السعودية تستضيف أحد أكبر مشاريع ترميم الشعاب المرجانية في العالم

«مشروع شوشة» بالبحر الأحمر شراكة استراتيجية بين «كاوست» و«نيوم»

في بيئات أحواض مائية قابلة للضبط (كاوست)
في بيئات أحواض مائية قابلة للضبط (كاوست)
TT

السعودية تستضيف أحد أكبر مشاريع ترميم الشعاب المرجانية في العالم

في بيئات أحواض مائية قابلة للضبط (كاوست)
في بيئات أحواض مائية قابلة للضبط (كاوست)

غالباً ما تتطلب الظروف الاستثنائية إجراءات استثنائية أيضاً. فمع الوتيرة المتسارعة لتغير المناخ وتأثر النظم البيئية بطرق وخيمة وغير متوقعة، أصبح العلماء وصانعو السياسات والخبراء في جميع أنحاء العالم يعيدون التفكير بضرورة وضع استراتيجيات حاسمة وجريئة قابلة للتطبيق والتكيف وذات مغزى تتصدى للتبعات المدمرة لهذه الظاهرة.
وعلى ضوء ذلك، أطلقت جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) مبادرة طموحة لدعم استعادة الشعاب المرجانية في وقت يشهد العالم فيه تغيراً بيئيّاً غير مسبوق. وتعد هذه المبادرة في جزيرة شوشة على ساحل البحر الأحمر أول مشروع واسع النطاق لترميم الشعاب المرجانية في العالم، تديره وتموله «كاوست» بالشراكة مع «نيوم»، أحد المشاريع العملاقة في المملكة العربية السعودية التي تركز على الاستدامة وتحسين جودة الحياة وحماية الطبيعية. وتوفر هذه الشراكة الاستراتيجية بين الكيانين الخبرة البحثية والبنية التحتية التقنية اللازمة لتعزيز استعادة الشعاب المرجانية وترميمها على نطاقات كبيرة.
وقال البروفسور توني تشان، رئيس كاوست بهذه المناسبة: «نحن في سباق مع الزمن لإنقاذ الشعاب المرجانية، التي يمكن القول إنها من بين أكثر النظم البيئية قيمة على هذا الكوكب. وتعاني الشعاب المرجانية في جميع أنحاء العالم من أزمة، وقد تعاونت (كاوست) مع (نيوم) ونخبة من الشركاء العالميين لنشر أفضل حلولنا العلمية والتقنية لترميم الشعاب المرجانية، وإثبات ذلك في جزيرة شوشة».

تستخدم عالمة البحار في «كاوست» البروفسورة راكيل بيكسوتو المعززات الحيوية (البروبيوتيك) لزيادة تحمل ومرونة الشعاب المرجانية

بدأ المشروع مع إنشاء مركز أبحاث المرجان في «كاوست» الذي يضم أعضاء من هيئة التدريس والباحثين المهتمين بتطوير مناهج جديدة لاستعادة الشعاب المرجانية. وسرعان ما تطورت هذه الخطة الطموحة لتصبح أساساً لمبادرة أكبر من المرجح أن تدعم استعادة الشعاب المرجانية وترميمها في جميع أنحاء المنطقة لعقود مقبلة. يشار إلى أن هذه المبادرة تهدف بالأساس لتكون عرضاً لتقنيات وأساليب استعادة الشعاب المرجانية المبتكرة التي يمكن تطبيقها في البحر الأحمر وأنظمة الشعاب المرجانية الأخرى حول العالم.
يتضمن المشروع زراعة مئات الآلاف من الشعاب المرجانية في موقع تجريبي بمساحة 100 هكتار يقع في البحر الأحمر شرق جزيرة شوشة، على بعد نحو 20 كيلومتراً من «نيوم» في محافظة تبوك بالمملكة العربية السعودية. وسيشمل أيضاً مركزاً للأبحاث والسياحة البيئية لزيادة المعرفة حول النظم البيئية للشعاب المرجانية والتنوع البيولوجي للأنواع التي تدعمها.

أساس متين لترميم المرجان
تتطلب المشاريع المعقدة وواسعة النطاق التي تضم فرقاً متعددة وخدمات لوجيستية كبيرة، وجود قيادة متمرسة قادرة على إعطاء توجيهات مهمة وحاسمة. ولهذا تم إحضار توم مور خبير السياسات البيئية وترميم الشعاب المرجانية المخضرم في عام 2021 للمساعدة في إطلاق مشروع مبادرة ترميم الشعاب المرجانية بـ«كاوست». وصل توم إلى الجامعة في أواخر عام 2021 جالباً معه خبرة كبيرة في إدارة الحفاظ على الشعاب المرجانية بعد أن عمل لأكثر من 23 عاماً في الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) بالولايات المتحدة، فضلاً عن امتلاكه شبكة من الانتماءات العالمية التي ستشكل نطاق المشروع وآليات تنفيذه. ولا شك في أن مثل هذه المشاريع الضخمة تتطلب كوادر بشرية استثنائية، وهو ما يعمل عليه توم من خلال تجميع فريق كبير يضم علماء من «كاوست» وخبراء عالميين لتقديم شيء لم يسبق له مثيل، يقول: «ما يجعل هذه المبادرة قادرة على تغيير قواعد اللعبة في مجال استعادة الشعاب المرجانية هو اشتمالها على توليفة من الخبرات والعناصر الفذة والمستقلة التي تم تجميعها معاً في مشروع واحد. وهي فرصة مواتية لتطبيق علوم عالمية المستوى تخرج من جامعة كاوست، فضلاً عن امتلاكها الموارد الفائقة والآليات اللازمة لتوسيع نطاقها».


