«داعش» في منظور هيغل وفلسفة التاريخ

«داعش» في منظور هيغل وفلسفة التاريخ
TT

«داعش» في منظور هيغل وفلسفة التاريخ

«داعش» في منظور هيغل وفلسفة التاريخ

لماذا يظهر الفلاسفة الكبار في التاريخ؟ ولماذا ظهروا في أوروبا ولم يظهروا في العالم العربي أو الإسلامي؟ كان ديكارت أول فيلسوف كبير يظهر في أوروبا إبان القرن السابع عشر، وقد أغلق فلسفة القرون الوسطى كما هو معلوم، ودشّن الفلسفة الحديثة. ثم تلاه تلميذه سبينوزا في أواخر القرن ذاته. وكذلك لايبنتز ومالبرانش صاحب كتاب «البحث عن الحقيقة». ثم في القرن الثامن عشر ظهر فلاسفة الأنوار الكبار: فولتير، وديدرو، وروسو، وكانط، إلخ. ثم في القرن التاسع عشر ظهر فلاسفة كبار أيضاً من أمثال: هيغل، وماركس، وفرويد، ونيتشه، إلخ. وفي القرن العشرين ظهر بعض الكبار أيضاً وعلى رأسهم هيدغر وكارل بوبر وفتغنشتاين، وهابرماس الذي لا يزال حياً حتى الآن بعد أن تجاوز التسعين. والسؤال المطروح هنا هو: لماذا لم يظهر مفكر عربي أو مسلم كبير واحد؟ آخر فيلسوف ظهر كان ابن رشد الذي مات في أواخر القرن الثاني عشر عام 1198. وقد كان فقيهاً لاهوتياً بقدر ما كان فيلسوفاً وربما أكثر. ينتمي إلى الفضاء العقلي للقرون الوسطى وليس الفضاء الذي دشنته الحداثة. وهذا يعني أن الحداثة التنويرية من صُنع فلاسفة الغرب لا الشرق ولا علاقة للعالم العربي بها. على مدار 400 أو 500 سنة كانت أوروبا موطن الفلسفة ومرتعها، وكذلك العلم بالمعنى الفيزيائي الرياضي البيولوجي للكلمة. ولهذا السبب تفوقت أوروبا على العالم الإسلامي وخلّفته وراءها بسنوات ضوئية.
لنتوقف عند بعض المحطات الفلسفية الكبرى وأولها كانط، مؤسس الحداثة الفلسفية بامتياز بعد ديكارت. فكتابه «نقد العقل الخالص» الذي ظهر عام 1781 يقسم تاريخ الفلسفة إلى قسمين؛ ما قبله وما بعده. وعندما ظهر الكتاب لأول مرة كان مليئاً بالمصطلحات العويصة، والغموض، والعسر العسير. ولم تظهر أهمية الكتاب وعظمته إلا بشكل تدريجي. في الواقع إن كانط كان يريد أن يضع حداً لتيارين فلسفيين سائدين في عصره: التيار الدوغمائي الميتافيزيقي ذي اليقينيات القطعية النهائية التي لا تقبل النقاش، والتيار الارتيابي الشكوكي الذي لا يثق بأي شيء. فهذان التياران أثبتا فشلهما بعد أن انخرطا في مناقشات عقيمة حول أسئلة ميتافيزيقية غيبية لا طائل من ورائها. في هذه اللحظة بالذات ظهر كانط لكي يفتح للفلسفة أفقاً جديداً، ولكي يجعلها مفيدة لتقدم الجنس البشري. وهنا تكمن عظمة هذا الفيلسوف وأهميته. فهو يرى أن الشيء الأساسي الذي حصل في عصره هو ازدهار العلم الطبيعي الفيزيائي الرياضي: أي علم نيوتن القائم على التجريب واكتشاف القوانين التي تمسك الكون وبالأخص قانون الجاذبية. وبالتالي فلم نعد قادرين على التفلسف بشكل ميتافيزيقي –أي غيبي ما ورائي- بعد ظهور علم نيوتن. فالفلسفة منذ الآن فصاعداً ينبغي أن تكون تفكيراً حول العلم ونتائجه ومناهجه، وليست تهويماً في