الأمم المتحدة: 75 % من سكان الشرق الأوسط يعانون اقتصادياً بفعل الأزمات العالمية الأخيرة

«أهداف التنمية المستدامة» تحقق نجاحات في مجالات وتواجه تحديات كبرى

نافيد حنيف مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية
نافيد حنيف مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية
TT

الأمم المتحدة: 75 % من سكان الشرق الأوسط يعانون اقتصادياً بفعل الأزمات العالمية الأخيرة

نافيد حنيف مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية
نافيد حنيف مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية

أكد مسؤولون في الأمم المتحدة ﻟ«الشرق الأوسط» أنّ الأزمات الكبرى التي يواجهها العالم، وأخطرها الحرب في أوكرانيا، أدّت إلى تداعيات اقتصاديّة وغذائيّة خطيرة على 75% من سكان الشرق الأوسط والمنطقة العربية.
اعتمدت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالإجماع في العام 2015 أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، والتي تُعرف أيضاً باسم الأهداف العالمية، بوصفها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب، وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول العام 2030. وتهدف هذه الخطة إلى تحديد اتجاه السياسات العالمية والوطنية المعنية بالتنمية، وإلى تقديم خيارات وفرص جديدة لسدّ الفجوة بين حقوق الإنسان والتنمية. كما أنّها تشكّل إطاراً عاماً يوجّه العمل الإنمائي العالمي والوطني. وتكمّل أهداف التنمية المستدامة اﻟ17، أي إنّ نتائج العمل على هدف في مجال معيّن من هذه الأهداف، سيؤثر على النتائج في مجالات أخرى.
* أهداف التنمية المستدامة
يعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في نحو 170 دولة وإقليماً في العالم على تحقيق أهداف التنمية المستدامة عن طريق المساعدة في القضاء على الفقر، والحد من عدم المساواة، وبناء القدرة على الصمود حتى تتمكن البلدان من الحفاظ على التقدم. وبصفته وكالة التنمية التابعة للأمم المتحدة، يلعب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي دوراً حاسماً في مساعدة البلدان على تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وحدّد البرنامج أهداف التنمية المستدامة بالتالي: القضاء على الفقر، والقضاء التام على الجوع، والصحة الجيدة والرفاهية، والتعليم الجيد، والمساواة بين الجنسين، والمياه النظيفة والنظافة الصحية، وطاقة نظيفة وبأسعار معقولة، والعمل اللائق ونمو الاقتصاد، والصناعة والابتكار والبنية التحتية، والحد من أوجه عدم المساواة، وتنمية مستدامة للمدن والمجتمعات، والاستهلاك والإنتاج المسؤولين، والعمل المناخي، والحياة تحت الماء (الحفاظ على الحياة البحرية)، والحياة في البرّ، والسلام والعدالة والمؤسسات القوية، وعقد الشراكة لتحقيق الأهداف.
* ميزات «أهداف التنمية المستدامة 2030»
حسب مفوّضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان، «تتميّز أهداف التنمية المستدامة 2030 بأنّها (عالميّة)، ففي حين أن الأهداف الإنمائية للألفية (التي اتفقت الدول الأعضاء للأمم المتحدة سنة 2000 على تحقيقها للعام 2015) تنطبق بشكل عام على البلدان المعروفة بالبلدان النامية، فإن أهداف التنمية المستدامة هي بمثابة إطار عالمي بكلّ ما تنطبق على جميع البلدان. ويتعيّن على جميع البلدان إحراز تقدم نحو تحقيق التنمية المستدامة، ومواجهة التحديات المشتركة والفريدة التي تعترض سبيل تحقيق أبعاد التنمية المستدامة الكثيرة التي تتضمنها أهداف التنمية المستدامة».
وتَعِدُ خطة عام 2030، إلى جانب التزامها بتحقيق سلسلة واسعة من الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، ببناء «مجتمعات أكثر سلاماً وعدلاً واحتضاناً للجميع، تخلو من الخوف والعنف»، وتهتمّ بشكل خاص بالحوكمة الديمقراطية وسيادة القانون والوصول إلى العدالة والأمن الشخصي (الهدف 16)، وبتهيئة بيئة دولية مؤاتية. وبالتالي، تغطي الخطة قضايا تعني كامل حقوق الإنسان، بما في ذلك الحقوق الاقتصادية والمدنية والثقافية والسياسية والاجتماعية والحق في التنمية.
وخطّة 2030 حسب مفوّضيّة حقوق الإنسان، هي كذلك جامعة، تسعى إلى جمع شمل الجميع من دون أي استثناء، وترنو إلى بناء «عالم يسود جميع أرجائه احترام المساواة وعدم التمييز» بين البلدان وداخلها، بما في ذلك المساواة بين الجنسين، وذلك بإعادة تأكيد مسؤوليات جميع الدول «احترام حقوق الإنسان وحمايتها وتعزيزها، دونما تمييز من أي نوع، أكان على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غيره من الآراء أو الأصل القومي والاجتماعي، أو على أساس الملكية أو الميلاد أو الإعاقة، أو على أي أساس آخر».
* أهداف التنمية المستدامة بحلول 2030
في حديثه لصحيفة «الشرق الأوسط»، يقول نافيد حنيف، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لـ«إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية» التابعة للمنظمة الأممية، مجيباً عن سؤالنا عمّا إذا كان يمكن تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول العام 2030، إنّ «تحقيق الأهداف يختلف من بلد إلى آخر. فرغم تحقيق التقدّم في الكثير من المجالات، فإنّه وبسبب الحرب، حصل انكماش اقتصادي انعكس على بعض أهداف التنمية المستدامة، مثل ازدياد الفقر والجوع». وأشار إلى وجوب تصميم سياسات لتحقيق أهداف التنمية المستدامة والعودة بالتالي إلى المسار الصحيح.
وصرّح نافيد حنيف لدى سؤال «الشرق الأوسط» له عن مدى سعي الدول العربية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بأنّ «95% من الدول العربية باستثناء اليمن، قد أتت إلى الأمم المتحدة لإبداء ملاحظات حول التقدم الذي أحرزته بشأن أهداف التنمية المستدامة، أو عدم تقدمها، لذا فهم جميعاً ملتزمون ويريدون جميعاً رؤية أجندة أهداف التنمية المستدامة تتحقّق (في دولهم)».
وقال حنيف إنّه في حين أنّ «الأهداف الإنمائية للألفية» التي عملت عليها الأمم المتحدة (بين العامين 2000 و2015)، قد نجحت إلى حد كبير، و«قمنا بتخفيض الجوع بشكل كبير، وخفض معدل وفيات الأطفال... وقد تم تحقيق الكثير من الأهداف»، فإنّ «أهداف التنمية المستدامة» (2015 - 2030) أوسع بكثير من الأهداف الإنمائية للألفية. وأهداف التنمية المستدامة تتعلق بتغيير الطريقة التي نعيش بها على هذا الكوكب، وليس فقط القضاء على الفقر والجوع، ولكن أيضاً مرتبطة بتغيير سلوكنا الاستهلاكي. بالنظر إلى الهجرة والتصنيع والبنية التحتية وغيرها.
* منجزات وتحديات
يعطي السيد حنيف أمثلة كثيرة لما تمّ تحقيقه من منجزات حتّى الآن، منها إحراز التقدّم في مجال توفير الحكومات الطاقة بأسعار معقولة، والتقدّم في المساواة بين الجنسين، على حدّ تعبيره، وكذلك في مجال البنية التحتية للتصنيع. ويشير حنيف في حديثه عن التحديات التي تواجه تحقيق أهداف التنمية المستدامة، إلى «تحدّي عدم الاستقرار الجيوسياسي بسبب الحرب والتوتر في العالم، وإلى التحدي المالي (التدهور الاقتصادي)، إذ تراجعت الإيرادات، وأنفقت الحكومات الأموال على مكافحة الوباء والكثير منها لم يتبقَّ لديها أموال للاستثمار. وهم يواجهون الحرب. كما أننا نواجه تحدي الافتقار إلى التعاون العالمي».
وفيما خصّ تحدّي انعكاس الأزمات العالمية الأخيرة (بشكل خاص «كوفيد - 19»، والحرب في أوكرانيا، والتغيّر المناخي) على دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أشارت «مجموعة الأمم المتحدة للاستجابة للأزمات الدوليّة» في تحليلها لأرقام اللجان الاقتصاديّة التابعة للأمم المتحدة التي درست انعكاسات الأزمات العالمية الكبرى التي يواجهها عالم اليوم، إلى أنّ 63% من سكّان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تأثروا بشدّة (اقتصادياً وغذائياً) بفعل زيادة أسعار المواد الغذائية، و75% من سكان هذه المنطقة تأثّروا بشكل حاد بأزمة الطاقة، و75% منهم تأثّروا بشدّة أيضاً بتراجع الموارد الماليّة. وازداد متوسّط معدّل الدين العام للدول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من 66.6% إلى 74.5% من قيمة الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول.
* انعكاسات الحرب في أوكرانيا
تشكّل الحرب في أوكرانيا عاملاً سلبياً بالغ التأثير يعيق تحقيق أهداف التنمية المستدامة ويؤخّرها. فحسب تقرير «مجموعة الاستجابة للأزمات العالمية» التابعة للأمم المتحدة عن التأثير العالمي للحرب في أوكرانيا، فإنّ مليارات البشر يواجهون أعظم تكلفة معيشة في الجيل الأخير، بسبب الارتفاع الكبير في أسعار السلع. ومن المحتمل أن تؤدي الحرب في أوكرانيا، وغيرها من الأزمات مثل (كوفيد – 19، والتغيّر المناخي)، إلى الدفع بما يصل إلى 95 مليون شخص (إضافي) حول العالم نحو الفقر المدقع. وأدت الحرب في أوكرانيا كذلك إلى زيادة عالميّة كبيرة في عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع الحاد بلغت نحو 47 مليون شخص إضافي. فزاد عدد هؤلاء الأشخاص من 276 مليوناً في 81 دولة حول العالم إلى نحو 323 مليون شخص.
* إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية
لأجل المساعدة في مواجهة التحديات والسير في استراتيجيات تؤمّن التنمية المستدامة للدول، تساعد «إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية» التابعة للأمم المتحدة، البلدان النامية على تقييم احتياجاتها، لمعرفة الكلفة (المالية) لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. يقول نافيد حنيف في هذا الإطار: «نرسل إليهم خبراء، ونعمل معهم أيضاً، و(نقدّر) مقدار الأموال التي يحتاجون إليها، وكيف يمكن مواءمة ميزانياتهم مع أهداف التنمية المستدامة». ويضيف: «نساعدهم في التخطيط المالي، ويسمى (أطر التمويل الوطنية المتكاملة) INFF الذي يساعدهم في الحصول على استراتيجية تمويل. كذلك نساعد البلدان النامية على جلب المشاريع، والقطاع الخاص يجلس معهم ويتمّ تقييم ما إذا كانت المشاريع ستفي بمعايير أهداف التنمية المستدامة».
* مشاريع المستقبل للتنمية المستدامة
يشير حنيف إلى أنّ المشاريع التي تحاول الأمم المتحدة أن تجعل البلدان النامية تستثمر فيها، هي تحوّل الطاقة، الهيدروجين الأخضر... فتجلب هذه البلدان مشاريعها، وتدعو الأمم المتحدة المستثمرين. على سبيل المثال، حسب حنيف، «يقدّم صندوق (منصة الاستثمار في البنية التحتية المستدامة) استثماراً يبدأ بمليار دولار لاستخدامه فقط للبلدان النامية للاستثمار في بنيتها التحتية، وهذه مجرد البداية، وسوف يفعلون أكثر من ذلك بكثير».
وتنظّم الأمم المتّحدة العام القادم قمة أهداف التنمية المستدامة في سبتمبر (أيلول) 2023 -تقام القمة كلّ 4 سنوات وهي الثانية منذ إطلاق أهداف التنمية المستدامة سنة 2015- و«تقدّم القمّة، وفق نافيد حنيف، على أنها رسالة تركّز على الناس. فعلى الكوكب أن يخدم الناس، ويجب على الاقتصاد أن يخدم الناس. الناس يعانون، فالجوع والفقر قد ارتفع، وهم يكافحون بوجه التضخم، لذا فإن القمة ستعطي دفعة جديدة لأهداف التنمية المستدامة». ويضيف: «إنه من خلال تلك القمة، نتصدى لهذه التحديات التي يواجهها الناس. سندعو أيضاً لزيادة التمويل، وقد طالب الأمين العام بزيادة الإنفاق العام على الصعيدين الوطني والعالمي، للاستثمار في أهداف التنمية المستدامة. ونحضّ مجموعة العشرين على اتخاذ تدابير إضافية لتوفير الموارد حتى يتمكن الناس من إعادة أهداف التنمية المستدامة إلى المسار الصحيح». وأشار إلى وجوب تحقيق أهداف التنمية المستدامة كل يوم، معتبراً أنّ قمّة سبتمبر المقبل يجب أن تكون نقطة تحوّل لإعادة المسار الصحيح إلى أهداف التنمية المستدامة (بمعنى مسار التقدم بتحقيق هذه الأهداف)، كما شدّد على أنّ «أهداف التنمية المستدامة هي للناس، ودور الأمم المتحدة مساعدتهم، ودعمهم بشكل دائم». وأضاف متوجّهاً إلى كلّ فرد: «التغيير يبدأ بك... غيّر سلوكك الاستهلاكي، فأنت بذلك تحقق أهداف التنمية المستدامة».


مقالات ذات صلة

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

العالم العربي تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

أعلن النائب التونسي ثابت العابد، اليوم (الثلاثاء) تشكيل «الكتلة الوطنية من أجل الإصلاح والبناء»، لتصبح بذلك أول كتلة تضم أكثر من 30 نائباً في البرلمان من مجموع 151 نائباً، وهو ما يمثل نحو 19.8 في المائة من النواب. ويأتي هذا الإعلان، بعد المصادقة على النظام الداخلي للبرلمان المنبثق عمن انتخابات 2022 وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي برلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية، لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي. ومن المنت

المنجي السعيداني (تونس)
العالم العربي مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

بدأت مصر في مايو (أيار) الحالي، تحريكا «تدريجيا» لأسعار سلع تموينية، وهي سلع غذائية تدعمها الحكومة، وذلك بهدف توفير السلع وإتاحتها في السوق، والقضاء على الخلل السعري، في ظل ارتفاعات كبيرة في معدلات التضخم. وتُصرف هذه السلع ضمن مقررات شهرية للمستحقين من أصحاب البطاقات التموينية، بما يعادل القيمة المخصصة لهم من الدعم، وتبلغ قيمتها 50 جنيهاً شهرياً لكل فرد مقيد بالبطاقة التموينية.

محمد عجم (القاهرة)
العالم العربي «الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

«الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

نفت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا «بشكل قاطع»، دعمها أياً من طرفي الحرب الدائرة في السودان، متوعدة بتحريك دعاوى قضائية محلياً ودولياً ضد من يروجون «أخباراً كاذبة»، وذلك بهدف «صون سمعتها». وأوضحت المؤسسة في بيان اليوم (الاثنين)، أنها «اطلعت على خبر نشره أحد النشطاء مفاده أن المؤسسة قد تتعرض لعقوبات دولية بسبب دعم أحد أطراف الصراع في دولة السودان الشقيقة عن طريق مصفاة السرير»، وقالت: إن هذا الخبر «عارٍ من الصحة». ونوهت المؤسسة بأن قدرة مصفاة «السرير» التكريرية «محدودة، ولا تتجاوز 10 آلاف برميل يومياً، ولا تكفي حتى الواحات المجاورة»، مؤكدة التزامها بـ«المعايير المهنية» في أداء عملها، وأن جُل ترك

جمال جوهر (القاهرة)
العالم العربي طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

أعلن كلّ من الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» تمديد أجل الهدنة الإنسانية في السودان لمدة 72 ساعة إضافية اعتباراً من منتصف هذه الليلة، وذلك بهدف فتح ممرات إنسانية وتسهيل حركة المواطنين والمقيمين. ولفت الجيش السوداني في بيان نشره على «فيسبوك» إلى أنه بناء على مساعي طلب الوساطة، «وافقت القوات المسلحة على تمديد الهدنة لمدة 72 ساعة، على أن تبدأ اعتباراً من انتهاء مدة الهدنة الحالية». وأضاف أن قوات الجيش «رصدت نوايا المتمردين بمحاولة الهجوم على بعض المواقع، إلا أننا نأمل أن يلتزم المتمردون بمتطلبات تنفيذ الهدنة، مع جاهزيتنا التامة للتعامل مع أي خروقات». من جهتها، أعلنت قوات «الدعم السريع» بقيادة م

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي «السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

«السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

في وقت يسارع سودانيون لمغادرة بلادهم في اتجاه مصر وغيرها من الدول، وذلك بسبب الظروف الأمنية والمعيشية المتردية بالخرطوم مع استمرار الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، يغادر عدد من السودانيين مصر، عائدين إلى الخرطوم. ورغم تباين أسباب الرجوع بين أبناء السودان العائدين، فإنهم لم يظهروا أي قلق أو خوف من العودة في أجواء الحرب السودانية الدائرة حالياً. ومن هؤلاء أحمد التيجاني، صاحب الـ45 عاماً، والذي غادر القاهرة مساء السبت، ووصل إلى أسوان في تمام التاسعة صباحاً. جلس طويلاً على أحد المقاهي في موقف حافلات وادي كركر بأسوان (جنوب مصر)، منتظراً عودة بعض الحافلات المتوقفة إلى الخرطوم.


اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.