جزيرة شوشة بالقرب من «نيوم» ستكون موقعاً لأحد أكبر مشاريع ترميم الشعاب المرجانية في العالم

تلعب «كاوست» دوراً محورياً في هذا المشروع الواعد، حيث توفر التمويل والبنية التحتية البحثية الشاملة والمختبرات المتطورة والتقنيات الرائدة. ويقدم «نيوم» الرؤية الشاملة والبنية التحتية التشغيلية والمواقع المخصصة لزراعة وتكاثر المرجان. ويقوم فريق دولي من الخبراء متعددي التخصصات الذين عمل توم مور على تعيينهم منذ وصوله - من المهندسين الذين يمكنهم بناء نظم أساسية لدعم الحياة، إلى مديري المشاريع الذين يمكنهم تشغيل المرافق المعقدة، إلى علماء البحار الذين لديهم معرفة عميقة بالبحر الأحمر وترميم الشعاب المرجانية، وأخيراً القوى العاملة من الغواصين اللازمين لزراعة الشعاب المرجانية.
يذكر أن عدة منظمات إقليمية ودولية مختلفة تسهم أيضاً في دعم الخبرات الداخلية لـ«كاوست» الخاصة بهذا المشروع، بما في ذلك اتحاد استعادة المرجان، ومؤسسة استعادة المرجان، و«NOAA»، والمعهد الأسترالي للعلوم البحرية، و«Oceans Inc»، وشركة كورال فيتا، ومنصة تسريع أبحاث وتطوير المرجان (CORDAP) في «كاوست» التي نشأت خلال رئاسة المملكة العربية السعودية لمجموعة العشرين (G20) في عام 2020. وتتمثل مهمتها في دعم المبادرات الحالية والجديدة التي تركز على الحفاظ على الشعاب المرجانية وتكيفها ودعم جهود ترميمها وتكميلها على أوسع نطاق.
يشار إلى أن البروفسور كارلوس دوارتي، أستاذ علوم البحار المتميز في «كاوست»، هو من بين العلماء في مركز أبحاث المرجان بـ«كاوست» الذين يعملون على إيجاد وتطبيق حلول استعادة الشعاب المرجانية في جزيرة شوشة، وفي عدد من المواقع الدولية من خلال دوره كمدير تنفيذي لمنصة تسريع أبحاث وتطوير المرجان في الجامعة. يقول دوارتي: «الشعاب المرجانية هي أول نظام بيئي معرض لخطر الانقراض - شبه الوظيفي - في ظل ظاهرة تغير المناخ، ونحن بحاجة إلى زيادة قدرتنا على استعادتها من بضعة هكتارات إلى كيلومترات مربعة وما بعدها. وفي ظل ذلك، يقدم هذا المشروع فرصة فريدة لاختبار وتطوير معرفتنا والتعلم من خلال العمل في هذا المجال الحرج لمستقبل محيطاتنا والبحر الأحمر. إنه منارة الأمل التي تأتي من المملكة إلى العالم».
ويوضّح توم أن عمليات استعادة الشعاب المرجانية وترميمها شهدت تطوراً كبيراً منذ تسعينات القرن الماضي، أي قبل تهديد ظاهرة ابيضاض المرجان اليوم. كان علماء الأحياء حينئذٍ ينفذون عمليات الاستعادة استجابةً لجنوح السفن والحوادث البحرية الناتجة عن ارتطام السفن بالشعاب المرجانية وتأثيرات بناء السواحل. وكانت معظم الجهود تتم بدعم مالي وتقني محدود. وظل الأمر كذلك حتى أوائل عام 2000 عندما عمل علماء الأحياء البحرية في الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، على إصلاح الأضرار الناجمة من ترسانات السفن على الشعاب المرجانية في منطقة البحر الكاريبي، حيث بدأت الوكالة في التفكير بشكل مختلف حول آلية استعادة المرجان، خصوصاً بعد هلاك نوعين رئيسيين من الشعاب المرجانية على نطاق واسع بسبب الابيضاض والأمراض. ومع ذلك، لم يتم اتخاذ إجراءات مباشرة للحفاظ على البيئة وإدارة تدهورها على الوجه الأكمل، يقول توم: «لقد عرفنا كيفية إصلاح الموائل الأخرى مثل الأعشاب البحرية وأشجار المنغروف، لكننا لم نعرف كيفية إصلاح الشعاب المرجانية».