فراغات الميتافيزيقا والثرثرات المجانية الفارغة التي لا ترتكز على أي شيء محسوس أو ملموس. وهذا يعني أننا لم نعد قادرين على قول أي شيء كما كان يفعل الخطاب الفلسفي العمومي السابق، وإنما ينبغي أن يتوافق كلام الفلسفة مع كلام العلم الذي هو وحده الموثوق واليقيني والتجريبي. بمعنى آخر، لقد انتهى العهد الذي كنا نقول فيه كل شيء عن اللاشيء، أو اللاشيء عن كل شيء. لقد أحدث كانط (1724 - 1804) ثورة كوبرنيكية في مجال الفلسفة تشبه الثورة التي أحدثها كوبرنيكوس في مجال علم الفلك. فكما أن كوبرنيكوس قال بدوران الأرض حول الشمس وليس العكس، فإن كانط قال بضرورة دوران الفلسفة حول العلم التجريبي وليس العكس. فالعلم الفيزيائي - الرياضي الذي يكتشف قوانين الطبيعة هو أساس المعرفة وهو القادر على استكشاف أسرار الكون.
أما المحطة الكبيرة الثانية في تاريخ الفلسفة فهي بالطبع: هيغل الذي جاء بعد كانط مباشرةً (1770 - 1830)، فهو الذي قال لنا إن الفلسفة تعني القبض على الواقع من خلال الفكر. إنها تعني حل مشكلة الواقع العويصة. ولكن ما علاقة اللاهوت (أو علم الدين) بالفلسفة. وكيف يمكن أن نصالح بينهما؟ كان اللاهوتيون المسيحيون والمسلمون في القرون الوسطى يقولون إن الحقيقة المطلقة للدين تتعارض مع الحقائق المصغَّرة أو اللايقينية للعقل. بل يستسخفون حقائق هذه الحياة الدنيا العابرة والزائلة. كان والدي يقول لي: كل علوم الدنيا لا تساوي قشرة بصلة أمام العلم الإلهي أو علم التوحيد. وبالتالي فلا داعي للسفر إلى باريس والركض وراء الأوهام والضلالات، ناهيك بالحسناوات والغاويات... كان يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة التي لا حقيقة بعدها. كل الشيوخ يعتقدون ذلك. ولهذا السبب استسخف شيوخ السلطنة العثمانية، الذين تحكّموا برقابنا طيلة 400 سنة متواصلة، كل العلوم الوضعية الدنيوية التجريبية وعدّوها غير ذات قيمة؛ بل تطاولاً على القدرة الإلهية، ومنعوا ترجمتها ما عدا كتاباً واحداً في الطب لأن السلطان كان مصاباً بمرض جنسي. لماذا الاهتمام بكل هذه السخافات التي تُبعد عن الله؟ ثم استفقنا فجأة على التأخر المريع الذي يفصلنا عن أوروبا. صحِّ النوم!
كما أنه يمكن للفيلسوف أن يستشرف حركة التاريخ في المستقبل، أي إنه يتنبأ بما سيحصل بعد عشرين أو خمسين أو مائة سنة أو حتى أكثر. جان جاك روسو تنبأ باندلاع الثورة الفرنسية قبل اندلاعها بثلاثين سنة على الأقل. والمدهش أنه تنبأ بها بعبارات دقيقة جداً. وكانط تنبأ في كتابه «السلام الدائم بين الأمم» بظهور منظمة الأمم المتحدة قبل ظهورها الفعلي بـ150 سنة على الأقل. كان ذلك على يد تلميذه المعجب به جداً الرئيس الأميركي المحترم وودرو ويلسون. ونيتشه تنبأ بالحروب العالمية في أوروبا قبل اندلاعها بنصف قرن على الأقل في وقت كانت فيه أوروبا مزدهرة جداً ومستقرة ولا شيء ينبئ بأنها ستشهد انفجار الزلازل والبراكين. وهذا يعني أن الفلاسفة الكبار يمتلكون حاسة سادسة ترى ما لا يُرى بالعين المجردة. لهذا السبب يصعب أن يظهر مفكر حقيقي في التاريخ. ليس في كل يوم يظهر فيلسوف كبير! فلتة من فلتات الزمان.
