تركيا توقف إعلاميين من «الإخوان» في محاولة جديدة لتسريع التطبيع مع مصر

شاركوا في التحريض على التظاهر وإشاعة الفوضى وهز الاستقرار بالتزامن مع مؤتمر المناخ

الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب إردوغان (أ.ف.ب)
الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب إردوغان (أ.ف.ب)
TT

تركيا توقف إعلاميين من «الإخوان» في محاولة جديدة لتسريع التطبيع مع مصر

الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب إردوغان (أ.ف.ب)
الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب إردوغان (أ.ف.ب)

في الوقت الذي أعلنت القاهرة وقف مسار المحادثات الاستكشافية الخاصة بتحسين العلاقات مع أنقرة بسبب استمرار ممارساتها وعدم تغيير سياساتها في الملف الليبي، أقدمت السلطات التركية على خطوة عدها مراقبون بمثابة محاولة لإظهار الجدية في السير بتطبيع العلاقات مع مصر، على الرغم من البطء الشديد في المحادثات بين الجانبين.
وكشفت صفحات وحسابات قريبة من تنظيم «الإخوان المسلمين» في تركيا، وإعلاميين من القنوات التابعة له، عن توقيف السلطات التركية 34 «إخوانياً» شاركوا في دعوات إلى التظاهر في مصر في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، في محاولة لهز الاستقرار وإشاعة الفوضى خلال فترة انعقاد مؤتمر «التغيرات المناخية في شرم الشيخ» من 6 إلى 18 نوفمبر.
وحسب ما ورد على هذه الصفحات، تم إدراج هؤلاء على قوائم الترحيل من تركيا، بسبب خطورتهم على الأمن العام في البلاد بموجب ما يعرف بكود «جي 78»، حيث كانوا يستعدون لإطلاق قناة جديدة باسم «صرح» عبر تطبيق «تلغرام»، هدفها التحريض على الاحتجاجات وأعمال العنف والتخريب وإحداث فوضى في مصر، وارتباطهم مع قنوات أخرى بدأ «الإخوان» تأسيسها خارج تركيا في الأسابيع القليلة الماضية، منها قناتا «الشعوب» و«الحرية»، لتعويض التضييق في تركيا، التي لم يبق منها في إسطنبول، سوى قناتي «الشرق» و«وطن»، بينما رحلت قناة «مكملين» إلى لندن، كما منع العديد من مقدمي البرامج في قناتي «الشرق» و«مكملين» سابقاً من استئناف عملهم المذكور.
وتزامن ذلك، مع إعلان الحساب الرسمي للإعلامي «الإخواني»، حسام الغمري، رئيس التحرير السابق لقناة «الشرق» على «تويتر» مساء الجمعة - السبت، قيام الأمن التركي بالقبض عليه من داخل منزله، و«أن هناك أنباء عن ترحيله»، من دون تحديد الجهة التي سيرحل إليها. وبينما نشط الغمري في الفترة الأخيرة في الدعوة إلى الاحتجاجات والتحريض على إحداث الفوضى في مصر في 11 نوفمبر، إلى جانب مشاركته في الترويج لخروج مظاهرات احتجاجية عنيفة على حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، عقب مباراة كأس السوبر المصري، بين فريقي الأهلي والزمالك، التي أقيمت بمدينة العين الإماراتية ليل الجمعة، استغلالاً للتجمعات على المقاهي في القاهرة وأنحاء البلاد لمتابعة المباراة، أشارت عدد من الصفحات التابعة لـ«الإخوان» إلى أن القبض عليه لم يكن لهذا السبب، وإنما بسبب مخالفته شروط الإقامة القانونية في تركيا، التي يعيش فيها منذ أكثر من 8 سنوات.
لكن مصادر معنية بمتابعة حالات الموقوفين داخل التنظيم في إسطنبول استبعدت أن يتم ترحيله.
وكان الغمري كشف قبل القبض عليه، أن الأمن الوطني في مصر ألقى القبض على نجله الأكبر «يوسف» الذي يدرس بالسنة النهائية في كلية الهندسة، بسبب نشاطه الكبير في الدعوة إلى المشاركة في الاحتجاجات المزعومة في 11 نوفمبر.
وسبق أن أوقفت قناة «الشرق» برنامج «رؤية» الذي كان يقدمه الغمري، بطلب من السلطات التركية، كما منع ظهوره مجدداً على شاشات أو منصات إعلامية من إسطنبول، لعدم التزامه بتعليمات وقف الهجوم والتحريض على القيادات في مصر، لكنه واصل أيضاً عبر البث على مواقع التواصل الاجتماعي من دون اكتراث للتعليمات.
