تمويل التكيف المناخي... هل يهدئ «كوب 27» غضب الدول المتضررة؟

أميركا تعد... وخبراء يشككون

مزارعو المانجو في مصر أنقذوا محصولهم بالتكيف المناخي (رويترز)
مزارعو المانجو في مصر أنقذوا محصولهم بالتكيف المناخي (رويترز)
TT

تمويل التكيف المناخي... هل يهدئ «كوب 27» غضب الدول المتضررة؟

مزارعو المانجو في مصر أنقذوا محصولهم بالتكيف المناخي (رويترز)
مزارعو المانجو في مصر أنقذوا محصولهم بالتكيف المناخي (رويترز)

تعرّض إنتاج فاكهة المانجو في مزرعة المُزارع عبد المجيد شكري من محافظة الإسماعيلية المصرية إلى الدمار العام الماضي، بسبب آفة حشرية وجدت بيئة مناسبة للازدهار مع ارتفاع درجات الحرارة شتاءً على غير المعتاد.
وساعدت وزارة الزراعة المصرية شكري وأقرانه في العام الجاري على تجاوز تلك المشكلة، عن طريقة تزويدهم بأدوات لمقاومة تلك الآفة، وتسعى لضمان استمرارها في تقديم يد العون والمساعدة لهم، عبر الحصول على دعم مناسب من الدول الغنية في قمة «كوب 27»، عبر ما يُعرف بـ«تمويل التكيف المناخي».
والتكيف المناخي بمفهومة الأوسع، هو إكساب المجتمعات والاقتصاديات الفقيرة والنامية القدرة على الصمود في مواجهة التأثيرات المناخية، فيتم في مجال الزراعة مساعدة شكري وأقرانه من المزارعين بأدوات وقائية لمواجهة آفات ناتجة عن تغير المناخ، وبناء الطرق والجسور التي تكون مكيّفة لتحمل درجات الحرارة المرتفعة والعواصف القوية، ونقل بعض المجتمعات إلى مواقع جديدة لأنه سيكون من الصعب عليها التكيف مع تبعات التغيرات المناخية، مثل ارتفاع سطح البحر.
وتسعى مصر وغيرها من الدول النامية إلى الحصول على تمويل مناسب من الدول الغنية، يمكّنها من مساعدتهم على التكيف مع تلك التغيرات، والتي ستزيد بشكل كبير، وفق تقرير دولي، قام بإعداده جوس ليليفيلد، مدير معهد «ماكس بلانك للكيمياء»، بالتعاون مع آخرين.
ووفق هذا التقرير الذي نُشر في العدد الأخير من مجلة «ريفيو أوف جيوفيزيكس»، فإن إقليم الشرق الأوسط يزداد احتراراً بمعدل مرتين تقريباً أسرع من المتوسط العالمي، كما سيحدث ارتفاع إجمالي في درجات الحرارة خلال الأعوام القادمة من القرن الحالي لتصل إلى 5 درجات مئوية أو أكثر، وسيكون الارتفاع أقوى في الصيف، كما ستشهد المنطقة نقصاً في هطول الأمطار يضر بالأمن المائي والغذائي.
وإلى جانب تقديم حلول مؤقتة للتكيف المناخي، كما فعلت الحكومة المصرية مع شكري وأقرانه من مزارعي المانجو، فإن الحلول الأكثر استدامة، هي ما بات يعرف بـ«الزراعة الذكية مناخياً»، والتي تعني تزويد المزارعين بالأصناف المقاومة للأمراض التي تظهر مع ظروف الرطوبة الجوية العالية.
وتملك مراكز الأبحاث العديد من قصص النجاح في مجال الزراعة الذكية مناخياً، ولكن تعميم مخرجات هذه الأبحاث على المزارعين يحتاج إلى تمويل، باتت الدول في أمسّ الحاجة له، لمواجهة تداعيات التغير المناخي الذي يهدد الأمن الغذائي، كما يؤكد المهندس علي أبو سبع، المدير العام للمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا).
والإيكاردا مركز بحثي، مكتبه الرئيسي -حالياً- في العاصمة اللبنانية بيروت، ويوجد له فروع في المنطقة التي يطلق عليها «سوانا»، والتي تضم 16 دولة، من المغرب ودول شمال أفريقيا إلى دول الشرق الأوسط، ودول غرب ووسط آسيا، ويركز مجال عمله على خمسة محاصيل رئيسية، هي القمح والذرة والشعير والعدس والفول.
ويتحدث المهندس أبو سبع لـ«الشرق الأوسط» عن بعض من قصص النجاح في مجال الزراعة الذكية مناخياً، ومنها إنتاج أصناف قمح خبز في دولة المغرب مقاومة لدرجات الحرارة المرتفعة ولمرض صدأ القمح، وحققت هذه الأصناف زيادة في الإنتاجية 50 في المائة عن الأصناف التقليدية، كما أنتج المركز أصناف من الشعير تنتج حبوباً أكثر بنسبة 10 في المائة في ظل ظروف الجفاف القاسية، مقارنة بالأصناف المتاحة.
ويقول أبو سبع: «دورنا في الإيكاردا، مثل كثير من مراكز الأبحاث، ينتهي عند توفير هذه الحلول، ولكن تطبيق هذه الحلول على نطاق واسع يحتاج إلى تمويل، نأمل أن تتمكن الدول من توفيره خلال قمة المناخ (كوب 27)».
وبالنسبة لدول في المنطقة تعتمد إلى جانب الواردات الغذائية على إنتاج محلي من الغذاء في بعض الأصناف، فإنه لا بديل أمامها سوى تنفيذ هذه الحلول لمواجهة تأثيرات تغير المناخ على الأمن الغذائي، كما يقول رضا سكر، الخبير في مجال الإنتاج الغذائي لـ«الشرق الأوسط».