حماية الشعاب
مع استمرار تدهور الشعاب المرجانية، بدأ توم والعلماء الآخرون بالمنطقة في التساؤل عما إذا كانت التقنيات نفسها التي استخدمتها المشاريع المجتمعية الصغيرة وتجارة الأحواض المائية لعقود من الزمن - مثل تفتيت الشعاب المرجانية الفردية إلى مئات القطع الصغيرة (المستنسخات الجينية) وتنمية المستعمرات المرجانية - يمكن استخدامها لإصلاح الشعاب المرجانية في المواقع المتضررة، أم لا. وهنا بدأت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي جهوداً مركزة لاستعادة المرجان باستخدام هذا النهج في نطاقات كبيرة، عبر إنشاء مشاتل مرجانية صغيرة في المحيط الأطلسي وفي جميع أنحاء فلوريدا ومنطقة البحر الكاريبي.
نجحت هذه الطريقة، لكن توم قال إنه باستثناء عدد قليل من الأطراف المشاركة، فإن بقية العالم لم ينتبه لحجم المشكلة وكانت أغلب الجهود البيئية مركزة على المناطق البحرية المحمية، ومشكلات التلوث البري، والصيد الجائر، وحلول تغير المناخ. وفيما تلعب كل منطقة دوراً حاسماً في تعافي الشعاب المرجانية، فإنها لا تستطيع معالجة التحدي بمفردها. ولم ينتبه العالم لحجم الضرر الذي لحق بالنظام البيئي للشعاب المرجانية حتى عام 2015 عندما أصبحت ظاهرة ابيضاض المرجان منتشرة بشكل مزداد حتى بدأ دعاة الحفاظ على البيئة على مستوى العالم في التحدث بجدية عن استراتيجيات ملحة لترميم المرجان.
في عام 2016، شكل توم مور والمتعاونون معه ائتلاف استعادة الشعاب المرجانية، وهو مكان تبادل المعلومات وحلول «العصف الذهني» (شحذ الذهن) للممارسين والمعلمين والمديرين والعلماء وغيرهم من المشاركين في الحفاظ على الشعاب المرجانية. وسرعان ما تطور هذا الاتحاد من مجموعة صغيرة مقرها منطقة البحر الكاريبي إلى مجتمع دولي فاعل.
وكان مؤتمر مستقبل المرجان 2018 نقطة انطلاق الائتلاف، حيث ناقش فيه المشاركون كيفية توسيع عمليات استعادة الشعاب المرجانية وترميمها على نطاق أكبر وأكثر تركيزاً. بينما وضع كثير من المجموعات خططاً خاصة تتناول هذه القضية، لم يكن أي طرف على استعداد لتولي الاستثمار الحقيقي المطلوب، حتى تقدمت «كاوست»، بالتعاون مع نيوم وحكومة المملكة العربية السعودية، وشُكلت مبادرة «كاوست» لاستعادة الشعاب المرجانية في جزيرة شوشة، وبدأت العمل على قدمٍ وساق لاستعادة المرجان.
يشرح توم: «يحاول علماء الأحياء حل المشكلات الهندسية في مناطق ترميم الشعاب المرجانية باستخدام الشريط اللاصق والأربطة ذات الزمام المنزلق والأنابيب البلاستيكية والصمغ السريع منذ عقدين من الزمن وحتى يومنا هذا، إلا أن ما نحتاج إليه فعلاً هو أن يطور المهندسون حلولاً مبتكرة ومخصصة لهذه المشكلات. ولحسن الحظ، كان التفكير المبتكر سمة باحثي (كاوست). لا يوجد مشروع في العالم مماثل لهذا المشروع مطلقاً من ناحية الدعم الحكومي الكامل، والاستثمار والاستعداد لتوسيع نطاقه، ووجود فريق من الخبراء الذين يمكنهم تحقيق ذلك».

أساليب مبتكرة
ستسهم «كاوست» - باعتبارها شريكاً رئيسياً في هذا المشروع - بموارد وخبرات من مختلف التخصصات لتنفيذ المشروع، بما في ذلك التقنيات التي تطورها والمصممة لتوفير طرق أكثر كفاءة لنمو الشعاب المرجانية وزراعتها مثل تقنية (KAUST Maritechture) لتغطية الحدائق المرجانية بالهياكل الصناعية. وسيعمل باحثو الجامعة على تطوير سلسلة توريد أفضل للشعاب المرجانية باستخدام أدوات مثل الروبوتات والتصنيع التكيفي ثلاثي الأبعاد، والمساعدة في تعزيز مرونة وحياة الشعاب المرجانية باستخدام أساليب متطورة من العلوم البيولوجية.
وكمثال على جهود «كاوست» في هذا المجال، يقوم البروفسور مانويل أراندا، أستاذ البيولوجيا التطورية في «كاوست»، بتطبيق خبرته في علم الجينوم المرجاني على المشروع من خلال تحديد الجينات التي تجعل مستعمرات مرجانية معينة أكثر مقاومة للحرارة من غيرها من خلال التكاثر الانتقائي الذي يمكن من خلاله إدخال هذه السمات المرنة إلى مجموعات المستعمرات المرجانية الأقل تحملاً لمنحهم فرصة أفضل للبقاء في ظل درجات حرارة أكثر دفئاً. وفي دراسة أخرى، تعمل البروفسورة شارلوت هاوزر، أستاذة العلوم الحيوية في «كاوست»، على تطوير هياكل عظمية مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد مغلفة بمادة تسرع نمو المرجان. وهي نفسها الهياكل الصناعية التي سيستخدمها العلماء في المشروع لزراعة الشعاب المرجانية. كما تبحث البروفسورة راكيل بيكسوتو، أستاذة علوم البحار في «كاوست» وزميلة الجمعية الدولية للشعاب المرجانية منذ عقود في كيفية استخدام البكتيريا لدعم الكائنات الحية المختلفة والنظم البيئية الطبيعية الحيوية، على اليابسة وتحت الماء. ويعد عملها الثوري في المعززات الحيوية المرجانية (البروبيوتيك) مثالاً مهماً آخر على مساهمات أعضاء هيئة التدريس بـ«كاوست» في حلول الترميم واستعادة الشعاب المرجانية في جزيرة شوشة.
يقول إيان كامبل، المدير التنفيذي للمشاريع الخاصة في «كاوست» الذي يشرف على المبادرة في جزيرة شوشة: «نريد تقديم مشروع لترميم الشعاب المرجانية على نطاق واسع، وفي الوقت نفسه نرغب باستخدام مناهج استعادة بيئية شاملة تضم الأساليب التقليدية والحديثة والمبتكرة من خلال إدماج تقنيات تحليل البيانات والذكاء الصناعي لإنشاء نموذج عمل مستدام. يتمثل هدفنا بتسخير مواردنا المتميزة لبناء حلول يمكن أن تدعم المشاريع الأخرى في جميع أنحاء المنطقة والعالم».
يحتوي الموقع الذي تم اختياره للمشروع على شعاب مرجانية في حالة سليمة وأخرى سيئة على حد سواء، التي قال توم إنها توفر فرصاً لتطبيق واختبار استراتيجيات الاستعادة المختلفة. من المقرر زرع أكثر من 5 آلاف من الشعاب المرجانية كل يوم، بإنتاجية تقريبية تصل إلى نصف المليون من الشعاب المرجانية سنوياً، ومليونين من الشعاب المرجانية على مدار خمس سنوات. وسيتم استخدام هياكل صناعية خاصة عند الحاجة مصممة لدعم الشعاب المرجانية ومساعدتها في النمو لتشكل مستعمرات كبيرة، فضلاً عن استخدامها لزراعة المرجان على الشعاب المرجانية الحالية.
سيستخدم العلماء شعاباً مرجانية من عدة مصادر متنوعة، مع التركيز على تلك التي تنمو في المشاتل، سواء في المحيطات أو تلك التي في مرافق خاصة وتستخدم أنظمة إضاءة مثلى وظروف نمو قابل للضبط. وسيعمل الفريق على الحد من استخدام المرجان الموجود قدر الإمكان. كما سيستفيد المشروع من المرجان الذي تضرر وانفصل عن شعابه بفعل العواصف أو مشاريع البناء.
ويؤكد توم أن الهدف الرئيسي من هذا المشروع هو زيادة مرونة وتنوع الشعاب المرجانية، يقول: «لا يمكنك نقل الشعاب المرجانية من جميع الأنحاء والأعماق المختلفة إلى مواقع جديدة. فلا يوجد حل واحد يناسب الجميع. نحن بحاجة إلى التفكير مَلِيّاً بشأن الشعاب المرجانية التي يمكن أن تنمو وتزدهر في الموقع، بالإضافة إلى الشعاب المرجانية النادرة التي تتكاثر لَاجِنْسِيّاً».