وفي إطار تقاربها مع القاهرة، عملت أنقرة على وقف الهجوم المكثف من قنوات «الإخوان» ومنصاتهم الإعلامية التي تحتضنها إسطنبول منذ عام 2013، عقب الإطاحة بحكم الرئيس الراحل محمد مرسي، وأوقفت برامج عدد من الإعلاميين، منهم معتز مطر ومحمد ناصر وحمزة زوبع والفنان هشام عبد الله، وحذرتهم من مخالفة تعليماتها، ثم قررت وقف بث قناة «مكملين» من إسطنبول، التي رحلت إلى لندن، لكن القاهرة لا تعتقد أن هذه الخطوة كافية أو تلبي مطالبها بالكامل، فأنقرة لا تزال ترفض تسليم قيادات التنظيم والعناصر الهاربة من أحكام قضائية والمتورطة في عمليات إرهابية، فضلاً عن الشروط الأخرى المتعلقة بالالتزام بمعايير القانون الدولي، ووقف التدخل في شؤون دول المنطقة.
وربط بعض الناشطين في أوساط «الإخوان المسلمين» والموالين للتنظيم في إسطنبول بين القبض على الغمري، وتغير توجهات السياسة التركية تجاه مصر في الفترة الأخيرة، معتبرين أنه يتم الآن «التضحية بالمعارضة في الخارج وقنواتهم لأن العلاقات بين الدول لا تتسم بالعداوة الدائمة أو الصداقة المستمرة». وانتقد هؤلاء حالة التشرذم وغياب أي مشروع لـ«الإخوان المسلمين» والصراعات داخل صفوف التنظيم التي انعكست في تفتته إلى جبهات في إسطنبول، أكثر من جبهة (جبهة محمود حسين وجبهة التغيير ومجموعات أخرى من الشباب المتصارعين مع القيادات التقليدية، وجبهة إبراهيم منير في لندن)، وظهور هذه الصراعات على السطح عبر القنوات والصفحات والمواقف التي أثرت على ثقة تركيا في المعارضة التي تستضيفها.
وتسير المحادثات بين مصر وتركيا حالياً على مستوى أجهزة الاستخبارات، كما أشار الرئيس رجب طيب إردوغان في تصريحات الشهر الماضي، لافتاً إلى أن تركيا «تأمل في أن يتم رفع المحادثات إلى مستوى أعلى».
ووقعت تركيا، التي تحتفظ بآلاف من قواتها وعناصر المرتزقة السوريين ولها قواعد برية وبحرية وجوية في ليبيا، الثلاثاء الماضي، مع حكومة الدبيبة اتفاقيتين تنص الأولى على رفع كفاءة قدرات الطيران الحربي في ليبيا بالاستعانة بالخبرات التركية، فيما تتضمن الثانية بروتوكولات تنفيذية لمذكرة التفاهم في مجال التعاون الأمني والعسكري الموقعة بين الرئيس التركي إردوغان، ورئيس «حكومة الوفاق الوطني» السابقة فائز السراج في إسطنبول في 27 نوفمبر 2019.
وجاء توقيع الاتفاقيتين بعد 3 أسابيع، فقط، من توقيع وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو مع نظيرته الليبية نجلاء المنقوش، مذكرة تفاهم تسمح بالتنقيب المشترك بين تركيا وطرابلس عن الموارد الهيدروكربونية (النفط والغاز الطبيعي) قبالة سواحل ليبيا في البحر المتوسط وداخل أراضيها، تنفيذاً لمذكرة التفاهم في مجال تعيين مناطق الصلاحية، وترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، التي وقعها إردوغان والسراج في إسطنبول في سنة 2019 مع مذكرة التفاهم في مجال التعاون الأمني والعسكري. وأثارت المذكرة، التي وقعت خلال زيارة لوفد تركي رفيع ضم وزراء الخارجية والدفاع والطاقة والموارد الطبيعية، ومسؤولين بالرئاسة التركية إلى طرابلس، ردود فعل غاضبة داخل ليبيا من جانب مجلس النواب وحكومة فتحي باشاغا المكلفة من جانبه، وعدد كبير من أعضاء مجلس الدولة، فضلاً عن اعتراض مصر واليونان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على توقيع حكومة الدبيبة هذه المذكرة، إذ لا يحق لها توقيع أي مذكرات تفاهم أو اتفاقيات بعد أن انتهت ولايتها في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021 بموجب خريطة الطريق الصادرة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي.


