نوريا غارسيا ماسيب: تعلّم فن الخط العربي يشبه الموسيقى والباليه

لمسات ثقافية متنوعة في «ملتقى الشارقة للخط»

«حسبه وهو نبي بشر أنه قد أيقظ الكون وناما» أبيات للشاعر عزيز أباظة تخطيط نوريا غارسيا
«حسبه وهو نبي بشر أنه قد أيقظ الكون وناما» أبيات للشاعر عزيز أباظة تخطيط نوريا غارسيا
TT

نوريا غارسيا ماسيب: تعلّم فن الخط العربي يشبه الموسيقى والباليه

«حسبه وهو نبي بشر أنه قد أيقظ الكون وناما» أبيات للشاعر عزيز أباظة تخطيط نوريا غارسيا
«حسبه وهو نبي بشر أنه قد أيقظ الكون وناما» أبيات للشاعر عزيز أباظة تخطيط نوريا غارسيا

في «ملتقى الشارقة للخط» الذي ينعقد حتى الثلاثين من الشهر المقبل، ويشارك فيه عشرات الخطاطين بمئات الأعمال، من مختلف أنحاء العالم، ثمة فئة لفتت الانتباه، ليس فقط لطبيعة المعروضات، ولكن أيضاً لأن لكل الخطاطين الأجانب المشاركين قصة، تستحق أن تروى بعلاقته مع الخط. من بين أشهر هؤلاء الإسبانية نوريا غارسيا ماسيب، التي ولدت في إسبانيا وكبرت في أميركا، والتحقت بجامعة جورج واشنطن لدراسة الأدب والفلسفة، فتتلمذت على يد الفيلسوف من أصول إيرانية سيد حسن نصر الذي له دراسات عديدة في الفلسفة الإسلامية، إضافة إلى دراستها للفنون التشكيلية المعاصرة.


