مظاهرات متواضعة وسط بغداد لإحياء ذكرى «احتجاجات تشرين»

حكم بإعدام ضد قاتل ناشط مدني... وفصائل تسعى لإطلاق معتقلين آخرين

تجمع لمتظاهرين في بغداد لإحياء الذكرى الثالثة للاحتجاجات المناهضة للحكومة محاطٌ بقوات الأمن (أ.ب)  -  الناشط المدني ثائر الطيب اغتيل في ديسمبر 2019
تجمع لمتظاهرين في بغداد لإحياء الذكرى الثالثة للاحتجاجات المناهضة للحكومة محاطٌ بقوات الأمن (أ.ب) - الناشط المدني ثائر الطيب اغتيل في ديسمبر 2019
TT

مظاهرات متواضعة وسط بغداد لإحياء ذكرى «احتجاجات تشرين»

تجمع لمتظاهرين في بغداد لإحياء الذكرى الثالثة للاحتجاجات المناهضة للحكومة محاطٌ بقوات الأمن (أ.ب)  -  الناشط المدني ثائر الطيب اغتيل في ديسمبر 2019
تجمع لمتظاهرين في بغداد لإحياء الذكرى الثالثة للاحتجاجات المناهضة للحكومة محاطٌ بقوات الأمن (أ.ب) - الناشط المدني ثائر الطيب اغتيل في ديسمبر 2019

وسط إجراءات أمنية مشددة، أحيا المئات من الناشطين في بغداد ومحافظات أخرى وسط وجنوب البلاد، أمس (الثلاثاء)، الذكرى الثالثة لاحتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وعمدت القوات الأمنية إلى قطع معظم الجسور الرابطة بين جانبي الكرخ والرصافة، خاصة القريبة من ساحة التحرير التي تواجد فيها المتظاهرون.
وشهدت الساحة أيضاً تواجداً كثيفاً للقوات الأمنية للحيلولة دون عبورهم إلى المنطقة الرئاسية (الخضراء) عبر جسر الجمهورية القريب. واشتكى معظم البغداديين من الزحامات الخانقة التي تسببت بها عملية قطع جسور وشوارع العاصمة. ومثلما كان متوقعاً، لم تشهد أحياء الذكرى حضور أعداد كبيرة من المتظاهرين نتيجة الانقسام الحاصلة بين جماعات الحراك.
من جانبه، انتقد سكرتير الحزب الشيوعي العراقي رائد فهمي، تقطيع أوصال العاصمة بغداد وغلق جسورها، وتساءل في «تدوينة» قائلاً «ما مبرر منع القوات الأمنية للصحافة من الوصول إلى ساحة التحرير لتغطية مظاهرة اليوم؟». وأضاف، أن «هذا الإجراء، إضافة إلى قطوعات الطرق والجسور ونصب الكتل الإسمنتية وكثافة التواجد الأمني المبالغ بها، تؤدي عملياً إلى التضييق على حرية التظاهر».
وكانت الاحتجاجات، استمرت لأكثر من عام وسقط خلالها أكثر من 600 وإصابة نحو 20 ألف متظاهر نتيجة القوة المفرطة التي استخدمها القوات الأمنية وقتذاك لتفريق المتظاهرين.
وتمكن الحراك وقتذاك من إسقاط حكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، وفرض على القوى السياسية الإتيان بحكومة جديدة وحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة.
وبالتزامن مع الذكرى، أصدر القضاء حكماً بالإعدام على قاتل الناشط المدني ثائر الطيب. وقال المركز الإعلامي للقضاء في بيان، إن «محكمة جنايات القادسية أصدرت حكماً بالإعدام بحق المجرم (كفاح الكريطي) على خلفية عمليات اغتياله للناشط (ثائر الطيب)». واستند الحكم بحسب البيان إلى «أحكام المادة الرابعة - 1 من قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005».
ولم يتطرق بيان القضاء إلى دوافع الجريمة وأسبابها، لكن ناشطين يتحدثون عن انتماء القاتل إلى فصيل مسلح يناصب العداء للحراك والناشطين البارزين فيه. كان المدان الكريطي زرع عبوة لاصقة أسفل سيارة الناشط ثائر الطيب في 25 ديسمبر (كانون الأول) 2019، في مدينة الديوانية الجنوبية ألحقت إصابات خطيرة بالطيب وزميل آخر مرافق له، أدت إلى وفاته لاحقاً ونجاة زميله. وما زال ملف المقتولين والمختطفين من الناشطين والكشف عن خاطفيهم وقاتليهم يتصدر قائمة مطالب جماعات الحراك، في مقابل عجز السلطات عن الإيفاء بوعودها في تحقق هذا المطلب. ويتحدث عضو مفوضية حقوق الإنسان السابق، علي البياتي، الذي كان مواكباً لاحتجاجات تشرين ومنتقداً استعمال العنف المفرط ضد المتظاهرين عن قتل «600، منهم 32 بعمليات اغتيال مباشرة وخطف أكثر من 30 ناشطاً ما زال مصير 20 منهم غير معروف حتى الآن». ويقول البياتي، إن «لجان التحقيق العديدة التي تشكلت بعد تشرين 2019 تسلمت 8160 شكوى حول قضايا تتعلق بعنف داخل المظاهرات أو المرتبطة بها من قتل واختطاف واغتيال» ويؤكد، أن اللجان الحكومية «اكتفت ببيانات الاستنكار والإقالات، ولم تتم إدانة الجناة، إلا في حالتين فقط، وعلى مستوى منتسبين برتب عسكرية متدنية».
إلى ذلك، تحدثت مصادر سياسية عراقية عن «محاولات جادة» من فصائل شيعية ضمن الإطار التنسيقي لإعادة محاكمة معتقلين متهمين باغتيال وخطف ناشطين في الحراك الاحتجاجي مع تشكيل الحكومة الجديدة، لكن مسؤول قضائي رفيع أكد لـ«الشرق الأوسط»، «استحالة الإفراج عن المتورطين بهذا النوع من الجرائم».
وقال مصدر مطلع على أجواء تشكيل الحكومة الجديدة، لـ«الشرق الأوسط»، «إن قادة أحزاب تلقوا من كوادرهم المتقدمة طلبات لاستثمار الوضع السياسي الراهن لإطلاق سراح عناصر في الفصائل المسلحة اعتقلتهم الأجهزة الأمنية بتهم تتعلق بقمع الحراك الاحتجاجي».
وأوضح المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن «محامين تابعين للفصائل المسلحة يعملون منذ أشهر على صياغة مرافعات قانونية لإعادة محاكمة المتهمين، في حين تدفع مجموعات نافذة لإطلاق سراحهم بعد إعلان براءتهم».
وبحسب ثلاثة عناصر من «عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله» و«كتائب سيد الشهداء»، فإنهم «متأكدون من أن ملف قضايا المعتقلين المتهمين بجرائم القتل السياسية ستغلق خلال الأشهر القليلة المقبلة».
وحذر ناشطون، ومنظمات محلية ودولية، من استمرار حالة «الإفلات من العقاب» بالنسبة لعشرات المتورطين باغتيال متظاهرين عراقيين خلال السنوات الثلاث الماضية، في حين يتأخر حسم قضاياهم التي تنظر فيها محاكم عراقية منذ تولي مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة المنتهية ولايتها.
إلى جانب ذلك، أكد مصدر قضائي عراقي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «إطلاق المتهمين بارتكاب جرائم قتل دون أن تأخذ العدالة مجراها وفق القوانين العراقية محض ادعاء سياسي»، مشيراً إلى أن «المحاكم العراقية لا تزال تنظر في قضايا تتعلق بقتل مدنيين شاركوا في أنشطة سلمية خلال الحراك الاحتجاجي».
وقال مسؤول عراقي سابق في مكتب رئيس الوزراء المنتهية ولايته، مصطفى الكاظمي، إن الأخير «شكّل لجنة خاصة لمتابعة ملف المتهمين بتلك الجرائم، ولاحق الكثير منهم لاعتقالهم وإيداعهم السجن، لكن مرحلة ما بعد التحقيق القضائي، غالباً ما تتعطل لأسباب الروتين المتعمد أو التسويف».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