مقالات ذات صلة

مقترح مشروع قانون يصنف «النهضة» التونسية «تنظيماً إرهابياً»

شمال افريقيا راشد الغنوشي رئيس «حركة النهضة» التونسية (د.ب.أ)

مقترح مشروع قانون يصنف «النهضة» التونسية «تنظيماً إرهابياً»

أعلنت النائبة في البرلمان التونسي، فاطمة المسدي، إيداع مقترح قانون، اليوم الخميس، يصنف «حركة النهضة الإسلامية» التونسية «تنظيماً إرهابياً».

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل رؤساء الهيئات القضائية الجدد الثلاثاء (الرئاسة)

ذكرى «30 يونيو» في مصر... احتفاء بالاستقرار وسط الاضطرابات الإقليمية

احتفت أوساط رسمية وسياسية وبرلمانية في مصر بالذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو (حزيران) التي أطاحت بتنظيم «الإخوان»، المصنف «إرهابياً» في البلاد.

أحمد جمال (القاهرة)
تحليل إخباري مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

تحليل إخباري 13 عاماً على «30 يونيو» بمصر... «الإخوان» تخفت محلياً وتتقلص دولياً

بعد 13 عاماً من الإطاحة بحكم جماعة «الإخوان» في مصر خلال أحداث «30 يونيو» 2013، تدهورت أحوال التنظيم بشكل كبير سواء داخلياً أو خارجياً.

محمد الريس (القاهرة)
شمال افريقيا مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

تضييق فرنسي جديد على «الإخوان» يُعمّق الحصار الغربي للتنظيم

جاء قرار القضاء الفرنسي بحظر إقامة مؤتمر يتبع «جماعة الإخوان المسلمين» في مدينة نانت تعميقاً للحصار الغربي على التنظيم المحظور في عدد من الدول.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي مقر الإخوان محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

«توصيف أميركي» يزيد الخناق على «الإخوان»

تواجه جماعة «الإخوان المسلمين» تضييقاً أميركياً جديداً، بعد أن ربطت واشنطن بينها وبين تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة» و«داعش».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

وزير خارجية موريتانيا: مالي لم تتجاوب مع مقترحنا بإنشاء لجنة لمراقبة الحدود

وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوق (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوق (أ.ف.ب)
TT

وزير خارجية موريتانيا: مالي لم تتجاوب مع مقترحنا بإنشاء لجنة لمراقبة الحدود

وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوق (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوق (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الموريتاني، محمد سالم ولد مرزوق، إن بلاده سعت لدى جارتها مالي لتشكيل لجنة مشتركة لمراقبة الحدود، للمساهمة في وقف الهجمات التي تستهدف المدنيين الموريتانيين داخل أراضي مالي، غير أنها لم تتجاوب معها.

