السعودية تستضيف أحد أكبر مشاريع ترميم الشعاب المرجانية في العالم

«مشروع شوشة» بالبحر الأحمر شراكة استراتيجية بين «كاوست» و«نيوم»

في بيئات أحواض مائية قابلة للضبط (كاوست)
في بيئات أحواض مائية قابلة للضبط (كاوست)
TT

السعودية تستضيف أحد أكبر مشاريع ترميم الشعاب المرجانية في العالم

في بيئات أحواض مائية قابلة للضبط (كاوست)
في بيئات أحواض مائية قابلة للضبط (كاوست)

غالباً ما تتطلب الظروف الاستثنائية إجراءات استثنائية أيضاً. فمع الوتيرة المتسارعة لتغير المناخ وتأثر النظم البيئية بطرق وخيمة وغير متوقعة، أصبح العلماء وصانعو السياسات والخبراء في جميع أنحاء العالم يعيدون التفكير بضرورة وضع استراتيجيات حاسمة وجريئة قابلة للتطبيق والتكيف وذات مغزى تتصدى للتبعات المدمرة لهذه الظاهرة.
وعلى ضوء ذلك، أطلقت جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) مبادرة طموحة لدعم استعادة الشعاب المرجانية في وقت يشهد العالم فيه تغيراً بيئيّاً غير مسبوق. وتعد هذه المبادرة في جزيرة شوشة على ساحل البحر الأحمر أول مشروع واسع النطاق لترميم الشعاب المرجانية في العالم، تديره وتموله «كاوست» بالشراكة مع «نيوم»، أحد المشاريع العملاقة في المملكة العربية السعودية التي تركز على الاستدامة وتحسين جودة الحياة وحماية الطبيعية. وتوفر هذه الشراكة الاستراتيجية بين الكيانين الخبرة البحثية والبنية التحتية التقنية اللازمة لتعزيز استعادة الشعاب المرجانية وترميمها على نطاقات كبيرة.
وقال البروفسور توني تشان، رئيس كاوست بهذه المناسبة: «نحن في سباق مع الزمن لإنقاذ الشعاب المرجانية، التي يمكن القول إنها من بين أكثر النظم البيئية قيمة على هذا الكوكب. وتعاني الشعاب المرجانية في جميع أنحاء العالم من أزمة، وقد تعاونت (كاوست) مع (نيوم) ونخبة من الشركاء العالميين لنشر أفضل حلولنا العلمية والتقنية لترميم الشعاب المرجانية، وإثبات ذلك في جزيرة شوشة».

تستخدم عالمة البحار في «كاوست» البروفسورة راكيل بيكسوتو المعززات الحيوية (البروبيوتيك) لزيادة تحمل ومرونة الشعاب المرجانية

بدأ المشروع مع إنشاء مركز أبحاث المرجان في «كاوست» الذي يضم أعضاء من هيئة التدريس والباحثين المهتمين بتطوير مناهج جديدة لاستعادة الشعاب المرجانية. وسرعان ما تطورت هذه الخطة الطموحة لتصبح أساساً لمبادرة أكبر من المرجح أن تدعم استعادة الشعاب المرجانية وترميمها في جميع أنحاء المنطقة لعقود مقبلة. يشار إلى أن هذه المبادرة تهدف بالأساس لتكون عرضاً لتقنيات وأساليب استعادة الشعاب المرجانية المبتكرة التي يمكن تطبيقها في البحر الأحمر وأنظمة الشعاب المرجانية الأخرى حول العالم.
يتضمن المشروع زراعة مئات الآلاف من الشعاب المرجانية في موقع تجريبي بمساحة 100 هكتار يقع في البحر الأحمر شرق جزيرة شوشة، على بعد نحو 20 كيلومتراً من «نيوم» في محافظة تبوك بالمملكة العربية السعودية. وسيشمل أيضاً مركزاً للأبحاث والسياحة البيئية لزيادة المعرفة حول النظم البيئية للشعاب المرجانية والتنوع البيولوجي للأنواع التي تدعمها.

أساس متين لترميم المرجان
تتطلب المشاريع المعقدة وواسعة النطاق التي تضم فرقاً متعددة وخدمات لوجيستية كبيرة، وجود قيادة متمرسة قادرة على إعطاء توجيهات مهمة وحاسمة. ولهذا تم إحضار توم مور خبير السياسات البيئية وترميم الشعاب المرجانية المخضرم في عام 2021 للمساعدة في إطلاق مشروع مبادرة ترميم الشعاب المرجانية بـ«كاوست». وصل توم إلى الجامعة في أواخر عام 2021 جالباً معه خبرة كبيرة في إدارة الحفاظ على الشعاب المرجانية بعد أن عمل لأكثر من 23 عاماً في الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) بالولايات المتحدة، فضلاً عن امتلاكه شبكة من الانتماءات العالمية التي ستشكل نطاق المشروع وآليات تنفيذه. ولا شك في أن مثل هذه المشاريع الضخمة تتطلب كوادر بشرية استثنائية، وهو ما يعمل عليه توم من خلال تجميع فريق كبير يضم علماء من «كاوست» وخبراء عالميين لتقديم شيء لم يسبق له مثيل، يقول: «ما يجعل هذه المبادرة قادرة على تغيير قواعد اللعبة في مجال استعادة الشعاب المرجانية هو اشتمالها على توليفة من الخبرات والعناصر الفذة والمستقلة التي تم تجميعها معاً في مشروع واحد. وهي فرصة مواتية لتطبيق علوم عالمية المستوى تخرج من جامعة كاوست، فضلاً عن امتلاكها الموارد الفائقة والآليات اللازمة لتوسيع نطاقها».


