف وقنوات عدة من بينها «يديعوت أحرونوت»، والقناة «12» الإسرائيلية وبعض المؤثرين على مواقع «السوشيال ميديا»، الذين رأوا أنه يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية.

ويعلق هشام عبية على ذلك، قائلاً: «هذا أمر متوقع لأن المسلسل يُظهر وجهة نظر أخرى يرفضون إظهارها للعلن، لأنها تنطوي على جوانب حقيقة»، مؤكداً أنه كانت هناك مواقف وأحداث وقعت بالفعل، «لكن لم نستطِع تقديمها عبر المسلسل حتى لا يظن البعض أنها مبالغة»، مشيراً إلى قوة وعمق تأثير العمل الدرامي، وأن ما يعرض في نشرات الأخبار ينتهي ولا يتكرر عرضه، لافتاً إلى أن حرب غزة تستوعب أكثر من عمل درامي.

منة شلبي جسدت دور طبيبة مصرية في غزة (الشركة المتحدة)

وعدّ الناقد الكويتي عبد الستار ناجي مسلسل «صحاب الأرض»، خطوة إضافية في رصيد الدراما التلفزيونية المصرية التي لطالما كانت المبادِرة إلى تبني القضايا القومية المحورية.

وقال ناجي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «العمل ليس مجرد حكاية طبيبة مصرية تطوعت للذهاب إلى غزة، أو رصد حكاية شاب غزاوي يحاول إنقاذ ابن أخيه؛ بل نحن أمام دراما شديدة الشفافية والعمق تجعلنا نعيش لحظات الألم والوجع الإنساني الذي عاشه إخواننا في غزة».

وأشاد ناجي بالعمل بشكل خاص والدراما المصرية بشكل عام، واصفاً إياها بأنها «تتجاوز كل ما هو مألوف وتقليدي لتقدم لنا شهادة صارخة عن عذاب الفلسطينيين الغزيين».