إبراهيم تراوري... من مواجهة الإرهاب إلى رئاسة بوركينا فاسو

النقيب «الثلاثيني» جاء على ظهر دبابة ومخاوف من «أمل يعقبه

إبراهيم تراوري... من مواجهة الإرهاب إلى رئاسة بوركينا فاسو
TT

إبراهيم تراوري... من مواجهة الإرهاب إلى رئاسة بوركينا فاسو

إبراهيم تراوري... من مواجهة الإرهاب إلى رئاسة بوركينا فاسو

على ظهر دبابة، دخل النقيب إبراهيم تراوري مدينة واغادوغو، عاصمة بلاده بوركينا فاسو، دخول الفاتحين، يوم الجمعة 30 سبتمبر (أيلول) الماضي، فأطاح برئيس البلاد العقيد بول هنري داميبا، ونصّب نفسه رئيساً للبلاد التي عُرفت سابقاً بـ«أعالي الفولتا». وتراوري، الذي يبلغ من العمر 34 سنة، بات بذلك أصغر رئيس دولة في العالم، وتحوّل بين عشية وضحاها من «ضابط شاب» لا يكاد يعرفه أحد في بلده، إلى «الرجل القوي» الذي يراهن عليه بعض مواطنيه لإخراجهم من أزمة أمنية وسياسية واقتصادية خانقة، يعيشها البلد الهش والفقير منذ 2015. لكن هذا الرهان رهان صعب على شاب تنقصه الخبرة والحنكة السياسية، مع أنه يتوافر على قدر من الشجاعة، وربما التهور والطيش. وحين استتبّ الأمر للنقيب الشاب بعد يومين من الشك، وحين انقشع غبار الاستعداد لحرب كانت تلوح في الأفق بين فصائل الجيش، وعاد أنصار النقيب المتحمسين إلى بيوتهم، وهم في الحقيقة ليسوا أنصاراً بقدر ما هم ساخطون على الوضع السيئ، يبحثون عن بديل يتعلقون به كالغريق. وحقاً، حين عاد الهدوء إلى الشوارع والنفوس، بدأ الجميع في بوركينا فاسو يسألون عن رئيسهم الجديد، وينبشون في ماضيه لعلّهم يجدون ما يمنحهم الطمأنينة، بعد عقود طويلة من التيه وسط الانقلابات العسكرية، التي تبدأ بأملٍ كبير، وتنتهي بإحباط أكبر
ينحدر إبراهيم تراوري من قرية صغيرة تُدعى بوندوكي، تقع شمال غربي بوركينا فاسو، هي مسقط رأسه ومهد طفولته البسيطة والعادية. فيها درس الابتدائية قبل أن ينتقل لدراسة المرحلة الثانوية في مدينة بوبو ديولاسو، ثاني كبرى مدن البلاد بعد العاصمة، وفيها حصل على شهادة البكالوريا عام 2006.
لا تتوافر معلومات ذات أهمية كبيرة عن طفولته سوى أنه ينحدر من قبائل الموسّي Mossi، التي تشكل غالبية سكان بوركينا فاسو (52 %)، وهي قبائل دخلت الإسلام في القرن التاسع عشر الميلادي، وتحمل خلفها تاريخاً مجيدًا في وسط وغرب بوركينا فاسو، حيث أقامت إمارات وممالك متنفذة إبان العصر الوسيط، ولا تزال تحظى بنفوذ تقليدي، ولديها ملوك يعيشون في قصور وتتعامل معهم الدولة الحديثة.
كأي شاب حالم بمستقبل أفضل، توجّه إبراهيم تراوري إلى العاصمة واغادوغو ليكمل تعليمه الجامعي، فدرس الجيولوجيا في كلية العلوم والتقنيات بجامعة جوزيف كي زيربو؛ أكبر جامعة في البلاد. وحين وصل إلى هناك كان مرة يوصف بأنه «انطوائي وخجول»، ومرة بأنه «هادئ وذكي»، وهي صفات متداخلة جداً.
إلا أن شخصية الفتى الانطوائية بدأت تتغير بعد السكن في واغادوغو، التي تعدّ واحدة من أكثر مدن غرب أفريقيا حيوية ثقافية وسياسية، خصوصاً أنه ارتاد جامعة تحتضن بيئة شبابية ناشطة، تهيمن عليها الحركات الطلابية اليسارية الحالمة بالثورة. ولكن مع ذلك لم يُعرف للشاب أي مسار نضالي، قبل أن يقرر فجأة، عام 2010، إيقاف مساره الدراسي قبل الحصول على شهادته. وبالفعل خرج من الجامعة متوجهاً نحو «أكاديمية جورج ناموناو العسكرية» على الحدود مع دولة كوت ديفوار، في أقصى جنوبي البلاد. وكانت تلك الرحلة منعرجاً حقيقياً في حياة المراهق الذي فضّل الجيش على الجيولوجيا.

