استهداف قطاع الطاقة يهدد بحرمان أوكرانيا من الكهرباء مع دخول الشتاء

تقويض البنى التحتية وتكريس حال الذعر... أبرز ملامح المرحلة الجديدة

متسوقون يلجأون للمصابيح اليدوية في المتاجر بسبب انقطاع التيار الكهربي في خاركيف (رويترز)
متسوقون يلجأون للمصابيح اليدوية في المتاجر بسبب انقطاع التيار الكهربي في خاركيف (رويترز)
TT

استهداف قطاع الطاقة يهدد بحرمان أوكرانيا من الكهرباء مع دخول الشتاء

متسوقون يلجأون للمصابيح اليدوية في المتاجر بسبب انقطاع التيار الكهربي في خاركيف (رويترز)
متسوقون يلجأون للمصابيح اليدوية في المتاجر بسبب انقطاع التيار الكهربي في خاركيف (رويترز)

أعلنت الرئاسة الأوكرانية صباح (الثلاثاء) أن غارات مكثفة روسية جديدة استهدفت منشآت البنى التحتية للطاقة في عدد من المدن الأوكرانية. وهزت انفجارات عدة مواقع خدمية في ثلاث مدن على الأقل، وأعلنت السلطات حال تأهب جوي فوق العاصمة كييف وسط توقعات بتعرض المدينة لهجمات جديدة. وعكست التطورات الميدانية في الأيام الأخيرة أن الغارات التي شنتها موسكو على المدن الأوكرانية، لم تشكّل فقط رد فعل مباشراً على تفجير جسر القرم قبل نحو أسبوع، بل عكست تطوراً واسعاً في قائمة الأهداف الروسية، وفي شكل ومضمون المرحلة الجديدة من العمليات العسكرية في أوكرانيا.
وكانت وزارة الدفاع قد أعلنت بعد تفجير الجسر عن شن سلسلة غارات على مواقع عدة في مدن أوكرانية، وأكدت في بيانها آنذاك أن «الضربات حققت كل أهدافها»، وأظهرت العبارة أن الضربة الروسية محدودة وهدفها «تحذيري» كما قال معلقون روس، لمنع وقوع هجمات جديدة على منشآت روسية. لكن تطورات الأيام اللاحقة، عكست تبني موسكو توجهاً جديداً في سير المعارك، إذ تواصلت الغارات الروسية المكثفة خلال الأسبوع الأخير على مواقع أوكرانية، واتسعت رقعتها الجغرافية لتشمل كل المناطق من العاصمة كييف إلى مناطق الغرب والجنوب الغربي. كما أن الأهداف تبدلت، وبعدما كانت موسكو تكتفي في الأشهر الماضية باستهداف مخازن السلاح أو مستودعات الأسلحة الغربية المقدمة إلى كييف، وقواعد نقل وتدريب المتطوعين الأجانب، بات التركيز منصبّاً على منشآت البنى التحتية خصوصاً في قطاع الطاقة. وبدا أن الهدف الروسي الرئيسي في المرحلة الجديدة هو زيادة الضغط على المدن الأوكرانية وتوسيع حال الذعر بين السكان مع انقطاع التيار الكهربائي والخدمات عن مناطق عدة. هذه الخطوات عكست طبيعة رد القيادة العسكرية الموحدة الجديدة للمعارك على التقدم الأوكراني ميدانياً في عدد من مناطق الشرق في محيط خاركيف، والجنوب حول خيرسون ودونيتسك.
من جانب آخر، عكست الغارات الروسية (الثلاثاء) جانباً من الخطط الروسية الجديدة لعزل المناطق الأوكرانية خصوصاً في وسط وشمال البلاد. وكتب كيريل تيموشينكو، وهو نائب رئيس الديوان الرئاسي الأوكراني، صباح (الثلاثاء) في منشور على «تلغرام» أن الاستهدافات الروسية الجديدة أصابت منشآت تزويد الطاقة على الضفة اليسرى لمدينة دنيبروبيتروفسك، ولفت إلى أن الهجوم على منشآت البنى التحتية أدى إلى أضرار جسيمة في دنيبروبيتروفسك. وقريباً من هذه المنطقة، في كريفوي روغ مسقط رأس الرئيس فولوديمير زيلينسكي وقعت ضربات عدة مماثلة، أسفرت حسب رئيس الإدارة العسكرية للمدينة، ألكسندر فيلكول عن أضرار مماثلة في قوتها وحجمها. وقال فيلكول على الهواء في تلفزيون عموم أوكرانيا: «هناك إصابات ودمار خطير. لكننا حتى الآن لا نعلق على العواقب».
بدوره، أعلن عمدة خاركيف، إيغور تيريخوف، عن انفجارات في المنطقة الصناعية، وتم إيقاف حركة مترو الأنفاق في المدينة. تُظهر الغارات المكثفة هنا أيضاً أن الضربات لا تشكل تحركاً «عقابياً» بقدر ما تطلق آليات جديدة لمسار العملية العسكرية الروسية.
إلى ذلك، جاء إعلان السلطات الأوكرانية عن حالة تأهب جوي في مناطق أوكرانيا كافة، خصوصاً العاصمة كييف، وتوجيه نداءات إلى السكان للنزول إلى الملاجئ، ليضع خريطة التحرك الروسي على مسار التنفيذ. إذ يستهدف الضغط الأقصى على المدن ليس فقط تقويض البنى التحتية الخدمية بل أيضاً نشر حال من الفوضى والذعر المتواصل لدى السكان ما يرفع من تكلفة العمليات الأوكرانية في مناطق الشرق والجنوب.
وكان الكثير من المناطق في أوكرانيا بما فيها العاصمة كييف، تعاني انقطاعاً في التيار الكهربائي بعد سلسلة جديدة من الضربات (الثلاثاء) استهدفت منشآت طاقة. ودمّر القصف الروسي خلال أسبوع تقريباً 30 في المائة من محطات الطاقة الأوكرانية، ما تسبب بانقطاع واسع النطاق للتيار الكهربائي في أنحاء أوكرانيا، على ما أعلن (الثلاثاء) الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وقال زيلينسكي على «تويتر» «منذ 10 أكتوبر (تشرين الأول)، دُمّرت 30 في المائة من محطات الطاقة الأوكرانية، ما تسبب بأعطال هائلة في كل أنحاء البلاد».
ووفقاً لوزير الطاقة الأوكراني هيرمان غالوشينكو، فإن نحو 30 في المائة من البنية التحتية للطاقة في البلاد تعرضت لضربات صاروخية في غضون يوم ونصف اليوم فقط. النتيجة تعكسها بوضوح تطورات الوضع على وقع الغارات المتواصلة، وكتب رئيس إحدى البلديات: «الآن لا توجد كهرباء ومياه في المدينة. المستشفيات تعمل بالطاقة الاحتياطية».
بينما قال نائب رئيس مكتب زيلينسكي إنه «في المستقبل القريب ستكون هناك أوقات صعبة للغاية في أوكرانيا مع إمدادات الطاقة». ولم يستبعد «حدوث انقطاع للتيار الكهربائي في جميع أنحاء البلاد».
وزاد: «في المستقبل القريب، سنواجه أوقاتاً صعبة، لذلك يحتاج الجميع إلى الاستعداد لتوفير الكهرباء، كما أن انقطاع التيار الكهربائي ممكن أيضاً إذا استمرت الضربات. يحتاج السكان جميعاً إلى الاستعداد لفصل الشتاء القاسي حقاً».
في كييف، تحدثت الشركة المشغّلة لقطاع الكهرباء عن «انقطاع» في إمدادات الكهرباء والمياه لسكان الضفة اليسرى من العاصمة الأوكرانية. ولفتت عبر «فيسبوك» إلى أن «المهندسين يبذلون قصارى جهدهم من أجل استعادة» التيار الكهربائي. وفي دنيبرو في وسط أوكرانيا، أعلن الحاكم فالنتين ريزنيشنكو أن صاروخين روسيين أصابا «بنى تحتية للطاقة» ما تسبب في اندلاع «حريق ودمار هائل».
وكتب على «تلغرام»، كما نقلت عنه الصحافة الفرنسية: «الكثير من المناطق في دنيبرو (...) بلا كهرباء». وفي المنطقة نفسها، في بافلوغراد، تسببت عمليات القصف الروسي في «توقف مؤقت لإمدادات المياه» وإغلاق محطة ضخ محلية، وفق ما أعلن مجلس المدينة على «تلغرام». كذلك، طال القصف البنى التحتية الحيوية في جيتومير في الشمال حيث «المدينة محرومة من الكهرباء والمياه». وكتب رئيس بلديتها سيرغي سوخوملين على «فيسبوك»: «المستشفيات تعمل بالتغذية المخصصة للحالات الطارئة». وأضاف المحافظ فيتالي بونيتشكو، أن 11 بلدة في منطقته محرومة أيضاً من الكهرباء. وفي خاركيف، ثانية مدن البلاد، أعلن رئيس البلدية إيغور تيريخوف على «تلغرام» قصف «إحدى الشركات الصناعية في المدينة». وفي ميكولايف، أصابت الضربات مبنى سكنياً ما أسفر عن مقتل شخص على الأقل، بالإضافة إلى سوق للأزهار في المنطقة نفسها. وتمت استعادة التيار الكهربائي هناك في الصباح.
كما اتهمت وكالة الطاقة النووية الأوكرانية (الثلاثاء) روسيا بتوقيف موظفَين رفيعَين في محطة زابوريجيا الخاضعة للسيطرة الروسية في جنوب أوكرانيا. وذكرت «إنيرغواتوم» في بيان على وسائل التواصل الاجتماعي أن القوات الروسية «خطفت»، الاثنين، مدير تكنولوجيا المعلومات أوليغ كوستيوكوف ومساعد المدير العام للمحطة أوليغ أوشيكا و«اقتادتهما إلى وجهة مجهولة». ودعا المشغل الأوكراني عبر الشبكات الاجتماعية رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي، إلى «بذل كل الجهود الممكنة» للإفراج عنهما. وتتعرّض محطة الطاقة النووية في زابوريجيا بانتظام لعمليات قصف وانقطاع التيار الكهربائي ما يثير مخاوف بشأن سلامة هذه المنشأة. واتّهمت أوكرانيا القوات الروسية مراراً بإساءة معاملة الموظفين أو احتجازهم، ومن بينهم نائب مدير الموارد البشرية فاليري مارتينيوك. وفي نهاية سبتمبر (أيلول) اتهمت «إنيرغواتوم» موسكو بأنها أوقفت مدير المحطة إيغور موراتشوف واحتجزته لأيام قبل الإفراج عنه.


مقالات ذات صلة

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

الولايات المتحدة​ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون... الكرملين ينفي أن بوتين طلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
العالم صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات (أ.ب) p-circle

خبراء يسجلون ازدياداً «مقلقاً» للأسلحة النووية في العالم

كشف تقرير لمنظمة غير حكومية أن عدد الأسلحة النووية المنتشرة والجاهزة للاستخدام ازداد بشكل ملحوظ العام الماضي في «تطور مقلق» بسياق تصاعد حدة النزاعات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام، والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة، أو تجعلها ضحايا، والشركاء التجاريين إلى خصوم، وتُسبب اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.