وأوضح ولد مرزوق في مقابلة نشرتها اليوم السبت صحيفة «جون أفريك» الصادرة في باريس، أن موريتانيا فقدت «عدداً كبيراً من الأرواح البريئة» على حدودها مع مالي خلال السنوات الأخيرة، وأعربت عن أسفها لاستمرار تكرار هذه الحوادث، مؤكداً أنها لا تزال متمسكة بمقترح إنشاء آلية تنسيق مشتركة مع باماكو لتعزيز أمن الحدود.

وقال الوزير الموريتاني إن بلاده اقترحت تشكيل لجنة تضم وزراء الخارجية والدفاع والداخلية وقادة الأجهزة الأمنية في البلدين، بهدف تنسيق الجهود الأمنية، والحد من الحوادث على الشريط الحدودي الممتد لنحو 2230 كيلومتراً، إلا أن السلطات المالية لم تتجاوب مع المبادرة حتى الآن، دون أن تتضح أسباب ذلك.

وأضاف ولد مرزوق موضحاً أن استقرار العلاقات مع دول الجوار، وفي مقدمتها مالي والسنغال والمغرب والجزائر، يمثل ركيزة أساسية لضمان الأمن في المنطقة، مشدداً على أن مواجهة التحديات الأمنية والتنموية وتداعيات التغير المناخي تتطلب تعاوناً إقليمياً أوسع في إطار «مسار نواكشوط».

كما كشف ولد مرزوق أن موريتانيا تجري مشاورات مع عدد من الدول الأفريقية لإطلاق آلية تعاون إقليمي جديدة، لافتاً إلى أن مؤتمراً كان مقرراً عقده في نواكشوط تأجل بسبب التوترات الدولية. وأضاف أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تنجح بجهود دولة واحدة، مشيراً إلى أن منطقة الساحل أصبحت من أكثر مناطق العالم تأثراً بالهجمات الإرهابية.

ورداً على اتهامات رئيس المرحلة الانتقالية في مالي، عاصيمي غويتا، لموريتانيا بإيواء عناصر من «جبهة تحرير أزواد»، نفى الوزير أن يكون هذا الملف قد طرح خلال لقاءاته مع المسؤول المالي، مؤكداً أن استقرار مالي يصب في المصلحة المباشرة لموريتانيا، ولا يمكن لنواكشوط أن تعمل على تقويضه.

وفي الشأن الدولي، قال ولد مرزوق إن زيارة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى فرنسا عززت الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وأسفرت عن توقيع اتفاقيات في مجالات الأمن الغذائي والطاقة والتكنولوجيا والتكوين المهني والتعليم.

وبخصوص الهجرة، أكَّد وزير الخارجية أن موريتانيا تعتمد مقاربة تجمع بين الحزم والبعد الإنساني، وترفض أن تكون منصة لشبكات تهريب المهاجرين، كما شدَّد على أن بلاده لن تقبل القيام بدور «حارس حدود» لصالح أوروبا.


الصمغ العربي السوداني... ثروة تنزف بين الحرب والنزوح

مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)
مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)
TT

الصمغ العربي السوداني... ثروة تنزف بين الحرب والنزوح

مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)
مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)

أخرجت الحرب آلاف منتجي الصمغ العربي من مناطقهم، ودمرت مساحات واسعة من غابات الهشاب والطلح، بينما تحولت إحدى أهم السلع الاستراتيجية التي يتصدر السودان إنتاجها عالمياً إلى محور تحذيرات دولية من استغلال عائداتها في تمويل الصراع. وبينما يواجه العالم معضلة تتبع تجارة الصمغ العربي، يعيش المنتجون السودانيون مأساة مختلفة، بعد أن فقدوا أراضيهم ومحاصيلهم ومصادر رزقهم، لينتقل كثير منهم من الإنتاج إلى النزوح والاعتماد على المساعدات الإنسانية.