مسار عسكري
سريعًا تخرّج تراوري من الأكاديمية العسكرية، ضمن دفعة من الضباط حملت اسم «المواطنة»، ثم حصل فورًا على تكوين (إعداد) عسكري في المغرب بسلاح المدفعية، وعلى الأثر نال في عام 2012 رتبة ملازم ثانٍ، قبل أن يحصل على ترقية لرتبة ملازم أول عام 2014، ثم في عام 2020 رُقّي إلى رتبة نقيب.
خلال 10 سنوات في الجيش، واجه إبراهيم تراوري الحركات الإرهابية في بوركينا فاسو ومالي، وخصوصاً في منطقة «الساحل»؛ وهي محافظة في بوركينا فاسو محاذية للنيجر، يتمركز فيها تنظيم «الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (داعش)».
وفي عام 2018 التحق تراوري وهو - يحمل آنذاك رتبة ملازم أول بوحدات بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في دولة مالي المجاورة. وتتحدث تقارير عن تصدّيه لهجوم مسلّح نفذته «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (القاعدة)» ضد وحدته، بالقرب من مدينة تمبكتو التاريخية، ومن هناك برزت قدراته القيادية، وبدأ يلفت أنظار رفاقه وقادته.
حين عاد الضابط الشاب إلى بلاده عام 2019، توجّه إلى جبهة القتال لمواجهة تنظيم «داعش» ضمن عملية عسكرية معقدة أطلقها الجيش ضد معاقل التنظيم استمرت لسبعة أشهر، وخرج منها بسمعة طيبة في أوساط الضباط وصغار الجنود. إذ كان يوصف بأنه «قائد عسكري قريب من جنوده، شجاع ومبادر، ومرتبط بالعمل الميداني»... غير أن معظم هذه الشهادات في حقّه لم تبرز إلا حين قاد الانقلاب العسكري الأخير.
ذلك أنه بعد عودة تراوري من جبهة القتال عام 2020، وجد الترقية لرتبة نقيب في انتظاره، غير أن الأهم من ذلك أنه أصبح أقرب إلى دوائر صنع القرار. وبالفعل ظهر اسمه ضمن قادة «انقلاب يناير (كانون الثاني)» الماضي، الذي أطاح بالرئيس المدني روش مارك كابوري، ودفع العقيد بول هنري داميبا إلى الحكم. ويومذاك لم يتأخر العقيد داميبا في مكافأة الضابط الشاب حين عيّنه، مارس (آذار) الماضي، قائدًا للمدفعية في وحدة الدعم المتمركزة في مدينة كايا؛ وهي مدينة استراتيجية قريبة من جبهات القتال.