كان هيغل يقول: التاريخ عقلاني بالكامل على الرغم من المظاهر الخادعة التي تقول العكس، وكل الظواهر اللاعقلانية الهائجة والتجليات الفوضوية والأحداث الإجرامية التي قد تحدث فيه. حتى «داعش» كان هيغل قادراً على تفسيرها عقلانياً! عندما طرحت عليه السؤال شخصياً قال لي بالحرف الواحد: «داعش» سوف تسرع من حركة التاريخ عندكم. «داعش» قدمت أكبر خدمة للتنوير العربي الإسلامي دون أن تدري ودون أن تريد بالطبع. الظلمات الداعشية والوحشيات الداعشية والمجازر الداعشية سوف تُحدث رد فعل عكسياً هائلاً يؤدي إلى استئصال «داعش» وأخواتها جميعاً. بل ليس فقط استئصال «داعش» وإنما استئصال كل الفكر الأصولي الظلامي المهيمن عليكم منذ ألف سنة تقريباً والذي أدى إليها وفرَّخها. ثم أردف قائلاً هذه الكلمات الجوهرية: أعلم أنه لا يمكن تجاوز الفهم الظلامي للدين قبل المرور به والاحتراق بحر ناره. هذا ما حصل عندنا في أوروبا أيضاً. وهذا ما هو حاصل عندكم الآن مع اللحظة الداعشية. وبالتالي فـ«داعش» تمثل أكبر حظ للفكر العربي. «داعش» قدمت لكم أكبر خدمة أيها العرب دون أن تدروا، فلولا فظائعها غير المسبوقة لما استطعتم أن تطرحوا سؤالاً واحداً على تراثكم الديني. ولما استطاع التنوير العربي أن يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام. وهذا ما دعوته بمصطلح شهير دوَّخ العقول: مكر العقل في التاريخ! ولكنه مكر من أجل الخير لا من أجل الشر.
نقطة أخيرة: الفلاسفة الكبار من وزن ديكارت أو روسو أو كانط أو هيغل أو نيتشه، إلخ، هم عبارة عن ظهورات في التاريخ. ولذلك فهم نادرون جداً ويعدّون على أصابع اليد الواحدة في كل قرن أو قرنين. وما إن يظهر الفيلسوف الكبير حتى يشعر الناس بأن شيئاً ما قد حصل، الأفق المسدود قد انفتح، وعقدة التاريخ قد حُلّت، وأساريره قد انفرجت. وهكذا يتنفس التاريخ الصعداء بعد طول تأزم واحتقان. فمثلاً الألمان عندما ظهر كانط بين ظهرانيهم شعروا بذلك وهدأ روعهم واطمأنوا. عرفوا أنهم وصلوا إلى الحقيقة الغائبة والمنهج الفلسفي الرصين المؤدي إلى درب الخلاص. ما عادوا خائفين على مستقبلهم. وقُلْ الأمر ذاته عن ديكارت عند الفرنسيين الذي قدم لهم الكتاب المنقذ: «مقال في المنهج». إنه بطل حقيقي أنقذ ليس فقط فرنسا وإنما كل أوروبا. نفس الشيء يمكن أن يقال عن هيغل. وأما العرب فلا ظهورات ولا من يحزنون... لا يوجد مفكر واحد قادر على أن يفهم ما الذي يحصل الآن بالضبط: أي في عمق العمق. كلنا نلفّ على أنفسنا وندور في حلقة مفرغة تائهة. لولا هيغل لما فهمنا شيئاً. كلنا نتخبط في عصر هائج مائج... وذلك لأنه تنقصنا شخصيات فكرية لا أقول في حجم ديكارت أو جان جاك روسو أو كانط أو هيغل أو نيتشه، إلخ، فهذا مستحيل، وإنما في حجم تلامذتهم أو على الأقل تلامذة تلامذتهم!


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مهرجان «أيام سوق الحَبّ» يُرسّخ مكانة السوق التاريخية في المشهد الرمضاني

مشهد من مهرجان «أيام سوق الحَبّ» المُقام في الدمام شرق السعودية (الشرق الأوسط)
مشهد من مهرجان «أيام سوق الحَبّ» المُقام في الدمام شرق السعودية (الشرق الأوسط)
TT

مهرجان «أيام سوق الحَبّ» يُرسّخ مكانة السوق التاريخية في المشهد الرمضاني

مشهد من مهرجان «أيام سوق الحَبّ» المُقام في الدمام شرق السعودية (الشرق الأوسط)
مشهد من مهرجان «أيام سوق الحَبّ» المُقام في الدمام شرق السعودية (الشرق الأوسط)

في أجواء احتفالية تعكس الأجواء الرمضانية، وتنشيط الأسواق الشعبية وتعزيز حضورها لكونها مواقع تجمع بين البُعد التراثي والاقتصادي والاجتماعي، يشهد وسط الدمام، منذ مساء الاثنين، فعاليات النسخة السادسة من مهرجان «أيام سوق الحَبّ»، الذي تنظمه أمانة المنطقة الشرقية في سوق الحَبّ (سوق الدمام).

ويعود مهرجان «أيام سوق الحَبّ»، الذي يُقام خلال شهر رمضان المبارك، ليضيف إلى المشهد الرمضاني طابعاً تراثياً مميزاً، خصوصاً بالنسبة إلى هذه السوق التي تجتذب آلاف المتبضِّعين في ليالي الشهر لشراء حاجات رمضان والعيد.

شعار مهرجان «أيام سوق الحَبّ» بالدمام (الشرق الأوسط)

وشهد المهرجان في حفل الانطلاق حضوراً لافتاً من الأهالي والزوار الذين تفاعلوا مع الفعاليات التراثية والترفيهية والأنشطة والفقرات المتنوّعة الموجَّهة إلى جميع أفراد الأسرة، وحظيت بإعجابهم.

يأتي تنظيمه امتداداً للنجاحات التي حقَّقتها نسخه السابقة، بعدما أصبح من أبرز الفعاليات المجتمعية التي تستقطب الأهالي والزوار، وتعيد إبراز «سوق الحَبّ» أحدَ أهم المعالم التاريخية في الدمام.

تقع السوق في وسط مدينة الدمام، وتمثّل أزقةً تتفرَّع من الشارع الرئيسي، تضمّ في داخلها عشرات المحلات المتراصّ بعضها إلى جوار بعض، والتي توفّر جميع حاجات العائلة. وكانت السوق قديماً، والتي اشتُقَّ اسمها من «الحَبّ» بمعنى الحبوب الغذائية، تُمثّل تجمُّعاً للتجّار والحرفيين الذين وفدوا إليها من شرق السعودية ودول الخليج، وأصبح مكاناً لتجّار القماش والذهب والمجوهرات والملابس الجاهزة والجلديات والمستلزمات النسائية والعطور وغيرها.

من مهرجان «أيام سوق الحّبَ» بالدمام (الشرق الأوسط)

ويندرج المهرجان ضمن جهود الأمانة في تفعيل المواقع التاريخية واستثمارها عبر مبادرات منظَّمة تُسهم في تنشيط الحركة في المنطقة المركزية، إذ تُمثّل الأسواق الشعبية جزءاً أصيلاً من ذاكرة المدينة وهويتها، إلى جانب دورها في دعم الأنشطة التجارية والحرفية وخلق بيئة جاذبة للأهالي والزوار. ويؤكد استمراره للعام السادس حرص أمانة المنطقة الشرقية على استدامة الفعاليات النوعية التي تحافظ على مكانة الأسواق الشعبية ضمن المشهد الحضري للمدينة.

جمهور غفير شهد فعاليات النسخة السادسة من المهرجان في الدمام (الشرق الأوسط)

ويهدف مهرجان «أيام سوق الحَبّ» إلى توفير مساحة منظَّمة لفعاليات تُلبّي اهتمامات مختلف الفئات العمرية، بما يعزّز التفاعل المجتمعي ويبرز الموروث الثقافي في إطار حديث يواكب التطوير والتنظيم، ويُسهم في تحفيز الحركة التجارية وتعزيز حضور السوق وجهةً مجتمعيةً نابضةً بالحياة.


نجم عملاق يقترب من نهايته... هل نشهد انفجاراً كونياً وشيكاً؟

تحوّل في اللون... وربما في المصير (المرصد الوطني لأثينا)
تحوّل في اللون... وربما في المصير (المرصد الوطني لأثينا)
TT

نجم عملاق يقترب من نهايته... هل نشهد انفجاراً كونياً وشيكاً؟

تحوّل في اللون... وربما في المصير (المرصد الوطني لأثينا)
تحوّل في اللون... وربما في المصير (المرصد الوطني لأثينا)

أظهرت دراسة حديثة أنَّ أحد أضخم النجوم المعروفة على مستوى الكون مرَّ بتحولات دراماتيكية عام 2014، وربما يتهيَّأ للانفجار.

وكشفت الدراسة، التي أجراها غونزالو مونزو سانشيز من المرصد الوطني بأثينا، ونقلتها «الإندبندنت» عن دورية «نيتشر أسترونومي»، أنّ النجم العملاق «WOH G64» تحوَّل من عملاق أحمر إلى عملاق أصفر أكبر، الأمر الذي قد يكون مؤشّراً على انفجار مستعر أعظم وشيك.

وتوحي الأدلة المتاحة بأننا ربما نعاين، في الوقت الحقيقي، نجماً ضخماً يفقد طبقاته الخارجية، ويتقلَّص حجمه مع ارتفاع درجة حرارته، ويقترب من نهاية عمره القصير.

نجم فريد من نوعه

رصد العلماء «WOH G64» للمرة الأولى في سبعينات القرن الماضي، وبدا حينها نجماً مثيراً للاهتمام داخل «سحابة ماجلان الكبرى»؛ مجرّة قزمة تدور حول مجرّتنا «درب التبانة».

ومع الوقت، اتّضح أنّ هذا النجم لم يكن شديد اللمعان فحسب، وإنما كان أيضاً من أكبر النجوم التي اكتُشفت على الإطلاق، إذ يزيد نصف قطره على 1.500 ضعف نصف قطر الشمس.

عام 2024، أصبح «WOH G64» أول نجم خارج مجرّتنا يُصوَّر بتفاصيل دقيقة، بفضل مقياس التداخل التابع للتلسكوب العملاق جداً. وأظهرت الصورة غلافاً غبارياً واضحاً يحيط بالنجم العملاق المركزي، ممّا أكَّد أنه يفقد كتلته مع تقدّمه في العمر.

من العملاق الفائق إلى العملاق الهائل... يبقى الحجم ضخماً

يُعدُّ «WOH G64» نجماً فتياً في الكون الفسيح، ويُقدَّر عمره بأقل من 5 ملايين سنة. وعلى عكس شمسنا (البالغ عمرها حالياً نحو 4.6 مليار سنة)، فإنّ «WOH G64» مُقدَّر له أن يعيش حياةً قصيرةً ويموت في ريعان شبابه.

كأنَّ الكون يبدّل جلده (غيتي)

يُذكر أنّ «WOH G64» وُلد ضخماً، وتشكَّل من سحابة هائلة من الغاز والغبار انهارت حتى تسبب الضغط الهائل في اشتعالها. ومثل شمسنا، كان من المفترض أن يحرق الهيدروجين في نواته من خلال الاندماج النووي.

وفي وقت لاحق، يتمدَّد ويحرق الهيليوم، ليُصبح ما يُسمى بالعملاق الأحمر الفائق.

يُذكر أنه ليست جميع النجوم العملاقة الفائقة تتحوَّل بالطريقة نفسها. وقد طُرحت نظرية مفادها أنَّ هذه النجوم تتشكَّل عندما تحترق النجوم الضخمة بسرعة وتتطوَّر من حرق الهيدروجين إلى حرق الهيليوم.