تعمل عايدة حسن في إنتاج الصمغ العربي بولاية النيل الأزرق منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وهي مهنة توارثتها أسرتها جيلاً بعد جيل. وبفضل عائداتها المجزية تمكنت الأسرة من ادخار الأموال والتوسع في زراعة الغابات ومزارعها، قبل أن تقلب الحرب حياتها رأساً على عقب، وتحولها من منتجة تعتمد على عملها إلى نازحة تنتظر المساعدات الإنسانية.

وتقيم عايدة منذ عام ونصف عام في أحد مراكز إيواء النازحين بمدينة الدمازين بولاية النيل الأزرق، ضمن مئات الأسر التي تعتمد على مساعدات إغاثية محدودة تصل على فترات متقطعة. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذه المهنة توارثناها أباً عن جد، ولا نعرف غيرها، كنا نوفر منها المال ونتوسع في مزارعنا، لكن حياتنا تبدلت ودخلنا دائرة الفقر».

مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)

تروي عايدة أن رحلة نزوحها بدأت عقب اقتحام «قوات الدعم السريع» لمنطقة بوط بولاية النيل الأزرق، حيث تعرض محصول الأسرة وآلياتها الزراعية وممتلكاتها للنهب، ما اضطرها إلى السير مع أفراد عائلتها عشرة أيام متواصلة للوصول إلى مدينة الدمازين هرباً من القتال. وتضيف بصوت خافت: «ما نعيشه الآن قطعة من نار، وليس لي غير دموعي لأطفئ بها حرارتها».

ولا تمثل قصة عايدة حالة فردية، بل تعكس واقع آلاف المنتجين الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة حزام الصمغ العربي الممتد عبر ثلاث عشرة ولاية سودانية. ويتركز الجزء الأكبر من الإنتاج في إقليمي كردفان ودارفور، إلا أن مساحات واسعة منهما أصبحت تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» أو تحولت إلى مناطق مواجهات عسكرية، الأمر الذي أدى إلى توقف الإنتاج في كثير من المناطق ونزوح المزارعين وفقدانهم مصادر رزقهم.

ويستخرج الصمغ العربي بصورة رئيسية من أشجار الهشاب والطلح، ويعد من أهم المواد الخام المستخدمة في الصناعات الغذائية والدوائية ومستحضرات التجميل والمشروبات الغازية، بينما يوفر السودان، بحسب مسؤولين في القطاع، نحو 80 في المائة من الإنتاج العالمي. غير أن استمرار الحرب يهدد هذه المكانة التاريخية، في وقت توسع فيه دول أخرى إنتاجها سعياً للاستفادة من اضطراب الإمدادات السودانية.

سودانيان يجمعان حصادهما من الصمغ العربي في مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان 9 يناير 2023 (أ.ف.ب)

يقول رئيس منتجي الصمغ العربي في شمال دارفور، أبكر أدومة أحمد، لـ«الشرق الأوسط»، إن القتال أدى إلى تراجع إنتاج الإقليم إلى أقل من ثلاثين ألف طن، بعد أن هجر معظم المنتجين مناطق الحزام بسبب تدهور الأوضاع الأمنية، واضطروا إلى النزوح أو اللجوء عقب فقدان ممتلكاتهم. وأضاف: «الحرب دمرت بورصة الصمغ العربي، وأزالت مساحات من الغابات المنتجة، كما ألحقت أضراراً كبيرة بطرق نقل المحاصيل إلى الأسواق».

ويقدر رئيس اتحاد مزارعي الصمغ العربي، عوض الله إبراهيم، عدد العاملين في هذا القطاع بنحو مليون شخص ينتظمون في خمسة آلاف جمعية إنتاجية، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن السودان ينتج نحو عشرين نوعاً من الصمغ العربي، ويعد صمغ الهشاب والطلح من أجود الأنواع عالمياً. وبحسب إبراهيم، كانت ولايات دارفور تنتج أكثر من ثلاثين ألف طن سنوياً، فيما كانت كردفان توفر نحو أربعين ألف طن، إضافة إلى كميات مقدرة من ولاية النيل الأزرق، إلا أن الحرب أدت إلى انخفاض إنتاج بعض مناطق كردفان إلى نحو عشرة آلاف طن فقط، بينما فقد آلاف المنتجين مصادر دخلهم بالكامل.