جزيرة شوشة بالقرب من «نيوم» ستكون موقعاً لأحد أكبر مشاريع ترميم الشعاب المرجانية في العالم

تلعب «كاوست» دوراً محورياً في هذا المشروع الواعد، حيث توفر التمويل والبنية التحتية البحثية الشاملة والمختبرات المتطورة والتقنيات الرائدة. ويقدم «نيوم» الرؤية الشاملة والبنية التحتية التشغيلية والمواقع المخصصة لزراعة وتكاثر المرجان. ويقوم فريق دولي من الخبراء متعددي التخصصات الذين عمل توم مور على تعيينهم منذ وصوله - من المهندسين الذين يمكنهم بناء نظم أساسية لدعم الحياة، إلى مديري المشاريع الذين يمكنهم تشغيل المرافق المعقدة، إلى علماء البحار الذين لديهم معرفة عميقة بالبحر الأحمر وترميم الشعاب المرجانية، وأخيراً القوى العاملة من الغواصين اللازمين لزراعة الشعاب المرجانية.
يذكر أن عدة منظمات إقليمية ودولية مختلفة تسهم أيضاً في دعم الخبرات الداخلية لـ«كاوست» الخاصة بهذا المشروع، بما في ذلك اتحاد استعادة المرجان، ومؤسسة استعادة المرجان، و«NOAA»، والمعهد الأسترالي للعلوم البحرية، و«Oceans Inc»، وشركة كورال فيتا، ومنصة تسريع أبحاث وتطوير المرجان (CORDAP) في «كاوست» التي نشأت خلال رئاسة المملكة العربية السعودية لمجموعة العشرين (G20) في عام 2020. وتتمثل مهمتها في دعم المبادرات الحالية والجديدة التي تركز على الحفاظ على الشعاب المرجانية وتكيفها ودعم جهود ترميمها وتكميلها على أوسع نطاق.
يشار إلى أن البروفسور كارلوس دوارتي، أستاذ علوم البحار المتميز في «كاوست»، هو من بين العلماء في مركز أبحاث المرجان بـ«كاوست» الذين يعملون على إيجاد وتطبيق حلول استعادة الشعاب المرجانية في جزيرة شوشة، وفي عدد من المواقع الدولية من خلال دوره كمدير تنفيذي لمنصة تسريع أبحاث وتطوير المرجان في الجامعة. يقول دوارتي: «الشعاب المرجانية هي أول نظام بيئي معرض لخطر الانقراض - شبه الوظيفي - في ظل ظاهرة تغير المناخ، ونحن بحاجة إلى زيادة قدرتنا على استعادتها من بضعة هكتارات إلى كيلومترات مربعة وما بعدها. وفي ظل ذلك، يقدم هذا المشروع فرصة فريدة لاختبار وتطوير معرفتنا والتعلم من خلال العمل في هذا المجال الحرج لمستقبل محيطاتنا والبحر الأحمر. إنه منارة الأمل التي تأتي من المملكة إلى العالم».
ويوضّح توم أن عمليات استعادة الشعاب المرجانية وترميمها شهدت تطوراً كبيراً منذ تسعينات القرن الماضي، أي قبل تهديد ظاهرة ابيضاض المرجان اليوم. كان علماء الأحياء حينئذٍ ينفذون عمليات الاستعادة استجابةً لجنوح السفن والحوادث البحرية الناتجة عن ارتطام السفن بالشعاب المرجانية وتأثيرات بناء السواحل. وكانت معظم الجهود تتم بدعم مالي وتقني محدود. وظل الأمر كذلك حتى أوائل عام 2000 عندما عمل علماء الأحياء البحرية في الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، على إصلاح الأضرار الناجمة من ترسانات السفن على الشعاب المرجانية في منطقة البحر الكاريبي، حيث بدأت الوكالة في التفكير بشكل مختلف حول آلية استعادة المرجان، خصوصاً بعد هلاك نوعين رئيسيين من الشعاب المرجانية على نطاق واسع بسبب الابيضاض والأمراض. ومع ذلك، لم يتم اتخاذ إجراءات مباشرة للحفاظ على البيئة وإدارة تدهورها على الوجه الأكمل، يقول توم: «لقد عرفنا كيفية إصلاح الموائل الأخرى مثل الأعشاب البحرية وأشجار المنغروف، لكننا لم نعرف كيفية إصلاح الشعاب المرجانية».

حماية الشعاب
مع استمرار تدهور الشعاب المرجانية، بدأ توم والعلماء الآخرون بالمنطقة في التساؤل عما إذا كانت التقنيات نفسها التي استخدمتها المشاريع المجتمعية الصغيرة وتجارة الأحواض المائية لعقود من الزمن - مثل تفتيت الشعاب المرجانية الفردية إلى مئات القطع الصغيرة (المستنسخات الجينية) وتنمية المستعمرات المرجانية - يمكن استخدامها لإصلاح الشعاب المرجانية في المواقع المتضررة، أم لا. وهنا بدأت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي جهوداً مركزة لاستعادة المرجان باستخدام هذا النهج في نطاقات كبيرة، عبر إنشاء مشاتل مرجانية صغيرة في المحيط الأطلسي وفي جميع أنحاء فلوريدا ومنطقة البحر الكاريبي.
نجحت هذه الطريقة، لكن توم قال إنه باستثناء عدد قليل من الأطراف المشاركة، فإن بقية العالم لم ينتبه لحجم المشكلة وكانت أغلب الجهود البيئية مركزة على المناطق البحرية المحمية، ومشكلات التلوث البري، والصيد الجائر، وحلول تغير المناخ. وفيما تلعب كل منطقة دوراً حاسماً في تعافي الشعاب المرجانية، فإنها لا تستطيع معالجة التحدي بمفردها. ولم ينتبه العالم لحجم الضرر الذي لحق بالنظام البيئي للشعاب المرجانية حتى عام 2015 عندما أصبحت ظاهرة ابيضاض المرجان منتشرة بشكل مزداد حتى بدأ دعاة الحفاظ على البيئة على مستوى العالم في التحدث بجدية عن استراتيجيات ملحة لترميم المرجان.
في عام 2016، شكل توم مور والمتعاونون معه ائتلاف استعادة الشعاب المرجانية، وهو مكان تبادل المعلومات وحلول «العصف الذهني» (شحذ الذهن) للممارسين والمعلمين والمديرين والعلماء وغيرهم من المشاركين في الحفاظ على الشعاب المرجانية. وسرعان ما تطور هذا الاتحاد من مجموعة صغيرة مقرها منطقة البحر الكاريبي إلى مجتمع دولي فاعل.
وكان مؤتمر مستقبل المرجان 2018 نقطة انطلاق الائتلاف، حيث ناقش فيه المشاركون كيفية توسيع عمليات استعادة الشعاب المرجانية وترميمها على نطاق أكبر وأكثر تركيزاً. بينما وضع كثير من المجموعات خططاً خاصة تتناول هذه القضية، لم يكن أي طرف على استعداد لتولي الاستثمار الحقيقي المطلوب، حتى تقدمت «كاوست»، بالتعاون مع نيوم وحكومة المملكة العربية السعودية، وشُكلت مبادرة «كاوست» لاستعادة الشعاب المرجانية في جزيرة شوشة، وبدأت العمل على قدمٍ وساق لاستعادة المرجان.
يشرح توم: «يحاول علماء الأحياء حل المشكلات الهندسية في مناطق ترميم الشعاب المرجانية باستخدام الشريط اللاصق والأربطة ذات الزمام المنزلق والأنابيب البلاستيكية والصمغ السريع منذ عقدين من الزمن وحتى يومنا هذا، إلا أن ما نحتاج إليه فعلاً هو أن يطور المهندسون حلولاً مبتكرة ومخصصة لهذه المشكلات. ولحسن الحظ، كان التفكير المبتكر سمة باحثي (كاوست). لا يوجد مشروع في العالم مماثل لهذا المشروع مطلقاً من ناحية الدعم الحكومي الكامل، والاستثمار والاستعداد لتوسيع نطاقه، ووجود فريق من الخبراء الذين يمكنهم تحقيق ذلك».

أساليب مبتكرة
ستسهم «كاوست» - باعتبارها شريكاً رئيسياً في هذا المشروع - بموارد وخبرات من مختلف التخصصات لتنفيذ المشروع، بما في ذلك التقنيات التي تطورها والمصممة لتوفير طرق أكثر كفاءة لنمو الشعاب المرجانية وزراعتها مثل تقنية (KAUST Maritechture) لتغطية الحدائق المرجانية بالهياكل الصناعية. وسيعمل باحثو الجامعة على تطوير سلسلة توريد أفضل للشعاب المرجانية باستخدام أدوات مثل الروبوتات والتصنيع التكيفي ثلاثي الأبعاد، والمساعدة في تعزيز مرونة وحياة الشعاب المرجانية باستخدام أساليب متطورة من العلوم البيولوجية.
وكمثال على جهود «كاوست» في هذا المجال، يقوم البروفسور مانويل أراندا، أستاذ البيولوجيا التطورية في «كاوست»، بتطبيق خبرته في علم الجينوم المرجاني على المشروع من خلال تحديد الجينات التي تجعل مستعمرات مرجانية معينة أكثر مقاومة للحرارة من غيرها من خلال التكاثر الانتقائي الذي يمكن من خلاله إدخال هذه السمات المرنة إلى مجموعات المستعمرات المرجانية الأقل تحملاً لمنحهم فرصة أفضل للبقاء في ظل درجات حرارة أكثر دفئاً. وفي دراسة أخرى، تعمل البروفسورة شارلوت هاوزر، أستاذة العلوم الحيوية في «كاوست»، على تطوير هياكل عظمية مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد مغلفة بمادة تسرع نمو المرجان. وهي نفسها الهياكل الصناعية التي سيستخدمها العلماء في المشروع لزراعة الشعاب المرجانية. كما تبحث البروفسورة راكيل بيكسوتو، أستاذة علوم البحار في «كاوست» وزميلة الجمعية الدولية للشعاب المرجانية منذ عقود في كيفية استخدام البكتيريا لدعم الكائنات الحية المختلفة والنظم البيئية الطبيعية الحيوية، على اليابسة وتحت الماء. ويعد عملها الثوري في المعززات الحيوية المرجانية (البروبيوتيك) مثالاً مهماً آخر على مساهمات أعضاء هيئة التدريس بـ«كاوست» في حلول الترميم واستعادة الشعاب المرجانية في جزيرة شوشة.
يقول إيان كامبل، المدير التنفيذي للمشاريع الخاصة في «كاوست» الذي يشرف على المبادرة في جزيرة شوشة: «نريد تقديم مشروع لترميم الشعاب المرجانية على نطاق واسع، وفي الوقت نفسه نرغب باستخدام مناهج استعادة بيئية شاملة تضم الأساليب التقليدية والحديثة والمبتكرة من خلال إدماج تقنيات تحليل البيانات والذكاء الصناعي لإنشاء نموذج عمل مستدام. يتمثل هدفنا بتسخير مواردنا المتميزة لبناء حلول يمكن أن تدعم المشاريع الأخرى في جميع أنحاء المنطقة والعالم».
يحتوي الموقع الذي تم اختياره للمشروع على شعاب مرجانية في حالة سليمة وأخرى سيئة على حد سواء، التي قال توم إنها توفر فرصاً لتطبيق واختبار استراتيجيات الاستعادة المختلفة. من المقرر زرع أكثر من 5 آلاف من الشعاب المرجانية كل يوم، بإنتاجية تقريبية تصل إلى نصف المليون من الشعاب المرجانية سنوياً، ومليونين من الشعاب المرجانية على مدار خمس سنوات. وسيتم استخدام هياكل صناعية خاصة عند الحاجة مصممة لدعم الشعاب المرجانية ومساعدتها في النمو لتشكل مستعمرات كبيرة، فضلاً عن استخدامها لزراعة المرجان على الشعاب المرجانية الحالية.
سيستخدم العلماء شعاباً مرجانية من عدة مصادر متنوعة، مع التركيز على تلك التي تنمو في المشاتل، سواء في المحيطات أو تلك التي في مرافق خاصة وتستخدم أنظمة إضاءة مثلى وظروف نمو قابل للضبط. وسيعمل الفريق على الحد من استخدام المرجان الموجود قدر الإمكان. كما سيستفيد المشروع من المرجان الذي تضرر وانفصل عن شعابه بفعل العواصف أو مشاريع البناء.
ويؤكد توم أن الهدف الرئيسي من هذا المشروع هو زيادة مرونة وتنوع الشعاب المرجانية، يقول: «لا يمكنك نقل الشعاب المرجانية من جميع الأنحاء والأعماق المختلفة إلى مواقع جديدة. فلا يوجد حل واحد يناسب الجميع. نحن بحاجة إلى التفكير مَلِيّاً بشأن الشعاب المرجانية التي يمكن أن تنمو وتزدهر في الموقع، بالإضافة إلى الشعاب المرجانية النادرة التي تتكاثر لَاجِنْسِيّاً».

ولهذه الغاية، ستحتوي الخطة الرئيسية التي يجري تطويرها للموقع على مئات من المناطق التشغيلية تضم شبكة من الوحدات، لكل منها خطتها الوصفية الخاصة. وسترصد أجهزة الاستشعار وتقنيات المراقبة الرقمية الأخرى الشعاب المرجانية التي تعيش بشكل جيد وستحدد مواقعها، حيث تساعد هذه المعلومات في اتخاذ قرارات حول الاستراتيجيات التي تُمكن الشعاب المرجانية من الازدهار في المستقبل. وبكل تأكيد، ستلعب القدرات والموارد الحاسوبية المتفوقة في «كاوست» دوراً كبيراً في هذا الجهد. يقول توم مور: «يستعرض هذا المشروع الإمكانات والتقنيات الحالية والمستقبلية لـ(كاوست) في مجال حماية التنوع الحيوي والتي ستساعدنا في الاختيار الصحيح للمرجان وبطريقة ذكية تجعل الشعاب المرجانية أكثر قوة وصحة».