وخلال هذا التحوُّل، تبدأ النجوم في فقدان طبقاتها الخارجية، في حين تنكمش نواتها نحو الداخل. وبمجرَّد أن يُصبح النجم عملاقاً فائقاً، فإنه يكون مُقدَّراً له أن يموت سريعاً في انفجار مستعر أعظم.

ما الذي يتسبَّب بهذا التغيير الملحوظ في «WOH G64»؟

إذن، ماذا حدث لـ«WOH G64» خلال عام 2014؟ تقترح الدراسة الجديدة أنّ جزءاً كبيراً من سطح النجم العملاق الأصلي قد قُذف بعيداً عنه. وقد يكون ذلك نتيجة تفاعلات مع نجم مرافق، وهو ما دعمه الباحثون من خلال دراسة طيف الضوء الصادر عن «WOH G64».

وثمة نظرية أخرى في هذا الصدد تفيد بأنَّ النجم على وشك الانفجار. نعلم أنَّ النجوم بهذا الحجم ستنفجر حتماً، لكن من الصعب تحديد موعد حدوث ذلك بدقة مسبقاً.

ويتمثَّل أحد السيناريوهات المُحتملة في أنَّ التحوُّل الذي نشهده ناتج عن مرحلة «الرياح العملاقة» التي تسبق انفجار المستعر الأعظم. ويُفترض أنَّ هذه المرحلة تحدث بسبب نبضات داخلية قوية مع استهلاك الوقود في النواة بسرعة.

وحده الزمن كفيل بالإجابة

تعيش معظم النجوم لعشرات الملايين أو حتى لعشرات المليارات من السنوات. ولم يكن من المُسلَّم به قط أن نشهد هذا الكم الهائل من التحوّلات في نجم ونوثّقه، فضلاً عن نجم خارج مجرّتنا.

الزمن وحده كفيل بتقديم الإجابة. وإذا حالفنا الحظ، فقد نشهد موت «WOH G64» في حياتنا، وهو ما سيوفِّر مشهداً مدهشاً بين المجرات، وسيساعد العلماء أيضاً على إكمال لغز هذا النجم الفريد.


«ميمو» يسبح مطمئناً في فنيسيا... وعلى البشر الحذر!

يسبح حيث تكثر المراوح كأنَّ الطمأنينة خيارٌ شخصي (رويترز)
يسبح حيث تكثر المراوح كأنَّ الطمأنينة خيارٌ شخصي (رويترز)
TT

«ميمو» يسبح مطمئناً في فنيسيا... وعلى البشر الحذر!

يسبح حيث تكثر المراوح كأنَّ الطمأنينة خيارٌ شخصي (رويترز)
يسبح حيث تكثر المراوح كأنَّ الطمأنينة خيارٌ شخصي (رويترز)

أفاد باحثون بأنّ دولفين الأنف الزجاجي، الذي يعيش عادةً في عزلة، قد تأقلم جيداً مع الحياة في مياه المدينة. ومع ذلك، تبقى هناك حاجة إلى إقرار ضوابط أشدّ صرامة على حركة القوارب وسلوك البشر.

ووفق «الغارديان»، أكد علماء إيطاليون يتولّون مراقبة تحركات دولفين داخل بحيرة فنيسيا أنّ البشر هم مَن يحتاجون إلى الإدارة، وليس الحياة البرّية.

وشوهد دولفين الأنف الزجاجي، المعروف باسم «ميمو»، في مناسبات عدّة منذ ظهوره الأول في يونيو (حزيران) الماضي، ممّا دفع فريقاً بحثياً من جامعة بادوفا إلى التحرُّك.

وفي الوقت الذي نجح الحيوان في بثّ السعادة في نفوس السياح والسكان بقفزاته البهلوانية، أطلق نشطاء حقوق الحيوان والبيئة حملة «أنقذوا ميمو»، وسط مخاوف من تعرُّضه للدهس بمراوح القوارب التي تعبر البحيرة المزدحمة ذهاباً وإياباً.