انقلاب أكاديمي
حين قاد النقيب إبراهيم تراوري انقلابه العسكري الأخير على العقيد داميبا، قدّم مبرراً وحيدًا لتحركه؛ هو «فشل» داميبا في مواجهة الإرهاب، خصوصاً بعد هجوم تعرضت له قافلة إمداد عسكري يوم 26 سبتمبر (أيلول) الماضي، أي قبل أربعة أيام فقط من الانقلاب. وفي حينه، كانت القافلة متوجهة إلى جبهة القتال، لكن مسلّحين متطرفين حاصروها وقتلوا 27 جندياً واستولوا على الكثير من العتاد.
وفي تصريحات صحافية حول ما جرى، قال تراوري إنه قبل أسابيع من الانقلاب غادر ثكنته العسكرية متوجهاً نحو العاصمة واغادوغو، يريد لقاء الرئيس من أجل إطلاعه على مدى سوء أوضاع الجنود في الميدان، والخطر المُحدق بقوافل الإمداد العسكرية. وبعد كثير من المواعيد المؤجلة، قرر الانسحاب من العاصمة والتوجه نحو ثكنته العسكرية داخل البلاد، ومن هناك بدأ اتصالات انتهت بالتحرك نحو العاصمة وإسقاط الرئيس.
كذلك قال تراوري في حديث مع مسؤولين حكوميين بعد نجاح الانقلاب: «أدركُ أنني أصغر سناً من غالبية الموجودين هنا. نحن لم نكن نريد للأمور أن تسير بهذا الشكل وأن يحدث ما حدث، ولكن لم يكن أمامنا خيار آخر... الآن علينا النظر إلى الأمام وتجنب تضييع الوقت في الروتين البيروقراطي. ولذا أطلب منكم جميعاً حل مشاكل المواطنين وبسرعة».
صراع أجنحة و«أكاديميتين»
بينما تبدو مبررات النقيب تراوري مقنعة للشارع في بوركينا فاسو، يرى البعض أن لانقلابه خلفيات أخرى لا تخلو من صراع أجنحة داخل المؤسسة العسكرية؛ وهو صراع بين ضباط الجيش من خريجي أهم أكاديميتين عسكريتين في البلد. إذ ان تراوري خريج «أكاديمية جورج ناموناو العسكرية»، التي أسست عام 1984 لتكون بديلة لـ«الأكاديمية العسكرية في كاديوكو» - وهي الأكثر عراقة ونفوذاً - التي أسسها الفرنسيون عام 1951، وفيها تخرَّج الرئيس المُطاح به في الانقلاب الأخير؛ العقيد داميبا. ومن ثم فإن انقلاب تراوري يعيد إلى الواجهة صراعاً قديماً بين خريجي الأكاديميات العسكرية في البلد الأفريقي الهش.
إن الضباط الذين يتخرجون من «أكاديمية جورج ناموناو العسكرية» غالبًا ما يكونون أقل نفوذاً، بالمقارنة مع خريجي «الأكاديمية العسكرية في كاديوكو» التي طالما جسدت بقايا نفوذ الاستعمار الفرنسي، ولكنها في الوقت نفسه تضمن لخرّيجيها أفضل تكوين علمي وعسكري. ولهذا فإن ضباطها غالباً ما يرون أنفسهم أعلى قيمة من رفاقهم من الأكاديمية الأخرى.
وحين وصل الزعيم الثوري توماس سانكارا إلى الحكم في بوركينا فاسو، مطلع ثمانينيات القرن الماضي، بفضل حركة سرّية حملت آنذاك اسم «الضباط الشيوعيين»، فإنه بادر إلى إغلاق «الأكاديمية العسكرية في كاديوكو»، في إطار محاربته ما كان يسميه «النفوذ الإمبريالي الفرنسي»، وحاول أن يعوّضها بأكاديمية عسكرية جديدة لم تكن سوى «أكاديمية جورج ناموناو العسكرية».
ولكن بعد مقتل سانكارا في انقلاب عسكري قاده صديقه ورفيقه بليز كومباوري، المدعوم من الفرنسيين، بنهاية ثمانينيات القرن الماضي، أعاد كومباوري فتح «الأكاديمية العسكرية في كاديوكو» عام 1992، إلا أنه احتفظ بالأكاديمية التي فتحها سانكارا، مع أنها بقيت دوماً لا تحظى بالاهتمام الذي تتمتع به سابقتها.
اليوم يعود هذا الصراع إلى الواجهة، حين نجح نقيب شاب من خريجي «أكاديمية جورج ناموناو العسكرية» في الوصول إلى سُدة الحكم، والإطاحة بواحد من نخبة ضباط «الأكاديمية العسكرية في كاديوكو». بل إن تراوري لم يكتف بذلك فقط، وإنما اتهم العقيد داميبا علناً بـ«العجز والفشل» في مواجهة الإرهاب؛ إنه بذلك كان يوجه ضربة من تحت الحزام للأكاديمية التي تعمل منذ عدة عقود وفق التقاليد العسكرية الفرنسية.
وهنا يمكن القول إن انقلاب تراوري كان أكثر من مجرد انقلاب للوصول إلى سُدة الحكم، وإنما انقلاب على التقاليد العسكرية في بلد يحكمه ضباط الجيش منذ عقود. وبالإضافة إلى كون زعيمه نقيبًا من الرتب الدنيا في الجيش، فهو خريج مدرسة عسكرية ليست هي الأكثر عراقة في البلد، إن تراوري بذلك يقلب الموازين داخل الجيش.