ولهذه الغاية، ستحتوي الخطة الرئيسية التي يجري تطويرها للموقع على مئات من المناطق التشغيلية تضم شبكة من الوحدات، لكل منها خطتها الوصفية الخاصة. وسترصد أجهزة الاستشعار وتقنيات المراقبة الرقمية الأخرى الشعاب المرجانية التي تعيش بشكل جيد وستحدد مواقعها، حيث تساعد هذه المعلومات في اتخاذ قرارات حول الاستراتيجيات التي تُمكن الشعاب المرجانية من الازدهار في المستقبل. وبكل تأكيد، ستلعب القدرات والموارد الحاسوبية المتفوقة في «كاوست» دوراً كبيراً في هذا الجهد. يقول توم مور: «يستعرض هذا المشروع الإمكانات والتقنيات الحالية والمستقبلية لـ(كاوست) في مجال حماية التنوع الحيوي والتي ستساعدنا في الاختيار الصحيح للمرجان وبطريقة ذكية تجعل الشعاب المرجانية أكثر قوة وصحة».

مركز تعليمي
بمجرد بدء المشروع وسريانه، سيتم إنشاء مركز زوار ومنشأة بحثية لتوفير فرص تعليمية وتبادل مستمر للعلماء والطلبة والسياح على حد سواء، وتسهيل وصول الزوار من جميع أنحاء المملكة والعالم. وسيضم مركز الزوار معارض تعليمية تفاعلية لزيادة الوعي بالبيئات البحرية، بما في ذلك العروض المرئية التي قال توم إنها ستكون «التوأم الرقمي» لتجربة استعادة المرجان تحت الماء. ستكون منشأة البحث مركزاً متطوراً لباحثي «نيوم» وباحثي «كاوست» والعلماء المقيمين لدراسة الشعاب المرجانية هناك وفي المناطق المجاورة.
يفيد توم بأنهم لا يزالون يستكشفون الفرص المختلفة لهذا المشروع ويدرسون الجوانب الأخرى منه. وأشار إلى أن المشروع من المرجح أن يوجّه الابتكارات بقدر ما ستوجّه الابتكارات المشروع، يقول: «إنه طريق ذو اتجاهين. ما هو مناسب للعلماء في مختبر على نطاق صغير قد لا يعمل بشكل جيد على نطاق منشأة ضخمة. لهذا نحتاج إجراء مزيد من النقاشات والتقارير حول هذا المشروع مع العلماء والمشاركين بالموقع لمساعدتهم في فهم الأساليب والأمور التي تعمل بشكل أفضل في هذا المجال، وبالتالي نتمكن من الخروج بتقنيات وأساليب جديدة ومحسنة لم نفكر فيها في البداية».
وعلق مدير مركز أبحاث البحر الأحمر في «كاوست»، البروفسور مايكل بيرومين على المشروع بقوله: «نعيش اليوم في وقت حرج بيئياً يستدعي تدخلات جريئة وطموحة للحفاظ على الشعاب المرجانية ومعالجة التحديات التي تواجهها على مستوى العالم باستخدام مناهج مبتكرة تغطي تخصصات علمية متعددة. ولا شك أن (كاوست)، التي يعد البحر الأحمر أكبر مختبراتها، في وضع فريد يؤهلها لتكون مركزاً للأبحاث والتطورات التكنولوجية التي سيكون لها تأثير محلي وعالمي».
بدأ فريق مبادرة استعادة الشعاب المرجانية في «كاوست» إطلاقاً مَبْدَئِيّاً للمشروع خلال مؤتمر مستقبل الشعاب المرجانية (Reef Futures 2022) في الفترة من 26 إلى 30 سبتمبر (أيلول) 2022 في كي لارغو بولاية فلوريدا الأميركية، وهو مؤتمر دولي لاستعادة الشعاب المرجانية يجمع ممارسي الاستعادة والباحثين والمديرين وصانعي السياسات من جميع أنحاء العالم لمناقشة أحدث التقنيات والعلوم لتوسيع نطاق وتأثير جهود استعادة الشعاب المرجانية في العالم بشكل كبير.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟
TT

