أستعير اسم رواية نجيب محفوظ المبهرة هذا اليوم لأكثر من سبب؛ الأول، هو تطرّف المحطات العربية وشركات الإنتاج في مسألة عدم العودة إلى الروايات العربية لاستيحائها واقتباسها من جديد. لا نجيب محفوظ ولا إسماعيل فهد السماعيل ولا ليلى العثمان ولا صنع الله إبراهيم ولا مدحت السباعي ولا فارس يواكيم ولا حنان الشيخ أو أمين معلوف أو عبد الرحمن المنيف أو غازي عبد الرحمن القصيبي أو أمل الجراح أو حنا مينة أو عبد السلام العجيلي.. لا أحد من هؤلاء، ولا أحد من غير هؤلاء، مقدّم ولو في مسلسل واحد هذا العام. لا أحد من هؤلاء، ولا أحد من غير هؤلاء، تم تقديمه في مسلسل واحد في العام الماضي. وإذا ما عدنا إلى الوراء أكثر، فسنجد الوضع ذاته.. ربما الاستثناءات وقعت قبل خمس سنوات وما قبل.
* لا عذر على الإطلاق
ليس هناك من سبب واحد يفرض تغييب غادة السمان أو كوليت خوري أو محمود البياتي أو أي ممن وردت أسماؤهم أعلاه أو ممن لم ترد أسماؤهم على الإطلاق.
بدل حضورهم نجد اقتباسات عن أفلام أجنبية لا تصل إلى مستوى المصدر (رغم أنه ليست كل المصادر كانت جيّدة)، ونجد مسلسلات عن جرائم وتحقيقات، وأخرى عن امرأة مدمنة، وعن شاب يتيم، وعجوز متصابٍ، والجمهور - لا تؤاخذونا - راض لا يحتج.
حسنًا، قليل من هذه المسلسلات وقليل من تلك الأعلى مقامًا وشموخًا. ماذا يضير لو أن روايات الأديب السعودي عبد الرحمن المنيف، مثل «مدن الملح»، أو «سيرة مدينة» وجدت طريقها للإنتاج؟ ماذا عن رواية «وراء السراب.. قليلاً» للتونسي إبراهيم درغوثي، أو «طواحين بيروت» للراحل توفيق يوسف عواد؟
ماذا يضير لو أن عملاً واحدًا (نعم ولو واحدًا) من بين جموع ما يتم تقديمه كان اقتباسًا أدبيًا؟ لا شيء. على العكس قد تشهد التجربة نجاحًا كبيرًا إذا ما توفرت لها العناصر الصحيحة، مما يؤدي إلى إعادة اكتشاف هذه الثروات لجيل جديد ولجيل قديم معلق هو واهتماماته في الهواء الطلق.
سبب آخر وراء بعث عنوان رواية نجيب محفوظ، وهي ليست سوى واحدة من رواياته الكثيرة التي تستحق نفض الغبار عنها على نحو يحفظ هويتها الأدبية، حقيقة إنه عنوان مناسب لواقع مؤسف، أشارت إليه رسالة لقارئة مواظبة؛ إذ كتبت:
«صباح الخير..
هل تستطيع أن تكتب في زاويتك اليومية عن بعض الممثلين الكبار من مصر ومن لبنان ومن سوريا ومن الكويت، الذين غادرونا في السنوات القريبة، فخلت مسلسلات رمضان من إبداعاتهم الكبيرة؟».
وهي تورد، على سبيل المثال، أسماء كثيرة من تلك التي رحلت عن عالمنا، وعالم التلفزيون، في السنوات القريبة؛ ومنهم غانم الصالح، وغسان مطر، وسليم كلاس، وهاني الروماني، ورياض شحرور، وخالد صالح، ومعالي زايد، وعمر الحريري، وعصام بريدي.. وكثيرون سواهم.
الجواب هو أنني لا أستطيع أن أكتب بالتحديد عن هؤلاء الفنانين الراحلين أو عن سواهم في هذه الزاوية، لأنها ليست مخصصة للحديث عن الممثلين والممثلات حتى أولئك الذين أثروا الحياة التلفزيونية بإسهاماتهم التي لا تُنسى. لكن الموضوع مناسب لولوج وضع مهم ومتّصل: أليس من أسباب تردي كثير من البرامج والمسلسلات الرمضانية غياب ذوي الخبرة والموهبة المتزايد في السنوات الأخيرة؟ لا أقصد أن كل ممثل قديم أفضل من كل ممثل جديد.. والواقع أننا لا نتحدّث هنا عن المستويات، بل عن التأثير الذي يفرضه غياب فنانين تركوا بصماتهم الكبيرة على فن الدراما التلفزيونية كما سبق لكثير منهم أن تركها على فن الدراما السينمائية.
غيابهم، وهم بالعشرات، لا بد له أن يحمل تأثيرا سلبيًا، وهذا التأثير محسوس وملموس في مسلسلاتنا الحالية؛ إذ ليس من السهل التجاوب مع أي ممثل يرتدي شخصية ما لمجرد أنه قام بتقمصها. بعضهم لا يستطيع سوى تقليد بعض الراحلين وبذلك يسقط في الامتحان. لا هو يستطيع النبش عن جانب خاص به يفرضه على الشخصية التي يلعبها، ولا المشاهد يستطيع أن ينسى الأصل ويتمسك بالتقليد.
وحتى من دون الغياب بداعي الموت، هناك غياب للحاضرين.. وهو محسوس وملموس هذا العام أكثر من سواه.. ليس هناك جديد من يحيى الفخراني، ولا جديد من دريد لحام، ولا أعتقد أن هناك جديدًا لعبد الله الشمري أو إبراهيم صالح.. أو من كثيرين سواهم. ومن المستحيل أن لا يترك هذا الغياب أثره في المسلسلات الرمضانية أو في مستوياتها عمومًا.
* المسألة، في عمقها، ليست مسألة أشخاص.. كما الممثلون، هناك المخرجون والكتاب.. وسواهم. وسنة الحياة لا يمكن تبديلها. لكن ما يمكن القيام به هو احتساب هذا الوضع مسبقًا، وهذا يتم عبر الإصرار على النوعية وليس على أي شيء آخر. لتقل المسلسلات ما تريد قوله، ضمن المنطق والقانون، ولتتناول أي نوع من الدراما أو الكوميديا، لكن يجب عدم تغييب المستويات، لأن النتيجة، مع غياب الأسماء الكبيرة الأحياء منهم قبل الأموات، هي غياب مستقبلي للمسلسلات ذاتها.
واحد من طرق معالجة هذا الوضع هو العودة إلى تلك المسلسلات المقتبسة من الأعمال الأدبية الكبيرة، وآخر عبر العودة إلى تلك التراثيات التي باتت مهدورة، والثالث عبر الإبداع المعاصر ليس على الشكل الوارد حاليًا؛ حيث لكل من هب ودب حضور، بل ذلك الذي يرتفع بالقيمة الفنية ويحرص على القيمة الاجتماعية والأدبية والإنسانية. كل المحطّات لديها مسؤولية عليها أن تؤديها، وإلا فلتشهد مزيدا من انحدار المستوى عامًا بعد عام.

مشهد من مسلسل «ضرب نار» (أرشيفية)
بوستردعائي لمسلسل «تحت الوصاية» (أرشيفية)
مشهد من مسلسل «ستهم» (أرشيفية)
