لطفي زيني، رحمه الله، ممثل ومنتج سعودي. تعرفت عليه عندما كنت أعمل مع عبد الله المحيسن في أول شركة للإنتاج الفني في الرياض. وهو شاب درس الإخراج السينمائي في لندن. كان ذلك عام 1977. وبعدها بعام نقل لطفي نشاطه إلى القاهرة منتجًا، فعملت معه مستشارًا فنيًا للنصوص. كانت مصر في ذلك الوقت قد بدأت ما نسميه «الانفتاح الاقتصادي»، وهو ما جعل لطفي يتصور أنه سيكون من السهل عليه أن ينشئ استوديو في مصر يقوم فيه بتصوير إنتاجه، وهو الأمر الذي لم يحدث. وكان الأمر مثيرًا للسخرية عندما كنت أرى المنتجين من مصر ومن المنطقة العربية يقومون بتصوير أعمالهم في قبرص ولندن واليونان. حاولنا المستحيل أن نقنع المسؤولين في مصر بأن تصوير الإنتاج العربي في مصر أمر ضروري وفي غاية الأهمية لعاصمة الفن في المنطقة العربية، وأن السماح بعمل استوديوهات خاصة في مصر أمر مفيد من كل الوجوه، وأنه لا يشكل خطرًا ما على الأمن القومي. فشلنا في إقناعهم، كما فشلوا في إقناعنا بصحة موقفهم الذي يتناقض تمامًا مع سياسة الانفتاح. وظل هذا موقف الدولة حتى بداية التسعينات، فقد سمحوا بظهور الجرائد الخاصة بشرط أن يقوم أصحابها بطباعتها خارج مصر.. في لبنان أو قبرص. واستمر هذا الموقف إلى أن اكتشف أصحابه ما فيه من بلاهة، فسمحوا بطباعتها في مصر. أعود إلى لطفي.. في بداية الثمانينات، اكتشف مبنى في مدينة سوسة بتونس يصلح بعد تعديلات بسيطة للتحويل إلى استوديو لتسجيل الأعمال التلفزيونية. أما الأجهزة المطلوبة، فقد اكتفى بشراء سيارتين مخصصتين للتسجيل ألحقهما بالاستوديو. هكذا بدأت قوافل الممثلين والمخرجين في الذهاب إلى سوسة/ تونس لتسجيل أعمالهم هناك. كانت التجربة فريدة بالنسبة لي، فقد تعرفت على الكتّاب والمسرحيين التوانسة، كما أعجبت كثيرًا بذلك الجسر الذي أقامته تونس ليس مع الثقافة الغربية فقط؛ بل مع المواطن الأوروبي سائحًا يبحث عن مكان جميل وآمن. كان إعجابي لا حد له بتلك العمارة المتميزة للفنادق في تونس الشمال، ووقعت في عشق سوسة والحمامات. والآن تقفز سوسة إلى ذهني ليس بوصفها مكانًا جميلاً، بل على أنها خبر يهتز له العالم كله.. نعم أعرف هذا المكان جيدًا، كم تمتعت بالإقامة فيه منذ أكثر من خمسة وثلاثين عامًا. معركتنا طويلة يا سادة. وعلينا أن نتنبه إلى أننا يجب أن نخوضها بكل ألم، ولكن ليس بفقدان الأعصاب. قلبي مع تونس والتوانسة.. قلبي مع الحكومة التونسية التي اتخذت عدة قرارات حاسمة مع بداية معركة طويلة للغاية غير مسموح لنا أن ننهزم فيها. تونس في التاريخ المعاصر لم تكن منتجعًا جميلاً فقط، بل كانت مصدرًا للأفكار الحرة والسياسات العاقلة البعيدة عن الديماغوجية. تونس، ولسنوات طويلة، كانت على الطريق الحقيقي للتنمية والحرية الاقتصادية، وحقوق الإنسان، رغم كل الانتكاسات. المعركة طويلة، والصيف أيضًا طويل.. لقد جاءت الطائرات الإنجليزية لتعيد السائحين إلى إنجلترا.. هل أطلب من الطائرات العربية أن تذهب إلى سوسة بركابها العرب؟ دعونا على الأقل نستمتع بالهواء البارد وجمال البحر في سوسة.. فالمعركة طويلة.
قد تعود البحرية الملكية البريطانية إلى عصر الإبحار الشراعي، من خلال تجربة جديدة تشمل اختبار أسطول من القوارب الآلية الصغيرة التي تعمل بقوة الرياح.
شبكة استشعار شراعية
وقد صممت هذه القوارب، المعروفة باسم «سي-ستارز C-Stars»، شركة «أوشن» في مدينة بليموث، ويبلغ طولها 1.2 متر فقط ووزنها نحو 40 كيلوغراماً.
تُزوّد الألواح الشمسية أنظمة الملاحة والاتصالات وأجهزة الاستشعار بالطاقة، بينما يوفر الشراع قوة الدفع. وعند نشرها على شكل مجموعة، تعمل هذه القوارب الصغيرة بوصفها شبكة استشعار واسعة النطاق.