واضطر منتجون من الفولة والنهود وأولاد بخيت في ولاية غرب كردفان، والدبيبات والقوز في جنوب كردفان، إلى جانب مناطق واسعة في شرق دارفور، إلى النزوح نحو ولايات أكثر أمناً أو اللجوء إلى دول الجوار، بعد أن أصبحت مناطقهم ساحات للقتال.

الصمغ العربي يستخلص من عصارة صلبة مأخوذة من شجرتي السنط والطلح (أ.ف.ب)

وفي جنوب كردفان، يقول عضو جمعية المنتجين عثمان بقادي لـ«الشرق الأوسط» إن الإنتاج توقف في محليات كادوقلي والدلنج وهبيلا، وهي ثلاث من أصل سبع محليات منتجة للصمغ العربي، فيما نزح عدد كبير من المزارعين إلى مدينة الأبيض. وأوضح بقادي أن مدينة أبو جبيهة تحولت إلى السوق الرئيسية للصمغ العربي بعد تعطل عدد من الأسواق في شمال كردفان، واتجهت إليها شركات لشراء المحصول، إلا أن كثيراً من المزارعين امتنعوا عن العودة إلى المناطق التي استعادها الجيش بسبب انعدام مياه الشرب وبُعدها عن أماكن النزوح، كما توقف الإنتاج في المنطقة الممتدة من غرب الأبيض إلى النهود، والتي تضم أكثر من ثلاثمائة قرية كانت تشتهر بإنتاج أجود أنواع الصمغ العربي.

وفي إقليم النيل الأزرق، يقول المنتج والتاجر شاكر قنديل لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» هاجمت مناطق لم تكن تشهد أي اشتباكات، ونهبت نحو 60 في المائة من المحصول، موضحاً أن أكثر المناطق تضرراً تقع شمال مدينة الكرمك، وجنوب محلية باو، والمنطقة العربية بمحافظة التضامن.

مزارع سوداني يقوم بحصاد الصمغ العربي في مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان 9 يناير 2023 (أ.ف.ب)

من جهتها، تقول مديرة إدارة الأصماغ الطبيعية بالهيئة القومية للغابات، فاطمة محمد رملي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحرب قضت على غابات كاملة، وإن المساحات المستغلة حالياً لا تتجاوز 40 في المائة من حزام الصمغ العربي، مشيرة إلى أن الهيئة تعتزم توزيع مليون شتلة في ولايات كردفان لإعادة استزراع المناطق المتضررة واستعادة الغطاء الغابي.

ولا يقتصر تأثير الحرب على تراجع الإنتاج، بل يمتد إلى عمليات النهب والتهريب التي تهدد مكانة السودان في الأسواق العالمية. فقد اتهم مسؤولون سودانيون «قوات الدعم السريع» بنقل كميات من الصمغ العربي إلى دول مجاورة، وهو ما أشار إليه أيضاً تقرير للأمم المتحدة، تحدث عن نقل كميات كبيرة من مناطق خاضعة لسيطرة «الدعم السريع» إلى دول عبور مجاورة، قبل إعادة تصديرها باعتبارها منتجات محلية، بما يصعب تتبع مصدرها الحقيقي. ولم يرد المتحدث باسم الحكومة التابعة لتحالف «تأسيس»، أحمد نقد، على طلب «الشرق الأوسط» للتعليق على هذه الاتهامات.

ويجمع العاملون في قطاع الصمغ العربي على أن وقف الحرب، رغم أهميته، لن يكون كافياً لإعادة القطاع إلى سابق عهده. فاستعادة الإنتاج تتطلب برنامجاً متكاملاً لإعادة الإعمار، يشمل تمويل المنتجين الذين فقدوا محاصيلهم وآلياتهم الزراعية، وتأمين مناطق الإنتاج، وتوفير المياه والخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل الطرق والأسواق، إلى جانب حماية غابات الهشاب والطلح ومنع قطع الأشجار، حتى يتمكن السودان من الحفاظ على مكانته بوصفه أكبر منتج ومصدر للصمغ العربي في العالم.


مصر وتنزانيا لتطوير العلاقات والتوسع في المشروعات الاستثمارية

رئيسة تنزانيا خلال استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في دار السلام (الرئاسة المصرية)
رئيسة تنزانيا خلال استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في دار السلام (الرئاسة المصرية)
TT

مصر وتنزانيا لتطوير العلاقات والتوسع في المشروعات الاستثمارية

رئيسة تنزانيا خلال استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في دار السلام (الرئاسة المصرية)
رئيسة تنزانيا خلال استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في دار السلام (الرئاسة المصرية)

في محطة جديدة لتعزيز الشراكة بين مصر وتنزانيا، بحث الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مع نظيرته التنزانية، سامية صلوحو حسن، في العاصمة التنزانية دار السلام، «سبل إحداث نقلة نوعية في التعاون الثنائي تحقيقاً للمنفعة المتبادلة بين البلدين».

وأجرى السيسي زيارة رسمية إلى تنزانيا السبت، بهدف بحث «تطوير علاقات التعاون بين البلدين، لتشمل مختلف المجالات والقضايا»، حسب الرئاسة المصرية.

وشهدت العلاقات المصرية - التنزانية زخماً خلال السنوات الأخيرة، على صعيد التنسيق والتشاور السياسي، وعلى الصعيد الاقتصادي والتنموي، وسبق أن أجرى السيسي زيارة إلى دار السلام في أغسطس (آب) 2017، عُدَّت وقتها الأولى لرئيس مصري منذ عام 1968، فيما عُقدت عدة لقاءات قمة بين الرئيس المصري ونظيرته التنزانية خلال السنوات الأخيرة، لدعم الروابط بين البلدين.

وحسب الرئاسة المصرية، أجرى السيسي ونظيرته التنزانية، لقاءً ثنائياً مغلقاً، ثم محادثات موسعة بحضور وفدي البلدين، أكد خلالها «تطلع بلاده لمواصلة تعزيز العلاقات الثنائية المميزة مع تنزانيا في المجالات كافة».

«وعكست المحادثات المصرية - التنزانية الإرادة المشتركة للبلدين نحو تعزيز الشراكة الاستراتيجية بينهما في مختلف المجالات»، وفق السيسي، الذي قال في مؤتمر صحافي مع نظيرته التنزانية، إن «المحادثات كانت بمنزلة فرصة لتبادل الرؤى حول سبل إحداث نقلة نوعية في التعاون الثنائي، تحقيقاً للمنفعة المتبادلة، ودعماً للتنمية المشتركة، خصوصاً الدفع قدماً بكل أوجه التعاون الاقتصادي، بما في ذلك التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات».

الرئيس المصري في مؤتمر صحافي مع نظيرته التنزانية بدار السلام (الرئاسة المصرية)

وبلغت قيمة التبادل التجاري بين مصر وتنزانيا، 12.3 مليون دولار خلال الربع الأول من العام الحالي، مقابل 15.8 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، في حين ارتفعت الصادرات المصرية إلى تنزانيا بنسبة 3.2 في المائة، حسب إفادة لـ«الجهاز المركزي للإحصاء» في مصر.

وأشار السيسي إلى «أهمية مشاركة القطاع الخاص في البلدين في عدد من القطاعات الاقتصادية الحيوية والواعدة، مثل التشييد والبناء والطرق والنقل البحري والموانئ، والمناطق اللوجستية، والكهرباء والطاقة والزراعة واستصلاح الأراضي والري، والدواء والمستلزمات الطبية»، حسب الرئاسة المصرية.

وأعلن الرئيس المصري استعداد بلاده لـ«العمل على توسعة ميناء دار السلام وتطويره، وربطه بدول جوار تنزانيا»، وأشار إلى أنه جرى بحث «مقترح استحداث خط ملاحي للربط البحري بين ميناءي سفاجا على البحر الأحمر بمصر ودار السلام»، إلى جانب «إنشاء ممر متعدد الوسائط يربط بين القاهرة ودار السلام».

وأشار مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، إلى «أن المقترح الذي قدمه الرئيس المصري، بإقامة خط ملاحي بين البلدين يأتي ضمن رؤية مصرية تستهدف تعزيز وربط إدارة الموانئ البحرية على الساحل الغربي للبحر الأحمر، لتشكل ممراً تنموياً يبدأ من القاهرة إلى دار السلام، في شرق أفريقيا، وصولاً إلى كيب تاون في جنوب أفريقيا».

ويرى حجازي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «العلاقات الاستراتيجية بين القاهرة ودار السلام يترجمها عديد من المشروعات على أرض الواقع»، مشيراً إلى أن «استثمارات الشركات المصرية في تنزانيا تعكس قدرة القوى الناعمة المصرية في الساحة الأفريقية، حيث إنها تقوم على تبادل الخبرات وبناء القدرات»، وقال إن «مستوى التفاهم والتنسيق المصري التنزاني، وصل إلى مستويات مهمة خصوصاً بشأن القضايا الإقليمية».

وشهد الرئيس المصري ونظيرته التنزانية عقب المحادثات «التوقيع على مذكرتي تفاهم بين البلدين في مجالات النقل والكهرباء والطاقة المتجددة».

ودعا السيسي إلى توظيف النجاح الذي حققته الشركات المصرية في تشييد مشروع «سد جوليوس نيريري»، في إتاحة مزيد من المشروعات التنموية التنزانية أمام الشركات المصرية، والاستفادة من أصول هذه الشركات المتعددة الموجودة على الأراضي التنزانية، وأشار إلى أنه وجه «بتكثيف نقل الخبرات المصرية وتوفير الدعم الفني وبرامج التأهيل والتدريب وتطوير القدرات مع الجانب التنزاني».

رئيسة تنزانيا خلال استقبال الرئيس السيسي في دار السلام (الرئاسة المصرية)

من جانبها، أشادت رئيسة تنزانيا بـ«مشروع سد جوليوس نيريري الذي يقيمه تحالف شركات مصرية»، وقالت إنه «يجسد نموذجاً إيجابياً للتعاون من أجل تحقيق التنمية والرخاء»، مشيرةً إلى التعاون القائم بين بلادها والقاهرة بوصفه «نموذجاً للتكامل المنشود بين الدول الأفريقية»، وأكدت «تطلع بلادها لتعزيز التعاون مع مصر في مختلف المجالات»، حسب الرئاسة المصرية.

وباعتقاد عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة، فإن «التعاون المصري - التنزاني، يشكل نموذجاً للعلاقات الأفريقية - الأفريقية»، وقال إن «الشراكة بين البلدين، تمتد لمجالات مختلفة، وأسهم التعاون في إقامة تحالف شركات مصرية، أكبر المشروعات التنموية والاستثمارية التي تنفذها مصر في دول أفريقيا، وهو مشروع سد جوليوس نيريري».

وأوضح حليمة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاستثمارات المصرية في تنزانيا، تؤكد أن القاهرة ليست ضد التنمية في دول حوض النيل، ولكنها ترفض أي مشروعات تؤثر على حصتها المائية التاريخية، كما هو الحال في قضية السد الإثيوبي»، وقال إن «الجانب المصري يسعى لاستثمار نجاحه في مشروعات تنموية في تنزانيا بالاستثمار في مشروعات جديدة».

وعلى صعيد التعاون الإقليمي، ناقشت القمة المصرية - التنزانية «التعاون الإيجابي بين دول حوض النيل»، إلى جانب «الأوضاع في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، وسبل تعزيز العمل الأفريقي الجماعي»، ووفق السيسي، «جرى التوافق على مواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين في مختلف القضايا».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended