لغة تلعب على السطح وعينها مشدودة إلى العمق

بهية طلب في «نساء التفاح»

لغة تلعب على السطح وعينها مشدودة إلى العمق
TT

لغة تلعب على السطح وعينها مشدودة إلى العمق

لغة تلعب على السطح وعينها مشدودة إلى العمق

عن الحزن والألم ومفارقات الحب والأصدقاء والذكريات يدور ديوان «نساء التفاح» للشاعرة بهية طلب، الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. تبرز هذه المفارقات دلالياً ورمزياً عبر «جدل الاستدعاء والإحالة»، بما يوفره من مساحة أرحب للمخيلة الشعرية، وحرية القفز ما بين الأزمنة والأمكنة، وتشكيل حالة من الحوار، تتسع بتنوع المصادر المستدعاة، وطرق الإفادة منها وتوظيفها في النص الشعري، وخلق مجال حيوي لتراسلات الحواس.
يطالعنا هذا على نحو لافت في القسم الأول من الديوان «نسائي المضيئات»، وفيه تستدعي الشاعرة باقة من نجمات السينما، بشكل يوحي بعشقها لهن وللسينما أيضاً، وتسمي بعض النصوص بأسماء أفلام شهيرة أجنبية ومصرية، تستدعيها وتحيل إليها في شكل لا يخلو من حس المناظرة والتماثل والمفارقة الضمنية، بين ما تطرحه الذات الشاعرة من صراعات ورؤى ومشاعرَ عاطفية محبطة ومنكسرة في الغالب الأعم، وبين ما تنشده وتصبو إليه من خلال الإحالة إلى أجواء هذه النصوص السينمائية، ومنها: «ذهب مع الريح»، «أين عمري»، وأيضاً «جسور ماديسون» في نص بعنوان «فرانشيسكا»، بطلة الفيلم والرواية. كما يبرز الولع بقصص الحب التراثية الكلاسيكية وحكايات عشاقها، ابنة الحكي الشفهي، والمخيلة البصرية التشكيلية، كما في «ليلى والذئب» و«قرط لؤلوي»، وكذلك الجمال المغدور، في «أنجلينا» وصراع المُلك بشقيه الخاص والعام في «المتجردة»، زوجة النعمان بن المنذر ملك الحيرة. تلعب القصائد على ما آلت إليه مصائر هؤلاء الأبطال ومآزقهم في الوجود والحياة، وتبدو كأنها مجموعة من المرايا المتجاورة، على سطحها تنعكس هواجس وهموم الذات الخاصة في الحب والألم والحزن. كما تعكس درامياً الزمن الهارب المنفلت من قبضة هذه الذات ووعيها القلق المؤلم بنفسها وواقعها الشائك. تقول الشاعرة في نص «فرانشيسكا»:
«الملل
الملل
لماذا لا يمل جسدي
مع أني مللت ملامحي جميعاً
هذا الرجل جعلني أرى كل الزهور صفراءَ
صفراءَ فقط.
والجدرانَ
ووجوهَ الناس
والجسرَ الذي يؤرخ الآن لمحبتنا
أصفر.
لماذا لم يجلب زهوراً ملونة
ولم يقل أحبك
حين يتركني ألم الضوء من على الجدران.
أبتسم لغدٍ لا أعرف فيه غير الانتظار.