تحديات في الأفق
زعيم بوركينا فاسو الجديد بوجهه الدائري وملامحه الطفولية، ظل يرتدي كامل زيه العسكري في جميع لقاءاته وظهوره أمام الصحافة، بقبعته الحمراء وخصره المحاط بالرصاص، وصدره المثقل بأجهزة الاتصال اللاسلكي. وهو يسعى إلى ترسيخ صورة الجندي المقاتل في أذهان مواطنيه، ولكن المعركة التي تنتظره أكثر تعقيداً من أن يحسمها جندي مدجج بالسلاح. وهذا ما يؤكده إسماعيل يعقوب الشيخ سيديا، الباحث الموريتاني في الشأن الأفريقي، خلال حديث مع «الشرق الأوسط»، إذ يقول إن أمام النقيب تراوري فرصة ذهبية لإيجاد حلول إذا تمتع بـ«الذكاء والمرونة».
ويضيف الباحث الموريتاني: «فيما يبدو هو شخص هادئ ومرن ومتّزن، والظاهر أنه يمتلك القدرة على مخاطبة مشاعر الناس واستمالة الشركاء الدوليين. وحسب ما لدينا من معطيات أولية، فإنه قد ينجح في تحقيق مستوى معين من الأمن؛ لخبرته العسكرية... ولكن أيضًا لأن الجماعات المتطرفة المسلحة قد تخفّف من هجماتها في انتظار معرفة توجهه».
ولكن الباحث الموريتاني يذهب أبعد من ذلك حين يقول: «لأنه مسلم قد تخفُّ هجمات الإسلاميين من قبائل الفولاني المتحالفين مع الطوارق». ثم يوضح الباحث في الشأن الأفريقي فكرته قائلاً: «إسلامه وخلفيته الاجتماعية، لا شك من الأمور التي قد تساعده، بالإضافة إلى أنه سبق أن واجه هذه الجماعات ويعرف قياداتها، كما أنه كان من ضباط ينادون بالحوار مع الجماعات المسلحة للتوصل إلى تسوية سلمية. وهذا يعطينا لمحة عن الطريقة التي قد يدير بها الملف، وهي في الغالب استراتيجية مزدوجة تمزج بين حل أمني - عسكري وحل آخر سلمي - تنموي».
في المقابل يشدد الباحث الموريتاني على أن الوضع معقد جداً، والقرارات الأولى التي سيتخذها النقيب تراوري هي التي ستحدد إن كان سينجح أم لا. وتوقّع الباحث، في هذا السياق، أن تحمل قراراته إشارات «ذكية» موجهة للجماعات الإسلامية والمتطرفة، لعلّ من أهمها «أن يحل ميليشيات مدنية سلّحتها الدولة، وأن يعيد الثقة إلى أئمة المساجد ويُفرج عن بعضهم في السجن، بالإضافة إلى إبراز هوية بوركينا فاسو الإسلامية».
في غضون ذلك، يعتقد الباحث الموريتاني أن التحدي الأكبر أمام الرئيس الشاب هو «تسيير العلاقة مع المجموعة الدولية، التي يتوجّب عليه أن يبتعد عنها مرحلياً، ولكن دون أن يقطع الصلة بها، لأن الحل الحقيقي لا بد أن يكون حلاً محلياً». ثم يضيف أن تراوري «قد يحصل على مساعدة رئيس مالي العقيد آسيمي كويتا، خاصة فيما يتعلق بالشراكة مع روسيا، إذ إن الفرنسيين كشركاء لا يوفرون له ما يكفي من المعلومات الاستخباراتية، كما أنهم لا يتحمسون لتسليح جيوش المنطقة، ومن ثم، يُتّهمون بقلة الرغبة في تسوية الأزمة الأمنية بشكل نهائي».
لكن النقيب تراوري في سياق حديثه عن الشركاء الدوليين قال صراحة: «أعرف أن فرنسا لا يمكنها التدخل مباشرة في شؤوننا (..)، أما الأميركيون فهم شركاؤنا حالياً، ولكن يمكننا أيضاً أن نقيم شراكة مع روسيا». هذه التصريحات أظهرت رغبة واضحة لدى تراوري في أن يسلك الطريق التي سلكها غويتا في مالي، حين استعاض عن الفرنسيين بالروس، غير أنه دفع ثمن ذلك باهظاً، فهل سيكون تراوري أكثر حكمة، وهو القادم من أعرق مجتمعات «أرض الرجال الأحرار (معنى اسم بوركينا فاسو)».


مقالات ذات صلة

«مذبحة الكرمة» تفاقم الوضع الأمني في بوركينا فاسو

العالم «مذبحة الكرمة» تفاقم الوضع الأمني في بوركينا فاسو

«مذبحة الكرمة» تفاقم الوضع الأمني في بوركينا فاسو

بدأت بوركينا فاسو التحقيق في «مذبحة» وقعت في قرية الكرمة شمال البلاد، أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، على أيدي مسلحين يرتدون زي القوات المسلحة البوركينابية. وقُتل نحو 136 شخصاً في الهجوم، الذي وقع في 20 أبريل (نيسان) واتَّهم فيه مواطنون قوات الجيش بالمسؤولية عنه، لكنّ مسؤولين قالوا إن «مرتكبي المذبحة إرهابيون ارتدوا ملابس العسكريين»، في حين ندّدت الحكومة بالهجوم على القرية، في بيان صدر في 27 أبريل، دون ذكر تفاصيل عن الضحايا، قائلة إنها «تواكب عن كثب سير التحقيق الذي فتحه المدعي العام للمحكمة العليا في واهيغويا، لامين كابوري، من أجل توضيح الحقائق واستدعاء جميع الأشخاص المعنيين»

محمد عبده حسنين (القاهرة)
العالم الحرب على الإرهاب في بوركينا فاسو... مقتل 33 جندياً و40 إرهابياً

الحرب على الإرهاب في بوركينا فاسو... مقتل 33 جندياً و40 إرهابياً

أعلن الجيش في بوركينا فاسو أن 33 من جنوده قتلوا في هجوم نفذته مجموعة إرهابية على موقع عسكري، يقع في شرق البلاد، وذلك في آخر تطورات الحرب الدائرة على الإرهاب بهذا البلد الأفريقي الذي يعاني من انعدام الأمن منذ 2015. وقال الجيش في بيان صحافي إن مجموعة من المسلحين هاجمت فجر الخميس موقعاً عسكرياً في منطقة أوجارو، شرق البلاد، على الحدود مع دولة النيجر، وحاصروا وحدة من الجيش كانت تتمركز في الموقع، لتقع اشتباكات عنيفة بين الطرفين. وأعلن الجيش أن الحصيلة تشير إلى مقتل 33 جندياً وإصابة 12 آخرين، لكنهم في المقابل قتلوا ما لا يقلُّ عن 40 من عناصر المجموعة الإرهابية التي ظلت تحاصرهم حتى وصلت تعزيزات فكت عن