عوامات ذاتية النشر
ونقلت مجلة «نيوساينتست» البريطانية عن أنايتا لافيراك، الرئيسة التنفيذية لشركة «أوشن»: «أبسط وصف لقوارب سي-ستارز هو أنها عوامات بحرية ذاتية النشر تحافظ على موقعها».
يمكن لهذه القوارب الإبحار بسرعة 3.7 كيلومتر في الساعة، قاطعةً مسافة 80 كيلومتراً تقريباً يومياً، أو استخدام الرياح للبقاء في مكانها بدلاً من الانجراف. وتقول لافيراك: «السرعة ليست مهمة في شبكة كاميرات المراقبة. الفكرة هي وضع أجهزة الاستشعار في كل مكان نحتاج إليها فيه».
تمويه مواقع الغواصات
وفي التجربة التي أُعلن عنها هذا الشهر، ستنقل سفينة آلية أكبر 3 قوارب من طراز «سي- ستار» وتُنزلها في المنطقة المستهدفة. وفي جزء من التجربة، ستقوم سفن«سي- ستار» بنقل إشارات صوتية من غواصة دون طاقم. وسيتم نشر عدد أكبر منها في عملية حقيقية.
وتضيف لافيراك: «إذا كان لديك قارب واحد فقط، فسيتمكَّن الخصم من تحديد الموقع العام للغواصة التي يتواصل معها. أما إذا كان لديك 100 قارب، فقد تكون الغواصة في أي مكان، تحت أي منها».
مقاومة الظروف البحرية القاسية
يمكن لهذه القوارب الآلية البقاء في البحر لمدة 6 أشهر أو أكثر، ومقاومة أسوأ حالات البحر. كانت هذه القوارب، في العام الماضي، أول قوارب آلية تُقدم بيانات مباشرة من داخل عاصفة قوية من الفئة الخامسة، وذلك ضمن مشروع بحثي شاركت فيه الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي.
رصد السفن المعادية
إذا نجحت التجربة البحرية، فستتمكَّن هذه السفن الآلية من أداء أدوار متنوعة. إضافةً إلى التواصل مع الغواصات وأجهزة استشعار قاع البحر، يمكنها تشكيل خطوط مراقبة لرصد السفن والصواريخ القادمة أو الطائرات المسيّرة التي تحاول التسلل دون رادار.
كما تبدو قوارب «سي-ستار» مثاليةً لرصد الغواصات بديلاً للعوامات المزودة بأجهزة سونار للاستخدام لمرة واحدة، والتي لا تدوم إلا لبضع ساعات، إذ يمكنها استخدام ميكروفوناتها المائية للاستماع إلى الغواصات أو التقاط إشارات السونار المنعكسة من مصدر خارجي كالسفن الحربية.
إيطاليا تعارض مشاركة الرياضيين الروس بالأعلام في البارالمبيادhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B6%D8%A9/%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B6%D8%A9-%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9/5242557-%D8%A5%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%B6-%D9%85%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B6%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%B3-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%AF
إيطاليا تعارض مشاركة الرياضيين الروس بالأعلام في البارالمبياد (أ.ب)
روما:«الشرق الأوسط»
TT
روما:«الشرق الأوسط»
TT
إيطاليا تعارض مشاركة الرياضيين الروس بالأعلام في البارالمبياد
إيطاليا تعارض مشاركة الرياضيين الروس بالأعلام في البارالمبياد (أ.ب)
أعلنت إيطاليا، مضيفة دورة الألعاب البارالمبية الشتوية، اليوم الخميس، أنها تعارض مشاركة الرياضيين من روسيا وبيلاروس تحت أعلام بلديهما في البطولة.
وتم السماح لعدد قليل فقط من الرياضيين من روسيا وبيلاروس، الذين أثبتوا أنهم لا يؤيدون الحرب في أوكرانيا، بالمشاركة في دورة الألعاب الشتوية الحالية في ميلانو كورتينا بوصفهم رياضيين محايدين.
لكن المسؤولين عن الألعاب البارالمبية الشتوية التي تقام بشمال إيطاليا خلال الفترة من 6 إلى 15 مارس (آذار) قرروا السماح برفع أعلام روسيا وبيلاروس واستخدام ألوانهما خلال المنافسات.
وقال وزير الخارجية أنطونيو تاجاني في بيان: «تعبر الحكومة الإيطالية عن رفضها التام لقرار اللجنة البارالمبية الدولية السماح بمشاركة ستة رياضيين روس وأربعة رياضيين من بيلاروس في الألعاب البارالمبية في ميلانو كورتينا 2026».
وأعلنت أوكرانيا أن مسؤولي البعثة لن يحضروا حفل الافتتاح في فيرونا يوم 6 مارس (آذار) المقبل.
وأضاف البيان الصادر عن وزير الخارجية الإيطالي، الذي يحمل أيضاً توقيع وزير الرياضة أندريا أبودي: «انتهاك روسيا المستمر لوقف إطلاق النار، بدعم من بيلاروس، وللمبادئ الأولمبية والبارالمبية، يتعارض مع مشاركة رياضييها، إلا بصفتهم أفراداً محايدين».
عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطرhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/5242556-%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D9%84%D9%80%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%AE%D8%B1%D8%AC%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%A1-%D8%B5%D8%AF%D8%A7%D9%85-%D8%A8%D8%A7%D9%86%D8%B7%D8%A8%D8%A7%D8%B9-%D8%A3%D9%86%D9%87-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%AF%D8%B1%D9%83-%D8%AD%D8%AC%D9%85
عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر
كانت بين صدام حسين والملك حسين قنوات اتصال استثنائية (أ.ف.ب)
في الحلقة الأخيرة من شهادته لـ«الشرق الأوسط»، يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات الذي رحل مطلع الشهر الجاري، كواليس لقاءاته مع الرئيسين الراحلين العراقي صدام حسين والسوري حافظ الأسد، وتفاصيل محاولة شقيق الأخير رفعت الأسد اغتيال رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران.
يتوقف عبيدات عند انطباعه عن صدام حسين بعد لقائهما في بغداد عام 2001، قائلاً إنه خرج مقتنعاً بأن الرئيس العراقي «لا يعلم بدقة حقيقة الموقف الدولي، وحقيقة الفخ الذي نصب للعراق، ولا يدرك حجم الخطر المحدق بالعراق والقادم عليه».
ويلفت إلى أن العلاقات الجيدة بين العاهل الأردني الراحل الملك حسين وحافظ الأسد تدهورت حين بدأت الحرب العراقية - الإيرانية تأخذ مداها، وفتحت «قنوات اتصال استثنائية» بين الملك حسين وصدام حسين، «أحبطت مساعي الأسد لبناء محور مضاد للعراق».
ويكشف عبيدات عن أن رفعت الأسد، قائد «سرايا الدفاع»، «أرسل مجموعة لاغتيال مضر بدران» رئيس الوزراء الأردني آنذاك، «بحجة احتضان الأردن لـ(الإخوان المسلمين) ومعسكرات تدريب، وكان كلامه كله خطأ»، مؤكداً أن المحاولة أُحبطت وأوقف المنفذون.
وفي ملف القيادي الفلسطيني المنشق عن «فتح» أبو نضال، يستعيد عبيدات كيف «حماه أبو إياد» من الاعتقال، قبل أن «ينقلب السحر على الساحر»، في إشارة إلى أن أبو إياد كان لاحقاً من ضحاياه. وفي ما يلي نص الحلقة الأخيرة:
ما قصتكم مع أبو نضال، وهل كان أبو نضال خصماً صعباً؟
- نعم صحيح. هو خصم ليس سهلاً. فقد هاجم بعض سفاراتنا وسفرائنا، وتسبب في مقتل سفيرين أو ثلاثة. كما أنه كان وراء اغتيال نجل رئيس الوزراء الأسبق سعيد المفتي، وقد كان الشاب موظفاً دبلوماسياً بالسفارة الأردنية في بوخارست. وتسبب بجرح سفيرين في عمليات متعددة. وعندما أصبحت رئيساً للوزراء خلال عامي (1983 - 1984) قام أبو نضال باغتيال فهد القواسمي رئيس بلدية الخليل وكان في زيارة لعمان.
طبعاً عمل أبو نضال لصالح السوريين، كما عمل لصالح العراقيين، ثم مع الليبيين. وللأسف من حماه في فترة من الفترات قام بقتله. فقد حماه أبو إياد. لكن في نهاية المطاف كان أبو إياد واحداً من ضحايا أبو نضال.
حماه من ماذا؟
- حماه من الاعتقال. كانت جماعة «فتح» تريد اعتقاله، وبالأخير انقلب السحر على الساحر. وكان أبو إياد ضحية أبو نضال. ويقال إن أبو إياد تكونت لديه فكرة بأن أبو نضال في تلك المرحلة أصبح يعمل لصالح المخابرات الصهيونية.
لقد كان أبو نضال جاهزاً للعمل لمصلحة أي جهاز استخبارات في أي بلد ويسمح لهم بالسيطرة عليه. لذلك استخدمته الاستخبارات السورية والعراقية والليبية في أكثر من مرة، وسخر جماعته لخدمة أجندته ومصالحه. وبالفعل نفذ عمليات متعددة لا تحضرني الآن لكن كانت نشاطاته الإرهابية مقلقة ومزعجة. استخدمه العراقيون في عمليات ضد جماعة «فتح»، بهدف إحداث انشقاقات وخلق مشكلات.
أبو إياد مشاركاً في أعمال المجلس الوطني بعمّان عام 1984 (غيتي)
ماذا فعلتم عندما تعرض لسفرائكم في الخارج بوصفكم دائرة مخابرات؟
- وقتها كنت رئيس حكومة، ولم أتابع هذا الملف الأمني بسبب العمل الحكومي المرهق. ولكن أعرف أن اتصالات جرت بهدف عقد صفقة لوقف عملياتهم في الأردن. وبالفعل توقفت عملياتهم. وقيل وقتها عن نوع من الاتصالات، وانتهى الأمر.
هل كنتم تنسقون كثيراً مع أميركا وروسيا؟
- كنا نتعاون مع أي جهة تملك معلومات تهمُنا، باستثناء الصهاينة.
هل كان هناك تنافس مثلاً بينكم وبين المخابرات السورية؟
- في فترات معينة طبعاً. وفي فترات قصيرة كان هناك تعاون، لكن قبلها لم يكن هناك أي اتصال.
قابلت حافظ الأسد ومعك ملف ساخن كان اسمه ملف «إخوان» سوريا وتدريبهم العسكري ضد الأسد؟
- صحيح. قابلته بوصفي مديراً للمخابرات حول ملف «الإخوان المسلمين» سنة 1979، حينما بدأت الأمور تتأزم بيننا وبين السوريين. كان الأسد غاضباً من قصة «الإخوان» السوريين، وكان يتهم الأردن بأنه يمتلك معسكرات لتدريب «الإخوان المسلمين» السوريين.
طبعاً ذهبت إليه برفقة مضر بدران الذي عاد رئيساً للحكومة وقتها، وبتوجيهات من الملك الحسين. أوضحنا لحافظ الأسد أنه من المستحيل أن يكون لدينا معسكرات لـ«الإخوان المسلمين» السوريين يتدربون بها.
وقلنا للأسد إن معسكرات «الإخوان» السوريين موجودة في العراق، وأوضحنا أن السوريين يمرون بجوازات سفر مزورة من سوريا للعراق عبر الأردن، ونحن بوصفنا مخابرات أردنية لا نملك أي معلومات مؤكدة عن جوازات السفر المزورة وحامليها.
العراق كان يدرب «الإخوان»؟
- نعم. كانت في العراق معسكرات تدريب لهم ولغيرهم، وفي مناطق قريبة من الحدود العراقية - السورية. معلوماتنا في هذا المجال مكتملة، فحملنا الملف وذهبنا. طبعاً وكعادة حافظ الأسد استرسل في البداية وتحدث لنحو ساعة كاملة عن الأوضاع العربية، ونحن نستمع. فكعادته لديه طريقة في الإسهاب الشديد.
بعدها تطرق لموضوع العراق، ومن ثم انتقل لموضوع «الإخوان». وبدأ كلامه بغضب، فاحتوى بدران غضبه، وبعدها تدخلت بالحوار بصفتي مديراً للمخابرات ومعي ملف «الإخوان» كاملاً من الناحية الأمنية، فأوضحت للرئيس الأسد أن القضية هي مشكلة سورية وليست أردنية، وأن الأردن لا يمكنه التعاون إلا من خلال المخابرات السورية التي تعرف من هم الحاملون لجوازات سفر مزورة ويستخدمونها عبر الحدود الأردنية للوصول للعراق؛ حتى لا ينكشف أمرهم.
تدهورت علاقة الملك حسين بحافظ الأسد بعد الحرب العراقية - الإيرانية (أ.ف.ب)
أبلغته أنه باستطاعتنا المساعدة إن تم تزويدنا بكشوفات تحتوي على أسماء جوازات السفر المزورة، وعندها يمكن ضبط هذه المشكلة. أما وحدَنا فنحن لا نستطيع التضييق على السوريين الذين كانوا يعبرون الحدود بالهويات وليس بجوازات السفر.
وأبلغته بصراحة بأننا لا نهتم بملف «الإخوان المسلمين» السوريين الذين سكنوا عمان بعد أحداث حماة الدامية، وأن الأمر ليس من الأولويات القصوى بالنسبة للأمن الأردني، فكله مسيطر على تحركاته ونحن بصورتها. ولن نسمح بأي نشاط تنظيمي مسلح داخل المملكة. والمطلوب اليوم هو تزويدنا بالأسماء، واتركنا نتعامل معهم بحيث عندما أشعر بأي خطر على الأمن السوري أتدخل بطريقتي الخاصة.
لكن موقفاً ساعد على إغضاب الأسد، وهو أن مراقب عام «الإخوان المسلمين» في الأردن محمد عبد الرحمن خليفة طلب موعداً لزيارة الراحل الحسين، وقد اصطحب معه سعيد حوى، وهو من شيوخ «الإخوان المسلمين» السوريين، وداعية أكثر منه سياسياً، من غير أن يُبلغ التشريفات الملكية بالأمر أو يطلب نصيحة المخابرات أو الحكومة. تفاجأت التشريفات بهذا الموقف. ولم يُقدر خليفة، رحمه الله، حساسية الموقف والوضع بيننا وبين سوريا.
مباشرة اتصل الديوان الملكي بالمخابرات مستفسراً عن سبب وجود حوى ولقائه بالملك. وبالفعل نحن في الجهاز شعرنا بالحرج. وبعد عمليات التدقيق تبين وجود مجموعة دخلت الأردن. استدعيناهم وبدأنا التحقيق معهم. وتبين أن معظمهم دخل الأردن وبنيّته التوجه إلى العراق. وهناك من يريد الإقامة فقط في عمان. وضعت الراحل الملك الحسين بصورة الأمر؛ فتداركاً لتفاقم الأزمة بين عمان ودمشق، طلبنا منهم المغادرة من الأردن، وبقي عدد من الحالات الإنسانية منحناهم مهلة لحين تدبر أمور إقامتهم في دولة غير الأردن.
ما انطباعك عن الأسد، وهل هي المرة الوحيدة التي رأيته بها؟
- نعم. الأسد مستمع جيد. لم يعلق على الموضوع، لكن أعطى تعليمات للمخابرات السورية بأن تتعاون معنا، وقد تعاونت فعلاً مع علي دوبا.
كيف كان علي دوبا؟
- العلاقة كانت محدودة بيني وبينه، لكن يمكن التفاهم معه.
يقال إن أحمد جبريل كان يخطط لعمليات ضد الأردن. هل اتهمتم المخابرات السورية؟
- ليس أحمد جبريل. المشكلة الأخرى الأهم كانت مع شقيق الرئيس حافظ الأسد رفعت الذي نُفي إلى فرنسا. فرفعت الأسد كان عنده جيش موازٍ اسمه «سرايا الدفاع»، وكانت له خطط للإساءة للعلاقة الأردنية - السورية. فقد أرسل مجموعة لاغتيال مضر بدران الذي كان رئيساً للحكومة وقتها. وبحجة احتضان الأردن لـ«الإخوان المسلمين» ومعسكرات تدريب، وكان كلامه كله خطأ، ولا أساس له.
طبعاً المحاولة تم كشفها. هناك من أُلقي القبض عليه في أثناء دخوله، وبعضهم وجدناهم مستأجرين شقةً في منطقة صويلح في عمان. أُلقي القبض على المجموعة كاملة وجرى التحقيق معهم، وكان بحوزتهم أسلحة ومتفجرات، وبعدها تمت محاكتهم أمام محكمة أمن الدولة، وجميعهم كانوا يحملون الجنسية السورية، وهم عناصر من «سرايا الدفاع».
هل حاولوا اغتيال أحد آخر؟
- اغتالوا لاجئاً سورياً سياسياً كان يعتاش من بيع الزهور ويعيش في عمان. ولكن كان هذا في زمن سابق جداً للحادثة التي رويتها لك.
ما أبرز الصعوبات التي واجهتها عند تسلمك رئاسة الحكومة؟
- كانت الصعوبات المالية هي أول التحديات؛ لأن المعونات العربية والخليجية بالذات بدأت بالتناقص لحدود الصفر، وكنا بحاجة لها. وبموازاة ذلك، بدأ أردنيون عاملون في الخليج بالعودة للأردن بعد فقدانهم وظائفهم، وكان ذلك هو العبء الثقيل الذي تسبب بالضغط على ظروف المواطنين المعيشية في الأردن.
وماذا عن التحديات الأمنية في فترة تسلمك رئاسة الحكومة؟
- كما ذكرت لك سابقاً، كقصة أبو نضال مثلاً. في المقابل بدأت علاقتنا بمنظمة التحرير الفلسطينية تتحسن، وقد سمح الراحل الحسين بعقد المجلس الوطني الفلسطيني في عام 1984. وهذا القرار تسبب لنا بأزمة سياسية مع سوريا التي كانت علاقتنا بها متوترة أصلاً.
هل صحيح أن حافظ الأسد هدد بقصف مقر انعقاد المجلس في عمان؟
- تم إحباط محاولات عدة وعمليات إرهابية ضد أمن الأردن في وقتها وضد أعضاء المجلس الوطني الموجودين في عمان. وسوريا ونظامها مارسا ضغطاً لعدم حضور أعضاء من المجلس الوطني الفلسطيني، لكننا ساعدنا وبدرجة كبيرة في نجاح انعقاده.
طبعاً في تلك الفترة كان الموقف الأردني واضحاً؛ فنحن لا نريد المزيد من الفوضى وتعقيد المشهد. واستقر الأمر عندنا على ضرورة ألا يكون هناك فراغ سياسي في تمثيل مصالح الشعب الفلسطيني والقضية. فبعد الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً للفلسطينيين، صار دعم المنظمة شأناً أردنياً، والسبب في ذلك أننا لا نريد أن يفرغ الشارع الفلسطيني من القيادات التي تمثله في الداخل والخارج.
فإذا لم يعد دور للأردن في الضفة الغربية، فيجب ألا تغيب منظمة التحرير عن الحضور في تمثيل القضية الفلسطينية. والمصلحة كانت بتقديرات أردنية تقتضي دعم المجلس الوطني الفلسطيني وانعقاده في عمان، ودعم الشرعية الفلسطينية الممثلة بمنظمة التحرير.
هل التقيت بياسر عرفات؟ وكيف كان اللقاء؟
- التقيته نعم، وكان لقاء ودياً بعد أن كانت علاقاتي به غير ودية في فترات سابقة.
وهل التقيت أبو إياد؟
- التقيته أيضاً في الديوان الملكي، في فترة انعقاد المجلس بعمان.
ماذا عن جورج حبش؟ هل قابلته؟
- التقيته، لكن في وقت لم أكن فيه بالمسؤولية. التقيته في المؤتمر القومي العربي لاحقاً في بيروت.
عرفات خلال المجلس الوطني الفلسطيني في عمّان عام 1984 (غيتي)
وماذا عن «الجبهة الشعبية - القيادة العامة»؟ هل خطط مؤسسها أحمد جبريل لعمليات داخل الأردن؟
- أحمد جبريل جاء مع المنظمات الفدائية بعد نكسة 1967. لكن بالنسبة إلى تعاملنا مع «الجبهة الشعبية»، فكان من خلال علي بشناق، وهو مندوب الجبهة في التعاون مع القوات المسلحة والمخابرات العامة.
مندوب للتعاون مع الجيش والأمن الأردني؟
- نعم؛ فقد ساعد الجيش الأردني والمخابرات العامة في تسليح فدائيين للقيام بعمليات داخل الأرض المحتلة في بداية الأمر.
وهل أحمد جبريل كان من بين المتعاونين معكم؟
- العلاقة كانت مع قيادة «الجبهة الشعبية»، وكان علي بشناق من ينسق معنا في مجال دعم مقاومة الاحتلال في الداخل، وكان في عمان عدد من قيادات الجبهة في ذلك الوقت.
في أي عام كان هذا التعاون، وهل سلمتم أحمد جبريل سلاحاً؟
- في عام 1967 بعد الحرب مباشرة. لم تكن الأسماء هي غايتنا، كان هدف الأردن أن يكون للمنظمات دور في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وساعدنا في هذا المجال كثيراً. كنا ننسق مع الجيش لحماية عناصر المقاومة في أثناء عودتها من عملياتها داخل الأرض المحتلة، وكان يرد على النيران الإسرائيلية.
إذاً كيف ساءت العلاقة مع جبريل؟
- عندما وقعت معركة الكرامة (مارس 1968، وهي أول مواجهة مع إسرائيل بعد هزيمة 1967)، أعلن جبريل ترك مواقعه مع جماعته وقال إن «الكلاشنكوف ما راح يقاوم المدفعية ولا الطيران»، فانسحب مباشرة. ولم يبق في منطقة الكرامة كلها.
لكنه يقول إن عرفات هو الذي انسحب.
- هو لا يعرف شيئاً عما يقوله.
الملك حسين مستقبلاً ياسر عرفات (أ.ف.ب)
مَن أكثر من شارك معكم في معركة الكرامة من الجانب الفلسطيني؟
- كانت هناك جماعة من منظمة «فتح» صمدت وقاتلت ببسالة. واستشهد عدد منهم. وهناك أشخاص من المنظمات تُركوا من دون سلاح فذهبوا ضحية ضعف منظماتهم في إيصال السلاح لهم وتزويدهم بالذخائر.
كما كانت هناك عناصر لم تتلق أي شكل من أشكال التدريب، فقد أسست منظمة «فتح» في منطقة الكرامة كلية عسكرية وبقي فيها عدد من المتدربين قبل المعركة بيومين تُركوا من دون أي توجيهات. واجتمع فيهم قائد الجيش الأردني وأبلغهم أن المعركة باتت قريبة، ومع ذلك لم يحرك أحد ساكناً، وتركوا المتدربين من غير سلاح. والنتيجة كانت مأساوية فقد استشهد معظمهم مع بداية الحرب. وقد وصل هذا الكلام لمنظمات فدائية، ولأبو عمار شخصياً.
هل كان الملك حسين صلباً في معركة الكرامة؟
- جداً.
وكيف تصف علاقتك مع الملك حسين؟
- خلال فترة العمل في الحكومة يستطيع رئيس الديوان الملكي وقتها مروان القاسم أن يصفها. طبعاً بتقديري أن الراحل الملك الحسين كان يحترم الذي يحترم نفسه. وقد كنت أحترم نفسي كثيراً، ولم أتقدم بأي طلب للملك الحسين في حياتي.
وبظني أيضاً أن الراحل الحسين حفِظَ لي ما قمت به في أثناء إدارتي لجهاز المخابرات العامة. والتقارير التي كنت أقدمها وأعرضها.
لكن علاقتك بالراحل الحسين اختلفت تماماً بعد توقيع معاهدة السلام اتفاق وادي عربة؟
- صحيح. فقد حصل بعض الجفاء. وقد كانت معارضتي للحكومة التي جاءت بقانون المعاهدة.
هل نفذت المخابرات الأردنية عملية في بيروت بهدف الرد على اغتيال وصفي التل؟
- المخابرات الأردنية لم تنفذ أي عملية في بيروت. لا في زمني ولا في زمن جاء بعدي.
لم تنفذ أي عمليات؟
- لم نقم بوصفنا مخابرات بأي عملية في الداخل اللبناني. لكن قد يكون قصدك الاستخبارات العسكرية وهي جهة لها اجتهادها وتقديراتها وخصوصية عملها. وقد يكون لها نشاطاتها التي لا تكون المخابرات بصورتها.
من أبرز الشخصيات الخارجية التي التقيتها بوصفك رئيس حكومة؟
- طبعاً التقيت بحافظ الأسد، وحسني مبارك، وصدام حسين. وفي زمن حكومتي زارت ملكة بريطانيا الأردن والتقيتها، وكذلك الرئيس النمساوي، ومعظم رؤساء الدول عند الزيارات الرسمية. والتقيت بالملك الإسباني قبل استقالتي بأسابيع. لكن جميع تلك اللقاءات كانت بروتوكولية.
إذا طلبت منك في جملة واحدة أن تصف علاقات الملك حسين مع الرئيس حافظ الأسد؟
- في حدود معلوماتي كانت العلاقات جيدة وصريحة ومستمرة. وتكاد تكون الاتصالات بينهما أسبوعية. لكن عندما بدأت الحرب العراقية - الإيرانية تأخذ مداها تغيرت الصورة شيئاً فشيئاً. أصبحت هناك قنوات اتصال استثنائية بين الرئيس صدام حسين والملك حسين تتجاوز الأجهزة والقنوات الدبلوماسية والحكومات.
وكيف تصف العلاقة بين الملك حسين وصدام حسين؟ هل كانت حميمة؟
- جداً. وأعتقد أن هذا أثار حفيظة الرئيس الأسد إلى حد كبير جداً. باعتقادي مبادرة الرئيس حافظ الأسد لبناء علاقات بين الأردن وسوريا والحديث عن وحدة مستقبلية واللجان المشتركة التي بدأت، كانت محاولة لبناء محور أردني - سوري ضد العراق. لكن هذا المسعى لم ينجح.
حدثني عن زيارتك إلى العراق عام 2001؟
- كان موعد انعقاد المؤتمر القومي العربي ومكانه في بغداد بعد انقطاعه لمدة طويلة، وكنت عضواً في الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي، فذهبنا إلى بغداد، وهناك التقينا مع معظم أعضاء المؤتمر القومي العربي.
من كان أبرزهم؟
- الحقيقة، لا أتذكر أسماء الآن، ولكن افتتح المؤتمر سعدون حمادي بوصفه شخصية رسمية، وحضر أيضاً وزير الخارجية طارق عزيز نائباً عن الرئيس.
والتقيتم الرئيس في هذه الزيارة؟
- كانت هناك ترتيبات مسبقة مع السفير العراقي في عمان صلاح الياسين، فقد طلبنا منه ترتيب لقاء لنا بالرئيس صدام في بغداد. وتمت الترتيبات، قابلته وطاهر المصري. وتم اللقاء وحضره طارق عزيز ومرافق الرئيس عبد حمود، وأيضاً شخص آخر كان يكتب ملاحظات، ويدون وقائع الاجتماع. جرى حديث عن الأوضاع العربية والأرض المحتلة وأسهب الرئيس صدام بالحديث عن الوضع في فلسطين، وماذا يقدم العراق للمقاومة في فلسطين ولعائلات الشهداء. تحدث بمعلومات قيمة بالنسبة لي؛ أي كانت معلومات جديدة تقريباً.
كانت بين صدام حسين والملك حسين قنوات اتصال استثنائية (أ.ف.ب)
يومها تحدث عن علاقاته مع الأردن بشيء من العتاب، وكان تقريباً يعاتب من خلالنا بصفتنا رؤساء حكومات سابقين. عندها قلت له: نحن حضرنا المؤتمر القومي العربي في بغداد بوصفنا مواطنين عرباً، ولا نمثل أي جهة رسمية في الأردن. فقط بهذه الصفة نحن موجودون هنا، وبهذه الصفة نتحدث معك سيادة الرئيس حول الأردن.
في تلك الأيام، كان الأخ طه ياسين رمضان يطالب بقطع النفط عن الأردن، وقلت ذلك للرئيس صدام. التفت الرئيس صدام فقال: كيف؟ قلت: يطالب بقطع النفط عن الأردن، وقلتها لصدام بمنتهى الصراحة. الشعب الأردني لم يوقع معاهدة السلام، بل وقعتها الحكومة، والآن هناك وضع مختلف في الأردن. من تعاتبهم أصبحوا في دار الحق أو أخرجوا من حالة الفعل السياسي. طبعاً صدام كان يشير إلى بعض رؤساء الحكومات الذين كانوا في فترة معينة من الحكم، وكان يعاتب الراحل الملك الحسين، وأظن أنه كان يشير إلى موضوع حسين كامل وقضية هروبه مع زوجته إلى الأردن.
هل تعتقد أنه لم يكن للأردن علاقة بانشقاق حسين كامل؟ هل فوجئ به؟
- أجزم بأن الأردن لم تكن له أي علاقة. صحيح لم أكن في المسؤولية وقتها. لكن أجزم بذلك.
ولا في عودته؟
- عودته بالعكس. من خططوا لعودته هم إخواننا في بغداد واستدرجوه استدراجاً. لكن وضعه لم يكن مريحاً في الأردن هنا كما علمت في المرحلة الأخيرة. لم يكن التعامل معه مريحاً جداً، فاجتمعت هذه وتلك.
وبالعودة للقاء الرئيس صدام، فقد قلت له إن الشعب الأردني ليست له علاقة بهذه المعاهدة، ولم يوافق عليها، وحتى اللحظة لم يطبع علاقاته مع العدو الإسرائيلي. وإذا قطعتم النفط عنا فسنكون نحن الشعب الأردني قد تمت محاصرتنا من جهات ثلاث. من الغرب والعدو الإسرائيلي الذي يحتل فلسطين، ومن أشقائنا العراقيين. وإن حصل ذلك وضعف الأردن فإسرائيل في تلك الحالة ستصبح على حدودك ليس بالضرورة من ناحية ملموسة فعلاً لكن رمزية.
حقيقة، بعد ذلك انتفض صدام واعتدل في جلسته وقال لي: أخ أحمد. هذا مستحيل أن يتم. إن الذين تآمروا عليّ في الشمال (وكان يشير إلى الحكم في دمشق) وما زالوا، ما زلت أمد يدي لهم للمصافحة، فأنا لن أخذل الشعب الأردني في أي حال من الأحوال، وهؤلاء الذين يخطبون في قاعة فندق الرشيد (لا تدير بال إلهم) دعهم يخطبون كما يشاؤون.
هذه هي المرة الوحيدة التي رأيت بها صدام حسين؟
- لا طبعاً. رأيته قبلها لما كنت رئيساً للحكومة. ذهبنا في زيارة مع الراحل الملك الحسين، والتقينا به وجلسنا معه. طبعاً كانت الجلسة حميمة، وهذه الزيارة كانت في أثناء الحرب العراقية - الإيرانية. وقد تمت لقاءات مفتوحة للوفدين، وكلام عام عن الأوضاع في الجبهة.
ماذا تذكر من هذا اللقاء؟
- كان عبارة عن شرح للأوضاع العامة. وما هي إجراءات الصمود من ناحية التموين، وما هو الوضع على الجبهة. وكان بعد هذه الجلسات المفتوحة للوفدين، تكون هناك جلسة مغلقة تجمع الرئيس صدام حسين والملك الحسين وحدَهما، وبعدها نغادر.
رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات خلال المقابلة (الشرق الأوسط)
ما انطباعك عن صدام حسين؟
- بالنسبة لي قد يكون الجلسة التي جمعتنا به في عام 2001، ويومها تحدث عن العالم والحصار على العراق، والحقيقة أن وزير الخارجية وقتها طارق عزيز لم يتحدث بشيء. وصدام هو الوحيد الذي كان يتحدث. من حديث صدام يومها تشكل عندي انطباع أنه لا يعلم بدقة حقيقة الموقف الدولي، وحقيقة الفخ الذي نصب للعراق، وحجم الخطر المحدق بالعراق والقادم عليه.
كان وقتها لا يزال صدام لديه شيء من العنفوان. ويقول: إذا كانوا يفكرون أنني تعبت فأنا أستطيع أن أنام على جذع شجرة 40 يوماً. والحقيقة أن صدام اهتم بنا كثيراً. وبعد اللقاء، صاحبنا مودعاً حتى الباب الخارجي، وبقي ينتظرنا حتى ركبنا سياراتنا والتلفزيون صوّر كل ذلك.
وعند عودتنا إلى المؤتمر العربي كان الجميع مستغرباً. نحن لم نكن مدركين ما الأمر. وإذ بالجميع كانوا مستغربين لأن الرئيس صدام ودعنا حتى ركبنا السيارة وظل واقفاً حتى غادرنا. حقيقة لم نكن مدركين أهمية الأمر، وعندما سألنا ضيوف المؤتمر عن سر حفاوة الرئيس صدام بنا، فقلت: كل ما في الأمر أننا تحدثنا بكل صراحة.
في اليوم التالي، تلقينا دعوة على العشاء من وزير الخارجية العراقي طارق عزيز. بعد انتهاء العشاء خرجنا لنركب بالسيارات، فجاء عزيز من جهتي فنزلت من السيارة احتراماً للرجل المضيف. وعندها خاطبني بقوله: «أخ أحمد، ترى شو يريد الملك عبد الله الرئيس جاهز»، فقلت له بأني لا أحمل رسالة من الملك عبد الله الثاني. وأني متأكد بأن الملك لا يريد للعراق إلا الأمان والازدهار.
وتابعت الحديث معه، وأوضحت أني لن أنقل رسالة إلى الملك؛ لأني لست مكلفاً بنقل رسالة من الملك إلى صدام، فكيف لي أن أحمل رسالة صدام للملك عبد الله الثاني. في تلك اللحظات نصحت طارق عزيز وقلت له: يا أبو زياد، ديروا بالكم على أصدقائكم الروس. قال: لماذا؟ قلت: أفضل أن تركزوا على استمرار الدعم الروسي لكم. قال: نحن منتبهون، والوضع جيد، والتنسيق معهم مستمر. قلت: لا أظن الأمر كذلك. فقد بدأ الوضع الدولي يتغير لصالح الروسي. وموسكو موقفها بدأ ينقلب تجاه العراق. وأبلغت عزيز بأن هذا رأي شخصي وليس موقفاً رسمياً أردنياً. وأعدت له القول: ديروا بالكم على أصدقائكم الروس.