مركز تعليمي
بمجرد بدء المشروع وسريانه، سيتم إنشاء مركز زوار ومنشأة بحثية لتوفير فرص تعليمية وتبادل مستمر للعلماء والطلبة والسياح على حد سواء، وتسهيل وصول الزوار من جميع أنحاء المملكة والعالم. وسيضم مركز الزوار معارض تعليمية تفاعلية لزيادة الوعي بالبيئات البحرية، بما في ذلك العروض المرئية التي قال توم إنها ستكون «التوأم الرقمي» لتجربة استعادة المرجان تحت الماء. ستكون منشأة البحث مركزاً متطوراً لباحثي «نيوم» وباحثي «كاوست» والعلماء المقيمين لدراسة الشعاب المرجانية هناك وفي المناطق المجاورة.
يفيد توم بأنهم لا يزالون يستكشفون الفرص المختلفة لهذا المشروع ويدرسون الجوانب الأخرى منه. وأشار إلى أن المشروع من المرجح أن يوجّه الابتكارات بقدر ما ستوجّه الابتكارات المشروع، يقول: «إنه طريق ذو اتجاهين. ما هو مناسب للعلماء في مختبر على نطاق صغير قد لا يعمل بشكل جيد على نطاق منشأة ضخمة. لهذا نحتاج إجراء مزيد من النقاشات والتقارير حول هذا المشروع مع العلماء والمشاركين بالموقع لمساعدتهم في فهم الأساليب والأمور التي تعمل بشكل أفضل في هذا المجال، وبالتالي نتمكن من الخروج بتقنيات وأساليب جديدة ومحسنة لم نفكر فيها في البداية».
وعلق مدير مركز أبحاث البحر الأحمر في «كاوست»، البروفسور مايكل بيرومين على المشروع بقوله: «نعيش اليوم في وقت حرج بيئياً يستدعي تدخلات جريئة وطموحة للحفاظ على الشعاب المرجانية ومعالجة التحديات التي تواجهها على مستوى العالم باستخدام مناهج مبتكرة تغطي تخصصات علمية متعددة. ولا شك أن (كاوست)، التي يعد البحر الأحمر أكبر مختبراتها، في وضع فريد يؤهلها لتكون مركزاً للأبحاث والتطورات التكنولوجية التي سيكون لها تأثير محلي وعالمي».
بدأ فريق مبادرة استعادة الشعاب المرجانية في «كاوست» إطلاقاً مَبْدَئِيّاً للمشروع خلال مؤتمر مستقبل الشعاب المرجانية (Reef Futures 2022) في الفترة من 26 إلى 30 سبتمبر (أيلول) 2022 في كي لارغو بولاية فلوريدا الأميركية، وهو مؤتمر دولي لاستعادة الشعاب المرجانية يجمع ممارسي الاستعادة والباحثين والمديرين وصانعي السياسات من جميع أنحاء العالم لمناقشة أحدث التقنيات والعلوم لتوسيع نطاق وتأثير جهود استعادة الشعاب المرجانية في العالم بشكل كبير.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي
TT

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي

عندما بدأ قائد شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا القانونية باستخدام «تشات جي بي تي»، بدأ بما يفعله معظمنا - الاستفادة من قدرة هذه التقنية الجديدة على تولي بعض المهام الصغيرة والروتينية. ولكن وفي غضون أشهر قليلة، تحوّل نموذج الذكاء الاصطناعي من مساعد يُعنى بالبريد الإلكتروني... إلى أعلى سلطة في الشركة، كما كتب فيصل حقّ (*).

قيادة كارثية لبرنامج ذكاء اصطناعي

ظهرت أولى علامات خروج الأمور عن مسارها عندما وجّه موظفيه إلى استشارة الذكاء الاصطناعي قبل كل اجتماع لمناقشة أفكارهم. ثم بدأ باتخاذ قرارات هيكلية بشأن الشركة بناءً على محادثات مع روبوت الدردشة، وتوظيف وفصل الموظفين بناءً على توصيات الذكاء الاصطناعي، وتحويل تركيز الشركة بالكامل من مجال ممارسة إلى آخر بناءً على ما أخبره به النموذج في ذلك الأسبوع. كانت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما استخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء وثيقة أطلق عليها اسم «الكتاب المقدس»، وهي عبارة عن دليل عمل متغيّر باستمرار، كان يُتوقع من الموظفين دراسته حتى لا يضطروا أبداً إلى طرح أي سؤال على زميل بشري. قد يميل البعض إلى تصنيف هذا النوع من القصص ضمن «حكايات جنون المكاتب»... لكنها موجودة، بل ومنتشرة.

لماذا يُعدّ حكمك مهماً؟

من المفيد أن تكون واضحاً بشأن ما تُجيده نماذج الذكاء الاصطناعي وما لا تُجيده. لقد استوعب النموذج الرائد ما يُقارب مجموع المعرفة البشرية المُسجلة: العلوم، وروائع الفنون، والحكمة المُتراكمة لمفكري الأعمال في العالم. وهذا ما يجعله قوياً للغاية. لكن هذه القوة متجذرة في معرفة متاحة للجميع.

ما تفتقر إليه نماذج اللغة الكبيرة هو الرؤية من داخل المواقف البشرية المُحددة. يمكنك تزويد النموذج بسياق، وسيستخدمه النموذج الجيد بذكاء. لكن في كثير من الأحيان، تكون أهم الأشياء التي تعرفها عن عملك لم تُدوّن قط. إنها ليست في بيانات التدريب ولن تكون أبداً، لأنها كامنة في تجربتك الشخصية: المقايضات التي تقبلها وتلك التي ترفضها؛ استقبال أو رفض قرار ما من قِبل هذا المجلس ومن هؤلاء العملاء.

لهذا السبب يصعب تفويض الحكم إلى آلة، ولهذا السبب أيضاً يكون تفويضه مغرياً للغاية لأن إجابة النموذج تأتي بسرعة، وتأتي واضحة، ولا تتطلب منك أي جهد. الاستسلام لها دون التفكير ملياً في صحتها أو خطئها هو فشل في الإرادة في أبشع صوره.

القادة «أكثر عرضة» للمبالغة في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي... لابتعادهم عن العمل الفعلي

تنطبق مخاطر التخلي عن القدرة المعرفية على جميع العاملين. لكنها تتخذ بُعداً إضافياً بالنسبة للقادة: فالقادة ليسوا فقط عرضة لخطر التخلي عن حكمهم للآلة، بل إن قراراتهم قد تجبر مؤسسات بأكملها على اتخاذ الخطوة الخطيرة نفسها. والقادة معرضون بشكل خاص للعوامل التي قد تؤدي إلى سوء اتخاذ القرارات في هذا المجال.

وأشار آرون ليفي، مؤسس شركة Box ومديرها التنفيذي، إلى هذه المشكلة حديثاً عندما جادل بأن كبار القادة «أكثر عرضة» للمبالغة في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي. وأوضح أن السبب في ذلك هو ابتعادهم عن العمل الفعلي. فالقادة يرون العروض التوضيحية المصقولة، أو النماذج الأولية، أو العقود المُنشأة من الذكاء الاصطناعي)، ويستنتجون أن المهمة قد أُنجزت.

أما بالنسبة للكثيرين، فيبقى الجهد الكبير المبذول بين الناتج الأولي المثير للإعجاب والنتيجة النهائية، المشابهة ظاهرياً ولكنها أكثر دقة، غير مرئي. وهذه المسافة نفسها التي قد تجعل القادة يبالغون في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي ويصرون على استخدام موظفيهم للذكاء الاصطناعي في مهام معينة.

وهنا تتحول المشكلة الفردية إلى مشكلة تنظيمية. فالقائد الذي يتوقف عن استخدام حكمه الشخصي يميل إلى بناء شركة لا تطلب من أي شخص آخر استخدام حكمه. والأسوأ من ذلك، أن الشركة قد تبدأ حتى في اعتبار الحكم البشري نقطة احتكاك يجب تقليلها.

ما يجب على القادة فعله

إن حماية الحكم العقلي في جميع أنحاء المؤسسة مسألة نابعة من التصميم، وليست من الفرض الإجباري، إذ لا يمكنك أن تطلب من الناس التفكير بأنفسهم بينما تبني شركة تُكافئهم على عدم بذل الجهد.

3 خطوات يمكنك اتخاذها لحماية مكانة ملَكَة الحكم العقلي البشري

• احمِ وقت القيام بالعمل الفعلي. إن أضمن طريقة لدفع فريق إلى التفكير هي إفساح الوقت لهم وليس إكراههم على القيام بأشياء أخرى. إذا أصررتَ على مواعيد نهائية لا يمكن تحقيقها إلا باستخدام الآلات، فإن الاعتماد على إجابات الذكاء الاصطناعي السلسة لن يكون خياراً (بل سيكون واجباً). ولذا وللحفاظ على فرصة التقييم العقلي البشري، من الضروري وضع حدود للضغط على العاملين لتحقيق أعلى كفاءة بأقل الأوقات.

• كافئ القرار لا الناتج فقط. إذا كان قياسك يقتصر على السرعة والكمية، فإنك تشجع على التهرب من التفكير. ابحث عن طرق لتقدير القرار نفسه، مثل الإشادة بالقرارات التي تنبثق نتيجة تفكير معمق، أو تقييم عدد المرات التي يتجاوز فيها الأفراد توصيات الآلة بشكل صحيح.

• اجعل تقييمك واضحاً. كن قدوة. اجعل علاقتك بالآلة تحدد النمط لكل من يعمل تحت إمرتك. إذا اعتبرت إجابة الذكاء الاصطناعي نهائية، فإنك سترخص لهم فعل الشيء نفسه؛ ناقش تلك الإجابة وتجاوزها أمام فريقك عندما يكون لديك سبب وجيه، واجعل ذلك هو القاعدة. أظهر، بوضوح، أن إجابة الآلة هي بداية عملية التقييم، وليست نهايتها.

الخلاصة: تحمل القرار بنفسك

تكمن المفارقة في أن التخلي عن التفكير الآلي يأتي في وقت تعمل فيه التكنولوجيا في ذروة كفاءتها وفي العادة فإن النموذج الذكي السريع والسلس والصحيح في أغلب الأحيان... هو تحديداً النموذج الذي تتوقف عن مراجعة إجاباته. وهنا يبدو كل تصرف من هذا القبيل منطقياً... إلى حين أن تكتشف أن مؤسستك قد تخلت ليس فقط عن تفكيرها الروتيني، بل عن إرادتها في اتخاذ قراراتها الخاصة.

ليست التكنولوجيا هي المشكلة هنا، وتقليل استخدامها ليس هو الحل. المهم هو التمسك بما لا تستطيع التكنولوجيا توفيره، ألا وهو القدرة على النظر إلى ما أنتجته الآلة، وتحديد مدى صحته، وتحمل مسؤولية القرار بنفسك.

مجلة «فاست كومباني».


الأمم المتحدة: استراتيجية للذكاء الاصطناعي موجهة للجميع

الأمم المتحدة: استراتيجية للذكاء الاصطناعي موجهة للجميع
TT

الأمم المتحدة: استراتيجية للذكاء الاصطناعي موجهة للجميع

الأمم المتحدة: استراتيجية للذكاء الاصطناعي موجهة للجميع

افتُتح «أسبوع جنيف الرقمي» في 6 يوليو (تموز) بالحوار العالمي الأول حول حوكمة الذكاء الاصطناعي وقمة الذكاء الاصطناعي العالمية، حيث قدّمت اللجنة العلمية الدولية المستقلة الجديدة التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالذكاء الاصطناعي إلى الحكومات، أول تقييم علمي عالمي لها حول الذكاء الاصطناعي، كما كتب غابرييل أكاسكينا(*).

مواثيق وتوصيات حول الذكاء الاصطناعي

يُختتم هذا التجمع ثلاث سنوات أنتجت خلالها الأمم المتحدة كمّاً هائلاً من الأعمال حول الذكاء الاصطناعي، بدءاً من الميثاق الرقمي العالمي Global Digital Compact ووصولاً إلى تقرير «حوكمة الذكاء الاصطناعي من أجل الإنسانية Global Digital Compact to the Governing AI for Humanity »، ومن توصية اليونيسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى القمم السنوية للاتحاد الدولي للاتصالات.

مورد مستقبلي لا تستطيع الأمم المتحدة تقييمه

وعند النظر إلى هذه الأعمال مجتمعة، نجد أنها تشترك في موقف واحد، وهو أن الأمم المتحدة تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كشيء علينا استقباله، ومورد يُوجّه نحو غايات نافعة، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة، ويُرصد أثره على المجتمع، ويُزوّد ​​بضوابط أخلاقية.

وهذا هو جانب الطلب على التكنولوجيا، وهو محور مشاركة الأمم المتحدة الجوهرية حالياً. أما جانب العرض، أي الأماكن التي تُنتَج فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي الرائدة، وتُقَيَّم، وتُفرَز، فليس هناك وجود فعلي للأمم المتحدة فيه. إذ لا توجد هيئة متعددة الأطراف تضم كوادر فنية قادرة على فحص عمل المختبرات، ولا آلية لتقييم عمليات التدريب، ولا بنية تحتية مشتركة للإبلاغ عن الحوادث عبر الحدود.

أطر استخدام ثنائية ومحلية... وليست أممية

تتبلور البنية التي ستتحكم بالأمور لعقود مقبلة، حالياً، في اتفاقيات ثنائية (محلية) بين المختبرات الرائدة والحكومات المضيفة لها، وفي كيانات خاصة مثل مشروع «غلاسوينغ Glasswing» التابع لشركة «أنثروبيك»، وفي قرارات مراقبة الصادرات الصادرة عن الجهات المضيفة للتكنولوجيا.

ويتضح هذا النمط (في التوجهات المحلية) جلياً في الأخبار المتداولة، إذ أذنت وزارة التجارة الأميركية أخيراً بنشر نموذج الذكاء الاصطناعي الأكثر كفاءة من شركة أنثروبيك لنحو 100 مؤسسة أميركية، وذلك بعد أسبوعين من تعليق ضوابط التصدير الذي أدى إلى إيقاف استخدامه من الجميع.

مثال حكر الاستخدام... أميركياً

وبينما كان قرارا البيت الأبيض للتعليق والنشر الانتقائي قرارين أميركيين وكان الشركاء أميركيين، فإن الفئات السكانية المتأثرة بهذه التقنية، كانت عالمية. وقد أعرب مسؤولون أوروبيون علناً عن استيائهم من هذا الاعتماد الجديد على القرارات المتخذة في واشنطن. وباتت سلطة تحديد الفئات السكانية التي تحصل على إمكانية الوصول إلى تقنية أمن المعلومات المتقدمة، بحكم الأمر الواقع، في يد إدارة وطنية واحدة.

تقييم النماذج الذكية عالمياً

كيف سيبدو دور الأمم المتحدة في جانب العرض؟ يجري حالياً تقييم نماذج الذكاء الاصطناعي قبل نشرها. ويقوم كل من معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني ومركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي الأميركي (معهد سلامة الذكاء الاصطناعي الأميركي سابقاً) باختبار النماذج المتقدمة من خلال اتفاقيات طوعية مع المختبرات الكبرى، وهي ممارسة روتينية لدرجة أن المختبرات نفسها تستشهد بها كدليل على التطوير المسؤول.

191 دولة من دون تنسيق

السؤال الذي لم يطرحه النظام متعدد الأطراف حتى الآن هو: لماذا لا يُتاح ضمان السلامة المتاح لبلدين لبقية دول العالم البالغ عددها 191 دولة؟

وللأمم المتحدة خبرة في إنجاز مثل هذا المستوى من العمل التقني. فقد أُنشئت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1957 للتواصل المباشر مع مواقع تصنيع المواد النووية، وتمنحها ضماناتها وجوداً تقنياً دائماً في الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. تعمل الوكالة داخل المنشآت التي تُعالج فيها المواد النووية، بدلاً من العمل من خارج الصناعة التي تُعالجها، ويتلقى سكان الدول التي لا تملك برامج نووية ضمانات من نظام لا يمكن لأي منهم بناؤه بمفرده.

تشارك المختبرات المحلية مع الأمم المتحدة

ولدى مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة أسبابها الخاصة للمشاركة. فهي تُقدم بالفعل نماذجها للتقييم الطوعي، لأنه يُوفر لها شهادة اعتماد يُمكنها الاستشهاد بها، ودفاعاً ضد الادعاء بأن التطوير الرائد يجري دون رقابة.

