الحقيقة الأدبية نسبية وحمالة أوجه والخرائط تبدلت

الحقيقة الأدبية نسبية وحمالة أوجه والخرائط تبدلت

ملاحظات على ملاحظات سعد البازعي حول «مسارات الحداثة»
الأحد - 20 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 16 أكتوبر 2022 مـ رقم العدد [ 16028]
الناقد سعد البازعي - الشاعر السعودي محمد العلي

لا يسَعني بدايةً سوى شكر الناقد الصديق سعد البازعي، المشهود له بسَعة الثقافة والصدر، على تقديره الإيجابي لتجربتي الشعرية، كما على اهتمامه بكتابي النقدي «مسارات الحداثة»، الذي صدر قبل شهور عدة، وتجشّمه من ثم عناء مناقشة محتوياته.

ولا بد لي في الوقت نفسه من مضاعفة شكري إياه؛ لتذكيره القراء بأننا نتشاطر قواسم مشتركة عديدة، بينها الجذر الثلاثي الذي اشتقت منه تسمية العائلتين. على أن الصديق الناقد الذي كاد يعفيني، عبر ما وجده لي من أعذار، من تبِعات الاختيارات والتباساتها، ما لبث أن أعاد الأمور إلى مربعها الأول، سواء فيما يتعلق بدول الحداثة التأسيسية ومناطقها، أو بالأسماء المستبعَدة من الكتّاب، وجُلّهم من جيل السبعينيات غير المشمول بالتناول النقدي.

ولمّا كان البازعي قد أشار إلى وقوعه في المأزق نفسه، إثر صدور كتابه الموسوعي المميز «معالم الحداثة»، حيث تبارى الكثيرون في لومه على تغييب هذا الاسم أو ذاك من الكُتاب والمفكرين، فقد ظننت أن ما واجهه من انتقادات سيدفعه، بحكم تماثل وضعينا، إلى التعامل مع كتابي بتفهّم أكبر وانتقادات أقل وطأة، لكن ما حدث هو العكس تماماً، حيث عاد عن اعتباراته التخفيفية، ليسدد باتجاه الكتاب العديد من «رشقات» الملاحظات، و«سهام» المآخذ.

والواقع أن بعض الملاحظات التي أوردها البازعي بشأن الكتاب، يمكن أن تُدخلنا في مزالق ومحاذير يصعب الخروج منها، وخاصة عبر مطالبته بتوزيع جغرافي عادل للحداثة، الأمر الذي يحوّل الكتاب، في حال الأخذ به، إلى نوع من جامعة ثقافية موازية لجامعة الدول العربية. أما بالنسبة للشعراء المختارين، فلا بد من التذكير بأن العمل الإبداعي لا يندرج في خانة الحقائق اليقينية، بل هو نشاط خاضع لمبدأ النسبية، كما لذائقة المتلقي وتكوينه الثقافي والمعرفي، الأمر الذي يجعل من المتعذر تماماً الرؤية إلى التجارب الإبداعية بالطريقة نفسها من قِبل القراء والنقاد والدارسين.

ولعلّ من حسن حظ البشر أن تكون لهم تلك المروحة الواسعة من الأمزجة والأذواق وطريقة النظر إلى الأشياء؛ لأنه من دون ذلك، لن نعثر إلا على نموذج أحادي للجمال والحب وطريقة العيش، وعلى نموذج مماثل للكتابة والفن. وإذا كان النقد الأدبي من جهته يمتلك الكثير من سمات العلم والبحث المعرفي الرصين، إلا أنه يقع في باب العلوم «اللينة» والمفتوحة على الاجتهاد والتأويل، كما كنتُ قد أشرت في مقدمة الكتاب.

وبالعودة إلى ملاحظات الصديق البازعي، يمكنني القول إن النقطة المتعلقة بجغرافيا الحداثة هي بالقطع أكثر إثارة للحساسيات المحلية، من النقطة المتعلقة بالأسماء؛ لكونها يمكن أن تُحمل على محمل الشوفينية النقدية، وإعلاء بعض الكيانات السياسية على حساب كيانات أخرى. على أن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن قبل سواه هو التالي: منذ متى كانت خرائط الإبداع العربي يتم ترسيمها وفقاً لحدود الدول القُطرية والكيانات السياسية والوطنية؟ وإذا كانت غالبية هذه الكيانات لا يزيد عمرها عن القرن الواحد، فإن عمر اللغة والشعر العربيين يزيد عن ألف وخمسمائة عام، كما أن كليهما يسبحان في الأوقيانوس إياه، ولو تنوعت مشاربه ومذاقاته. ومن الذي يتعامل اليوم مع امرئ القيس بوصفه شاعراً نجدياً، والمتنبي بوصفه عراقياً، وأبي العلاء بوصفه سورياً؟

وحتى لو صرفنا النظر عن هذه المسألة، فلماذا لم يُشِر الصديق البازعي بالاسم إلى الشعراء الحداثيين المؤسِّسين، وخاصة من جيل الخمسينيات في الخليج والمغرب العربي؛ لأن ما أعرفه هو أن الحداثة الشعرية، بشقّيها التفعيلي والنثري، قد نشأت في العراق، ثم توزعت عبر مجلات «الرسالة» و«الأديب» و«الآداب» و«شعر» وغيرها، بين لبنان ومصر وسوريا وبعض دول المشرق المجاورة. أما دخول منطقتي المغرب العربي والخليج على خط الحداثة فقد جاء متأخراً نسبياً، ليتوزع بتفاوت بين ستينيات القرن الماضي وسبعينياته.

