مقاربة مغايرة من سياسي أوروبي لمستقبل التجربة الأميركيّة

التاريخ عند ماسيس لا ينتهي... بل بدأ للتوّ

مقاربة مغايرة من سياسي أوروبي لمستقبل التجربة الأميركيّة
TT

مقاربة مغايرة من سياسي أوروبي لمستقبل التجربة الأميركيّة

مقاربة مغايرة من سياسي أوروبي لمستقبل التجربة الأميركيّة

إذا تأمل المرء عناوين الكتب المعنيّة باستطلاع مستقبل التجربة الأميركيّة، التي صدرت خلال العقد الأخير، لا فرق أكانت نتاج فكر الاقتصاد السياسي، أو من إبداعات الروائيين، فسيجد دون شك ثيمة واحدة غالبة تجمع بينها كخيط ذهبيّ؛ هذه أمّة تتجه للانحدار.
أول المنذرين كان بروس أكيرمان في «انحطاط وسقوط الجمهوريّة الأميركيّة – 2010» الذي اعتبر أن نظام الترشيح الرئاسي القائم سينتج مزيداً من الرؤساء الشعبويين من خارج المؤسسة السياسيّة الذين سيصلون إلى المنصب التنفيذي الأهم في الولايات المتحدة من خلال حشد الرأي العام وراء أجندات متطرفة وغير واقعيّة، وأن هؤلاء سيعتمدون في إداراتهم على ولاء المقربين لا كفاءة البيروقراط، وسيعمدون إلى التلاعب بالدّستور أو إيجاد الذرائع لتجاوزه وهكذا سيسقط النظام بفساد أعلى رأسه. ومن الملاحظ أن أكيرمان كان يكتب قبل 5 سنوات كاملة من انتخاب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب.
ويبدو أن سياق الأحداث في الولايات المتحدة مكّن لتشاؤم أكيرمان من الغلبة على المزاج الجمعي الذي شرع يتقبل بشكل متزايد سرديّة الانحطاط المحتّم لمجمل التجربة، فأصبحت روايات ديستوبيا أميركيّة مثل «تروبيك أوف كانساس – 2017» لكريستوفر براون، و«حرب أميركيّة - 2018» لعمر العقّاد الأكثر مبيعاً؛ حيث تتحوّل الولايات المتحدة في خضمّها إلى أكبر دولة فاشلة في العالم، يحكمها رئيس فاشيّ، وتغطي سماءها درونات قاتلة، وتسيطر على شوارعها الميليشيات، وتتحول ملاعبها الرياضيّة إلى سجون ضخمة، وتندلع فيها حروب أهليّة، فيما تضطر المكسيك لحفظ أمن حدودها إلى غزو ولاية تكساس الجنوبيّة.
وإذا كان منهج أكيرمان وروائيّي الديستوبيا الجديدة وصف انحطاط أميركا من بوابة السياسة، فإن آخرين، مثل ديفيد كليون في مقالته ذائعة الصيت «الإمبراطوريّة الأميركيّة رجل القرن الحادي والعشرين المريض» (انظر دورية الفورين بوليسي عدد 2 أبريل – نيسان 2019) اعتبروا أن فشل التجربة الأميركيّة مرده دور النخب المتنفذة التي حوّلت الجمهوريّة إلى منصّة معولمة للفساد وسوقاً تتبارى فيه أطراف مشبوهة من جهات العالم الأربع على شراء الذمم والتأثير على القرارات، في الوقت الذي تحولت فيه الشركات الأميركيّة الكبرى إلى متعددة جنسيات، تتوزع عملياتها عبر الكوكب، ويديرها تنفيذيون تترابط مصالحهم وولاءاتهم مع تنفيذيين زملاء لهم من جنسيات متعددة أكثر مما يجمعهم ببقية الأميركيين. وكتب تيرلر كوين في «انحطاط وسقوط الإمبراطوريّة الأميركيّة – 2018» أنّ مقتل النظام الأميركي سيكون من بوابة الاقتصاد تحديداً؛ حيث تباطأ نمو الإنتاجيّة وتضخمت الديون الفيدراليّة ولم يعد أمام الحكومات سوى اللجوء إلى تعظيم الضرائب أو تقليل الإنفاق العام على نحو أضعف قدرة البلاد على تجديد بنيتها التحتيّة أو المحافظة على تفوقها التكنولوجيّ.
في مواجهة كلّ هذا الصخب المتشائم حول مستقبل التجربة الأميركيّة، تأتي من الجهة الأخرى للأطلسي مقاربة مغايرة تماماً من البرتغالي برونو ماسيس الذي يرفض حتميّة سقوط روما المعاصرة، ويذهب إلى حد التبشير بإرهاصات ولادة جديدة للتاريخ الأميركيّ، واستحالة انتهاء هيمنة الولايات المتحدّة حتى في ظل سقوط الغرب الأوروبي أو صعود القوى الآسيويّة (الصين والهند) أو كليهما معاً.