ويوضح أنه بالإضافة لأمراض تسبب في انتشارها التغير المناخي وأثرت على المحاصيل، فإنه أيضاً تسبب للمنطقة في أسوأ موجة جفاف منذ ما يقرب من ألف عام، وهو ما زاد من مشكلة تعاني منها المنطقة في الأساس، وهي الإجهاد المائي، حيث أن 70 في المائة من أكثر بلدان العالم إجهاداً مائياً تقع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ويضيف أن «الدول المعتمدة بشكل كبير على الاستيراد، مثل دول الخليج، والتي قد يعتقد البعض أنها بمنأى عن هذا الخطر، فإنها تواجهه من ناحية أخرى، لأن الدول المنتجة للغذاء قد تأثرت هي الأخرى بتغيرات المناخ، هذا فضلاً عن أن الحرب الأوكرانية الروسية الدائرة حالياً، أثرت ولا تزال ستؤثر لسنوات على امدادات الغذاء عالمياً، باعتبار أن الدولتين من القوى العظمى في انتاج الغذاء».
وتضع هذه الظروف دول المنطقة الغنية والفقيرة أمام تحد توفير الغذاء، وهو ما يفرض على الجميع ضرورة الاهتمام ببرامج التكيف المناخي في الزراعة، وبدأت بعض دول الخليج تلتفت لهذا الخطر، فبدأت تتجه إلى الزراعة بالمياه المالحة، كما يشير سكر.
وأعلنت جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في السعودية قبل سنوات عن تأسيس شركة تحت مسمى «مزارع البحر الأحمر»، تقوم بالزراعة باستخدام المياه المالحة، وحصلت هذه الشركة في أبريل (نيسان) من العام الجاري، عن طريق الاكتتاب على رأس مال استثماري يقدر بـ18.5 مليون دولار، من قبل مجموعة رائدة من المستثمرين السعوديين، والشرق أوسطيين، والأميركيين، ما يعد أحد أكبر الاستثمارات في تاريخ المنطقة بتقنية الزراعة.
كما أعلنت الإمارات العربية المتحدة في نفس الشهر عن جائزة مالية تصل إلى مليوني دولار للشركات الناشئة التي يمكنها اقتراح حلول تكنولوجيا زراعية متكيفة مع تغيرات المناخ، كما تستضيف على أرضها مركزاً دولياً للزراعات الملحية في إمارة دبي.
وقد لا تجد دول الخليج صعوبة في تمويل برامج التكيف المناخي، سواء في الزراعة كما بدأت تفعل، أو في مجالات أخرى، مثل الاستعداد لمواجهة الفيضانات، كالتي شهدتها الإمارات وسلطنة عمان وبعض المناطق في السعودية هذا الصيف، ولكن الدول الأقل دخلاً في إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يهمها أن تخرج من قمة المناخ القادمة في مصر (كوب 27)، وما بعد القادمة في الإمارات (كوب 28)، بتمويل مناسب لبرامج التكيف المناخي، يتجاوز التعهدات إلى التنفيذ الفعلي.
وكانت الدول الأكثر ثراء قد تعهدت في إطار اتفاقية باريس بتوفير 100 مليار دولار سنوياً من التمويل الدولي المتعلق بالمناخ، على أن يخصص نصف هذه المبالغ على الأقل على برامج التكيف المناخي، غير أن هذه التعهدات لا تشق طريقها بالقدر الكافي نحو التنفيذ.
وعبّرت رانيا المشاط، وزيرة التعاون الدولي المصري، عن هذه المشكلة خلال مشاركتها في اجتماع تأثير التنمية المستدامة لعام 2022، الذي عقده المنتدى الاقتصادي العالمي في سبتمبر (أيلول) الماضي بنيويورك. وتحدثت عن تطلعها للانتقال في القمة المقبلة من التعهدات إلى التنفيذ.
ما طرحته المشاط خلال المنتدى بلهجة هادئة، عبّر عنه قادة أفارقة بلهجة غاضبة في مؤتمر كينشاسا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو من المؤتمرات التحضيرية لقمة المناخ، حيث عبّر رؤساء السنغال والكونغو الديمقراطية ونيجيريا عن غضبهم من ضعف تمويل برامج التكيف المناخي، في وقت تطالبهم فيه الدول المتقدمة بالتخلي عن إنتاج الوقود الأحفوري في بلادهم.
وخلال مؤتمر صحافي افتراضي نظّمه - قبل أيام - المكتب الإعلامي الإقليمي في دبي، التابع لوزارة الخارجية الأميركية، عبّر جون كيري مبعوث الرئيس الأميركي لشؤون المناخ عن تفهمه للغضب الأفريقي.
وقال إن معظم انبعاثات الكربون ناجمة عن 20 دولة هي الأكثر تقدماً في العالم، بينما تضم أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى نحو 48 دولة مسؤولة عن نسبة لا تتجاوز 0.55 في المائة من تلك الانبعاثات، و3 في المائة لكل القارة، ومع ذلك، فهي من أكثر الدول المعرضة لخطر التغير المناخي في العالم.
وأضاف أنه من أجل ذلك، فإن الولايات المتحدة ضاعفت التمويل المخصص للتكيف مع تغير المناخ، وتم تخصيص 12 مليار دولار على مدى 5 سنوات، و3 مليارات دولار هذا العام.
هذا التمويل الذي أعلنت عنه الولايات المتحدة، يرى حسن أبو النجا، المدير التنفيذي للشبكة العربية للتنمية المستدامة، أنه أقل بكثير من المطلوب، إذ تبلغ التقديرات الأخيرة لتمويل أهداف المناخ للدول النامية 6 تريليونات دولار حتى عام 2030، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
ويتوجس أبو النجا من أنه «مع ارتفاع معدلات التضخم عالمياً، وانخفاض الإيرادات، والاضطرابات السياسية في كثير من الأحيان، فإن العثور على هذا النوع من المال يبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى».


مقالات ذات صلة

الحكومة البريطانية تعلن حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا

أوروبا امرأة تركض بالقرب من مساحة عشبية جففتها الشمس في حديقة فيكتوريا في لندن يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)

الحكومة البريطانية تعلن حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا

أعلنت الحكومة البريطانية، الخميس، حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا، عازية ذلك إلى «فترة غير مسبوقة من الأحوال الجوية المتطرفة».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «إيني» الإيطالية (رويترز)

«إيني» الإيطالية: على الاتحاد الأوروبي تعليق نظام تداول انبعاثات الكربون

قال كلاوديو ديسالزي الرئيس التنفيذي لشركة «إيني»، الأربعاء، إن على الاتحاد الأوروبي تعليق نظام تداول انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد صهاريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في منشأة هامرفست بالنرويج (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يؤجل تطبيق قواعد الميثان على واردات النفط والغاز لمدة عام

اقترحت المفوضية الأوروبية، الأربعاء، تأجيل تطبيق قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بانبعاثات الميثان الناجمة عن واردات النفط والغاز لمدة عام واحد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا المفوض الأوروبي للمناخ والحياد الكربوني والنمو النظيف فوبكه هوكسترا (يسار) ووزيرة المناخ والطاقة والمرافق الدنماركية سميرة ناوا خلال اجتماع مجلس البيئة الأوروبي في لوكسمبورغ يوم 12 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يدعو لتسريع التحوّل إلى الطاقة النظيفة قبيل قمة المناخ

دعا الاتحاد الأوروبي إلى تسريع الانتقال للطاقة النظيفة واتخاذ تدابير مناخية عاجلة، مع ترجيح تجاوز الاحترار عتبة 1.5 درجة مئوية هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لوكسمبورغ)
أوروبا مزارع يشرب الماء أثناء استراحة عمل لحصاد محصول ذرة تضرر جراء نقص الأمطار في تيكولوكا بمقاطعة سان فيسنتي - السلفادور (أ.ف.ب)

«إلنينيو» تدفع نحو حرارة قياسية في منطقة رئيسية بالمحيط الهادئ

أدت ظاهرة «إلنينيو» المناخية إلى ارتفاع درجات الحرارة في منطقة رئيسية من المحيط الهادئ إلى مستويات غير مسبوقة هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» (باريس)

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».