وإذا كنت قد أشرت إلى الإرهاصات الحداثية المبكرة لأبي القاسم الشابي، فإن معظم التجارب المغاربية الحداثية تنتمي إلى حقبتي الستينيات والسبعينيات. أما على الصعيد الخليجي فإن تجربة الشاعر السعودي محمد العلي تقع في طليعة التجارب الحداثية المماثلة، إلا أن هذه التجربة لم تأخذ لسوء الحظ طريقها إلى النشر، في حين أن تجارب محمد الثبيتي وبعض مُجايليه من الحداثيين تنتمي هي الأخرى إلى حقبة السبعينيات، التي تقع خارج نطاق الكتاب.

ولا حاجة بي إلى التذكير بأنني أشرت، غير مرة وفي مقالات مختلفة، إلى أن ما سُمي بدول المركز وعواصمه لم يعد حِكراً على مربع بغداد- القاهرة- بيروت- ودمشق، وإلى أن المغرب العربي والخليج قد بدآ يتحولان منذ سنوات إلى بؤرتين هامتين للمعرفة والإبداع وثقافة التنوير، حيث تلمع هنا وهناك عشرات الأسماء الهامة في مجالات الشعر والسرد، والفن بوجه عام.

أما فيما يخص الأسماء التي أشار البازعي إلى إغفالي إياها، فالبردوني وحده هو الذي ينطبق عليه من بينها معيار الدراسة الزمني. ومع أنه شاعر كبير ومجدد بالقطع، إلا أن تجديده الشعري يدخل في نطاق الكلاسيكية الجديدة، ولا يجعل منه شاعراً حداثياً، وإلا كان عليّ أن أوسّع المنظور الحداثي أكثر مما يحتمل، ليضم عشرات الخليليين من طراز إلياس أبو شبكة وخليل مطران وبدوي الجبل والجواهري وعمر أبو ريشة، وكثر غيرهم، بما يُدخل الكتاب في متاهة نظرية لا أول لها ولا آخر.

وإذا كنت قد خصصت سعيد عقل بالدراسة، دون سواه من الشعراء الخليليين، فلأنه من وجهة نظري، وبعيداً عن شطحاته السياسية، الشاعرالذي أوصل الجمالية الشعرية الكلاسيكية إلى تخومها القصوى، وإلى مأزقها الحتمي في الآن نفسه، بما جعل من تشظّي البنية التناظرية للبيت الشعري من بعده، أمراً لا مفر منه.

وإذ يشكّ الصديق البازعي بأن يكون اللبناني عصام محفوظ أكثر أهمية من اليمني عبد العزيز المقالح، فأنا لا أشاطره الشك نفسه فحسب، بل أؤكد بالقطع أن الثاني أشعر من الأول وأكثر موهبة وتنوعاً. لكن اشتمال الكتاب على محفوظ، وعدم اشتماله على المقالح، يعود إلى كون محفوظ جزءاً، ولو متواضعاً، من مغامرة «شعر» التجديدية في أواخر خمسينيات القرن الفائت، وهو قد انسحب من الشعر إلى المسرح في وقت لاحق، في حين أن المقالح ورغم ولادته عام 1937 ومُجايلته لمحفوظ، يعتبر على الصعيد الإبداعي واحداً من شعراء السبعينيات، حيث صدر ديوانه الأول «لا بد من صنعا» عام 1971. والأمر نفسه ينطبق على محمد بنيس وقاسم حداد ومنصف الوهايبي ومحمد الغزي، الذين صدرت أعمالهم الأولى بين الأعوام 1970 و1982. ولو طبّقنا هذا المعيار التحقيبي على الكتّاب، لوجب أن أضم إليه أسماء بالغة الأهمية من جيلي الستينيات والسبعينيات.

وإذ آثرتُ أخيراً أن أقدم الأسماء الهامة والمتميزة من جيلي الحداثة الثانية والثالثة، عبر جزء لاحق من الكتاب، فيهمّني أن أوضح في الوقت نفسه أنه سبق لي أن تناولت بالقراءة النقدية، وعبر منابر ثقافية مختلفة؛ ليس فقط الشعراء الذين خصّهم البازعي بالذكر، بل عشرات غيرهم ممن رفدوا الحداثة العربية بالكثير من عناصر الجِدة والمغايرة والانقلاب على السائد.

وفي أية حال لقد اجتهدت قدْر ما أعرف وقدْر ما أستطيع، فإن أصبتُ، كما يقول الحديث الشريف، فلي أجْران، وإن أخطأت فلي أجر واحد، وهو أجرٌ ليس بالقليل في أية حال.


السعودية Art

اختيارات المحرر

فيديو