الخطاطة نوريا غارسيا ماسيب

تقول «كنت أبحث عن لغة تعبيرية فنية تعكس ما يدور في داخلي، لم أجد في الفن المعاصر ضالتي؛ لذلك قررت أن أضع كل هذا جانباً. ولفتني سيد حسين نصر إلى أن بمقدوري أن أجد ما أبحث عنه في الفنون الإسلامية». سافرت نوريا إلى المغرب، بحثاً عن مبتغاها، وتحديداً إلى مدينة فاس. هناك تعلمت العربية والفنون التقليدية كالزخرف والخط. «أحببت كثيراً فن الخط، لبساطة الأدوات، حيث بمقدوري أن أفعل ما أريد إذا ما كان بحوزتي حبر وورقة وقصبة. قارنت ذلك بحاجة الفن التشكيلي المعاصر إلى مساحات كبيرة، وألوان كثيرة، ومعدات غير قليلة. أحببت بساطة الورقة البيضاء والحبر الأسود، كما الانضباط في هذا الفن. جذبتني كثيراً، فكرة الإعادة والحاجة لتكرار التمرين الواحد عشرات المرات، للوصول إلى النتيجة المرجوة. هذا الانضباط تحديداً؛ هو ما جعلني أشعر بالحرية التي كنت أبحث عنها».
تعتبر نوريا «أن تعلّم فن الخط يشبه تعلم الموسيقى. في الموسيقى يحتاج الإنسان إلى معرفة النوتات، ومن ثم التدرب، والإعادة، وتكرار التمرين. ووجدت في تعلم الخط، شيئاً مشابهاً لتعلم البالية الذي مارسته وأنا صغيرة، من ناحية معرفة القواعد وتطبيقها. لكن الوصول إلى نتيجة مميزة يحتاج إلى الكثير من المران، لتجاوز الخطوط العادية المعهودة، وبلوغ مرحلة الإبداع».
الذين يرغبون في تعلم الخط العربي تواجههم الصعوبات نفسها، هي العثور على أستاذ. فهذا فن لا يمكن أن تتعلمه بمفردك، أو أن تتابع بعض أفلام «يوتيوب»، أو تقرأ كتاباً يهديك إلى قواعد الكتابة. أنت في حاجة لمن يشرح لك، ثم يتابع، ويصحح عملك ويدفع بك إلى الأمام. ونوريا بعد عامين من الدرس على يد الخطاط الأميركي الشهير محمد زكريا الذي تصفه بأنه «المعلم الأكثر التزاماً بالقواعد وتشدداً في تطبيقها، بين الأساتذة الذين عرفتهم»، سافرت إلى تركيا عام 2003 لتجوّد عملها وتتتلمذ على يد شهير آخر في فن الخط هو حسن جلبي، أستاذ محمد زكريا نفسه، فأحالها إلى تلميذه داود بكداش، وباتت تلميذة للاثنين معاً. تعلمت نوريا التركية وبقيت سنتين في إسطنبول، حتى حين غادرتها بقيت على تواصل مع أساتذتها، إلى أن نالت شهادتها في الخط عام 2007. وهي تصف هذه الشهادة التي خوّلتها التعليم، بأنها كانت «مجرد بداية لمن يريد السفر في رحلة الخط».
متى يستطيع الخطاط أن يجدد؟ «حين يصبح له أسلوبه الشخصي. الخط تماماً كما قلت سابقاً، كالرقص والموسيقى، لعل عشرات الموسيقيين يعزفون لباخ، لكن القلة القليلة، وبعد سنوات طويلة من المراس تتمكن من عزف مقطوعات باخ بحس شخصي خاص ومتميز. بالنسبة لي أعتقد أنني بدأت أنحت أسلوبي الآن، بعد 22 سنة من التعلم والمراس».
نوريا أنهت الماجستير في جامعة السوربون، وتحضر حالياً الدكتوراه. «اتخذت هذه الخطوة، لأنني أحسست أنني أصبحت سجينة أسلوب معين في الخط، ومرحلة محدودة هي المدرسة العثمانية في القرن التاسع عشر. عالم الخط واسع وكبير. أنا درست كثيراً التطبيق والقليل من النظريات؛ لهذا أجدني في حاجة إلى هذا الجانب لأجدد نفسي، وأوسع افقي».
مهتمة الآن نوريا، من خلال أطروحتها، بالبحث في موضوع انتقال لوحات الخط من مكانها في بطون الكتب إلى تزيين الجدران. بدأ ذلك في القرن الخامس والسادس عشر، قبلها كنا نجد أعمال الخط في لفافات، أو مطويات، ومن ثم في الكتب والمؤلفات. بحسب نوريا، فإن «المتصوفة لعبوا دوراً كبيراً في انتقال الكتابات إلى الجدران، ليس من أجل الزينة، وإنما لأنها تؤدي غرضاً روحانياً. إنها كتابات تستحضر شيئاً ما في نفوس الناس، وتبعث طاقة، وهذا ما أبحث عنه. فرسم رمز، أو كتابة اسم شيخ الطريقة على الجدار مثل (يا حسرتي مولانا) المكتوبة في قونيا في كل مكان، لها وظيفتها».
تروي لنا نوريا، أن الطلب وفير على لوحات الخط، خاصة من تركيا. وأن الخطاط يمكنه أن يكسب رزقه من عمله هذا. أما التعليم فهي تقوم به مجاناً. نوريا نفسها تعلمت هذا الفن دون أي مقابل. «فأنا لم يسبق لي أن دفعت لأساتذتي. درست لفترة طويلة مجاناً في إسبانيا وألمانيا وفرنسا». وتستطرد «الآن الأمور تغيرت قليلاً. كان الأستاذ يقوم بمهمة التعليم من دون أي مقابل؛ لأنه يعتبر نفسه يقوم بمهمة الحفاظ على فن جليل في طريقه إلى الفناء. عدد المتعلمين من الجيل الجديد ازداد، لكنهم ينظرون إلى الخط من وجهة نظر تجارية. وهو ما لم يكن ليخطر لي على بال».

هناك الشغوفون فعلاً
دخل فن الخط إلى الجامعات، وصارت له مؤسسات تعليمية، في مصر كما في سوريا قبل الأحداث الأليمة، لكن نوريا تعتبر أن تعلم الخط في تركيا شأن آخر. «ما أحببته عند الأتراك، أنهم شغوفون، بما يفعلون. يتعاملون مع الخط بكثير من الحب والتفاني. أعتقد أنني لو تعلمت في دولة عربية لما أكملت، في تركيا حرمانهم من الخط العربي، منحهم هذا الإحساس بالخوف من فنائه، والدفاع عنه، وبذل كل جهد للحفاظ عليه».
نوريا المولودة لأبوين إسبانيين، كاثوليكيين، اعتنقا الإسلام في ستينات القرن الماضي، ولدت مسلمة، ولها تلامذة، صاروا محترفين في فن الخط، مثل بابلو كاسادو، المعروف باسم خالد الذي يرفض كما أستاذته اللجوء إلى التكنولوجيا، للتعامل مع الخط العربي، ويقول لنا «إن قيمة هذا الفن هي في المهارات اليدوية والشخصية لتجويد العمل». تعرّف كاسادو على شيوخ الخط في إسطنبول بفضل أستاذته وتتلمذ عليهم. وهو حاصل على إجازة في خط الثلث والنسخ.
وفي ملتقى الشارقة أيضاً عرضت الخطاطة الإيطالية أنتونيلا ليوني أعمالها، وتحدثت عن تجربتها مع الخط، وشغفها بمصر، التي استطاعت من خلال أساتذتها فيها، تجويد ما كانت قد تعلمته كمبتدئة، في لندن وجنوى وفرنسا. لكن تجربة الخطاط النيجيري عبد الله يوشع، تبدو من بين الأكثر تأثيراً. فقد نشأ محاطاً بالخط العربي في بيته، وجهد كثيراً ليجد من يعلمه هذا الفن في بلاده، دون أن يعثر على أستاذ. الجملة التي يكررها الخطاطون «هذا فن لا يمكن أن تتعلمه بمفردك، أنت في حاجة إلى من يدربك ويتابعك ويصحح عملك باستمرار». وكما غالبية الخطاطين المحترفين وجد يوشع ضالته في إسطنبول وحصل على شهادته، وعاد إلى نيجيريا. هناك أراد أن يوفر الفرصة لمن يريد تعلم الخط في مؤسسة أو معهد. وبالفعل أسس يوشع مدرسته، وكي يحل مشكلة الأدوات التي كانت تنقصه حين ابتدأ التعلم، أخذ هو وطلابه ينحتون القصبات، ويعملون على صناعة المعدات التي يحتاجون إليها بأيديهم.
وهناك أيضاً الخطاط محمد هوبي الجنوب أفريقي، الذي انتقل هو الآخر إلى تركيا وتعلم الخط، وحصل على الجنسية التركية، وهو الآن مقيم هناك.
ليس تعلم فن الخط متاحاً أينما كان. من يريد تعلمه يحتاج إلى أسفار وبحث وتضحيات شاقة. رحلة الدرس بحد ذاتها طويلة، أما تجويد العمل، فتلك مشقة أخرى، دونها عقبات. «ملتقى الشارقة للخط» من بين الفرص العربية القليلة التي تتيح لأصحاب الشغف الواحد، الالتقاء، تبادل الخبرات، عرض الأعمال، والفوز بمسابقات، ومقارنة التجارب.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.


مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
TT

مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)

عادت مهنة «البواب - السمسار» إلى الواجهة في مصر، وسط جدل مجتمعي، على خلفية القبض على حارس عقار هدَّد طبيبة بالخطف، لرغبته في الحصول على عمولة «سمسرة» عقب شرائها شقة في العقار الذي يعمل به.

وكانت الأجهزة الأمنية قد ألقت القبض، في وقت سابق، على حارس عقار في منطقة الهرم بالجيزة، عقب انتشار مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تستغيث فيه طبيبة من تعرُّضها للتهديد بالخطف، والسبّ من قِبل البواب، ومنعها من دخول منزلها.

وحسب بيان لوزارة الداخلية، أفادت الطبيبة بأنها اشترت شقة في العقار، وفوجئت بالبواب يطالبها بمبلغ مالي كـ«سمسرة»، إضافة إلى تعدِّيه عليها بالسبِّ.

ولدى مواجهته، اعترف الحارس بارتكاب الواقعة، مستنداً إلى «اتفاقٍ مزعوم» مع الطبيبة على تقاضي عمولة نظير شرائها الشقة، ورفضها السداد.

ولاحقاً، قررت نيابة الهرم في الجيزة، السبت، إخلاء سبيل حارس العقار بضمان مالي قدره 20 ألف جنيه (الدولار يعادل 52.5 جنيه في البنوك المصرية)، على ذمة التحقيقات.

وحسب وسائل إعلام محلية، أقرَّ حارس العقار أمام جهات التحقيق بصحة الواقعة، مبرراً تصرّفه بوجود اتفاق سابق مع المجني عليها لتقاضي عمولة «سمسرة» قدرها 75 ألف جنيه مقابل شرائها الشقة السكنية، مشيراً إلى أن رفضها سداد المبلغ هو ما أثار غضبه. في المقابل، أكدت الطبيبة في أقوالها أنها فوجئت بمطالبته بأموال دون وجه حق، ومنعها من دخول مسكنها عقب رفضها الاستجابة لطلباته.

وأعادت واقعة الطبيبة وحارس العقار مهن «البواب - السمسار - السايس» إلى واجهة الجدل الاجتماعي في مصر؛ إذ يرى البعض أن أصحاب هذه المهن «بسطاء» يستحقون الدعم والمساندة المالية، في حين يرى آخرون أنها تحقق مداخيل مرتفعة دون جهد موازٍ، في حين يشير خبراء إلى أن مهنة «البواب» تحديداً أصبحت تمثل تحوّلاً من مجرد خدمة إلى نفوذ متداخل في تفاصيل حياة السكان.

«البواب والسمسار» مهن تعود إلى واجهة الجدل في مصر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور سعيد صادق أن مهنة «البواب» تُعد من أخطر المهن في مصر من الناحية الاجتماعية. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «بشكل عام، تجاوز البواب في مصر حدود مهنته، وتحول إلى صاحب سلطة، مُطَّلع وكاتم أسرار السكان؛ فهو يعرف كل صغيرة وكبيرة في المبنى، ولديه تفاصيل اجتماعية يصعب على غيره معرفتها؛ من العلاقات الأسرية، وحالات الزواج والطلاق، ومن يعيش بمفرده، والضيوف المترددين، ومواعيد خروج السكان وعودتهم، بل وحتى أنماط حياتهم اليومية». ويرى صادق أن هذه المعطيات «تنطوي على خطورة اجتماعية».

كما أشار إلى أن مصدر قوة البواب يكمن في امتلاكه معلومات دقيقة عن السكان، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى استغلال هذه المعرفة في ممارسات ابتزاز غير مباشر، أو التأثير على استقرار السكان، كالتسبب في طرد أحدهم أو عرقلة تجديد عقد إيجاره.

وقد تناولت السينما المصرية هذه الظاهرة في أعمال عدة، أبرزها فيلم «البيه البواب» (1987)، الذي جسَّد فيه الفنان أحمد زكي شخصية «عبد السميع»، القادم من الأقاليم إلى القاهرة بحثاً عن الرزق، حيث عمل بواباً ثم سمساراً، وتمكن بذكائه من جمع ثروة غيَّرت حياته، لكنه ظل متمسكاً بمهنته، وتزوج من إحدى ساكنات العقار، التي أدّت دورها الفنانة صفية العمري.

ويشير صادق إلى أن هذه المهنة شهدت تطورات ملحوظة منذ عرض الفيلم؛ إذ لم يعد البواب بحاجة إلى العمل سمساراً بشكل منفصل لتحسين دخله، بل أصبحت السمسرة جزءاً من مهامه، إلى جانب راتب شهري يسهم فيه السكان، ومسكن مجاني داخل العقار، فضلاً عن الإكراميات مقابل الخدمات المختلفة.

ويرى صادق أن الجدل المجتمعي حول هذه المهن يرجع إلى طبيعتها الخدمية ذات الدخل غير المحدد، والذي يختلف من شخص إلى آخر، حيث تتحدد جودة الخدمة وفقاً للمقابل المدفوع؛ فكلما زاد ما يدفعه الساكن، زادت الخدمات المقدمة له، سواء من البواب أو السايس أو السمسار.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده أن مهناً مثل «البواب» و«السمسار» تندرج ضمن الاقتصاد غير الرسمي، وقد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في دخول العاملين بها خلال السنوات الأخيرة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد البواب فقيراً كما كان يُعتقد، بل يمتلك دخلاً مرتفعاً؛ إذ يتمكن كثيرون منهم من شراء أراضٍ ومنازل في مناطقهم الأصلية. وكذلك السايس، رغم طبيعة دخله اليومي المتغير، فإنه يحقق حصيلة جيدة بنهاية اليوم، بينما تُعد مهنة السمسار من أكثر المهن ربحاً، نظراً للعمولات الكبيرة التي يحصل عليها مقارنة بالجهد المبذول».