استقالة وفيق صفا من «حزب الله» بعد تقليص صلاحياته

وفيق صفا (أ.ب)
وفيق صفا (أ.ب)
TT

استقالة وفيق صفا من «حزب الله» بعد تقليص صلاحياته

وفيق صفا (أ.ب)
وفيق صفا (أ.ب)

قدّم مسؤول «وحدة التنسيق والارتباط» في «حزب الله»، وفيق صفا، استقالته في سابقة هي الأولى من نوعها في قيادة الحزب التي تُحاول ترميم هيكليتها بعد الضربات الإسرائيلية القاسية التي أودت بأمينين عامين للحزب، وكبار قيادييه العسكريين.

ونقلت وكالة «رويترز» عن «مصادر مطلعة» قولها إن «قيادة (حزب الله) قبلت، الجمعة، ‌استقالة ‌المسؤول ⁠الأمني ​​البارز ​فيها، ‌وفيق صفا».

وكان ⁠صفا، الذي يتولى مسؤولية العمل مع ​الأجهزة الأمنية اللبنانية، قد نجا ⁠من محاولة اغتيال إسرائيلية في أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وفيق صفا إلى جانب المعاون السياسي لـ«حزب الله» حسين خليل (رويترز)

وتأتي الاستقالة بعدما قلص الحزب صلاحيات صفا، بالتزامن مع تغيير في هيكليته بدأ نهاية العام الماضي، عبر إقالة شخصيات وتعيين بديل عنهم.

وتضاربت المعلومات حول الشخصية التي جرى تعيينها خلفاً لصفا، فيما أجمعت على سعي الحزب لاختيار شخصية أقل استفزازاً لبعض الأطراف واعتماد نبرة مختلفة عما سبقه في تواصله مع الدولة والخارج. وأبرز الأسماء التي جرى تداولها لخلافة صفا، هي حسين بردى، وحسين عبد الله، ومحمد مهنا.

مناصرون لـ«حزب الله» يتجمعون في منطقة الروشة على الكورنيش البحري لبيروت في شهر سبتمبر الماضي إحياءً لذكرى اغتيال نصر الله وصفي الدين (أ.ب)

وآخر ظهور لصفا كان في 25 سبتمبر (أيلول) الماضي عند صخرة الروشة في ذكرى اغتيال أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، وإلى جانبه عدد من مناصري الحزب الذين أطلقوا الشتائم ضد رئيس الحكومة نواف سلام.


لبنان يؤكد على «إيجابية عامة» لزيارة قائد الجيش إلى واشنطن

قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال زيارته إلى واشنطن (السفارة الأميركية في بيروت)
قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال زيارته إلى واشنطن (السفارة الأميركية في بيروت)
TT

لبنان يؤكد على «إيجابية عامة» لزيارة قائد الجيش إلى واشنطن

قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال زيارته إلى واشنطن (السفارة الأميركية في بيروت)
قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال زيارته إلى واشنطن (السفارة الأميركية في بيروت)

انتهت زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى واشنطن، وسط «انطباعات إيجابية» على مستوى اللقاءات والمحادثات مع المسؤولين الأميركيين، على وقع استمرار الضغوط الدولية المرتبطة بملف نزع سلاح «حزب الله».

وتركزت زيارة قائد الجيش التي شملت سلسلة اجتماعات مع مسؤولين عسكريين وأمنيين أميركيين، على دور المؤسسة العسكرية اللبنانية في حفظ الاستقرار، وعلى التحديات الميدانية واللوجيستية التي تواجهها، إضافة إلى آفاق التعاون العسكري القائم بين بيروت وواشنطن، كما التحضير لانعقاد مؤتمر دعم المؤسسة العسكرية الشهر المقبل.

الرئيس عون يشدد على أهمية دعم الجيش

وجدَّد رئيس الجمهورية جوزيف عون الجمعة تأكيده على «أهمية تطبيق الدعم العاجل بالعتاد والتجهيزات للجيش اللبناني لتمكينه من أداء مهامه على كامل الأراضي اللبنانية»، مشيراً إلى أن لبنان يعلِّق أهمية كبيرة على مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي المقرَّر عقده في باريس في 5 مارس (آذار) المقبل.

إشادة أميركية بعمل الجيش

وفي بيان لها، قالت قيادة الجيش إن العماد هيكل عقد خلال زيارته لواشنطن سلسلة لقاءات رفيعة المستوى مع مستشارين من البيت الأبيض، ومسؤولين في وزارتَي الدفاع والخارجية، إضافةً إلى أعضاء من مجلس الشيوخ وأعضاء من مجلس النواب، ومن مجلس الأمن القومي، ومسؤولين عسكريين وأمنيين، جرى خلالها بحث سبل تعزيز التعاون العسكري ودعم قدرات الجيش، فضلاً عن التحديات التي يواجهها لبنان، ودور الجيش في ضمان الأمن والاستقرار، وصون سيادة الدولة وسلامة أراضيها، والحفاظ على السلم الأهلي، في ظل خصوصية الوضع الداخلي وحساسيته في البلاد.

في المقابل، رحّبت السلطات الأميركية، بحسب بيان الجيش، بهذه الزيارة، وأشاد المسؤولون الأميركيون بالعمل الجاد للجيش في تطبيق القوانين الدولية وتنفيذ خطته في قطاع جنوب الليطاني بوصفه المؤسسة الضامنة للأمن والاستقرار في لبنان. كما أكد الجانب الأميركي مواصلة دعم الجيش وتأمين المتطلبات اللازمة لإنجاز مهماته بنجاح على كامل الأراضي اللبنانية بهدف تعزيز دور لبنان في المنطقة وحمايته من التداعيات الإقليمية.

«زيارة إيجابية» واستمرار التحضير لمؤتمر دعم الجيش

وفي هذا الإطار، شددت مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» على أن «الزيارة إيجابية في إطارها العام»، مشددة على استكمال التحضيرات الجارية لمؤتمر دعم الجيش اللبناني، والذي يُنظر إليه كإحدى المحطات الأساسية لتعزيز قدرات المؤسسة العسكرية في هذه المرحلة الدقيقة التي يعوّل فيها داخلياً وخارجياً على الجيش اللبناني، لا سيما في ما يتعلق بتطبيق قرار «حصرية السلاح».

وأشارت المصادر إلى أن هذا الملف كان حاضراً في اللقاء الذي عقده السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، مع رئيس الجمهورية جوزيف عون، حيث جرى التأكيد على أهمية استمرار الدعم الدولي للبنان ومؤسساته الشرعية.

وقالت رئاسة الجمهورية في بيان لها، إن «الرئيس عون عرض مع السفير عيسى نتائج زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن والمحادثات التي أجراها مع المسؤولين الأميركيين في إطار التعاون القائم بين الجيشين الأميركي واللبناني». ولفت البيان إلى أنه «تم البحث في التحضيرات الجارية لعقد مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي».

هيكل يلتزم بالموقف اللبناني الرسمي

وبعد الجدل الذي رافق اليوم الأخير من الزيارة، خاصة بعد لقاء هيكل مع السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، لجهة موقف لبنان من اعتبار «حزب الله» منظمة إرهابية، أكدت المصادر الوزارية أن «العماد هيكل التزم خلال لقاءاته بالموقف الرسمي للدولة اللبنانية وقرارات الحكومة».

وكان غراهام، أعلن مساء الخميس أنه أنهى اجتماعاً مع قائد الجيش اللبناني بشكل «مفاجئ» بعد أن سأله عما «إذا كان الجيش اللبناني يعتبر (حزب الله) منظمة (إرهابية)»، وأضاف غراهام أن هيكل رد قائلاً: «لا، ليس في السياق اللبناني».

وفي هذا الإطار، أكدت المصادر أن ما عبّر عنه قائد الجيش خلال هذا اللقاء ينسجم مع الموقف الرسمي للدولة اللبنانية، التي لم تصدر أي قرار يعتبر «حزب الله» منظمة إرهابية، وأن كلام هيكل جاء «وفق الواقع اللبناني» من دون أن يشكّل خروجاً عن الخطاب المعتمد رسمياً، مع تأكيدها على أنه «وفق المعطيات، ما حصل لم ينعكس على التقييم العام الإيجابي للزيارة، أو على مسار العلاقات العسكرية بين البلدين».

ودعا النائب السابق فارس سعيد إلى عدم «لوم الجيش»، وكتب على حسابه عبر منصة «إكس»: «صفر لوم على قائد الجيش الذي رفض تصنيف (حزب الله) بالإرهابي في أميركا ما دامت حكومة لبنان لا تصنّفه كذلك»، وقال: «أنا أعتبره إرهابياً منذ لحظة الاغتيالات بعد 14 مارس 2005، إنما بالنسبة للحكومة فهو مكوّن لبناني»، مضيفاً: «لا تلوموا الجيش، طالِبوا الحكومة والأحزاب التي تعتبر أنّ (الدنيا انتخابات) أحياناً».


زيارة قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن بين «اختبار الشراكة» و«كمين التوصيفات»

قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال زيارته إلى واشنطن (قيادة الجيش اللبناني)
قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال زيارته إلى واشنطن (قيادة الجيش اللبناني)
TT

زيارة قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن بين «اختبار الشراكة» و«كمين التوصيفات»

قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال زيارته إلى واشنطن (قيادة الجيش اللبناني)
قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال زيارته إلى واشنطن (قيادة الجيش اللبناني)

تحوّلت زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، إلى الولايات المتحدة، من محطةٍ يفترض أن تركز على دعم المؤسسة العسكرية وتنسيق المساعدات، إلى ساحة سجال سياسي - رمزي في واشنطن حول سؤال واحد: هل يصف قائد الجيش اللبناني «حزب الله» بأنه «إرهابي»؟ وهل يمكنه تجاوز الدولة اللبنانية في تصنيفاتها؟ الشرارة جاءت بعد لقاء قصير جمعه بالسيناتور الجمهوري المتشدد ليندسي غراهام، الذي أعلن علناً أنه أنهى الاجتماع سريعاً عندما رفض هيكل استخدام هذا الوصف في «السياق اللبناني».

ما الذي جرى في اجتماع غراهام؟

بحسب ما نشره غراهام على منصة «إكس»، سأل قائد الجيش «بشكل مباشر» إن كان يعتبر «حزب الله» منظمة إرهابية، فكان جواب هيكل: «لا، ليس في سياق لبنان»، وعندها قال غراهام إنه أنهى اللقاء فوراً. وأرفق ذلك بتأكيد أن الحزب «منظمة إرهابية بوضوح»، وذكّر بأن «الدم الأميركي على يديه»، في إشارة إلى تاريخٍ طويل من العداء الأميركي للحزب وتصنيفه على اللوائح الأميركية.