شغل ماسيس منصب وزير الدولة البرتغالي للشؤون الأوروبية من عام 2013 إلى عام 2015 وهو الآن زميل غير مقيم في معهد هدسون ومؤلف لعدة كتب ترصد آفاق مستقبل القوى الكبرى، لعل أهمها «فجر أورآسيا... على درب النظام العالمي الجديد – 2018»، و«الحزام والطريق... نظام عالمي صيني – 2018»، إضافة إلى كتابه الذي رشّح للقائمة الطويلة لجائزة أورويل للعام 2021، «التاريخ قد بدأ للتوّ... ولادة أميركا الجديدة» (2020).
يتعمق ماسيس في مسألة الوجود الغربي بعمومها، ويرى معالم لا تنكر لانحطاط أوروبا الغربية الضعيفة والمتحللة، لكنّه يندفع بحماسة لمواجهة الفكرة الزاعمة بأن أميركا ستحذو في الانحطاط حذو القارة القديمة الأم، إذ يعتقد أنّ الولايات المتحدة تشهد تحولاً، وقد وصلت إلى مشارف ولادة جديدة أو أنها تسير بالفعل تجاه نقطة انطلاق ستدفعها إلى الأمام، مدعياً أنه «بالنسبة لأميركا، فإن عصر بناء الأمة قد انتهى، ولقد بدأ عصر بناء العالم». نظريّة ماسيس هنا تستند إلى حقيقة عمليّة واحدة، وهي أن الولايات المتحدة بالفعل القوّة العظمى الوحيدة في العالم، فيما أوروبا تتراجع، وروسيا تفتقد للقدرة على تأسيس ثقافة متباينة مع الغرب، وتقصر الصين إلى الآن عن مقارعة الجبروت الأميركي، وإن كنت هي القوّة الوحيدة التي قد تفعل ذلك مستقبلاً بحكم منظومة قيمها القويّة التي تمنع ذوبانها في الثقافة الأميركيّة.
ماسيس يرى أن هذه الولادة الجديدة للتجربة الأميركيّة ستخلق صيغة عيش ذات خصائص ليست غربيّة بالمفهوم الكلاسيكي، وإنما تكتفي باستلهام التراث الأوروبي كمكون واحد من جملة مكونات فحسب، وبعكس ما يرى المؤرخون التقليديون الذين طالما اعتبروا الولايات المتحدة جناحاً غربياً وامتداداً طبيعياً للتجربة الأوروبيّة. ولذا، وفق ماسيس فإن سقوط المشروع الغربي في نسخته الأوروبيّة لا ينسحب بالضرورة على الجانب الأميركيّ، والأخير قادر تماماً على المباعدة بنفسه عن آثار ذلك السقوط.
يستقرئ ماسيس صيغة المجتمع الليبرالي الأميركيّة التي تسمح لكثير من المذاهب المختلفة والمتناقضة بالازدهار، شريطة أن يتفقوا جميعاً في النهاية على بعض المبادئ السياسية الأساسية، بما يسمح بالحفاظ على النسيج الاجتماعي والاقتصادي في شكله القائم، لكن مع منح كل شخص حرية الخروج عن الأعراف في حياته الشخصيّة، وهي ليبرالية قد لا تتوافق كثيراً مع المزاج الأوروبي الذي يلمح هتلراً وراء كل مختلف، لكنّها كفيلة باستمرار دوران عجلة الرأسماليّة. ويرصد هنا ما يمكن تسميته بالظاهراتية السياسيّة في المجتمع حيث الجميع ينظر إلى العالم والآخرين بشكل درامي ويتعايش الجميع سياسيين ومواطنين معاً بوصف كل منهم صاحب حكاية رؤيوية سهلت من تعملقها في خيالاتهم وسائل التواصل الاجتماعيّ. ويقول ماسيس إن على الولايات المتحدة لتأبيد هيمنتها أن تضمن لكل جزء صغير من العالم إمكانيّة متابعة طريقة حياته الخاصة بذات النهج الليبرالي الأميركي دون التحوّل إلى أميركيين، وهذا يعني بالضرورة منع أي قوى كبرى من مدّ سيطرتها على مجتمعات أخرى، وبالتالي إلغاء إمكانيّة فرض منظومات قيم قد تتناقض مع الليبرالية الأميركيّة. وفي هذا السياق تبدو العمليّة الديمقراطيّة عند ماسيس أقرب إلى محاولة دوريّة للجمع بين عدة حكايا لشخصيات مختلفة في وقت واحد، وتحديد أيها يمتلك مجالاً للنمو، وأيّها يجب أن يلعب دوراً ثانوياً أو ينتقل إلى الخلفية، ما يخلق فضاء صحياً لإعادة توليد النخب وجدل الرؤى.
طَرْح ماسيس في «التاريخ قد بدأ للتوّ» طموح وشجاع، وإن رآه البعض أقرب إلى بضاعة تاجر أوهام نظريّة يروّج للنفوذ الأميركي، لا يقلّ في جموحه الفكري عن أنبياء الانحطاط على الجانب الآخر. لكن على أي حال، فإن تأملاته العميقة وطريقته في نسج صورة كبرى من تفاصيل صغرى متفرقة مثيرة للإعجاب، وما أن يدلّ قارئه على ظاهرة ما تحت السطح حتى تعلق بذهنه، ولا يعد بقادر على ألا يراها، ناهيك أن نثره قراءة ممتعة للغاية، ومثيرة للتفكير.


مقالات ذات صلة

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط

ترمب يهدد بضرب الجسور ومحطات توليد الكهرباء في إيران

الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يهدد بضرب الجسور ومحطات توليد الكهرباء في إيران

الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

هدد الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب، الخميس، بقصف وتدمير الجسور ومحطات توليد ‌الكهرباء في ‌إيران، ​في ‌أحدث ⁠تحذيراته ​باستهداف البنية التحتية ⁠للبلاد.

وكتب ترمب في منشور على وسائل التواصل ⁠الاجتماعي، أن ‌الجيش الأميركي «لم ‌يبدأ ​حتى ‌الآن ‌في تدمير ما تبقى في إيران. الجسور ‌هي الخطوة التالية، ثم محطات توليد ⁠الكهرباء».

وأضاف ⁠في المنشور أن القيادة الإيرانية «تعرف ما الذي يتعين فعله، ويجب فعله، وبسرعة!».


«مناقشات» لمغادرة مزيد من مسؤولي إدارة ترمب من بينهم مدير «إف.بي.آي»

أرشيفية لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل خلال مؤتمر صحافي بالقرب من البيت الأبيض (د.ب.أ)
أرشيفية لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل خلال مؤتمر صحافي بالقرب من البيت الأبيض (د.ب.أ)
TT

«مناقشات» لمغادرة مزيد من مسؤولي إدارة ترمب من بينهم مدير «إف.بي.آي»

أرشيفية لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل خلال مؤتمر صحافي بالقرب من البيت الأبيض (د.ب.أ)
أرشيفية لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل خلال مؤتمر صحافي بالقرب من البيت الأبيض (د.ب.أ)

أفادت مجلة ​«ذي أتلانتيك» يوم الخميس نقلاً عن مصادر مطلعة على خطط ‌البيت ‌الأبيض، ​بأن ‌هناك مناقشات ⁠تدور ​حول مغادرة ⁠مدير مكتب التحقيقات الاتحادي «إف.بي.آي» كاش باتيل، ووزير ⁠الجيش دانيال ‌دريسكول، ووزيرة ‌العمل ​لوري شافيز-ديريمر ‌من ‌إدارة الرئيس دونالد ترمب.

وذكرت المجلة أن ‌التوقيت غير محدد وأن ⁠ترمب لم ⁠يتخذ قراره بعد.


طاقم «أرتميس 2» يختبر كاميراته من المدار قبل الانطلاق نحو القمر

تُظهر هذه الصورة المأخوذة من فيديو قدمته وكالة ناسا الأرض (يسارا) من مركبة أوريون الفضائية أثناء تشغيل محركاتها متجهةً نحو القمر (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة المأخوذة من فيديو قدمته وكالة ناسا الأرض (يسارا) من مركبة أوريون الفضائية أثناء تشغيل محركاتها متجهةً نحو القمر (أ.ب)
TT

طاقم «أرتميس 2» يختبر كاميراته من المدار قبل الانطلاق نحو القمر

تُظهر هذه الصورة المأخوذة من فيديو قدمته وكالة ناسا الأرض (يسارا) من مركبة أوريون الفضائية أثناء تشغيل محركاتها متجهةً نحو القمر (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة المأخوذة من فيديو قدمته وكالة ناسا الأرض (يسارا) من مركبة أوريون الفضائية أثناء تشغيل محركاتها متجهةً نحو القمر (أ.ب)

اختتم رواد فضاء مهمة «أرتميس 2» التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) يوم الخميس يومهم الأول في الفضاء باختبار الكاميرات التي سيستخدمونها، وذلك بالتقاط صور للأرض وهي تتضاءل ببطء خلال انطلاقهم إلى الأعلى قبل ساعات من مغادرتهم المدار متجهين نحو القمر.

وقال قائد المجموعة ريد وايزمان لمركز مراقبة المهمة في هيوستن بينما كان يلتقط صورا لكوكب الأرض باستخدام هاتف آيفون «الأمر مثل الخروج إلى الفناء الخلفي لمنزلك ومحاولة التقاط صورة للقمر. هذا هو الشعور الذي ينتابني الآن وأنا أحاول التقاط صورة للأرض». وأضاف وايزمان أن التقاط الصور من على بعد أكثر من 40 ألف ميل (64 ألف كيلومتر) من الأرض، حيث يبدو الكوكب ككرة صغيرة متوهجة بضوء الشمس، جعل من الصعب ضبط إعدادات التعرض الضوئي على كاميرا الهاتف.

ويحمل رواد الفضاء الأربعة في بعثة «أرتميس 2» التابعة لوكالة ناسا، التي انطلقت من فلوريدا في الساعة 6:35 مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة (2235 بتوقيت غرينتش) يوم الأربعاء، عدة أجهزة مختلفة على متن المركبة لالتقاط صور للفضاء من داخل كبسولة أوريون طوال الرحلة.

وتشمل هذه الأجهزة كاميرا «غو برو» صغيرة وأجهزة آيفون وكاميرات نيكون الاحترافية، وهي علامة تجارية مألوفة أكثر لرواد الفضاء التابعين لوكالة ناسا الذين استخدموها في محطة الفضاء الدولية لسنوات. ولم تنشر ناسا حتى الآن أي صور التقطها الطاقم، لكنها تتوقع نشرها في وقت لاحق من المهمة بعد لحظات أكثر إثارة.

وفي اليوم السادس من المهمة، من المتوقع أن يصل رواد الفضاء إلى مسافة تبلغ حوالي 252 ألف ميل من الأرض، وهي أبعد نقطة وصل إليها البشر على الإطلاق، حيث سيبدو الكوكب بحجم كرة السلة خلف الجانب المظلم من القمر.