ظلال المدن... والصمت

داخل الاستديو اللندني للفنان الفرنسي هيرفي كونستانت

كونستانت بين أعماله
كونستانت بين أعماله
TT

ظلال المدن... والصمت

كونستانت بين أعماله
كونستانت بين أعماله

لم أتخيل قط أن تلك السلالم الرطبة القريبة من منطقة هاكني البوهيمية، شرق لندن، ممكن أن تؤدي إلى استديو كبير ومتنوع الأعمال والإبداعات الفنية، كما هو استديو الفنان الفرنسي المقيم في لندن هيرفي كونستانت.
حالما يدخل المرء ذلك الاستديو الكبير الشبيه بالقبو، أطلقتُ عليه «عرين الفنان»، فإنه ينسى تماماً ما يحدث في العالم الخارجي، ويتماهى مع اللوحات والكتب وأصص النباتات الداخلية والتماثيل وفرش الرسم وأجهزة التسجيل وغيرها من مقتنيات الفنان الشخصية. قد يبدو للوهلة الأولى أن ذلك الاستديو/ القبو مبعثر ومليء بأشياء كثيرة، لكن مع التمعن والتماهي بالجدران التي تملؤها اللوحات أيقنت أن المكان مرتب جداً وبعيد عن التشظي، لكنه أسلوب الفنان المميز في حياته كما في أعماله كما في صوته ومظهره. إنه تشظ بانتظام وبعثرة محكمة.
سجلنا ما يقرب الساعة بين سؤال وجواب، وحديث عن التجربة الشخصية والفن والسينما والشعر (سجل بصوته العميق بعضاً من قصائد رامبو وأرفقه بأعماله الفيلمية).
حينما سألته ما هو هدفه من الرسم، وهو الفنان متعدد الأساليب بين التخطيط والرسم والطباعة وصناعة الأفلام وإلقاء القصائد، أجابني:
- الأمر معقد بالنسبة لي، كنت أبحث عن الحب والاهتمام، وأتمنى أن أكون محبوباً، وكأن الطفل الذي جرب وحدة وقسوة الميتم ما زال يصرخ في داخلي طلباً للحب والاهتمام. فقد ولدتُ في الدار البيضاء بالمغرب بداية خمسينات القرن الماضي لأم مغربية وأب فرنسي، وارتحلتُ إلى فرنسا بعمر الخامسة بعد انفصال أبوي، وعشت في الملجأ لعدة سنوات في طفولتي. كنت وحيداً وعانيتُ من الشعور بالوحدة وصعوبة التواصل مع الآخرين. في السابعة عشرة من عمري اشتغلتُ في ورشة لتصليح السيارات في مدينة طولون جنوب فرنسا، وكان أحد الزبائن هو مدير الكونسرفتوار في مدينة طولون، واقترح علي الدراسة في المعهد، وكان ذلك بمثابة الباب الذي فُتح أمامي ولم يغلق لحد الآن، وكان باباً للأدب والموسيقى والفن. بعدها درست المسرح في باريس، وعملت ممثلاً في عدة مسارح، لكني كنت دائم الزيارة للمعارض الفنية واللوفر، وكنت أخطط وأعمل اسكتشيهات لفنانين مشهورين منهم أنتوني كيرشنر وبول كيلي وماكس بيكمان وغيرهم، وأحتفظ بها بين طيات كتبي، وحينما قدمت إلى لندن بداية ثمانينات القرن الماضي وأردتُ دراسة الفن لم أستطع الحصول على منحة دراسية، لذلك بدأت أخطط وأرسم وأبيع أعمالي لكي أعيل نفسي، لكني عرفتُ أيضاً أن هذا ما كنت أريد أن أفعله بقية حياتي. وهكذا كانت انتقالاتي من الموسيقى والمسرح إلى الفن التشكيلي، وأعتقد أن الفنون كلها متواشجة في داخلي كما الثقافات.
يغلب على أعمال هيرفي كونستانت الفنية طابع التجريد، وهناك ظلال من الرمزية والتعبيرية وحتى السوريالية، وهناك أيضاً عين الفنان الواقعية التي تلتقط أشياء استهلاكية بسيطة من الحياة اليومية وتعزلها وتجعلها في محيط مختلف لتعطي أبعاداً رمزية حاذقة تقترب من الروحانية، وتوحي باتساع مساحة الصمت في حياة الإنسان المعاصر، كما في لوحات المقص المفتوح على خلفية معتمة: تليفون أرضي مقطوع جالس على كرسي، دمية جالسة على كرسي ذي مقعد أسود. الفنان نفسه غير مهتم بتبويب أسلوبه، وهو يصرح بأن هناك فكرة ما وشخصنة في أعماله حتى لو بدتْ تجريدية، المهم أن يكون العمل الفني جيداً وأصيلاً.
رسم كونستانت عدة تخطيطات لرامبو، وأحد تخطيطاته تُعرض الآن في متحف رامبو في مدينته شارلفيل، كما أنه رسم بورتريت بحجم كبير لرامبو وهو يحتضر مستلهماً تخطيطات أخته إيزابيلا أثناء فترة وجودها مع الشاعر في مشفى بمدينة مارسيليا. رامبو في هذا البورتريت لا يشبه رامبو الشاب النزق الذي نعرف، بل هو رجل متألم ومتغضن الوجه في حالة احتضار، ويضع على رأسه قبعة أشبه ما تكون بغطاء رأس الفلاحين في مصر. ليس هذا فقط، فقد سجل هيرفي كونستانت بصوته قصيدة رامبو الشهيرة «المركب السكران» في فيديو رائع ومعبر جداً عن رامبو وعن هيرفي في الوقت ذاته، والفيديو متاح في «اليوتيوب» عبر قناة الفنان وبحاشية ترجمة إنجليزية.
يقول هيرفي كونستانت عن شغفه برامبو: «إني أتماهى مع رامبو شعراً وتجربة إنسانية فريدة. هناك حالة اغتراب كبيرة تجمعني برامبو، أنا قارئ جيد لشعره ومتتبع أيضاً لمسارات حياته وارتحاله، وأعتقد أن هناك تشابهاً حياتياً بيننا، فكلانا ولد لأب هو ضابط فرنسي خدم في المغرب العربي، وكلانا افتقد وجود الأم، لقسوتها المفرطة في حالة رامبو ولغيابها الفعلي في حالتي، وكلانا ارتحل نحو المجهول مبكراً في محاولة لحل لغز الاغتراب الذاتي، رامبو هو ملهمي الفني فأنا أستلهم من شعره بعض أعمالي الفنية، سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر».
لم تقتصر بورتريهات هيرفي كونستانت على رامبو فقط، بل رسم بورتريهات للشاعر الفرنسي فيرلين وتريستان تزارا وغيوم أبولونيير وغيرهم الكثير، لكن لا يوجد بورتريت شخصي للفنان رغم كثرة أعماله وتنوعها. وقد شارك مؤخراً مع الشاعر البريطاني آلان برايس في تجربة شعرية فنية مشتركة عبر نشر كتاب شعر بعنوان «حيرة»، وهي نصوص كتبها الشاعر استجابة أو كرد فعل شعري يقارب أعمال الفنان هيرفي كونستانت.
اخترت لوحة من لوحاته تجسد حقيبة متأهبة للسفر بلا مسافر، وقلت له: «هذه اللوحة هي بورتريت شخصي لك»، ابتسم وحكى لي حكاية الحقيبة التي رُميتْ بقوة على نافذة مرسمه الخلفية في مساء خريفي قبل سنوات: «يبدو أن الحقيبة سُرقت من أحدهم، وبعد أن أخذ اللصوص محتوياتها رموها على نافذتي، وجدتها حقيبة جيدة، وظلت ترافقني لعدة سنوات في أسفاري».
قلت له حقاً إنها أفضل بورتريت شخصي لك.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

حسين فهمي: «بوستر القاهرة السينمائي» يعبر عن موقف سياسي

حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)
حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)
TT

حسين فهمي: «بوستر القاهرة السينمائي» يعبر عن موقف سياسي

حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)
حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)

قال الفنان حسين فهمي، رئيس مهرجان «القاهرة السينمائي الدولي»، إن الجدل حول الملصق الترويجي للدورة الجديدة انصبّ على مدى تشابه الصورة مع ملامح الفنانة شادية، وأغفل الدلالة السياسية وراء استدعاء شخصية «فؤادة»، التي جسّدتها في فيلم «شيء من الخوف»، موضحاً أن مشهد فتح الهويس وتدفّق المياه إلى الأراضي يمثل جوهر الفكرة التي أراد المهرجان تقديمها.

وأضاف فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن اختيار الشخصية يرتبط بموقفها في مواجهة حرمان الأهالي من المياه، وما يحمله ذلك من دلالة على الدفاع عن حق المصريين فيها. وأوضح أن المهرجان استند إلى الذاكرة السينمائية المصرية للتعبير عن هذا الموقف، مستحضراً شخصية ارتبطت في وجدان الجمهور بالشجاعة والقدرة على مواجهة الخوف والانتصار للحياة.

وأكد أن الملصق الترويجي سيخضع لتعديل يجعل ملامح شادية أكثر وضوحاً، مع الاحتفاظ بفكرته الأساسية، مشيراً إلى أن النقاش حول استخدام الذكاء الاصطناعي لا ينتقص من المعنى الذي يستهدفه التصميم؛ إذ ينبغي لملصق مهرجان بحجم مهرجان القاهرة السينمائي وتاريخه أن يحمل رسالة توازي مكانته، وأن يستند اختيار شخصياته وعناصره البصرية إلى فكرة واضحة.

وتعرّضت إدارة مهرجان «القاهرة السينمائي الدولي» لانتقادات عقب الكشف عن الملصق الترويجي للدورة الجديدة، بسبب عدم تطابق ملامح الصورة مع الملامح الحقيقية للفنانة شادية.

وتدور أحداث فيلم «شيء من الخوف» حول «فؤادة»، التي تتحدى سطوة «عتريس»، وتفتح الهويس لتصل المياه إلى أراضي الفلاحين، بعدما حُرِموا منها عقاباً لهم، فيتحول موقفها إلى تحدٍّ للخوف الذي يسيطر على القرية. والفيلم مأخوذ عن رواية للكاتب ثروت أباظة، وأخرجه حسين كمال، وعُرض عام 1969، وهو من بطولة شادية ومحمود مرسي. ويأتي استحضار الفيلم مجدداً في ظل الأزمة بين مصر وإثيوبيا حول مياه النيل.

الملصق الترويجي للمهرجان (إدارة المهرجان)

وأبدى حسين فهمي تقديره للتصميمات البديلة التي تداولها مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبراً أن احتفاظ عدد منها بشخصية «فؤادة» يعكس وصول الفكرة إلى أصحابها. لكنه أشار إلى أن ما أحزنه هو اختزال النقاش في ملامح الوجه، من دون التوقف عند البعد السياسي لاختيار الشخصية، أو دلالة موقفها في الفيلم الذي استلهم منه الملصق رسالته.

ونفى فهمي أن تكون الانتقادات قد أصابته بالإحباط، مؤكداً تمسكه بحرية النقد وإبداء الرأي، وأن اختلافه مع بعض التعليقات لا ينتقص من حق أصحابها في التعبير عنها. وشدد على أن تبادل الأفكار لا يشترط انتهاء النقاش إلى اتفاق، إذ يحق لكل طرف الاحتفاظ بقناعته، مع إتاحة المجال لعرض وجهات النظر ومناقشتها بحرية.

وعن اختيار أفلام الدورة الجديدة، قال حسين فهمي إن المهرجان يكتسب ثقلاً متزايداً عاماً بعد آخر، وهو ما انعكس على علاقته بصناع الأفلام ورغبتهم في المشاركة فيه. ولفت إلى أن استقطاب الأعمال أصبح أقل صعوبة مقارنة بالسابق، بعدما بات بعض السينمائيين يفضلون عرض أفلامهم في القاهرة، ويحتفظون بها انتظاراً للمشاركة في المهرجان، عاداً أن ذلك نتيجة للمصداقية التي راكمها المهرجان.

وأضاف أن «هذا الإقبال منح إدارة المهرجان خيارات أوسع، ودفعها إلى الاعتذار عن عدم ضم عدد من الأعمال»، مؤكداً أن «الأولوية تظل للمستوى الفني، وأن كثرة الأفلام المتاحة تفرض مزيداً من التدقيق والمفاضلة، للوصول إلى برنامج يعبر عن قيمة المهرجان، ويحافظ على ثقة الجمهور وصناع السينما في اختياراته».

وتضم الدورة الـ47 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، المقررة إقامتها خلال الفترة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، نحو 145 فيلماً وعملاً سينمائياً من 64 دولة وجهة إنتاج، بينها 17 عرضاً عالمياً أول، و5 عروض دولية أولى، و87 عرضاً أول في العالم العربي. وتأتي هذه الاختيارات بعدما استقبل المهرجان 5600 طلب مشاركة، توزعت بين 2100 طلب للأفلام الطويلة و3500 طلب للأفلام القصيرة.

يمنح المهرجان جائزة فاتن حمامة للفنان المصري آسر ياسين (إدارة المهرجان)

وربط فهمي بين تطور برنامج المهرجان والحضور المستمر في المهرجانات الدولية، مثل «برلين» و«كان»، موضحاً أن هذه المشاركات تتيح له لقاء صناع الأفلام، والتعرف إلى مشروعاتهم، ومتابعة أعمالهم في مراحل مبكرة. وأضاف أن التواصل المباشر يساعد على بناء علاقات ممتدة، ويفتح المجال لمناقشة مشاركات محتملة، إلى جانب التعريف بأنشطة مهرجان القاهرة وما يتيحه للسينمائيين من فرص للقاء الجمهور.

وأشار إلى أن هذه اللقاءات تشمل أيضاً التواصل مع الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام، واستعراض ما قدمه المهرجان في دوراته السابقة، بما في ذلك المبادرات الموجهة إلى الطلاب. وأكد أن النقاش يمتد إلى دور المهرجان في نشر الثقافة السينمائية، وإتاحة المعرفة وفرص المشاهدة لفئات قد لا تتوافر لها إمكانات منتظمة لمتابعة الأفلام والفعاليات.

ووفقاً لفهمي، تسعى إدارة المهرجان باستمرار إلى تطوير أنشطة جديدة، لافتاً إلى أن تبادل الخبرات مع رؤساء المهرجانات الأخرى يساعد على مناقشة هذه الأفكار وتوسيع أثرها، ومشيراً إلى أن بعض المبادرات التي يقدمها المهرجان تثير اهتمام زملائه في الخارج.

وفيما يتعلق بترميم كلاسيكيات السينما المصرية، قال فهمي إن اختيار الأفلام يستند إلى قيمتها الفنية، وأهمية مخرجيها وكتّابها، ومكانتها في تاريخ السينما المصرية، موضحاً أن مشروع الترميم شمل هذا العام نحو 6 أفلام، من بينها «شفيقة القبطية»، و«المتمردون»، و«البوسطجي»، و«إحنا التلامذة».

وعن تمويل المهرجان، أقرّ فهمي بأن الظروف الاقتصادية والحروب في المنطقة تزيدان من صعوبة الحصول على الرعاية، لكنه أشار إلى استمرار التعاون مع عدد من الرعاة السابقين، بالتوازي مع التفاوض مع جهات أخرى.

وأكد استمرار مقاطعة الشركات التي تتعامل مع إسرائيل، موضحاً أن إدارة المهرجان تعتذر عن عدم قبول عروض الرعاية المقدمة من هذه الجهات، وتواصل التعاون مع شركات مصرية وطنية. وأشار إلى أن هذا الموقف يظل حاكماً لاختيارات الرعاية، رغم التحديات التي تواجه توفير التمويل، والحاجة المستمرة إلى دعم يضمن تقديم الفعاليات بالمستوى الذي تسعى إليه الإدارة.


