ألفريد نوبل: حياتي نصف حياة بائسة لا تصلح للعيش

صنع لنفسه صورة شخص معذب بحلم يسعى لتحقيقه (2 - 2)

ألفريد نوبل
ألفريد نوبل
TT

ألفريد نوبل: حياتي نصف حياة بائسة لا تصلح للعيش

ألفريد نوبل
ألفريد نوبل

ظهور العناصر الروسية في رسائل الإخوة، غالباً، بقدر تعلق الأمر بالكلمات والمفاهيم المفقودة في السويدية أو التي يبدو من الطبيعي التعبير عنها باللغة الروسية، وأحياناً لإعادة إنتاج مثَل أو قول مأثور، وفي بعض الأحيان لنقل معلومات حساسة. بالنسبة إلى هذه الأخيرة تتمثل في رسالة من ألفريد إلى روبرت، والتي جرى حفظها بين أوراقه. كان ألفريد قد انتقل إلى استوكهولم في صيف عام 1863، بينما كان شقيقه يعيش في هلسنكي مع عائلته. الرسالة مؤرخة في 19 ديسمبر (كانون الأول) 1864. بعد عبارات التحية المعتادة، يتابع ألفريد:
«عليّ أن أوجز؛ لأني أعاني من التهاب في العين إثر ورم فيها، أهملته بسبب العمل. الأسوأ من ذلك كله*، أكد لنا الطبيب أن الزهرة العجوز قفزت إلى الأمام ورأى من الضروري أن تتعرف على عطارد. كل هذا كان مضجراً جداً». التعبير يبدو هنا غامضاً، غير أنه مفهوم لمعاصريه. وبعد إعادة صياغة العبارة بالإنجليزية، تكون كالتالي:
“A night with Venus and a life with Mercury.”
«ليلة الزهرة وحياة مع عطارد».