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

لطالما حيّر هذا السؤال العلماءَ والأطباء: لماذا يُصاب بعض الأشخاص بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن في وقت أبكر من غيرهم حتى عندما تبدو أنماط حياتهم متشابهة؟

اختلال الحمض النووي والشيخوخة

• دراسة جينية واسعة. تشير دراسة جينية واسعة النطاق إلى أن جزءاً مهماً من الإجابة قد يكون مخبوءاً في أعماق حمضنا النووي نفسه. فحسب نتائج الدراسة تلعب الجينات دوراً محورياً في تحديد سرعة عدم استقرار بعض أجزاء الحمض النووي مع التقدم في العمر، وهي عملية صامتة قد ترفع خطر الإصابة بأمراض خطيرة على المدى الطويل.

الدراسة التي قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس ومعهد برود وكلية الطب بجامعة هارفارد في الولايات المتحدة ونُشرت في مجلة Nature بتاريخ 7 يناير (كانون الثاني) 2026 حلّلت بيانات وراثية لأكثر من 900 ألف شخص، ما يجعلها واحدة من أوسع الدراسات التي أُجريت حتى اليوم لفهم التغيرات الجينية المرتبطة بالشيخوخة. وكشف الباحثون أن بعض الاختلافات الجينية قد تُسرّع أو تُبطئ تمدد تسلسلات وراثية متكررة في الحمض النووي بما يصل إلى أربعة أضعاف وهو تفاوت كبير يكفي للتأثير في خطر الإصابة بالأمراض على امتداد حياة الإنسان.

• ما هي تكرارات الحمض النووي، وما أهميتها؟ يتكوّن جزء كبير من الجينوم البشري من تسلسلات قصيرة من الحمض النووي تتكرر مرات عديدة تُعرف باسم تكرارات الحمض النووي DNA repeats وتبقى هذه التكرارات مستقرة نسبياً لدى معظم الناس لكن في بعض الحالات تبدأ بالازدياد طولاً مع مرور الوقت، وهي عملية تُسمى تمدّد التكرارات repeat expansion، وعندما يتجاوز هذا التمدد حداً معيناً فإنه قد يعطّل الوظائف الطبيعية للخلايا ويؤدي إلى ظهور أمراض خطيرة.

اضطرابات وراثية

وقد تعرف العلماء اليوم على أكثر من 60 اضطراباً وراثياً ناتجاً عن تمدد تكرارات الحمض النووي من بينها أمراض مدمّرة مثل داء هنتنغتون Huntington’s disease (هو مرض تنكسي عصبي مميت وعادة ما يكون وراثياً). والحثل العضلي التوتري myotonic dystrophy (مجموعة من الاضطرابات الوراثية التي تسبب فقدان العضلات وضعفها التدريجي) وبعض أشكال التصلّب الجانبي الضموري amyotrophic lateral sclerosis (ALS).

ورغم معرفة العلماء منذ سنوات بأن تكرارات الحمض النووي قد تزداد طولاً مع الزمن فإن مدى انتشار هذه الظاهرة في الجينوم البشري والعوامل الجينية التي تتحكم بها لم يكن مفهوماً بالكامل حتى الآن. وتوضح الدكتورة مارغو هوجويل، الباحثة الرئيسية في الدراسة من قسم علم الوراثة في كلية الطب بمستشفى بريغهام والنساء وكلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية، أن النتائج تُظهر أن تمدد التكرارات ليس حدثاً نادراً يقتصر على عدد محدود من الأمراض بل هو سمة شائعة ترافق التقدم في العمر لدى البشر.

• أدوات تحليلية لبيانات ضخمة. وقد اعتمد الباحثون في دراستهم على بيانات التسلسل الكامل للجينوم من مصدرين ضخمين نحو 490 ألف مشارك من بنك المملكة المتحدة الحيوي UK Biobank وأكثر من 414 ألف مشارك من برنامج All of Us البحثي في الولايات المتحدة. وقد أتاح هذا الحجم الهائل من البيانات فرصة فريدة لرصد كيفية تغيّر الحمض النووي مع العمر لدى مجموعات بشرية واسعة ومتنوعة.

وطوّر الفريق أدوات حسابية جديدة قادرة على قياس أطوال تكرارات الحمض النووي باستخدام بيانات التسلسل الجيني القياسية. وتم تحليل أكثر من 356 ألف موقع لتكرارات متعددة الأشكال في الجينوم مع تتبّع تغيّر أطوالها مع التقدم في العمر في خلايا الدم وتحديد المتغيرات الجينية التي تؤثر في سرعة هذا التمدد. كما بحث القائمون على الدراسة عن روابط بين تمدد التكرارات وآلاف الحالات المرضية، ما قاد إلى اكتشافات جديدة وغير متوقعة.