اليوم، نشر العلماء دراسة في دورية «فرونتيرز إن إيثولوجي»، توضح تفاصيل أنشطة المراقبة التي اضطلعوا بها وتحرّكات الدولفين على مدى أشهر.

من جهته، قال كبير مؤلفي الدراسة، غيدو بيترولونغو، وهو طبيب بيطري متخصّص في علم الأمراض البيئية في قسم الطب الحيوي المقارن وعلوم الأغذية بجامعة بادوفا: «نقدّم هنا حالة أحد أكثر الحيوانات جاذبية في إحدى أكثر المدن شهرة: دولفين وحيد في فنيسيا».

في بحيرة مزدحمة بالحركة... يسبح «ميمو» كأنه خارج الإيقاع (أ.ب)

وأضاف أنّ الملاحظات التي دوّنها الفريق وثَّقت «تكيُّف الحيوان المذهل مع بيئة غير مألوفة»، مع الإضاءة على «ضرورة إدارة سلوك الإنسان لضمان سلامته».

يُذكر أنّ الدلافين القارورية الأنف تُعدّ أكثر أنواع الدلافين شيوعاً في المياه الإيطالية. ورغم أنها عادةً ما تتنقل في مجموعات، سُجِّلت حالات عدّة في السنوات الأخيرة لدلافين وحيدة في البحر الأدرياتيكي تغادر مجموعاتها وتتّجه نحو المناطق الساحلية أو الحضرية.

من جهته، رصد سائق تاكسي مائي يُدعى مانويل تيفي «ميمو» للمرة الأولى في 23 يونيو (حزيران) 2025. وصرَّح لصحيفة «كورييري ديلا سيرا» بأنّ الدلفين كان يسبح «مباشرةً أمام مقدّمة القارب»، مضيفاً أنّ سائقي التاكسي المائي يُبلغون عن مشاهدات الدلفين لتحذير الناس وتنبيههم إلى ضرورة الحذر، «لكن يبدو أنّ الحيوان لا يشعر بالخوف»، وفق قوله.

منذ رصد تيفي للدلفين، يعكف العلماء على مراقبته من القوارب أسبوعياً، بدعم من سلطات المدينة والمواطنين، ولاحظوا تنقّله من الطرف الجنوبي لبحيرة فنيسيا إلى الطرف الشمالي، حيث لا يزال موجوداً اليوم.

وقال بيترولونغو: «رصد الدلافين القارورية الأنف في المناطق الحضرية ليس بالأمر المفاجئ، فهي ثدييات بحريّة شديدة التكيُّف وانتهازية»، مضيفاً أن «(ميمو) يبدو بصحة جيدة ويُشاهد بانتظام وهو يتغذَّى على أسماك البوري».

تاريخياً، لطالما استوطنت الدلافين بحيرة فنيسيا وتكيَّفت مع الحياة فيها.

ورغم أنّ سلوك «ميمو» منذ وصوله كان «نموذجياً بالنسبة إلى هذا النوع»، فإنّ البشر يمثّلون مشكلة، وفق العلماء، إذ يكمن الخطر الأكبر في تصرّفاتهم غير اللائقة تجاه الحيوان، خصوصاً من خلال القيادة المتهوِّرة للقوارب.

وأكد العلماء ضرورة اتخاذ تدابير للتحكُّم في السرعة والحفاظ على مسافة آمنة بين القوارب.

وفي هذا السياق، قال جيوفاني بيرزي الذي يدرس دلافين البحر الأدرياتيكي منذ 4 عقود: «الأمر غير المألوف حقاً ليس وجود الدلفين، وإنما الصعوبة المستمرّة التي يبدو أنّ البشر يواجهونها فيما يتعلّق باحترام هذه الحيوانات اليوم».

وأضاف: «علينا أن نُقدّر فرص التعايش مع الحياة البرّية والاستمتاع بها. تُظهر الوثائق التاريخية والمعاصرة بوضوح أنّ الدلافين رافقت الأنشطة البحريّة البشرية لآلاف السنوات، ومع ذلك لا نزال نُكافح من أجل التعايش معها بشكل لائق».