رسالة من ألفريد نوبل  إلى شقيقه روبرت مؤرخة في 19 ديسمبر 1864

«عطارد» باللغة الإنجليزية لا تعني فقط اسم كوكب؛ بل تعني، أيضاً، الزئبق. وما تحدث عنه ألفريد باللغة الروسية يخص أمراً لم يرد لأحد معرفته عدا أشقائه، ومفاده هو أنه مصاب بمرض الزهري، وقد وصِف له العلاج المعتاد في وقته، وهو العلاج بالزئبق. تشير عبارتا «الزهرة القديمة» و«قفزت إلى الأمام»، وكذلك وصف الأعراض، إلى أنه في إحدى مراحل المرض المتأخرة، بعبارة أخرى؛ قد مرت على إصابته مدة. ربما هذا هو ما كانت تشير إليه مارتا نوبل ـ أولينيكوف عندما كتبت أن عمها «كان يحمل بعض الذكريات المحرجة» من سانت بطرسبورغ منذ ستينات القرن التاسع عشر، وهنا من الصعب تصوّر أن روبرت كان هو الوحيد في العائلة الذي تم إبلاغه. لكن كما قالت، كان سراً مصوناً جيداً. يسلط المرض الضوء، أيضاً، على علاقة ألفريد بوالدته أندرييتا، فمن بين الأشقاء الثلاثة، كان هو الابن الأحب إليها، وهو شيء لم تخفه. كانت على الدوام تخاطبه في الرسائل، حتى سن الخمسين، بعبارات مثل: «صغيري ألفريد»، و«ولدي الحبيب اللطيف»... وما شابه. وكتبت مرة في إحدى رسائلها، بكل وضوح، أنه «أكثر من تحب» من بين أبنائها. وفي ضوء معرفتنا بمرض ألفريد، فمن الصعب ألا ننظر إلى هذا الحب الأمومي المتدفق على أنه تعبير عن التعاطف مع الابن الذي حُرم مما ينعم به إخوته، ألا وهو العائلة والأطفال. هذه المشاعر لقيت صداها عنده، فعندما ماتت أندرييتا، كتب ألفريد: «إنها أحبتني كما لم يحب أحد، بعد، في أيامنا هذه». ربما كانت أمه هي المرأة الوحيدة التي تعني له شيئاً؛ بحق.
حينما كتب ألفريد الرسالة إلى روبرت كان يبلغ من العمر 31 عاماً. قد يكون مصدر العدوى إحدى البغايا، فقد تردد العديد من شباب ذلك الوقت عليهن. يكتب ليف تولستوي، الكاتب المعاصر لألفريد، في مذكراته بصراحة عن زياراته التي قام بها إلى بيوت الدعارة، قبل الزواج. وقد جرى تقنين هذه البيوت في روسيا عام 1843، ولا يُعرف على وجه التحديد عدد البيوت المسجلة رسمياً في ستينات القرن التاسع عشر، ولكن في عام 1901، عملت 15000 امرأة في 2400 بيت دعارة. وبما أنه كانت هناك أيضاً بيوت غير قانونية، إضافة إلى بيوت الدعارة المسجلة، وأنّ العديد من الفتيات نزلن إلى الشوارع، فقد كان العدد الإجمالي للبغايا في روسيا أعلى بكثير من ذلك. من المستحيل بالطبع معرفة كيف التقط ألفريد العدوى، فلطالما كان مرض الزهري مشكلة رئيسية في روسيا، وعند تحرّر الفلاحين الأقنان، عام 1861 وما أعقب ذلك من نشاط سياسي واجتماعي وجغرافي، ساهم كل ذلك في الانتشار الوبائي للمرض. في صيف عام 1859، كان ألفريد مريضاً بما تصفه مارتا نوبل ـ أولينيكوف بشكل قاطع بأنه «مرض يهدد الحياة». أما بخصوص التعامل مع المرض، فتتم معالجة المريض بإبقائه في غرفة دافئة حيث يُفرك الجسم بمرهم من الزئبق مرات عدة في اليوم، ومن ثمّ يوضع بالقرب من مدفأة للتعرق. تستمر العملية من أسبوع إلى شهر، لا يُسمح خلالها للمريض بمغادرة الغرفة، وتُكرّر عند الحاجة. من هنا جاءت عبارة «حياة مع عطارد». ولطالما كان العلاج بهذه الطريقة موضع جدال؛ إذ يحدث أن يموت المريض من التسمم بالزئبق بدلاً من الشفاء. في حالة ألفريد، ليس معروفاً ما إذا كان قد اتبع توصيات الطبيب وخضع لهذا العلاج، أم لا.
كان ألفريد، مثل روبرت ولودفيغ، معتل الصحة منذ الصغر، وبالكاد توجد رسالة لا يعلّق فيها الإخوة على وضعهم الصحي ويشكون مما يشعرون به من سوء حالتهم، أكثر الأحيان. وبما أنهم يعانون من مشاكل صحية حقيقية، فقد أصبح هاجس المرض على مر السنين جزءاً من هويتهم. توفي الثلاثة في سن مبكرة نسبياً: لودفيغ في السابعة والخمسين، ألفريد في الثالثة والستين، روبرت في السابعة والستين. لقد عانى ألفريد، حقيقةً، من العديد من المشاكل الصحية ذات الطبيعة العامة التي يمكن أن تكون مرتبطة بمرض الزهري، لكن ليس بالضرورة هي كذلك: وجع الرأس (الصداع النصفي)، آلام المعدة، مشاكل القلب، تقرحات الفم، الطفح الجلدي، كما عانى من مشاكل في اللثة والعين والأعصاب. إن تأكيد أن أيّ من أمراضه هو نتيجة الزهري، أمر صعب وأقل إثارة للاهتمام، في هذا السياق. الشيء المهم وبكل الحسابات أن ألفريد نوبل كان حاملاً لمرض يصمه بوصمته ويميزه عن الآخرين، وإن لم يؤثر على قدراته الفكرية، لكن كان له أثره على فهمه لذاته ورؤيته للحياة، ليس أقلّه، علاقته بالجنس الآخر. مرض الزهري لم يكن غريباً في وقته، لكنه كان معيباً. حتى لو شفي كيف يمكنه الزواج، بشرف، أو أن يشرع بعلاقة حميمة دون أن يتحدث عن مرضه؟ كيف أتته العدوى وممن؟ ربما كان يخشى أن يكون عقيماً، أو بالفعل كان هو كذلك، وإن كان ذلك أقل شيوعاً، لكن يمكن حدوثه نتيجة الإصابة بالمرض. بالطبع لا يمكن استبعاد أنّ ألفريد نوبل قد أقام، أيضاً، علاقات حميمة بعد تشخيص إصابته، لكن على أي حال فعلاقات كهذه لا تتم من بعد، عن طريق المراسلة! خلال طوال حياته صنع ألفريد نوبل صورة له على أنه شخص مثقل بالحزن ومعذب بحلم يسعى لتحقيقه، غير أنه لم يشعر، مطلقاً، بالحب والمشاركة الإنسانية العادية المفترضة. كتب إلى زوجة أخيه إيدلا: «لا شيء يُرجى؛ حياة محطمة وخراب مقدّر»، على العكس منها؛ فثمة ما يحول بينه و«بين الحب والفرح والصخب والحياة النابضة والرعاية والحنو والملاطفة». وبناءً على مناشدة لودفيغ للتركيز على حياته من أجل تاريخ العائلة، ردّ ألفريد بعبارة موجزة؛ إنها «نصف حياة بائسة، غير جديرة بالعيش». نصف حياة تعني خلوها من الحب، كما يبدو من خلال واحدة من قصائده، حيث يلجأ ألفريد إلى امرأة «وجدتها في خاطري... فقط»: «هي حلم، فحسب، لكن لا يمكن حلمه
مجرد نصف حياة بلا لون، بلا بهجة».
في قصيدة ثانية متأخرة، يُصاغ فيها التصادم بين الحلم والواقع، على هذا النحو:

إذا كنتَ قد أحببتَ؟ آه، سؤالكِ يثير
في ذاكرتي العديد من الصور الرائعة
حلمت بالنعيم الذي لم تسمح به الحياة
يتغذى من الحب الذي يذبل في بذرته
أنت لا تعرفين كيف يخذل الواقع
عالمَ قلب الشباب القائم على اللاربح (...).
* ثبّت الكاتب نص العبارة بالروسية، كما وردت في الرسالة، ومن ثم ترجمَها، بطبيعة الحال، إلى السويدية، مثلما وضع ما يقابلها بالإنجليزية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
TT

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)

احتفت متاحف مصرية بالمرأة خلال شهر مارس (آذار) الحالي الذي وافق اليوم العالمي للمرأة في الثامن من الشهر، كما يوافق عيد الأم 21 من الشهر نفسه، عبر اختيار قطع أثرية لمقتنيات نسائية وتماثيل النساء من العصور القديمة، ومنسوجات عليها رسوم تجسد المرأة، وصور ومتعلقات من مكاحل وأمشاط وغيرها.

وتحتفي المتاحف المصرية بدور المرأة عبر التاريخ، وتسلّط الضوء على نماذج مشرّفة لنساء أسهمن بعطائهن وإنجازاتهن في خدمة المجتمع، وتركْن بصمات خالدة في مجالات العمل الإنساني والثقافي والحضاري، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الجمعة.

ومن بين القطع الأثرية التي اختارتها بعض المتاحف لتكون قطعة شهر مارس، وفق تصويت إلكتروني لزوار المتاحف والجمهور، أبرز متحف مطار القاهرة الدولي تمثالاً صغيراً من البرونز للإلهة إيزيس وهي جالسة تُرضع طفلها حورس، ويعلو رأسها تاج يتكون من قرنين يتوسطهما قرص الشمس. وقد اتخذ المصريون القدماء من الإلهة إيزيس رمزاً للأمومة والحماية.

ويعرض متحف إيمحتب بسقارة تمثالاً للإلهة إيزيس في هيئة آدمية جالسة ترتدي تاج القرنين وقرص الشمس، وتحمل طفلاً صغيراً يمثل الإله حورس.

بينما يعرض متحف الإسماعيلية لوحة من الحجر الجيري تعود للدولة القديمة تمثل الثالوث المقدس في نقش بارز، حيث تظهر إيزيس على اليمين وحورس على اليسار، بينما يتوسطهما الملك ممثلاً للإله أوزيريس، في مشهد يعكس دور إيزيس كحامية للملك ولابنها حورس.

الثالوث إيزيس وأوزيريس وحورس (وزارة السياحة والآثار)

كما يعرض متحف كفر الشيخ (دلتا مصر) رأس تمثال من الجرانيت للملكة برنيكي الثانية، ابنة ماجاس حاكم قورينية والملكة أباما السورية، التي وُلدت عام 267 ق.م، وحكمت مصر في أثناء حرب الملك بطليموس الثالث ضد الملك سلوقس الثاني.

ويعرض متحف طنطا (دلتا مصر) تمثالاً من الحجر الجيري للإلهة تاورت، إلهة الحمل والإنجاب عند المصري القديم، التي صُوّرت في هيئة أنثى فرس النهر.