رزان الصغير... من ذاكرة الأحساء إلى شاشات السينما العالمية

صورة للمخرجة رزان الصغير من كواليس العمل (الشرق الأوسط)
صورة للمخرجة رزان الصغير من كواليس العمل (الشرق الأوسط)
TT

رزان الصغير... من ذاكرة الأحساء إلى شاشات السينما العالمية

صورة للمخرجة رزان الصغير من كواليس العمل (الشرق الأوسط)
صورة للمخرجة رزان الصغير من كواليس العمل (الشرق الأوسط)

من حنان امرأة لم ترزق بالأطفال، لكنها منحت طفلةً شعورَ الأمومة والأمان، ولدت حكاية سينمائية شقت طريقها من الأحساء إلى مهرجان الجونة السينمائي في مصر. تلك الطفلة هي المخرجة السعودية رزان الصغير، التي استعادت علاقتها بعمّة والدتها الراحلة لتقدم فيلمها القصير «ولد الحجية»، محوّلة تجربة شخصية رافقتها لسنوات إلى حكاية إنسانية عن الطفولة والفراق والأشخاص الذين يتركون أثرهم في حياتنا.

لم تكن الصغير تبحث عن قصة تستعرض من خلالها المكان الذي نشأت فيه، بقدر ما أرادت استعادة شعور يصعب الإمساك به؛ ذلك المزيج من الحرية والحنان الذي عاشته في طفولتها. وتوضح المخرجة السعودية في حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن فكرة الفيلم بدأت من تساؤلات رافقتها حول علاقتها بعمّة والدتها، وكيف استطاعت امرأة لم ترزق بالأطفال أن تمنحها إحساساً بالأمومة، وتوفر لها مساحة تشعر فيها بحرية مطلقة، دون أن تفقد في الوقت نفسه شعورها بالأمان.

الملصق الرسمي لفيلم «ولد الحجية» من إخراج رزان الصغير (إنستغرام)

ومن هذه العلاقة ولدت حكاية الطفل «حمد»، ذي السنوات السبع، الذي يقضي يومه الأخير في القرية برفقة عمّة والدته، قبل أن يغادر العالم الصغير الذي نشأ فيه وألفه. ولا يتوقف مشهد الوداع في الفيلم على لحظة مغادرة المكان، بل يمتد للتحولات النفسية العميقة التي يختبرها الإنسان حين يبتعد عمّن منحه الأمان في سنواته الأولى.

وتوضح الصغير أن اختيارها لهذا اليوم الأخير جاء بوصفه استعارة للفراق والتغيّر، سواء أكان الابتعاد عن شخص عزيز، أو مكان مألوف، أو مرحلة من الطفولة. وعلى الرغم من تصوير العمل في الأحساء، فإنها تعمّدت عدم تحديد موقع القرية جغرافياً داخل الحكاية، ليبقى المكان امتداداً لذاكرتها، وقابلاً لأن يجد فيه الآخرون شيئاً من ذكرياتهم.

صورة تشبه الذاكرة

لم تكتفِ المخرجة باستعادة طفولتها عبر النص، بل اختارت للصورة أيضاً ما يتناسب مع طبيعة الحكاية، مستخدمة خام الفيلم السينمائي بقياس 16 ملليمتراً، في قرار أضاف تحديات تقنية إلى عملية الإنتاج.

وتشير إلى أن التصوير بهذه التقنية، خلافاً للتصوير الرقمي، يتطلب تحميض الخام ومسحه ضوئياً قبل مشاهدة النتيجة، لكنها تمسكت باختيارها لما تحمله الصورة التناظرية من إحساس بالحنين والذاكرة، وهما العنصران اللذان يقوم عليهما الفيلم.

أما التحدي الآخر فكان العمل مع الطفل سعود الراشدي، الذي يؤدي شخصية «حمد»، إذ حرصت على ألا يشعر بأنه مطالب بتقديم أداء تمثيلي طوال الوقت. وتقول إن الفريق سعى إلى خلق بيئة طبيعية ومريحة، حتى أصبح الطفل صديقاً لجميع أفراد العمل، وانعكست تلك الألفة على عفويته أمام الكاميرا.

صورة تجمع طاقم عمل فيلم «ولد الحجية» (الشرق الأوسط)

ويشارك في بطولة الفيلم خيرية نظمي، إلى جانب إبراهيم الحساوي، وعلي الأحمد، وحسن العاشور، فيما تولّى إنتاجه بكر الدحيم، ضمن إنتاج سعودي هولندي مشترك، بدعم من مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي «إثراء» وصندوق البحر الأحمر.

من التجربة إلى صناعة الحكاية

لم تكن «ولد الحجية» المحطة الأولى في مسيرة الصغير، لكنها مثّلت تحولاً في علاقتها بصناعة الأفلام. ففي عام 2019، شاركت في برنامج تدريبي نظّمه «إثراء» بالتعاون مع معهد الفيلم البريطاني، وأنجزت خلاله فيلم «نَفَس»، الذي شكّل إحدى تجاربها الإخراجية المبكرة.

تستعيد المخرجة تلك التجربة بوصفها مرحلة لاكتشاف أدواتها الفنية، فبينما كان النص جاهزاً، ولم يستغرق التصوير سوى نحو أسبوع، انصبّ تركيزها على التعلم والتعامل مع الممثلين وفريق العمل.

أما مشروع «ولد الحجية» فكان مشروعاً أكثر خصوصية إذ تولت كتابته بنفسها، واستغرقت رحلته من تطوير السيناريو إلى التصوير قرابة عامين، تزامناً مع دراستها للماجستير. وبعد انتهاء دراستها، تفرغت للتحضيرات، من اختيار الممثلين ومواقع التصوير إلى متابعة التفاصيل الفنية للعمل.

تقول إن فيلم «نَفَس» أتاح لها اكتشاف نفسها كمخرجة، بينما منحها «ولد الحجية» فرصة خوض تجربة متكاملة، من الكتابة حتى مراحل ما بعد الإنتاج، فضلاً عن مساحة أوسع لتقديم رؤيتها الخاصة.

وتكشف تجربتها عن دور برامج التدريب والدعم السينمائي السعودية في مرافقة صناع الأفلام خلال مراحل تطورهم، من التجارب التعليمية الأولى إلى إنجاز مشاريع مستقلة قادرة على الوصول إلى المهرجانات.

حكاية محلية بمشاعر عالمية

بين فرنسا وبريطانيا وهولندا، تنقلت الصغير لاكتساب المعرفة السينمائية، فدرست في مدرسة «لا فيميس» الفرنسية بدعم من المجلس السعودي للأفلام آنذاك، وفي بريطانيا بدعم من «إثراء»، قبل أن تكمل الماجستير في الدراسات السينمائية بجامعة أمستردام عبر برنامج الابتعاث الثقافي.

غير أن هذا التنوع في المدارس والخبرات لم يدفعها بعيداً عن الحكايات المحلية، بل عزّز قناعتها بأن خصوصية المكان ليست عائقاً أمام وصول الفيلم إلى جمهور عالمي.


مصر: منع ظهور حسام حسن إعلامياً بسبب خلافاته العائلية

«ماسبيرو» يضم القنوات المصرية الرسمية (الشرق الأوسط)
«ماسبيرو» يضم القنوات المصرية الرسمية (الشرق الأوسط)
TT

مصر: منع ظهور حسام حسن إعلامياً بسبب خلافاته العائلية

«ماسبيرو» يضم القنوات المصرية الرسمية (الشرق الأوسط)
«ماسبيرو» يضم القنوات المصرية الرسمية (الشرق الأوسط)

أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حزمةً من القرارات تهدف إلى ترسيخ التزام وسائل الإعلام بـ«القواعد المهنية والأخلاقية»، والحفاظ على «حرمة الحياة الخاصة» و«الآداب العامة»، وضبط «الممارسة الإعلامية» بما يحقِّق التوازن بين «حرية الرأي والتعبير» والمسؤولية المترتبة عليها.

وقال المجلس، في بيان صدر الأربعاء، إنه في ضوء قراره السابق بإلزام المؤسسات والوسائل الإعلامية والصحافية والمنصات الرقمية الخاضعة لأحكام القانون رقم 180 لسنة 2018، بعدم تداول أو إتاحة أو مناقشة أي محتوى يتعلق بالأزمات أو الخلافات الأسرية أو أسرار الحياة الشخصية للمواطنين كافة دون استثناء، والالتزام بالأكواد والمعايير الإعلامية الصادرة عنه والمنظِّمة لضوابط التناول الإعلامي، فقد تقرَّر منع ظهور الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني لكرة القدم، على جميع الوسائل الإعلامية الخاضعة لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام، واستدعاء الممثلين القانونيِّين لعدد من المواقع الإلكترونية لجلسات استماع، لمخالفتها ضوابط «صون واحترام الحياة الخاصة» للمواطنين.

وأكد المجلس اتخاذ إجراءات قانونية مشدَّدة حال مخالفة القرار أو تكرار بث أو تداول أي أخبار تتعلق بالوقائع محل البيان، لافتاً إلى استمرار تنفيذ قراره السابق بمنع ظهور السيدة دان آدم، الزوجة السابقة للكابتن حسام حسن، على جميع الوسائل الإعلامية الخاضعة لأحكام القانون نفسه.

وشدَّد المجلس على ضرورة التزام وسائل الإعلام بتنفيذ قراره الخاص بمنع تداول أو إتاحة أو مناقشة أي محتوى يتعلق بالأزمات الأسرية أو بالحياة الشخصية للمواطنين كافة دون استثناء، مؤكداً اتخاذ الإجراءات القانونية المقرَّرة بحقِّ أي وسيلة إعلامية تخالف القرار.

وأوضح المجلس أنَّ وسائل الإعلام يجب أن تكون مساحةً لنشر الوعي والمعرفة، لا ساحة لتصفية الخلافات الشخصية أو تبادل الاتهامات والمشاحنات.

وفي سياق متصل، رفض أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، الدكتور محمود خليل، سياسة منع الظهور، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «إتاحة الحرية ومنح المصدر المساحة المناسبة، مع ضبط المذيع للحوار ومنع انفلاته أو تطرقه إلى أمور وأزمات بعيدة عن أخلاقيات المهنة، هو المنطق الذي ينبغي اتباعه».

وأكد خليل أن «عمل مدرب المنتخب المصري يتطلب ظهوره إعلامياً للحصول على معلومات تتعلق بعمله في المجال الرياضي، فمن غير المعقول سؤال الضيف عن تفاصيل شخصية وتناولها عبر منصة رياضية»، لافتاً إلى أن الحياد والمهنية هما الأساس في ضبط المشهد الإعلامي.

وأشار المجلس، في بيانه، إلى أن حماية استقرار المنظومة الرياضية وإعلاء المصلحة الوطنية يقتضيان توفير المناخ المناسب للجهاز الفني للمنتخب الوطني للقيام بمسؤولياته، والتركيز على الاستعداد للاستحقاقات الرياضية، بعيداً عن أي خلافات لا تخدم الرياضة المصرية.

وخلال الساعات القليلة الماضية، عاد اسم حسام حسن وطليقته دان آدم إلى الواجهة مجدداً، بعد الإعلان عن اتخاذ إجراءات قانونية ضدها وتقديم بلاغ رسمي يتضمَّن اتهامات بالتزوير والجمع بين زوجين، الأمر الذي أدى إلى تصاعد المطالبات باستقالته على خلفية أزماته الشخصية.

من جانبها، أيَّدت الدكتورة سارة فوزي، أستاذة الإذاعة والتلفزيون والإعلام الرقمي في «إعلام القاهرة»، قرار منع الظهور، مؤكدة لـ«الشرق الأوسط» أن «حماية الشخصيات العامة أمر ضروري لتجنب الدخول في مهاترات والخوض في تفاصيل أسرية»، رافضة تحويل القنوات إلى «باباراتزي» يتصيد الأخبار والفضائح والأزمات الشخصية لعرضها تلفزيونياً.

وعدَّت سارة أن منع الظهور «يهدف إلى الحفاظ على صورة المنتخب ومدربه، وحمايتهما من أي تأثيرات سلبية أو تداعيات أخرى».

وقبل صدور قرار منع ظهور حسام حسن بأسابيع، أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام منع ظهور طليقته دان آدم للأسباب نفسها، بينما بدأت خلافاتهما تطفو على السطح في منتصف العام الماضي، على خلفية حديث الأخيرة إلى وسائل إعلام محلية عن مشكلة تخصهما، للمرة الأولى بعد مرور 10 سنوات على زواجهما.