ويُوسع الترتيب متعدد الأطراف(للأمم المتحدة) نطاق المنطق نفسه، مانحاً هذه المختبرات ضماناً يُمكنها من تقديمه للأسواق والحكومات خارج نطاق الدولتين اللتين تُقدّمانه حالياً، وحامياً إياها من التشتت التنظيمي الذي قد تُنتجه الاتفاقيات بين الدول. فهي تسعى لكسب ثقة العالم أجمع، لا ثقة واشنطن ولندن فقط.

أميركا والصين لا تتشاركان مع الأمم المتحدة

تكمن الصعوبة في أن إنتاج الذكاء الاصطناعي المتقدم مُركّز في الولايات المتحدة والصين، ولا تُبدي أيٌّ منهما رغبةً تُذكر في فتح مختبراتها أمام وجود متعدد الأطراف.

ويتشابه الأمر مع الضمانات النووية عام 1953، أي قبل أربع سنوات من بدء عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حين بدا أن تركيز القدرات في قوتين متنافستين، واشنطن وموسكو آنذاك، يجعل أي اتفاق مستحيلاً سياسياً. وقد أُنشئت الوكالة لأن كلا الجانبين خلصا في نهاية المطاف إلى أن الشفافية المتبادلة أفضل من التعتيم المتبادل، واتضح أن الفترة القصيرة بين عامي 1953 و1957 كانت الفترة التأسيسية التي وُضعت خلالها أسس العمل على مدى السبعين عاماً التالية.

إنشاء وحدة أممية صغيرة لتقييم الذكاء الاصطناعي

ويمكن اعتبار «برنامج إصلاح الأمم المتحدة لعام 1980» الوسيلة الأمثل لظهور الرقابة على جانب العرض، إذ تسعى تلك المبادرة إلى إعادة توجيه أمانة الأمم المتحدة نحو التعددية المستقبلية. وتُمثّل فجوة حوكمة الذكاء الاصطناعي تحديداً حالة من الغياب الهيكلي الذي يستوجب الإصلاح.

لا يتطلب سدّ هذه الفجوة إنشاء وكالة جديدة منذ البداية: يكفي منح الأمم المتحدة لعام 1980 تفويضاً لوحدة تقييم دائمة صغيرة، مُشكّلة من أصول تملكها الأمم المتحدة بالفعل، مثل المركز الدولي للحوسبة، مع دعوة المختبرات لتوسيع نطاق الاتفاقيات الطوعية التي تلتزم بها حالياً في لندن وواشنطن لتشمل المركز. هذا هو العمل الذي سيتعين على المرحلة التالية من المشاركة متعددة الأطراف القيام به.

* مجلة «فاست كومباني».


كيف تساعدك الطبيعة على الخروج من دوامة أفكارك المتعبة؟

كيف تساعدك الطبيعة على الخروج من دوامة أفكارك المتعبة؟
TT

كيف تساعدك الطبيعة على الخروج من دوامة أفكارك المتعبة؟

كيف تساعدك الطبيعة على الخروج من دوامة أفكارك المتعبة؟

نحن مهيأون جينياً وتطورياً لميل فطري نحو كل الكائنات الحية، وهو ما أطلق عليه عالم الأحياء إدوارد أو. ويلسون مصطلح «البيوفيليا biophilia» (حب الطبيعة). فبمجرد الجلوس بين الأشجار وتأمل روعة الطبيعة المهيبة يمكننا استشعار تدفق الحياة؛ فالطبيعة تعمل على تغيير أدمغتنا نحو الأفضل، كما كتبت ليبي ما (*).

الخوف والتوتر ينحسران في أحضان الطبيعة

كشفت أبحاث نُشرت في دورية «Molecular Psychiatry» أن اللوزة الدماغية (الجزء المسؤول عن معالجة الخوف والتوتر في الدماغ) تكون أقل نشاطاً لدى الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الريفية. كما أظهر مسح منفصل شمل ما يقرب من 20 ألف مشارك أن الفرد يمكنه جني فوائد صحية بعد قضاء 120 دقيقة فقط أسبوعياً في أحضان الطبيعة.

تخفيف حدة «الضجيج الذهني»

وتشير الدراسات المتعلقة بـ«الاستحمام في الغابة» (أو ما يُعرف بـ«شينرين-يوكو shinrin-yoku») إلى أن المشي في الغابة يقلّل من مستويات الكورتيزول، ومعدل النبض، وضغط الدم، ونشاط الجهاز العصبي الودي. ووفقاً لعالم النفس الاجتماعي غريغوري براتمان، فإن الانغماس في روعة الطبيعة يمكن أن يخفّف من حدة «الضجيج الذهني» الذي نولّده بأنفسنا جرّاء اجترار التفكير في منغصات الحياة الصغيرة.

لسنا بحاجة إلى القيام برحلات شاقة في هضبة التبت مثلاً لنحظى بهذه المزايا؛ فحتى العناية بحديقة منزلية صغيرة، أو وضع النباتات في أصص على حافة النافذة، أو الجلوس تحت شجرة في حديقة عامة، يمكن أن يوفّر مكاسب صحية ملموسة. فالطبيعة تذكّرنا بأن عالمنا قد يكون مكاناً رائعاً، وأن شكوانا اليومية ومضايقاتنا التافهة لا ينبغي أن تكون هي ما يحدد مسار حياتنا.

* مجلة «سايكولوجي توداي»