الشيخ محمد (نواكشوط)
العالم بوركينا فاسو: العنف يحصد مزيداً من الضحايا رغم «التعبئة العامة»

بوركينا فاسو: العنف يحصد مزيداً من الضحايا رغم «التعبئة العامة»

على الرغم من إعلان المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو «تعبئة عامة» لمنح الدولة «الوسائل اللازمة» لمكافحة الإرهاب، تزايدت الجماعات المسلحة في الأسابيع الأخيرة، والتي يتم تحميل مسؤوليتها عادة إلى مسلحين مرتبطين بتنظيمي «القاعدة» و«داعش». وتشهد بوركينا فاسو (غرب أفريقيا)، أعمال عنف ونشاطاً للجماعات المتطرفة منذ 2015 طالها من دولة مالي المجاورة. وقتل مسلحون يرتدون أزياء عسكرية في بوركينا فاسو نحو 60 شخصاً، بحسب مصدر قضائي، الاثنين، ذكر لوكالة «الصحافة الفرنسية»، نقلاً عن جهاز الشرطة، أن «الهجوم وقع (الخميس) في قرية كارما في شمال إقليم ياتنغا»، مضيفاً أن المسلحين «استولوا» على كميات من البضائع ا

العالم بوركينا فاسو: العنف يحصد مزيداً من الضحايا رغم «التعبئة العامة»

بوركينا فاسو: العنف يحصد مزيداً من الضحايا رغم «التعبئة العامة»

على الرغم من إعلان المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو «تعبئة عامة» لمنح الدولة «الوسائل اللازمة» لمكافحة الإرهاب، تزايدت الهجمات المسلحة في الأسابيع الأخيرة، التي يتم تحميل مسؤوليتها عادة إلى مسلحين مرتبطين بتنظيمي «القاعدة» و«داعش». وتشهد بوركينا فاسو (غرب أفريقيا)، أعمال عنف ونشاطاً للجماعات المتطرفة منذ 2015 طالاها من دولة مالي المجاورة. وقتل مسلحون يرتدون أزياء عسكرية في بوركينا فاسو نحو 60 شخصاً، حسب مصدر قضائي (الاثنين) ذكر لوكالة الصحافة الفرنسية، نقلاً عن جهاز الشرطة، أن الهجوم وقع (الخميس) في قرية كارما شمال إقليم ياتنغا، مضيفاً أن المسلحين «استولوا» على كميات من البضائع المتنوعة خ

أفريقيا مقتل 60 مدنياً بهجوم في شمال بوركينا فاسو

مقتل 60 مدنياً بهجوم في شمال بوركينا فاسو

قال مسؤول من بلدة أواهيجويا في بوركينا فاسو، أمس الأحد، نقلاً عن معلومات من الشرطة إن نحو 60 مدنياً قُتلوا، يوم الجمعة، في شمال البلاد على أيدي أشخاص يرتدون زي القوات المسلحة البوركينية. وأضاف المدعي العام المحلي لامين كابوري أن تحقيقاً بدأ بعد الهجوم على قرية الكرمة في إقليم ياتنجا في المناطق الحدودية قرب مالي وهي منطقة اجتاحتها جماعات إسلامية مرتبطة بـ«القاعدة» وتنظيم «داعش» وتشن هجمات متكررة منذ سنوات. ولم يذكر البيان مزيداً من التفاصيل بشأن الهجوم، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء. وذكرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في مارس (آذار) أن هجمات الجماعات المسلحة على المدنيين تصاعدت منذ عام 2022 ب

«الشرق الأوسط» (واغادوغو)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.