هكذا يبدو الوجه الأول للمشهد في النص، شاحباً وذابلاً، غارقاً في تيه الانتظار، مثقلاً بنمطية العيش وضغوط الواقع والحياة، لكن سرعان ما ينفتح النص نفسه على وجهه الآخر في الفيلم، على الحب وقدرته على تفتيت الواقع اليومي وخلق طقوس من السحر والدهشة، في ظلالها يشف الزمن مقطراً من شوائب العادة ورتابة المألوف، ليصبح زمناً خاصاً مثقلاً بحالة من الصفاء والنشوى:
« أنتَ في ثلاثة أيام
أوقفتني على هذا الجسر
وعبرتَ بي إلى حلمٍ
لم أكن أرى أي جمال في جسرٍ
تعبره الأقدام
ويشبه حياتي
في ثلاثة أيام
اشتريت ثوباً لا يستر أنوثتي
وامتلأ فمي بالضحكات»
بتراوحات فنية ودلالية يتواتر هذا الهم في القصائد الأخرى، ويتناص مع حكايات شهيرة من تراث الحكي القصصي تركز على الحب باعتباره العاطفة الإنسانية الأنقى، فالذئب في نص «ليلى والذئب» يتجرد من شراسته، ويتحول إلى صديق ومسامر، ورفيق يمكن التنزه معه بمحبة، يقهقه ويغني، ويتسع برمزيته ليصبح حلماً شجياً ومرحاً من أحلام الطفولة. وفي «أين عمري» يتأمل النص الحنين، ويصفه بأنه «طفل جائع على موائد اليتامى» في إشارة تتسع فيها الفجوة بين الأعراف التقليدية، وصراع البطلة في الفيلم لنيل حريتها واستقلالها، من ركبة الزواج برجل في سن والدها. بقوة الإحالة يتحول الحلم بالحربة المنشودة، إلى صدى رنين وذبذبة شعرية تتناثر في أجواء النص على هذا النحو تقول:
« ثوب أبيض بنقط سوداء
وكلوش واسعٌ
وأفك تجاعيد شعري
وأجعله حراً
فلم أكن حرة أبداً
حلمت بليل ناعم
على شرفات نافذة ملهى على النيل
وكعب حذائي
يتكسر من تطوافي الطويل
في قاعة أشعلها وحدي
وأترك ثيابي ملقاة على الأرض»
ليس بعيداً عن هذه الذبذبة، صور الحرب ومشاهدها وأجواؤها الكابوسية المدمرة التي تنعكس في نص «ذهب مع الريح»، وتصبح مواجهة مستميتة وصراعاً مشبوباً، ما بين الحب والموت، الحقيقة والعهر، الذاكرة والحلم، ثم الواقع والمثال.
«يااااه
أحببته
كان زوج رفيقتي
كم عشقت هذا الوهنَ الذي يتساند على الجدران
فأقبل الجدران بعد رحيله
وكنت أنا وزوجي فارسين يقتتلان بنفس القوة
في سباقاتنا
لم يكن أحدنا منتصراً
لم يكن أحدنا مهزوماً
أنا الجميلة التي يعرفها
وهو الصائد الذي أعرفه»
على عكس أجواء هذا النص تصبح الكتابة مرادفاً للألم، وقاسماً مشتركاً يتوزع ما بين الذات الشاعرة والشخصية المستدعاة، كما في نص «أنجلينا» الذي يحيل إلى صراع الممثلة المعروفة أنجلينا جولي مع مرض السرطان، ما يشي بوشائج من الشجن والبكاء، يتناثر رذاذها في أجواء الديوان، كأنه مرثية لحياة عابرة وفاسدة، مهددة بالزوال دائماً.
«في بهو فرعوني
تجلسين كملكة
تنام النمورُ حولها في سكينة
دانت لك المدن
برجالها العابثين
يحلمون برائحة السوسن في ثيابك
المدينة يا صديقتي قاتلة
والأطباءُ خونة
لماذا أباحوا سرقة نهديك
بمقصلاتهم
ولماذا استمعت لهراءاتهم عن الألم
ربما كان أحدهم وهو يقتطع ثدييك
يحكي لمساعده في غرفة العمليات
عن صديقته التي هجرته فجأة
دون الإشارة
لعجزه عن ملاحقة أنوثتها».
يختزل هذا المقطع حزمة من السمات الفنية اللافتة في هذا الديوان: من أبرزها، أن اللغة - برغم ما يشوبها أحياناً من عوائق - تظل ابنة الصورة الشعرية، والحالة والمشهد، ابنة روح الحكاية في ومضها الشعري الخاطف، كما أنها لغة تحتفي البساطة والتلقائية، تلعب على السطح وعينها مشدودة إلى العمق، إلى ما وراء الحالة والمشهد. ومن سمات اللعب هنا، حرص الشاعرة على تذييل النص بإشارة «احتمالية»، تكشف عن المصدر الذي استدعاه النص وأحال إليه أجواءً من عالمه الشعري... على سبيل المثال تقول: «قد يرتبط بالمتن: النجمة السينمائية العالمية أنجلينا جولي».
في القسم الثاني والأخير من الديوان «حالات لامرأة حزينة»، يتوزع هذا الحزن على ثماني قصائد، ونلاحظ أن المسافة بين الذات وموضوعها تتقلص، وتصل إلى حد الالتصاق، وهو ما يعكس طبيعة هذه النصوص كونها ابنة الواقع الحي المعيش، فلا استدعاء ولا إحالة إلى ماضٍ يظل محض غبار يتناثر في الذاكرة والحلم، تلاشت المسافة التي كانت بمثابة نافذة للتلصص، والقفز فوق أسطح الأزمنة والأمكنة... وكأن الشاعرة تقول: هنا العالم كما عشته وما زلت أتنفسه وأحياه، في محيط العائلة الأم والأب والزوج والأبناء، ومحيط الأصدقاء الذين تثقلني محبتهم كثيراً إلى حد البكاء والضحك أحياناً.
في هذا الجو تنفتح الذات الشاعرة على براح الطبيعة، والأشياء البسيطة في ألفتها وعفويتها، فللأم رائحة الفرح، ولا حدود لمداعبات الأبناء ومشاكساتهم والفرح بهم أيضاً، ولا بأس أن تعلن الذات الشاعرة عن كرهها للشتاء، أو البحث عن أشواك طويلة للاحتماء، أو الاحتماء بالجدار... إنها معادلة الحياة الرخوة، تطالعنا على هذا النحو في الصفحة الأخيرة من الديوان:
«لقد مَر الموتُ من هنا
حين دخلتُ في منتصف الفيلم
ورأيت رجلاً يقتل جواداً أبيض كجواد طفولتي
وانهرت من الحزن والصراخ
نعم كان لأبي حصانٌ أبيضُ
قتله جدي برصاصة الرحمة من الألم
حين انكسرت ساقُه
لقد مر الموتُ من هنا
أنا لا أخافه
بل أخافه
حتى وأنا أكرر كل يوم دعائي
برصاصة الرحمة لي».
تنهي الشاعرة نجواها الداخلية الحائرة بتذييل دلالي لافت، يقول: «ما من هامش هنا».
فهكذا، ليس المهم التواجد في الحياة، على الهامش أو في المتن، بل المهم أن تكون أنت معنى الحياة، معنى النقص والإضافة معاً، هذا هو الحب، في أقصى مدارات وعلامات تشكله وتجرده من نوازع الخوف والقلق والانطفاء.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
TT

سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)

نميل غالباً إلى الاعتقاد بأن امتلاك شيء باهظ الثمن -كسيارة جديدة بقيمة 100 ألف دولار- سيمنحنا شعوراً دائماً بالسعادة والاكتمال. غير أن التجربة الإنسانية تقول غير ذلك. فالسعادة لا تتعلق بقيمة ما نملك، بل بطبيعة رغبتنا فيه، وبالآلية النفسية التي تدفعنا إلى السعي المستمر وراء المزيد. فما الذي نبحث عنه حقاً: الشيء ذاته، أم الشعور المصاحب للحصول عليه؟

في الواقع، لدى معظم الناس تسلسل هرمي غير معلن في طريقة تفكيرهم بالإنفاق والرغبة:

- إذا لم ترغب في شيء ولم يكن لديك، فلن يشغل بالك.

- إذا رغبت في شيء وحصلت عليه، فقد تشعر بالرضا.

- إذا رغبت في شيء ولم يكن لديك بعد، فقد تشعر بالحماس والترقّب.

- أما إذا رغبت في شيء ولم تستطع الحصول عليه، فقد تصاب بإحباط شديد.

يوضح الخبير في علم نفس المال، مورغان هاوسل، مؤلف كتاب «فن إنفاق المال»، أن طبيعة «الشيء» ليست هي العامل الحاسم. فكوب ماء لشخص عطشان قد يكون أثمن من طائرة خاصة لملياردير يمتلك اثنتين أخريين. القيمة هنا نفسية وسياقية، لا مادية بحتة.

وقال في حديث ضمن شبكة «سي إن بي سي» إن الأمر يصبح منطقياً عندما نفهم ما الذي يريده الدماغ فعلاً، وهو ما يتضح أكثر خلال فترات العطلات والمواسم الاستهلاكية. فعقولنا -في العموم- لا ترغب في السيارات الفاخرة أو المنازل الكبيرة بحد ذاتها، بل تبحث عن «الدوبامين». فالدوبامين مادة كيميائية تُحفّز الرغبة، وتدفع الإنسان إلى طلب المزيد باستمرار: المزيد من الأشياء، المزيد من التحفيز، المزيد من المفاجآت.

ويتابع هاوسل أن السعي وراء هذا الشعور لا تعوقه العاطفة ولا الخوف ولا حتى الأخلاق. فمن منظور الدوبامين، لا تكمن الأهمية في امتلاك الشيء، بل في الحصول على شيء جديد؛ أي شيء جديد.

بمعنى آخر، لا يرغب دماغك في الأشياء المادية لذاتها، ولا حتى في حداثتها بوصفها صفة مستقلة، بل في عملية السعي والترقّب المصاحبة للحصول عليها. يُشبه ذلك ما عبّر عنه الممثل ويل سميث في وصفه للشهرة: «أن تصبح مشهوراً أمر رائع. أن تكون مشهوراً أمر مختلط. فقدان الشهرة أمر بائس. التغيير، لا الكمية، هو المهم». فالمتعة تكمن في التحوّل والانتقال، لا في الثبات عند مستوى معيّن.

هل تحتاج فعلاً إلى ذلك... أم أنك تُطارد ما لا تملك؟

يظهر هذا النمط بوضوح في علاقتنا بالمال. يقول هاوسل: «عندما تكون شاباً، تحلم بامتلاك سيارة؛ أي سيارة. فإذا امتلكت سيارة بقيمة 10 آلاف دولار، بدأت تحلم بسيارة بقيمة 20 ألف دولار، وإذا حصلت على سيارة بـ20 ألفاً، تطلعت إلى أخرى بـ50 ألفاً. وإذا امتلكت سيارة بـ50 ألفاً، أصبح حلمك سيارة بـ100 ألف دولار. وإذا حققت ذلك، بدأت تفكر في امتلاك عدة سيارات بالقيمة نفسها».

ويضيف هاوسل: «أصحاب الملايين ينظرون إلى مَن يملكون مئات الملايين، وهؤلاء ينظرون إلى أصحاب المليارات، ثم إلى أصحاب العشرات من المليارات. أما أصحاب الملايين، فماذا يريدون في نهاية المطاف؟ الخلود».

السؤال الذي لا يفارق أذهانهم هو: «ماذا بعد؟ ما الذي ينقصني؟ كيف أصل إلى المستوى التالي؟». هذا الصوت الداخلي لا يصمت، لأنه انعكاس مباشر لما يطلبه الدماغ: المزيد، دائماً المزيد.

الاكتفاء بالقليل لا يعني الاستسلام

أوضح هاوسل أنه في المقابل، قد يكون للاكتفاء أثر نفسي يعادل -وربما يفوق- أثر زيادة المال على الصحة النفسية. فالقناعة ليست خياراً سلبياً أو علامة على ضعف الطموح، بل موقف واعٍ يمكن التحكم فيه وتحقيقه. وهي، بخلاف سباق الزيادة المستمر، معركة يمكن الفوز بها فعلاً.

