«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «الزمن الجميل» للكاتب الفرنسي فرانز أوليفيه جيزبير (1- 3): كتاب مثير ينزع «ورقة التين» عن الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران

يكشف «التاريخ الحميمي للجمهورية الخامسة» ويغوص في أسرار رؤسائها

فرانسوا ميتران وزوجته دانيال ميتران في حفل افتتاح أولمبياد ألبيرفيل 8 فبراير 1992 (غيتي)
فرانسوا ميتران وزوجته دانيال ميتران في حفل افتتاح أولمبياد ألبيرفيل 8 فبراير 1992 (غيتي)
TT

«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «الزمن الجميل» للكاتب الفرنسي فرانز أوليفيه جيزبير (1- 3): كتاب مثير ينزع «ورقة التين» عن الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران

فرانسوا ميتران وزوجته دانيال ميتران في حفل افتتاح أولمبياد ألبيرفيل 8 فبراير 1992 (غيتي)
فرانسوا ميتران وزوجته دانيال ميتران في حفل افتتاح أولمبياد ألبيرفيل 8 فبراير 1992 (غيتي)

لا تحصى ولا تعد الكتب التي تتحدث عن الجمهورية الخامسة التي أرسى الجنرال شارل ديغول، أسسها، في خمسينات القرن الماضي. كما أن الكتب التي تتحدث عن التحولات السياسية والاقتصادية التي حصلت خلال ثمانية عهود تضج بها رفوف المكتبات التي تزداد غنى وثراءً مع كل موسم ثقافي. بيد أن ما يسعى إليه القارئ هو التعرف على ما يجري وراء الستارة، في الخفاء، وراء التصريحات المدوزنة. وهو يريد أن يلج إلى الخصوصيات والحميميات، لتظهر له صورة الرجل السياسي على حقيقتها، بعيداً عن النمطيات والسرديات الرسمية.
المعضلة أن أمراً كهذا ليس في مستطاع أي كاتب أو محلل. فهو يحتاج لرواد عرفوا الشخصيات العامة وعاشروها واطلعوا على أسرارها الخبيئة، ولهم القدرة والشجاعة لنقلها إلى القارئ. ولا شك أن فرانز أوليفيه جيزبير، الصحافي والكاتب والمحلل، له باع طويل في ذلك. ولعل أفضل دليل هو كتابه الجديد «الزمن الجميل، التاريخ الحميمي للجمهورية الخامسة»، المجلد الثاني، الصادر عن دار «غاليمار».

ميتران (يمين) مع الرئيس الأميركي رونالد ريغان في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (غيتي)

في كتابه الجديد، ينكب جيزبير على أربعة عهود، يبدأها مع الرئيس جورج بومبيدو، خليفة الجنرال الكبير في قصر الإليزيه، وينتهي بعهد الرئيس جاك شيراك، الديغولي الآخر. وما بينهما، يغوص جيزبير في أسرار رئيسيين آخرين هما الأرستقراطي فاليري جيسكار ديستان والاشتراكي فرنسوا ميتران. ومن بين الأربعة، يبدو مع كل صفحة من الكتاب أن علاقة خاصة نمت بين الصحافي الشاب والزعيم الاشتراكي الذي واكب القرن العشرين، منذ الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية عهده الثاني في عام 1995، وكان أحد أبرز الفاعلين فيه.
يتوقف الكاتب عند الشخصية المعقدة التي تختبئ وراء صورة الرجل السياسي الذي وصل إلى الرئاسة في ثالث محاولة له، فيما الأولى كانت بمواجهة ديغول، ويرسم صورة علاقاته الأسرية وخارج النطاق الأسري. ذلك أن ميتران، صاحب كتاب «الانقلاب الدائم» الذي كرسه للتنديد بعودة ديغول إلى السلطة، الذي عده انقلاباً على الديمقراطية، كانت صداقاته تندرج في دوائر لا تتقاطع. كان ميتران رجل الأسرار والتكتم والازدواجية والتخفي، يظهر ما يريد ويترك في الظل ما يريد إبقاءه بعيداً عن الأعين. ولعل الصفحات التي كرسها الكاتب لحياة ميتران العاطفية ومغامراته النسائية تكشف هذه الطباع.
لم يكن ميتران يعيش حياة واحدة. كان جمعاً في صيغة المفرد. وكان عدة رجال في زمن واحد. ميتران كان متزوجاً من دانيال، امرأته الشرعية التي له منها ثلاثة أبناء هم باسكال وجان كريستوف وجيلبير، إلا أنه كانت له امرأة أخرى، ليست عشيقة ليلة أو وليدة لقاء... كلا. لقد كانت آن بانجو أكثر من ذلك بكثير. كانت عشق حياته، والضوء الذي كان يرفده بالسعادة طيلة أربعين عاماً.
لنترك الكلام لفرانز أوليفيه جيزبير يتحدث عن هذا الجانب:
في بداية العلاقة مع ميتران، دعا الأخير جيزبير إلى ملاقاته باكراً في منزله القائم مقابل كاتدرائية نوتردام لتسليمه بعض مقطوعاته الشعرية الغزلية التي سيستخدمها في كتاب يعده. وبعد انتظار زاد على أربعين دقيقة، وصل ميتران من الخارج مبعثر الشعر، غير حليق الذقن، وكأنه خارج لتوه من غرفة النوم، وبادر ضيفه قائلاً إن أشعاره موجودة في علبة كرتونية مركونة في غرفة «مسيو جان»، واسمه الكامل جان بالنسي. وما فهمه جيزبير لاحقاً أن جان هذا هو عشيق دانيال ميتران. والغريب أنه كان يعيش في منزل الرئيس اللاحق كأحد أفراد الأسرة. و«مسيو جان» كان مدرب التنس لسيدة فرنسا الأولى وعشيقها منذ سنوات. ويكتب جيزبير: «كنت أعلم أنه قريب من دانيال، لكن في ذاك الصباح فهمت أنه عشيقها وأن اتفاقاً جرى بين فرنسوا ودانيال منذ الستينات، بعد المغامرات النسائية المتكررة للأول، وقوامه أن لكل منهما أن يعيش الحياة التي يريدها لكنهما يبقيان معاً».

ميتران وزوجته دانيال (وسط) مع الأميرة الراحلة ديانا وأمير ويلز وقتها تشارلز خلال مأدبة في قصر الأليزيه 7 نوفمبر 1988 (غيتي)

دانيال كانت تعلم أن ميتران يعيش عملياً مع آن بانجو، وميتران يقبل بأن يعيش «مسيو جان» في منزلهما. وكانت أشعار الغزل موجهة للزوجة غير الشرعية التي أعطته لاحقاً ابنة هي مازارين، التي اعترف بها شرعياً في أواخر أيامه.
آن بانجو «أصبحت الأولى» بعد أن أبعد زوجته الشرعية، وهي التي تتخطى الأخريات من النساء اللواتي عرفهن ميتران، السابقات واللاحقات. لقد كانت حبه الكبير، ولهه، عشقه، الضوء المتبقي عندما ينطفئ كل شيء، وهي التي كتب لها آلاف الأشعار التي نشرت في كتاب من 1246 صفحة، عام 2016 بعنوان «رسائل إلى آن، 1962 - 1995». ومما كتبه لمن يسميها شمسه: «أعيش، أموت، أحترق وأغرق» في حبك.
التقى ميتران آن بانجو للمرة الأولى في عام 1957، وهي ابنة عائلة كان يعرفها عن قرب، إذ كان يلعب الغولف مع والدها الصناعي فرنسوا بانجو على الشاطئ الأطلسي، قريباً من منتجع هوسبورغ. وانتظر ميتران ست سنوات حتى بلوغ آن سن الرشد (21 عاماً). لكن فارق السن (27 عاماً) لم يكن عائقاً يحول دون تقاربهما. وفي عام 1963، وجد ميتران أن الوقت قد حان ولم يعد من سبب يحول دون التلاقي.

عشيقة ميتران آن بانجو وابنتها مازارين خلال مراسم تشييع جنازته في 11 يناير 1996 بجارناك (غيتي)

يقول جيزبير، إن ميتران «كان يقصفها بالرسائل». ولم تكن آن شابة سهلة المنال، وكان على ميتران أن يكون صبوراً. وبعد حصولها على شهادة البكالوريا، «صعدت» آن إلى باريس للدخول إلى معهد الفنون الجميلة، وجاءت توصية من والدها لـميتران بأن «يرعاها»، وهو ما حصل. وبالفعل، استقبلها ميتران في بيته وفي إطار عائلته طيلة شهور. ويروي الكاتب أنهما كانا يسيران معاً ليلاً، يداً بيد، في شوارع باريس، وكان حبهما في بدايته بريئاً، رومنطيقياً، عذرياً، حتى ربيع عام 1964 حيث جرى بينهما ما كان متوقعاً. وكتب لها ميتران في اليوم الذي تلا ليلة حبهما: «لا أعتقد أننا سننسى تاريخ 13 مايو (أيار) 1963، لقد كنت هذه الليلة سمائي وأرضي... غمرتني سعادة جارفة، ذات قوة رهيبة. لقد أعطيتني الكثير، وآمل أن أرد إليك الجميل سعادة مجنحة». وبعد سنوات من وفاة ميتران قالت آن بانجو لصحافي بريطاني ما يلي: «أن تكون معجباً بالشخص الذي تحب يحمل إليك سعادة لا تضاهى، أنت لن تتثاءب أبداً، إنه التجدد الدائم». بيد أنها أضافت: «كانت 32 عاماً من السعادة العميقة، ولكن أيضاً من التعاسة. كانت سنوات صعبة».
رغم «الحب الكبير»، لم يكن ميتران الرجل الذي تكفيه امرأة. كان يريدهن جميعاً وفي وقت واحد. وبقيت آن بانجو، التي شغلت مناصب رفيعة في عالم المتاحف، بعيدة عن الأنظار طيلة العقود الثلاثة التي أمضتها مع ميتران، حبها الأول وربما الأخير. ولم يعرف الفرنسيون صورتها إلا بعد أن ذاعت قصة حبها مع ميتران، وظهرت صورة ابنتهما مازارين، إذ شاركت في دفن ميتران وكانت مازارين متكئة على كتفها، في الصف الثاني. أخفت وجهها بنظارتين سوداوين، وكانت تريد أن تبقى نكرة حتى لا يكون وجودها مصدر إزعاج للرجل الكبير.

صورة للمنزل الريفي للرئيس ميتران في جارانك جنوب فرنسا التقطت في 7 يناير 2006 (أ.ف.ب)

وبعكس آن بانجو، كانت دانيال ميتران حاضرة على الصعيد الفرنسي السياسي والاجتماعي العام. كانت شخصية متحررة عرفت بميولها اليسارية وبدفاعها عن الحريات وعن المحرومين والمعذبين في الأرض، ومنهم أكراد العراق. وكانت ترأس مؤسستها «فرنسا الحريات» التي كانت تريدها صوتاً لعدالة على المستوى العالمي.
ولسنوات طويلة، أخفى ميتران الجزء الغامض من حياته، إلى أن خرجت الأمور إلى العلن وهو في قصر الإليزيه. استغل ميتران موقعه الرئاسي لوأد الأخبار والشائعات التي تتحدث عن حياته الخفية وعن وجود آن بانجو، وكان كل مساء يترك قصر الإليزيه مع فرنسوا دو غروسوفر، صديقه الشخصي، الذي كان يقيم في المبنى الذي أسكن فيه آن بانجو، لإيهام موظفي القصر بأنه يخرج معه في نزهة. لكن، رغم التدابير والإجراءات التي اتخذها مستعيناً بموقعه، لم تبق حياته الخفية بعيدة عن أنظار وأسماع الصحافة التي لم تكن تجرؤ على إخراجها إلى العلن. ويروي بيار، سائقه الخاص، في كتاب أصدره قبل سنوات بعنوان: «القيادة من اليسار»، أنه فتح يوماً صندوق السيارة في الساحة الداخلية لقصر الإليزيه، وفوجئ من كان إلى جانبه بأنه يحتوي على ألعاب للأطفال. ولكن بعد أن ذاع سر آن بانجو ومازارين، تخلى ميتران عن التخفي وبدأ بالخروج معهما إلى المطاعم والمسارح والأماكن العامة. وأكثر من مرة اصطحبته مازارين في رحلات استجمام خارجية، منها رحلة إلى مصر بدعوة من الرئيس حسني مبارك.
مازارين أصبحت منذ سنوات كاتبة قديرة ومحترمة، ومثقفة لها وزنها في الساحة الثقافية الفرنسية.
الرئيس الاشتراكي كان حقيقة زير نساء. وكانت له كوكبة من النساء اللواتي كن يتحلقن حوله. يقول جيزبير عن ميتران: «يا لعجبي! كيف أن كافة هاته النسوة تسامحن ميتران لسلوكه الممجوج. ما هو سره الذي مكنه من أن يتجنب الاختلاف معهن، لا بل أن يحولهن لاحقاً إلى مساعدات له ويتكئ عليهن لتحقيق نجاحه؟ إنها حقيقة مهنة. حتى وفاته، كان دوماً محاطاً بالنساء... كان يحتاط ويتكتم. كان يكذب، وربما كان يصدق كذبه... لا أحد يعلم أعداد اللواتي عرفهن من مساعدات ووزيرات وصحافيات: نساء من كل نوع التقى بهن صدفة، في الشارع أو في القطار. عاشر نجمات، وكانت له علاقة حب فاضحة في فترة ما مع المغنية داليدا التي قبلها أمام أعين العابرين أمام صالة سينما في جادة الشانزليزيه».
لكن مغامراته العاطفية لم تجعله ينقطع عن زوجته الشرعية، يقول جيزبير: «عندما تكون دانيال إلى جانبه كانت تثير حنقه، وعندما تكون بعيدة عنه كان يشعر بغيابها. وبعد وصوله إلى الرئاسة، استنبط ميتران قصة ذهابه يومياً إلى منزله (المشترك مع دانيال) بحجة الاطلاع على بريده، لكن في الحقيقة لتبادل بعض العبارات معها قبل أن يلتحق بآن بانجو، حيث كان يقضي الليل بقربها».
وخلاصة الكاتب أن ميتران لم تكن تكفيه امرأتان. كان يريدهن كلهن معاً، وذلك حتى نهاية حياته.
ومن الإجحاف اختصار ميتران بعلاقاته النسائية. فالرجل الذي كان أحد أركان المشهد السياسي الفرنسي طيلة أربعة عقود على الأقل، كان مثقفاً وأديباً ومفكراً، إضافة إلى كونه سياسياً ماهراً، لا بل ماكراً. فقد نجح في تجميع اليسار بكافة مكوناته تحت رايته، وركب الموجة ليصل إلى رئاسة الجمهورية التي كانت حلمه الأكبر، وبقي في قصر الإليزيه 14 عاماً. كان ميتران مدرسة ثقافية وتاريخية وسياسية، وكتب بنفسه سيرة حياته وأسطورتها. كان سجين الجيش الألماني في بداية الغزو النازي لفرنسا، وفشل في الهرب من معتقله مرتين، إلا أنه نجح في المرة الثالثة. واتهم بالتعاون مع نظام فيشي الذي خضع للألمان ونفذ إراداتهم بما فيها محاربة المقاومة الفرنسية، لكنه قدم نفسه على أنه مقاوم. وكان خصمه الأكبر الجنرال ديغول.
ونشأت بين جيزبير وميتران علاقة خاصة. ولا يخفي الكاتب إعجابه وحبه لهذا الرئيس رغم اختلافهما السياسي. وثمة رابط يجمع بينهما، هو يبرز في كل سطر من السطور التي كتبها جيزبير عنه.
ويبقى أن الأخير يدخلنا إلى عالم ميتران الخاص، إلى حميميته، حيث يعريه وينزع عنه الغطاء الذي يختبئ تحته ليظهر لنا حقيقة الرجل المتعدد والمتنوع.

«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (2- 3): شيراك... شهية مفتوحة للنساء والطعام... وطبقه المفضل رأس العجل المطبوخ
 

«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (3-3): «الزمن الجميل» يرسم صورة «الرئيس الأرستقراطي» المتأرجح بين التقليد والحداثة

 


مقالات ذات صلة

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

كتب مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة...

«الشرق الأوسط» (الرباط)
ثقافة وفنون ليلى سليماني

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال

عمر شهريار

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).


نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19
TT

نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة التي تنتمي إلى القرن الـ19، وتكشف عن حضور مبكر لأسئلة الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في الفكر المغربي.

وجاء في تقديمه: «هذا الكتاب لا يكتسب قيمته من كونه مخطوطاً تراثياً فحسب، بل من كونه أيضاً وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.

ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء الأسرة السنوسية المعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بالمشرق وأقام في تونس ومصر، بما أتاح له الاحتكاك بمحيط فكري وسياسي أوسع من المجال المحلي. وهذا الامتداد في التكوين والتجربة يفسّر الأفق الرحب الذي يتحرك فيه الكتاب؛ إذ لا يقتصر على معالجة شأن جزئي أو قضية وعظية محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع المسلمين، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم.

ومن هذه الزاوية، «يبدو (النور اللامع...) نصّاً يتجاوز طابعه المخطوط إلى كونه مساهمةً فكريةً في النقاش الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر».

فالمؤلف يجعل من فكرة «الأصل الجامع» محوراً مركزياً في كتابه، «أي ذلك الأساس الذي ينبغي أن تلتئم حوله الأمة، وأن تُردّ إليه الفروع المتفرقة، حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للضعف والانقسام. وهي فكرة تمنح النص بعداً وحدوياً واضحاً، وتجعله قريباً من الأفق الذي عُرف لاحقاً بفكرة (الجامعة الإسلامية)».

والكتاب وُجّه إلى السلطان الحسن الأول، «وهو لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية العامة، بل يقدّم تصوراً مترابطاً يربط بين الإصلاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام.

فالوحدة هنا ليست شعاراً عاطفياً، وإنما أصل من الأصول التي تتوقف عليها مصالح الأمة الكبرى، في نظر المؤلف، وهو ما يمنح النص بعداً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الوعظ والتذكير». جاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح في العرض والتأليف؛ إذ يبدأ المؤلف بتأصيل الفكرة وبيان مشروعيتها، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة والمعاني التي تسندها، قبل أن يختم بالنتائج العملية المترتبة على الاجتماع والوحدة، في مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار.

وهذا التماسك في البناء يدل على أن النص كُتب بوصفه رسالةً فكريةً مقصودة، لا خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة.