على هامش «الاستشراق»

إدورد سعيد... مؤسس الدراسات ما بعد «الكولونيالية» لا يمكن اختزاله في كتاب واحد

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد
TT

على هامش «الاستشراق»

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد

سيظلُّ إدوارد سعيد (مالئ الدنيا وشاغل الناس) حتى بعد ما يقرب من عقدين على رحيله. ليس في الأمر من مفارقة؛ فالرجل كان متعدد الاهتمامات، وكان يعوم في محيط تصبُّ فيه تيارات معرفية متعددة، فضلاً عن أنّه مؤسس - أو لنقُل المؤسس الأكبر إذا شئنا الدقة - لحقل الدراسات ما بعد الكولونيالية. الأهم من كل ذلك أنه كان يكتب بلغة الكولونياليين السابقين، ويخاطب العالم من قلب جامعة كولومبيا الأميركية التي هي أحد معاقل النخبوية الأكاديمية الأميركية. يمكن القول إن سعيد كان 10 رؤوس في جسد واحد. إن حياته وطفولته وشبابه ودراسته الأكاديمية، وعلى الشاكلة التي حكى عنها في كتاب مذكراته (خارج المكان)، كل ذلك يكشف عن حياة مكافحة أراد لها صاحبها اختراق الآفاق وعدم الركون إلى نموذج واحد مسبق.

نشرت دار الآداب اللبنانية، قبل أشهر قليلة، الترجمة الرابعة لكتاب «الاستشراق» (Orientalism) للراحل إدوارد سعيد، وهذا الكتاب هو بالتأكيد أيقونة سعيد التي نشرها أول مرة عام 1978، ثم أضاف لها فصلاً إضافياً (يسمّونه تذييلاً) في طبعات لاحقة. كان الإعلان عن الترجمة الجديدة - التي أنجزها الدكتور محمّد عصفور وقدّم لها تقديماً مطوّلاً الدكتور محمّد شاهين - مشوباً بنبرة احتفائية يُفهَمُ منها تحقيقُ انتصارٍ ساحق على المترجمين السابقين بالضربة القاضية، وواقع الأمر ينبئ بغير هذا. كان ممّا كتبه الدكتور شاهين في مقدّمته الاستقصائية للترجمة الجديدة: «لا بد في يومٍ من الأيام أن يحظى الاستشراق بترجمة ميسّرة تختزل كثيراً من الصعوبات التي يمكنُ أن يواجهها القارئ العربي...». سيعرف القارئ من هذه النبرة التبشيرية أنّ الترجمة الجديدة هي الوافية والكافية بموجبات تيسير وإشاعة مفاهيم «الاستشراق» بين القرّاء العرب كما أرادها سعيد. نعرف تماماً أن الدكتور كمال أبو ديب جعل من الترجمة الأولى للكتاب عام 1981 ميداناً تطبيقياً لبعض المناورات اللغوية البنيوية الثقيلة التي لا يستسيغها القارئ ولا موجب لها أصلاً، ثم جاءت ترجمة الدكتور محمد عناني عام 2006 وكانت مقبولة إلى حد كبير وتقدّم خريطة لأفكار الكتاب. قدّم كثيرون قراءات مهمّة وجديرة بالنظر بشأن الترجمة الجديدة، وأشيرُ على وجه التخصيص إلى المراجعة المهمّة التي قدّمها الدكتور حمزة بن قبلان المزيني، أستاذ اللسانيات في جامعة الملك سعود بالرياض، وجاءت بعنوان «ترجمة جديدة لكتاب الاستشراق»، ويمكن للقارئ أن يراجعها في مواقع عديدة منها موقع العربية الذي نشرها بتاريخ 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2022. تزامن نشر الترجمة الجديدة لكتاب «الاستشراق» مع نشر سيرة سعيد التي كتبها تلميذه في كولومبيا تيموثي برينان بعنوان «أماكن العقل»، الذي ارتأى عصفور أن يجعله «أماكن الفكر». نُشِرت الترجمة الجديدة موقّعة بإمضاء الدكتور محمد عصفور أيضاً. كنتُ آمل شخصياً، ولأسباب كثيرة تعزّزت لديّ بعد قراءتي المادة الثمينة التي كتبها الدكتور المزيني، أن أقرأ الترجمة الجديدة لكتاب «الاستشراق» بترجمة أنجزها الدكتور المزيني، ولم يتسنّ له نشرها لأسباب (لوجيستية) تتعلّق بحقوق الترجمة، وقد أفاض الرجل في شرح حيثيات هذا الأمر في موضوعه المشار إليه أعلاه.
سأتناول في فقرات تالية مساءلات تخصُّ شخصية سعيد مثلما تخص ترجمات كتابه «الاستشراق»، وهي مساءلات غير تقنية لا تختص بمعاينات أو تدقيقات ترجمية أو مفاهيمية عامة بقدر ما تتناول طبيعة الحراك الترجمي والفاعلية التي على أساسها نختار ما نترجمُ من كتب دون غيرها، ومن أجل كل هذا اخترت عنوان «على هامش الاستشراق» لهذه المادة:

1- لماذا لم يعمل سعيد على رعاية مشروع ترجمة عربية لكتابه «الاستشراق» عندما كان حياً؟ نعرف من قراءتنا التقديم المسهب الذي قدّمه فوّاز طرابلسي لترجمة مذكّرات سعيد الموسومة «خارج المكان» (Out of Place)، أن الترجمة نالت مباركة سعيد. لماذا لم يفعل سعيد الأمر ذاته مع كتاب «الاستشراق» مع علمنا بأن الطبعة الأولى منه كانت عام 1978؛ أي أن ربع قرن فصل بين نشر «الاستشراق» ووفاة سعيد؟ لو أنّ ترجمة عربية لكتاب «الاستشراق» نُشِرت بمباركة سعيد لبطُلت حمى التسابق في نشر ترجمات عربية جديدة له.
2 - هل من المُجدي - كسياسة ترجمية - أن نعيد ترجمة كتاب تُرجِم ثلاث مرات من قبلُ؟ يروّجُ الإعلان للترجمة الجديدة للكتاب أنّ هذه الترجمة تذلّلُ كثيراً من الصعوبات المفاهيمية المرتبطة بفهم إدوارد سعيد ومقاربته لموضوع الاستشراق ودراسات ما بعد الكولونيالية بعامة، وهنا أتساءل بصوت عالٍ: هل تستحقُّ بعض التوضيحات المطلوبة من جانب المترجم (سواء جاءت كهامش أسفل المتن، أم جاءت كمسرد تعريفي إضافي للكتاب) إعادة ترجمته؟ ألم يكن من الأجدى ترجمة كتاب (جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية) الذي أصدره الراحل عام 1966 وبقي غير مترجم حتى اليوم؟
3- كثيرٌ من المترجمين يستمدّ طاقة فعله والقوة الدافعة لعمله الترجمي من الطاقة المكنوزة في اسم من يترجمُ له. كثير من المترجمين يسعى لأن يقترن اسمه بترجمة إحدى الكلاسيكيات المشهودة في الثقافة العالمية. أخشى أن يكون إدوارد سعيد اسماً جاذباً تدورُ في أفلاكه الجهود الترجمية التي تسعى لاستمداد طاقتها التأثيرية من جاذبية اسمه، وهي جاذبية لا يمكن إغفالها.
4- كل كاتب أصيل له بصمته، وبصمة إدوارد سعيد لا أظنّ أن بوسع مترجم عربي مجاراتها من غير الوقوع في «مطبات هوائية» مشتبكة، وربما كانت مذكراته المترجمة «خارج المكان» مصداقاً على ما أقول. إدوارد سعيد عقلٌ لا يكف عن التفكير في الجزئيات الصغيرة: انظروا له وهو يتحدّثُ بضع ثوانٍ في فيلم «الآخر»، سترون أنّ الكلمات تتدفق من فمه مثل شلالات نياغارا. حتى الغربيون المتمرّسون في تفاصيل اللغة الإنجليزية كانوا يرون في سعيد موضوعاً يستحق مزيداً من البحث وليس من اليسير مجاراته أو تفنيد أطروحاته أو مضاهاة إنجليزيته الديناميكية المتدفقة.
5- قد يجد بعضنا أحياناً من خطأ صغير هنا أو هناك من ترجمة سابقة مسوّغاً لترجمة جديدة للعمل، وبخاصة إذا كان العمل يُصنّفُ في فئة الكلاسيكيات الفكرية. هنا أقولُ إنّ تلك الهفوات الترجمية الصغرى، ومتى ما ظلّت في نطاق المثالب الترجمية ولم تتجاوزها إلى الفضاء المفاهيمي، ليست حُجّة تتطلبُ إعادة ترجمة الكتاب. يمكنُ نشر موضوع يشيرُ إلى تلك «المثالب» الترجمية لكي يكون القارئ الشغوف على دراية بها. لن يكون في مستطاع الأكاديمي المتخصص سوى الرجوع إلى أصل العمل وقراءته بلغته الأصلية إذا شاء تحصيل المعرفة من منابعها الأصلية.
6 - نعرف أنّ كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد تناول نماذج من الكتابات الاستشراقية التي تدور في مدارات الثقافة الإنجلوفونية والفرنكوفونية والجرمانية (الألمانية). ماذا بشأن المدارس الاستشراقية الجديدة ومنها - مثلاً - المدرسة السويدية؟ أخشى أن يكون التركيز على الخطاب الاستشراقي بنسخة (إدوارد سعيد) دافعاً لتعضيد اللغة اليسارية الجديدة (الراديكالية) التي تغضُّ الطرف عن المستشرقين المنصفين من ذوي الضمائر النزيهة في العالم. علينا ألا ننسى أبداً أنّ سعيد تناسى كثيراً من الأسماء المهمّة التي لم تكن أدواتٍ في تعضيد أطروحته الاستشراقية التي جوهرها «أسطرة الشرق والشرقي عبر تعميم مظاهر فردية أو فئوية تبتكر صورة متخلفة عنه تسمحُ بترويج خطاب عن الشرق يهدف إلى الهيمنة عليه ...».
7- ليس من السياسة الترجمية الناجحة أن نغضّ الطرف عن عشرات آلاف الكتب الجديدة في شتى الحقول المعرفية المهمّة، ثمّ نترجمُ كتاباً للمرة الرابعة حتى لو كان إحدى كلاسيكيات المعرفة الممهورة بتوقيع الراحل الكبير إدوارد سعيد.
سأقولُ من واقع خبرة شخصية: إدوارد سعيد أكبر من كتاب «الاستشراق»، وليس في مستطاع أي ترجمة عربية أن تنقل لنا ثراء عقله وتخومه المعرفية، ومن أراد اللحاق بهذه التخوم فليس له سوى أن يقرأ سعيد بلغته الإنجليزية الدفّاقة. «لا يوجد طريق ملكي إلى الهندسة»؛ هكذا أخبَرَنا إقليدس، وعلى الشاكلة ذاتها يمكننا القول ليس ثمة من طريق يسير إلى عقل سعيد وإلى عقل كلّ منتج أصيل لأعمال صارت كلاسيكيات معتمدة في عصرنا. الترجمة المتقنة قد تكون مفتاحاً لمن يريد الاستزادة ومعاينة الأصول الفكرية في مثاباتها العليا؛ لكنها لن تكون خاتمة الطريق بل معالم استرشادية على جانبيه.



«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».