كما يعرض متحف الإسكندرية القومي تمثالاً من البرونز للإلهة إيزيس من العصر البطلمي، ويصورها في وضع الجلوس وهي تُرضع الطفل حربوقراط (حورس).

ويعرض متحف الأقصر للفن المصري القديم مرآة من البرونز كانت من أهم أدوات الزينة والتجميل منذ أقدم العصور، ويعرض متحف النوبة بأسوان تمثالاً من الغرانيت للأميرة آمونرديس، ابنة الملك كاشتا وأخت الملك بعنخي، التي شغلت منصب الزوجة الإلهية للإله آمون.

من المعروضات المتحفية المختارة في شهر مارس (وزارة السياحة والآثار)

ومن العصور الوسطى والعصر الحديث يعرض متحف الفن الإسلامي مكحلة من العاج المطعّم بالصدف ترجع إلى العصر المملوكي، ويعرض المتحف القبطي قطعة من النسيج القبطي تصور المرأة بأشكال مختلفة، ومن بينها قطعة تحمل صورة نصفية لسيدة بكامل زينتها، تحيط بها جامات زخرفية تضم طيوراً متنوعة.

بينما يعرض متحف المركبات الملكية ببولاق صورة فوتوغرافية من فترة حكم الأسرة العلوية، وهي صورة للسلطانة ملك، الزوجة الثانية للسلطان حسين كامل، التي لُقبت بـ«أميرة الفقراء وراعية الأيتام» تقديراً لأعمالها الخيرية الواسعة. وقد اشتهرت بعطائها الإنساني، خاصة خلال شهر رمضان.

أما متحف ركن فاروق بحلوان (جنوب القاهرة) فيعرض صورة فوتوغرافية للأميرة فوزية فؤاد التي اشتهرت بدعمها للأعمال الخيرية وحقوق المرأة، حيث تولت رئاسة مبرة محمد علي لفترة طويلة، وأسهمت في تنفيذ العديد من البرامج الخيرية لخدمة الفقراء وإنشاء المستشفيات ومكافحة الأوبئة.

بينما يعرض متحف المجوهرات الملكية بالإسكندرية لوحة زيتية للأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل، التي تعد من أبرز الداعمين للتعليم في مصر، حيث تبرعت بمجوهراتها والأرض التي أُقيمت عليها الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً).

من القطع الأثرية التي تحتفي بالمرأة (وزارة السياحة والآثار)

ويعرض متحف جاير أندرسون بالسيدة زينب (وسط القاهرة) شكمجية من الخشب المطعّم بالصدف تتكون من درجين تعلوهما مرآة صغيرة بين قائمين، وترتكز على أربع أرجل تنتهي كل منها بشكل كروي ومذهّب.

ويعرض متحف الشرطة القومي بقلعة صلاح الدين مشطاً خشبياً مزيناً بزخارف هندسية ونباتية دقيقة ومطعّماً بالصدف، وقد زُيّن أحد جانبيه بثلاث جامات دائرية تتوسطها جامة كُتب بداخلها: «إن الشيطان لكم عدو مبين».

ويأتي تقليد اختيار قطعة الشهر في متاحف الآثار المصرية ليؤكد على التفاعل بين الجمهور الذي يختار القطع الأثرية عبر تصويت على «فيسبوك»، والعرض المتحفي، وتفاعل المتاحف مع المناسبات المختلفة المحلية والعالمية.


طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
TT

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

قلّة من جيل اليوم تتذكّر اسم متعهّد الحفلات اللبناني من أصل أرمني طوروس سيرانوسيان، فهو شخصية فنّية عملت منذ الستينات حتى الألفية الثانية على تعزيز موقع لبنان الفنّي في العالم. وبرحيله تُطوى صفحة من مجد الزمن الجميل في لبنان، فصاحب اللقب الأحبّ إلى قلبه «وزير السياحة المتنقّل» أسَّس «مهرجانات جبيل» في أوائل السبعينات، وكذلك «مهرجانات دير القلعة»، ناشراً بذلك مفهوم الفنّ المناطقي من خلال إحياء حفلات ضمن المهرجانات. وكان يتذكّر تلك المرحلة راوياً: «عام 1970 قدّمت إلى وزارة السياحة طلباً لإقامة مهرجانات في جبيل. وافقت وأعطتني حقاً حصرياً لـ10 أعوام. صرفتُ أكثر من نصف مليون دولار، واشتريت من إنجلترا أجهزة صوت وإنارة. أضأتُ القلعة والطرقات المؤدّية إليها، فكتب رئيس بلدية جبيل الدكتور أنطوان شامي: (كان الشوك يفترش أرض قلعة جبيل فأنارها طوروس سيرانوسيان وجعل منها منارة)».