ردة الفعل لم تقف عند حدود «الاستياء»؛ إذ ذهب بعض التغطيات الأميركية إلى أن غراهام لوّح عملياً بسؤال «جدوى» الاستمرار في دعم الجيش إذا بقيت هذه «الفجوة» قائمة بين الرؤية الأميركية واللغة الرسمية اللبنانية.

جواب هيكل يرفع تكلفته في واشنطن

في الداخل اللبناني، ليست المشكلة فقط في الموقف من «حزب الله»؛ بل في وظيفة الجيش بوصفه «مؤسسة جامعة» داخل بلد يقوم توازنه السياسي على تركيبات طائفية وحساسيات وجودية. ولذلك، فإن نقل تصنيف خارجي، حتى لو كان أميركياً، إلى خطاب صادر عن رأس المؤسسة العسكرية يمكن أن يُقرأ محلياً بوصفه خطوة تُفجّر انقساماً سياسياً ومذهبياً، أو تُدخل الجيش في اشتباك مع «مكوّن» له تمثيل حزبي وشعبي. هذا بالضبط ما يفسّر كيف خرجت أصوات لبنانية، حتى من خصوم الحزب، للدفاع عن منطق «الدولة لا تعتمد هذا التصنيف»، وبالتالي لا يستطيع قائد الجيش تبنّيه صيغةً رسمية.

بمعنى آخر، هيكل حاول تفادي لغتين متصادمتين؛ لغة واشنطن القانونية والسياسية تجاه «حزب الله»، ولغة الدولة اللبنانية التي تُمسك بخيطٍ رفيع بين مطلب حصرية السلاح وتجنب إعادة إنتاج شرخ أهلي.

موقف «الخارجية» الأميركية

وسط ضجيج لقاء غراهام، برز موقف رسمي أميركي صدر أمس عبر حساب السفارة الأميركية في بيروت (التابع لـ«الخارجية» الأميركية)، رحّب بالزيارة وركّز على جوهر الرسالة الأميركية، قائلاً إن «العمل المتواصل للجيش اللبناني لنزع سلاح الجهات غير الحكومية وتعزيز السيادة الوطنية بوصفه ضامن أمن لبنان، بات أكثر أهمية من أي وقت مضى». وعدت هذه الصياغة مهمّة لأنها تفصل بين مستويين: استمرار الرهان الأميركي على الجيش بوصفه قناة للدولة، وربط هذا الرهان عملياً بملف نزع سلاح الجهات غير الحكومية، وهي عبارة تُستخدم لتجنّب التسمية المباشرة، لكنها تُفهم في سياق لبنان على أنها تعني «حزب الله» في المقام الأول.

مسار الزيارة

رغم الإحراج السياسي، لم تُختزل زيارة العماد هيكل في لقاء واحد؛ فقد جرت لقاءات عسكرية على مستوى رفيع، بينها اجتماع مع قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر، ورئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كاين. ووفق بيان من متحدث باسم هيئة الأركان الأميركية، قال إن اللقاء «أعاد التأكيد على أهمية علاقات الدفاع الأميركية المستمرة في الشرق الأوسط».

كما تزامنت الزيارة مع نقاشات أوسع في واشنطن حول دعم الجيش وخطة بسط سلطة الدولة، في وقت كانت فيه تقارير دولية تتحدث عن انتقال لبنان إلى مراحل جديدة في «خطة» تفكيك بنى السلاح غير الشرعي جنوباً وشمالاً.

زيارة قائد الجيش اللبناني كانت تأخرت في الأصل على خلفية تضيف طبقة أخرى لفهم حساسية واشنطن من «لغة» المؤسسة العسكرية؛ ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، نقلت مصادر عن «الخارجية» الأميركية، أن الولايات المتحدة ألغت اجتماعات كانت مقررة في واشنطن مع قائد الجيش اللبناني، بعد اعتراض على بيان للجيش بشأن توترات الحدود مع إسرائيل، ما دفع حينها إلى إرجاء الزيارة تفادياً لفشل سياسي مسبق.