وقال: «الرضا بما تملك يمنحك قدرة أعمق على الاستمتاع بالمنزل الذي اشتريته، والملابس التي ترتديها، والإجازات التي تقضيها، فهو يحوّل ما لديك من أشياء عادية إلى مصادر امتنان حقيقي».

وأشار الخبير إلى أنه في نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: هل تفضّل أن تكون مليارديراً تستيقظ كل صباح قلقاً بشأن ما ينقصك، وحاسداً مَن يملكون أكثر، أم إنساناً عادياً يستيقظ راضياً، ممتلئاً بالسكينة، قادراً على تقدير ما لديه - مهما كان مقداره؟

قد لا تجعلك سيارة بـ100 ألف دولار سعيداً، لكن فهمك لما يدفعك إلى الرغبة، وقدرتك على تهذيب هذا الدافع، قد يقرّبانك من سعادة أكثر ثباتاً وعمقاً.


حلويات رمضان المصرية... من المنافسة على المذاق إلى «الاستعراض»

كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
TT

حلويات رمضان المصرية... من المنافسة على المذاق إلى «الاستعراض»

كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)

بالتوازي مع منافسات الدراما التلفزيونية، تشتعل منافسة بين أصناف الحلويات الرمضانية في مصر، التي يبدو أنها باتت تؤثر المغامرة على حساب المزاج التقليدي، فلم تعد الكنافة صينية محشوة بالقشطة أو بالمكسرات كما ارتبطت عبر تاريخها، بل باتت رهينة لإضافات «الكريم بروليه» و«الكراميل كرانش» وسواهما من توليفات تندرج تحت «اختراعات» حلويات رمضان.

وتجد هذه «التوليفات» الجديدة لنفسها سوقاً رائجة تغذيها منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما مع تبادل الترشيحات للأصناف المستحدثة، سواء لاختيارها هدية لعزائم الشهر، أو بدافع الفضول وتجربة حلوى جديدة بعد الإفطار، ويعزز ذلك حضور صناع المحتوى المتخصصين في الطعام وتجربة التذوق، الذين يخوضون سباقاً يومياً لتجريب أكثر من صنف خلال أيام رمضان، لترجيح كفة صنف على آخر، بل وربما ترتيبها تصاعدياً من الأقل تفضيلاً إلى «الأفضل»، حسب ذائقتهم.

تُبدي الشيف فاطمة سراج، صاحبة صفحة «فوديز» على «فيسبوك»، حماساً واضحاً لما تصفه بـ«اختراعات» الموسم، وتقول: «هذه السنة هناك تجديد كبير في طريقة عرض أطباق الحلوى، مثل تقديم طبق الكنافة بغطاء مصنوع من الشوكولاته التي يمكن إذابتها في الميكروويف، أو الدمج بين الآيس كريم والشوكولاته الساخنة مع قمر الدين، أو حتى تقديم المكسرات والحليب المكثف في عبوات منفصلة، بحيث يقوم المشتري بدمجها في البيت بنفسه مع طبقات الكنافة، بما يجعل الترند الأكثر رواجاً هذا العام هو تقديم الحلوى باعتبارها تجربة متكاملة لا مجرد مذاق».

تقديم الحلوى الرمضانية في علب فخمة ترفع من تكلفة شرائها (إنستغرام)

وتشير إلى أصناف لفتت نظرها في قوائم هذا العام مثل «بقلاوة بالتراميسو»، و«بروفيترول بالكنافة»، و«الكنافة بالتوت» وغيرها من التركيبات التي تمزج بين الشرقي والغربي في طبق واحد، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «منذ سنوات وهناك ترقب للجديد والغريب في حلوى رمضان، وكثيراً ما تكون تلك الإضافات مبالغاً فيها، بغرض الوصول إلى الترند فقط، حتى لو جاء ذلك أحياناً على حساب المذاق».

ويبدو أن الاهتمام بتقديم الأصناف الجديدة في عروض بصرية «استعراضية» يُعد من أبرز ملامح «ترند» هذا العام، إذ يتكوّن أحد الأصناف من قبة مجسدة مصنوعة من كريمة الفستق، تذوب سرعان ما يُسكب فوقها صوص الشوكولاته الساخنة، لتنساب فوق طبقة الكنافة أسفلها، بما يعزز فكرة الطبقات المتداخلة بين الأطعمة والمذاقات، في صياغة تقوم على الإبهار قبل الاكتفاء بالمذاق.

فوازير شريهان تشارك في «ترند» الحلويات الرمضانية (إنستغرام)

كما يستلهم أحد محلات الحلوى، طابع الفوازير الرمضانية للنجمة شريهان، حيث يقدمون الحلوى داخل علب معدنية تحمل عنوان الفوازير الشهيرة «حاجات ومحتاجات»، لتحمل كل علبة صورة واسم واحدة من شخصيات الفوازير وعلى رأسهن «كريمة» و«فاطيما» و«حليمة»، وتحت غطاء كل علبة «فزورة»، في محاولة لدمج الحلوى بجرعة من الحنين لذكريات رمضان، وواحدة من أشهر فوازيره.

ويعلّق الدكتور أيمن السعيد، استشاري التغذية العلاجية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بأن «تباري المحلات في تعقيد صناعة الحلويات صار لافتاً منذ فترة، بعدما كانت الحلويات تميل سابقاً إلى البساطة وتعتمد على مكونات محدودة وبسيطة»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «إضافة طبقات من صوصات الشوكولاته والفستق والكراميل وغيرها من الإضافات التي تُغرق الطبق الحلو تكسبه مزيداً من السعرات الحرارية والسكريات والدهون، وهو ما يضاعف العبء الصحي، خصوصاً لدى الأطفال».

كنافة تعلوها قبة من كريمة الفستق (إنستغرام)

ويضيف أن «فكرة تضخيم الكميات وتكثيف المكونات تحوّل الحلوى من متعة إلى حمل غذائي ثقيل، في شهر يُفترض أن يعزز مفهوم الاعتدال لا الإفراط».

ويبدو أن الإضافات التي تُكسب الحلويات الرمضانية مزيداً من السعرات، تُكسبها كذلك ارتفاعاً في الأسعار، إذ باتت بعض الأصناف الرائجة ضمن «ترندات» الحلوى الرمضانية تتراوح بين 600 و1400 جنيه مصري (الدولار يساوي 49.2 جنيه مصري)، غير أن كثيرين يرون أن هذه الأسعار المبالغ فيها لا تستحق تلك المغامرة.

في المقابل، لا تزال الشوادر التقليدية لبيع الكنافة والقطايف بالكيلو تحتفظ بحضورها في الشوارع، حيث تُباع عجائنها طازجة، لتُعد في المنازل وفق الوصفات المعتادة، بعيداً عن صخب الصوصات والتغليف الباذخ.

وتقول آية محمود، موظفة في شركة مبيعات وأم لطفلين: «لا أزال أعد القطايف المقلية، وصينية الكنافة المحشوة بالكريمة كما كنا نأكلها في بيوتنا وبوصفتها التقليدية»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «قد أُدخل عليها بعض التغييرات، كإضافة صوص النوتيلا مثلاً للتزيين، لكن في النهاية تظل تكلفة إعدادها منزلياً أقل بمراحل من شرائها جاهزة».


ذكريات الإفطار الرمضاني في القصور الأثرية بمنطقة عسير

 إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
TT

ذكريات الإفطار الرمضاني في القصور الأثرية بمنطقة عسير

 إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)

خلال شهر رمضان، تتجدد في أحياء منطقة عسير جنوب غربي السعودية مشاهد الألفة التي عُرفت بها المجالس الشعبية قديماً، إذ يعود المجتمع إلى إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة، في صورة تعكس عمق الترابط الاجتماعي ودفء العلاقات بين الجيران. وتأتي هذه العودة المتنامية في ظل إطلاق مبادرة «أجاويد» التي أطلقها أمير منطقة عسير وأسهمت في تحفيز المجتمعات المحلية على استعادة روح التكافل والتراحم، وإحياء الموروث الرمضاني الذي كان يجمع الصغير والكبير حول مائدة واحدة في مشهد يستحضر بساطة الماضي.

فعاليات رمضان تجمع كبار السن والشباب في موقع تاريخي (واس)

واحتضن حصن آل ثابت الأثري بمركز «الماوين» - شمال مدينة أبها بنحو 50 كيلومتراً - أول من أمس، مبادرة رمضانية نظمها أهالي المركز ضمن فعاليات «أجاويد 4»، جمعت كبار السن والشباب في موقع تاريخي يستحضر ملامح رمضان في الماضي. وشهدت المبادرة عرضاً لأنواع المأكولات الشعبية التي كانت تُقدَّم قديماً خلال الشهر الفضيل، مثل: التمر، والبر، والسمن، والزبدة المستخرجة من الأغنام والأبقار، إلى جانب استعراض طرق إعدادها وأهميتها بوصفها مصدراً رئيساً للغذاء آنذاك، في مشهد أعاد للأذهان بساطة الحياة وتكاتف المجتمع في توفير احتياجاته. وتضمّن المتحف التراثي المصاحب للمبادرة عرضاً لمكونات الحياة اليومية في الماضي، شملت أدوات الحرث والسقيا، والملبوسات القديمة للرجال والنساء، وأدوات الزينة؛ بما يمثل مرجعاً بصرياً حياً يعرّف الأجيال الناشئة بما كان عليه الآباء والأجداد.

وبالنسبة لمسفر بن سعد آل حامد من سكان المنطقة فالمحافظة على العادات والتقاليد وإحياؤها من خلال مثل هذه المبادرات يعدان واجباً مجتمعياً يسهم في ترسيخ الهوية الوطنية، وتحفيز الشباب على الحضور والمشاركة والتعرف على تاريخ آبائهم وأجدادهم. واستعاد آل حامد خلال حديثه مع «واس» الذكريات في بناء البيوت التاريخية، مشيراً إلى ما كان يشهده ذلك من تعاون بين أهالي القرية في تشييد البيوت قديماً، داعياً إلى المحافظة على ما تبقى من البيوت القديمة وإعادة إعمارها، والعناية بالمزارع والإنتاج المحلي الذي كان يمثل مصدر قوت الآباء والأجداد.

مبادرات تستعيد ذكريات الإفطار الرمضاني في منطقة عسير (واس)

من جانبه، عبّر صاحب المبادرة مشبب آل ثابت عن سعادته بإقامة هذه الفعالية ضمن المبادرة المجتمعية «أجاويد 4»، مؤكداً أثرها البالغ في نفوس الحاضرين، لما وفرته من فرصة لاستضافة مختلف شرائح المجتمع، وتفعيل دور التكافل الاجتماعي، وتعريف الأجيال بما كان عليه الآباء والأجداد من عناء ومشقة.

وتُجسِّد المبادرة في مجملها نموذجاً حياً لتعزيز حضور الثقافة والتراث في الفعاليات الرمضانية، وربط الماضي بالحاضر؛ بما يسهم في صون الموروث الشعبي. وأكَّد قائد المبادرة بالمركز عبد الله أحمد شفلوت أن إطلاق المبادرات الرمضانية لم يقتصر على الجوانب الثقافية والاجتماعية والتراثية فحسب، بل شمل حزمة من المبادرات الطبية والبيئية والتوعوية التي جمعت نخبة من أبناء المركز، كلٌّ في مجال تخصصه؛ لتقديم خدمات مجتمعية نوعية لمنسوبي المركز والقرى المجاورة.