ومن خلال «بيت الفنان اللبناني» الذي أسَّسه عام 1987، خلق صلة وصل بين متعهّدي الحفلات في الخارج ونجوم لبنان.

كتب مذكراته في كتاب «مذكرات في ذكريات» (فيسبوك)

لم يكن يفصل بين علاقات العمل والصداقة، بل كان يفتخر بذلك ويقول: «ربحت صداقة جميع الفنانين اللبنانيين وأكثرية الفنانين العالميين». أما الأحبّ إلى قلبه من زمن الفن الجميل، فكانت الراحلة صباح التي تولّى إدارة أعمالها لـ30 سنة متتالية، فاحتلّت مكانة خاصة لديه؛ إذ كان يعدّها من أهم المطربات في العالم العربي.

وكان سيرانوسيان أول مَن استقدم نجوماً أجانب إلى لبنان، فقد أحضر شارل أزنافور 6 مرات، في حين زار جيلبير بيكو بيروت لإحياء 5 حفلات، وتفوّقت عليهما داليدا بإحيائها في مرحلة السبعينات 7 حفلات غنائية من تنظيم سيرانوسيان. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ديميس روسوس، وراي تشارلز، وغلوريا غاينر. وكان في كلّ مرة يزور فيها باريس أو اليونان يتواصل مع هؤلاء النجوم محافظاً على صداقته معهم لعقود متتالية.

بالنسبة إليه، فإنّ «مهرجانات بيت الدين» هي الوحيدة التي استطاعت الحفاظ على مكانتها الرائدة بين المهرجانات الأخرى. في المقابل كانت لديه ملاحظات على مهرجانات لم تعرف، وفق رأيه، التعمُّق أكثر فيما يطلبه الجمهور اللبناني وما يراعي مشاعره الوطنية.

تولّى إدارة أعمال الراحلة صباح لـ30 سنة (فيسبوك)

ولم يكتفِ سيرانوسيان بإحياء حفلات لفنانين لبنانيين وغربيين بين لبنان والعالم، بل أسهم أيضاً في صناعة نجوم غناء. من بين هؤلاء الثنائي نينا وريدا بطرس في أوائل التسعينات. اكتشف موهبتهما بعدما حضر لهما حفلات فنّية، لا سيما أنّ الأختين كانتا قد فازتا بالميدالية الذهبية في برنامج «استوديو الفن» لهواة الغناء. وبذلك كان سيرانوسيان أول مَن أطلق ثنائياً غنائياً في لبنان والعالم العربي. ومن أشهر أغانيهما «لولي»، و«بأمارة إيه»، و«البلدي وبس».

وحرص الراحل على توثيق هذه المسيرة الطويلة في كتابه «مذكرات في ذكريات»، فاستعرض كواليس العمل مع العمالقة وأسرار صناعة المهرجانات الكبرى، ليكون مرجعاً للأجيال القادمة في إدارة الفنّ والترفيه. وضمَّ الكتاب سيرته الذاتية والمواقف الصعبة التي واجهها خلال مشواره.

وبرحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة. وكان الراحل وديع الصافي من أكثر المعجبين به، وقد وصفه بأنه «الرجل التاريخي في رفع اسم لبنان فنّياً وثقافياً».

وإثر إعلان وفاته، نعاه عدد كبير من معاصريه، بينهم الإعلامي والناقد الفنّي جمال فياض الذي كتب كلمات مؤثرة: «رحل طوروس سيرانوسيان... حبيبنا وصديقنا ورفيق الأيام الحلوة والزمن الجميل. رحل الطيب الآدمي، الفنان الذي احترم كلمته ووعده في كلّ عمل قام بإنتاجه. دعم وقدَّم كثيراً للفنانين في بداياتهم حتى نجوميتهم. طوروس الحبيب... نفسك في السماء».


حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
TT

حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة المصرية إطلاق حملة ترويجية للمقاصد السياحية في مصر، تتضمن تصوير مقاطع فيديو للسائحين يوثقون فيها تجاربهم، ويتحدثون عن انطباعهم حول المقصد السياحي المصري الذي زاروه.

وتتضمن الحملة مقاطع فيديو في أماكن متنوعة، من بينها مقاصد تاريخية مثل المعابد والأهرامات ومناطق السياحة الثقافية عموماً، وكذلك مقاطع فيديو في السواحل المصرية؛ حيث السياحة البيئية والشاطئية والعلاجية وسياحة المؤتمرات.

وتأتي هذه الحملة، التي تنفذها الهيئة العامة للتنشيط السياحي بالتعاون مع الاتحاد المصري للغرف السياحية، في إطار توجيهات وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، بضرورة توثيق ونقل تجارب السائحين من مختلف الجنسيات بشكل يومي خلال زيارتهم الحالية لمصر، بما يعكس ما تنعم به البلاد من أمن وأمان واستقرار، ويبرز استمتاع الزائرين بتجاربهم السياحية، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة، وفق بيان للوزارة، الجمعة.

وتسعى الحملة الإعلامية المصوّرة، التي انطلقت الخميس، إلى إبراز الأجواء الإيجابية والحركة السياحية بالوجهات المصرية؛ حيث تعتمد على تصوير مقاطع فيديو قصيرة مع السائحين بشكل يومي في عدد من الوجهات السياحية المختلفة، يتم نشرها عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التابعة للوزارة والهيئة والاتحاد والغرف السياحية.

كما تهدف المقاطع إلى التعرف على ردود فعل السائحين وانطباعاتهم، بما يُسهم في رصد مؤشرات الحركة السياحية في ظل الأحداث الإقليمية الراهنة، ودعم الجهود المبذولة للارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للزائرين، وتعزيز تجربة السائح بالمقصد السياحي المصري.

فيديو من الحملة الترويجية أمام الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

وأكد رئيس الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن المقاطع التي يتم تصويرها مع السائحين تؤكد أن الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري ما زالت تعكس شعورهم بالأمن والأمان خلال الزيارة، مشيراً إلى أن الهيئة تحرص على نقل تجارب أكبر عدد من السائحين في الوجهات السياحية المصرية المختلفة.

ولفتت سوزان مصطفى، رئيس الإدارة المركزية للتسويق السياحي بالهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، إلى أن هذه المقاطع تتيح نقل صورة حية ومباشرة للحركة السياحية في مصر، من خلال عرض التجارب الحقيقية للسائحين وانطباعاتهم خلال زيارتهم، وإبراز ما يتمتع به المقصد السياحي المصري من مقومات سياحية متنوعة وبيئة آمنة ومستقرة.

وعدّ الخبير السياحي المصري، محمد كارم، هذه الحملة «من أهم أدوات الترويج حالياً، وهي خطوة توثق تجربة السائحين في المقصد السياحي المصري».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «السائح لم يعد يعتمد على الإعلانات التقليدية، ولكنه ينجذب أكثر للتجارب الحقيقية، فحين نقدم تجارب حية وواقعية تنتقل بسهولة للسائحين الآخرين، وكأن السائح بمنزلة سفير لمصر في الخارج؛ يتحدّث عنها ويبرز تجربته فيها، بما يجذب سائحين آخرين إليها».

الغردقة من المقاصد السياحية المصرية الجاذبة للأجانب (وزارة السياحة والآثار)

وعدّ كارم أن «الهدف الأساسي من هذه الحملة توجيه رسالة بأن مصر دولة آمنة مستقرة تتمتع بالتنوع السياحي من حضارة وتاريخ وطبيعة، ما يُسهم في ترسيخ صورة ذهنية إيجابية للمقصد السياحي، وهو ما أتوقع أن ينعكس على زيادة معدلات الزائرين ومعدلات الإشغالات والإقبال على المقصد السياحي المصري».

ويُمثل قطاع السياحة أحد مصادر الدخل القومي المهمة لمصر، ووصل عدد السائحين الذين زاروا مصر العام الماضي إلى نحو 19 مليون زائر، وهو رقم قياسي لم تحققه من قبل، وتطمح مصر لجذب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031، من خلال برامج ترويجية متنوعة، من بينها برنامج أطلق قبل فترة بعنوان «تنوع لا يضاهى» لتأكيد تنوع الأنماط السياحية التي تتمتع بها مصر، ومن بينها السياحة الثقافية والشاطئية والعلاجية والبيئية والترفيهية وسياحة المؤتمرات والسفاري.