• الجينات واستقرار الحمض النووي. من أبرز نتائج الدراسة أن للعوامل الوراثية تأثيراً قوياً في معدل تمدد التكرارات. فقد حدد الباحثون 29 موقعاً جينياً تؤثر فيها المتغيرات الموروثة في سرعة هذا التمدد؛ بحيث قد يصل الفرق بين الأفراد الأعلى والأدنى خطراً وراثياً إلى أربعة أضعاف.

وكان اللافت أن العديد من هذه المتغيرات تقع في جينات مسؤولة عن إصلاح الحمض النووي، وهي الآليات التي تحافظ عادةً على سلامة المادة الوراثية. إلا أن التأثير لم يكن موحداً ففي بعض الحالات كانت المتغيرات نفسها تُثبّت بعض التكرارات بينما تزيد من عدم استقرار تكرارات أخرى. ويشير ذلك إلى أن إصلاح الحمض النووي عملية معقدة قد تؤدي إلى نتائج مختلفة تبعاً للسياق الجيني ونوع الخلية.

• اكتشاف خطر مرضي جديد وآفاق علاجية. ومن أكثر النتائج إثارة اكتشاف تمدد تكرارات في جين يُعرف باسم GLS. ورغم أن هذا التمدد نادر نسبياً، إذ يصيب نحو 0.03 في المائة من السكان فقد ارتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض كلوي شديد بمقدار 14 مرة وبزيادة خطر أمراض الكبد بنحو ثلاثة أضعاف. ولم يكن هذا الارتباط معروفاً من قبل، ما يشير إلى احتمال وجود اضطرابات أخرى ناتجة عن تمدد التكرارات ما تزال مخفية في قواعد البيانات الجينية.

ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على الفهم العلمي فحسب، بل تمتد إلى تطوير العلاجات. فبما أن تمدد التكرارات يحدث تدريجياً مع الزمن، فإن إبطاء هذه العملية قد يؤخر ظهور المرض أو يخفف حدته. وتفتح هذه الدراسة الباب أمام استخدام قياسات تكرارات الحمض النووي في الدم كمؤشرات حيوية لتقييم فاعلية العلاجات المستقبلية وتقريب الطب خطوة إضافية نحو التدخل المبكر في مسارات الشيخوخة الجزيئية نفسها.


روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
TT

روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)

مع الطفرة اللافتة للذكاء الاصطناعي، تزايد الاهتمام بتوظيف هذه التكنولوجيا في المجال النفسي، لا سيما الروبوتات الاجتماعية التي تتميز بقدرتها على التفاعل مع البشر بطريقة آمنة. ويُعد دمج هذه الروبوتات في التدخلات النفسية، خصوصاً للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من الاتجاهات الحديثة الهادفة إلى تعزيز التعلم الاجتماعي، وتنمية المهارات التفاعلية، وزيادة انخراط الأطفال في الجلسات العلاجية.

وسلّطت دراسة دولية بقيادة جامعة لينشوبينغ السويدية الضوء على أحدث التجارب السريرية في هذا المجال، مستهدفة تقييم فعالية الروبوتات الاجتماعية مقارنة بالطرق العلاجية التقليدية، بهدف تقديم إطار واضح لتوظيف هذه التكنولوجيا بشكل فعّال ومستدام في الممارسات العلاجية.

روبوتات للمصابين بالتوحد

وأظهرت الدراسة، التي أُجريت على أطفال مصابين بالتوحد باستخدام روبوت محمول مناسب للاستخدام في المنزل أو المدرسة، أن العلاج بمساعدة الروبوتات يحقق نتائج تعادل العلاج النفسي التقليدي، مع ميزة إضافية تمثلت في زيادة ملحوظة في مستوى انخراط الأطفال وانتباههم، ونُشرت النتائج، بعدد 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من دورية «Science Robotics».

وتؤكد النتائج فاعلية الروبوتات في تنمية قدرات التقليد والانتباه المشترك وتبادل الأدوار، إلى جانب تعزيز اهتمام الأطفال وتقليل فقدان التركيز أثناء جلسات التدريب، ما يسهم في تحسين جودة التجربة العلاجية ورفع مستوى فاعليتها.

يقول الدكتور توم زيمكه، أستاذ النظم المعرفية في مختبر الإدراك والتفاعل بجامعة لينشوبينغ، والباحث الرئيسي في الدراسة، إن الهدف الأساسي من البحث كان تقييم منهجية العلاج بمساعدة الروبوتات للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من خلال تجربتين سريريتين.

وأوضح زيمكه في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «التجربة الأولى أُجريت في بيئة مختبرية محكومة بدقة، بينما تم في الثانية اختبار نسخة أبسط وقابلة للنقل من هذا العلاج داخل المدارس، مشيراً إلى أن النتائج كانت واعدة في الحالتين».

وأضاف: «نتائج التجربة الأولى أظهرت أن العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي، مع زيادة ملحوظة في مستوى تفاعل الأطفال، في حين بيّنت الثانية أن النسخة المبسطة من العلاج الروبوتي كانت بكفاءة العلاج التقليدي نفسها، ما يبرز إمكانات استخدام تقنيات محمولة ومنخفضة التكلفة في البيئات المدرسية أو المنزلية».

ووفقاً لزيمكه، فإن التدخلات النفسية المعتمدة على الروبوتات تسهم في تقليل العبء الواقع على المعالجين البشر بشكل ملحوظ، من خلال أتمتة بعض المهام العلاجية المتكررة وتوفير دعم منظم ومستمر لجلسات العلاج، بما يتيح للمعالجين التركيز بصورة أكبر على الجوانب التحليلية والإنسانية للتدخل العلاجي. كما تتميز هذه التدخلات بقدرتها العالية على جذب انتباه الأطفال وتحفيزهم على التفاعل، بفضل طابعها التفاعلي والتقني، ما يعزز المشاركة الفاعلة ويحسن استجابة الأطفال للعلاج.

وأشار إلى أن هذا النوع من العلاج لا يحقق نتائج مماثلة للعلاج التقليدي فحسب، بل يتفوق عليه في قدرته على إشراك الأطفال وتحفيزهم على التفاعل المستمر، إلى جانب إتاحة إمكانية نقل هذه التقنيات من البيئات البحثية إلى الواقع العملي في المدارس أو المنازل، عبر نماذج مبسطة ومحمولة ومنخفضة التكلفة، ما يوسع نطاق التدخلات النفسية ويحسن فرص الوصول إلى العلاج.

العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي للتوحد (جامعة لينشوبينغ)

تخفيف الضغوط

تُستخدم الروبوتات الاجتماعية بوصفها أداة داعمة للتفاعل الاجتماعي وتقديم الدعم العاطفي، بما يسهم في تقليل الشعور بالوحدة والعزلة لدى مقدّمي الرعاية، لا سيما من يعتنون بكبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن التفاعل المنتظم مع هذه الروبوتات يمكن أن يحسّن المزاج ويخفف من مستويات التوتر والإرهاق النفسي المرتبط بأعباء الرعاية المستمرة.

وفي هذا السياق، أجرى باحثون بجامعة موناش في أستراليا تجربة اعتمدت على محادثات منتظمة بين مقدّمي الرعاية وروبوت اجتماعي مثل «بيبر» (Pepper). وكشفت النتائج أن التفاعل مع الروبوت مرتين أسبوعياً على مدار خمسة أسابيع أتاح مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر، وأسهم في تقليل الشعور بالوحدة والإجهاد، وتحسين الحالة المزاجية للمشاركين.

وأظهرت الدراسة أن هذا النوع من الدعم النفسي المستمر يساعد مقدّمي الرعاية على تنظيم عواطفهم والتعامل بشكل أفضل مع الضغوط اليومية، ما يعكس إمكانات الروبوتات الاجتماعية باعتبارها وسيلة مساندة فعالة لتخفيف الأعباء النفسية والعاطفية المصاحبة لدور الرعاية.

دعم الأطفال

تشير مراجعات بحثية إلى أن الروبوتات الاجتماعية يمكن أن تلعب دوراً داعماً في تخفيف التوتر والقلق لدى الأطفال أثناء الإجراءات الطبية المؤلمة، ما يسهم في تحسين تجربتهم النفسية داخل المستشفيات.

وفي دراسة أجرتها جامعة سنغافورة الوطنية، جرى تحليل بيانات لأطفال تتراوح أعمارهم بين عام واحد و12 عاماً خضعوا لإجراءات طبية وتلقوا تدخلات باستخدام روبوتات اجتماعية. وأظهرت النتائج أن هذه الروبوتات كانت فعالة في خفض مستويات التوتر والانزعاج، وأسهمت في تقليل القلق لدى الأطفال المرضى أثناء العلاج. وخلصت الدراسة إلى أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في بروتوكولات رعاية الأطفال يمكن أن يعزز الرفاهية النفسية، ويجعل التجربة الطبية أقل إجهاداً للأطفال وأولياء أمورهم.

رعاية كبار السن

أظهرت دراسة أُجريت في مستشفى بروكا بفرنسا أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في رعاية كبار السن، خاصة المصابين باضطرابات معرفية عصبية مثل الخرف، يحقق فوائد واضحة في تحسين التفاعل الاجتماعي والمزاج. وتُستخدم هذه الروبوتات، سواء الشبيهة بالبشر مثل «ناو» (NAO) أو الشبيهة بالحيوانات الأليفة مثل «بارو» (PARO)، لدعم التفاعل الاجتماعي وتنشيط القدرات الذهنية والجسدية، وتقديم معلومات صحية، فضلاً عن دورها بوصفها وسيطاً بين المستفيدين والمعالجين. وقد أثبتت هذه التقنيات فعاليتها في تحسين الرفاهية النفسية لدى كبار السن، لا سيما في بيئات الرعاية طويلة الأمد، مما يعزز مكانتها باعتبارها أدوات مساندة بأنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية الحديثة.


عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب
TT

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

لم يعد الذكاء الاصطناعي في الطب فكرةً مؤجَّلة تُناقَش في المؤتمرات أو تُحصر في أدبيات الخيال العلمي، بل أصبح جزءاً حيّاً من الممارسة اليومية داخل المستشفيات الحديثة... خوارزميات تُحلّل الصور الشعاعية، تقرأ تخطيط القلب، تُراجع السجلات الطبية، وتُقدّم اقتراحات تشخيصية أولية خلال ثوانٍ. غير أن سؤالاً جوهرياً ظلّ طويلاً خارج دائرة الضوء حتى مطلع عام 2026: ماذا يحدث عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي... طبياً؟

هذا السؤال أعادته إلى الواجهة دراسة علمية حديثة، نُشرت في 2 يناير (كانون الثاني) 2026، على منصة مستودع أبحاث الذكاء الاصطناعي والعلوم الحاسوبية arXiv، أعدّها فريق بحثي مشترك من Stanford University وHarvard University، وحملت عنواناً لافتاً: «أولاً... لا تُلحق ضرراً: نحو نماذج ذكاء اصطناعي آمنة سريرياً في الطب».

وتُعدّ هذه الدراسة من أوائل الأبحاث التي لا تكتفي بتقييم أداء الذكاء الاصطناعي من حيث الدقة أو سَعة المعرفة، بل تتقدّم خطوة أبعد لتطرح سؤال الأمان السريري نفسه: هل تبقى هذه النماذج آمنة بالفعل عندما تُستخدم في قرارات طبية قد تمس حياة المرضى مباشرة؟

من الاختبار النظري إلى الواقع السريري

• تقييم النماذج : اعتمد الباحثون في دراستهم على تقييم 31 نموذجاً متقدماً من نماذج الذكاء الاصطناعي الطبية، كان معظمها من فئة النماذج اللغوية الكبيرة، وذلك عبر 100 حالة سريرية حقيقية شملت عشرة تخصصات طبية مختلفة. ولم يكن الهدف اختبار «ذكاء» النموذج أو سَعة معرفته النظرية، بل قياس احتمال إلحاقه ضرراً بالمريض إذا استُخدم أداةً لدعم القرار الطبي في الممارسة الفعلية.

ولتحقيق هذا الهدف، طوّر الفريق البحثي مقياساً جديداً لسلامة الذكاء الاصطناعي في الطب يركّز على تقدير المخاطر السريرية المحتملة بدل الاكتفاء بمؤشرات الأداء التقنية الشائعة، التي كثيراً ما تعجز عن التقاط تبعات القرار الطبي في السياق الحقيقي.

• نتيجة صادمة :وكانت النتيجة التي أثارت الانتباه واضحة وصادمة في آنٍ واحد: نحو 22 في المائة من التوصيات التي قدّمتها النماذج احتوت على أخطار سريرية محتملة؛ أي أن واحدة تقريباً من كل خمس توصيات قد تُعرّض المريض لأذى فعلي، إذا طُبّقت دون مراجعة بشرية دقيقة.

غير أن المفارقة الأهم لم تكن في الأخطاء الصريحة، بل فيما لم يُقَل. فقد أظهرت الدراسة أن عدداً كبيراً من النماذج أخفق في اقتراح فحوص أساسية أو إجراءات تشخيصية حاسمة، كان من شأنها تغيير مسار العلاج أو منع مضاعفات خطيرة.

في الطب، يُعد هذا النوع من الخطأ أخطر من الخطأ المباشر؛ لأنه لا يُلاحَظ بسهولة، ولا يثير الشكوك فوراً، وقد يمرّ في صمت... إلى أن تظهر نتائجه متأخرة على جسد المريض.

• لماذا يخطئ الذكاء الاصطناعي رغم «تفوقه»؟ تُظهر الدراسة أن الأداء المرتفع في اختبارات الذكاء أو المعرفة الطبية لا يترجَم بالضرورة إلى أداءٍ آمنٍ سريرياً. فقد بيّنت النتائج أن بعض النماذج التي حققت درجات ممتازة في اختبارات معيارية معروفة لم تكن أكثر أماناً من غيرها عند التعامل مع حالات سريرية حقيقية، بل وقعت أحياناً في أخطاء ذات أثر محتمل على حياة المرضى.

ويرى الباحثون أن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص المعلومات، بل في غياب ما يمكن تسميته «القلق الطبي». فالذكاء الاصطناعي لا يشعر بثقل المسؤولية، ولا يدرك أن إغفال فحص بسيط قد يعني تأخير تشخيص سرطان، أو تفويت نافذة زمنية حاسمة لإنقاذ حياة. إنه يُجيد الإجابة... لكنه لا يعرف معنى العواقب.

أداة دعم... وليست طبيباً بديلاً

لا تدعو الدراسة إلى إقصاء الذكاء الاصطناعي من الممارسة الطبية، بل على العكس، تؤكد قيمته المتزايدة بصفته أداة دعم فعّالة تساعد الأطباء على تنظيم كمّ هائل من المعلومات وتسريع عمليات التحليل والاستدلال، لكنها تشدّد، في الوقت نفسه، على ضرورة إبقاء الإنسان في الحلقة النهائية لاتخاذ القرار الطبي.

فالطبيب لا يقرأ البيانات فحسب، بل يفسّر السياق الإكلينيكي، ويُقدّر المخاطر الفردية، ويتحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن قراره. وهي عناصر جوهرية لا تزال خارج نطاق الخوارزميات، مهما بلغت درجة تطورها أو دقّة مُخرجاتها.

في عام 2026، يقف الذكاء الاصطناعي الطبي عند مرحلة مفصلية، فالإمكانات التقنية تتقدّم بوتيرة متسارعة، بينما لا تزال السلامة السريرية تتطلّب معايير أدق، وتشريعات أوضح، وتدريباً مهنياً يضمن توظيف هذه الأدوات دون أن تتحوّل، من حيث لا نريد، إلى مصدر خطر غير مقصود.

ولا تُغلق هذه الدراسة الباب أمام الذكاء الاصطناعي في الطب، لكنها تضع عند عتبته لافتة تحذير علمية واضحة: السرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقّة الحسابية ليست مرادفاً للحكمة الطبية. ففي الطب، كما في الحياة، لا يكفي أن نعرف أكثر... بل أن نقرّر بحذرٍ إنساني.

يعيد هذا البحث طرح قاعدة طبية ضاربة في التاريخ، لكن بصيغة رقمية معاصرة: أولاً... لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على تغيير ملامح الطب وتسريع القرار السريري، ينبغي ألا يُمنح حصانة أخلاقية، ولا أن يُترك خارج دائرة المحاسبة. والسرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقة الحسابية لا تُغني عن الحكمة الطبية التي تُدرك العواقب قبل النتائج.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُساعده الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحلّ محلّ الضمير.