الرواية اليمنية... سرد متنوع وانتعاش للكتابة النسائية

الناقدة سهير رشاد السمان تكتب عن أجوائها وتقنياتها

الرواية اليمنية... سرد متنوع وانتعاش للكتابة النسائية
TT

الرواية اليمنية... سرد متنوع وانتعاش للكتابة النسائية

الرواية اليمنية... سرد متنوع وانتعاش للكتابة النسائية

تسعى الأديبة والناقدة اليمنية سهير رشاد السمان في كتابها «الرواية اليمنية في الألفية الثالثة... التقنيات السردية ورؤية العالم» الصادر حديثاً عن دار النابغة المصرية إلى دراسة التحولات الفنية للرواية اليمنية الجديدة التي تنتمي إلى الألفية الثالثة وما شهدته من تطور على المستويين الكمّي والنوعي، إضافة إلى تقنياتها السردية وأساليبها التي اتخذت تشكيلات مختلفة في بنائها الفني تكشف عن رؤية كُتّابها، وتشاركها في واقعية قضايا الإرهاب، والغربة، والثورة، والحكم والسياسة، فضلاً عن القضايا الإشكالية التي أنتجت ذلك، بما فيه من مخزون ثقافي واجتماعي وديني سائد.
اعتمدت الناقدة على عدد من الدراسات النقدية العربية والمترجمة، وكان أهمها «خطاب الحكاية» لجيرار جينيت، ما أتاح لها وهي تدرس الإيقاع الزمني في رواية «أغيلاس» للأديب عبد الرحمن منصور، منهجيةً علميةً لتحليل بنيتها الزمنية وما تحفل به من استرجاع وحذف وتواتر ووقفات وصفية.
وفي الفصل الثاني «الراوي وانفصام الذات في «تراي تشيزفرونيا» للكاتب جمال الشعري، تناولت السمان تقنية الراوي التي استخدمها لتحقق مستوى دلالياً عميقاً، يبرز ما تحمله الرواية من قضايا شائكة، تتشكل خلال انفصال الذات لـ3 رؤى سردية، تسهم في إبراز الجانب السيكولوجي لمجتمع يعاني من الانفصام.
وتلقي تفاعلات الأحداث في «تراي تشيزفرونيا» الضوء على أزمة الذات وتشظيها في ظل واقع الحرب، ويتوقف الكاتب على مشاهد حقيقية ومتخيلة لآثارها في اليمن، ورغم أنها مشاهد قليلة فإنها تبدو مختزلة لما يحدث، وينأى المتخيل الروائي عن تسريد وقائعه؛ لأنه أكثر جنوناً وسريالية من المتخيل نفسه؛ حيث تسبق فيها المشاهد الواقعية المعيشة حدود عبقرية التخييل في جذبها إلى داخل المتون الروائية؛ ولأنه لا يمكن أن يقال كل ما يجب قوله عن آثام الحرب وبشاعتها، من هنا لجأ الكاتب إلى اجتزاء تفاصيل صغرى دالة إلى داخل الرواية، استطاع من خلالها تعميق الإحساس بمأساوية الواقع، وتخيل جنونه وآثاره العبثية.

بين الرؤية والتشكيل

في الفصل الثالث «الفضاء في الرواية اليمنية» قامت السمان بدراسة روايتي «نصف إرادة» للكاتب هشام المعلم، و«حصن الزيدي» للكاتب محمد الغربي عمران، واعتمدت في تحليل الفضاء على شعرية المكان وسيميائيته.
كما تحدثت عن الأماكن والفضاءات في الروايتين، ورأت أنها تكاد لا تخرج من حيث الوظيفة والدلالة عن مفردات «الداخل، والخارج»، و«أماكن الإقامة والتنقل»، و«القرية والمدينة»، التي تتفرع منها ثنائيات وتقاطعات فرعية أخرى.
وخصصت الفصل الرابع «الرواية اليمنية بين الرؤية والتشكيل» للحديث عن رؤية فنية تشكلت من خلال البناء السردي للواقع الاجتماعي وخلفياته الثقافية والسياسية، وربطت بين البنية الروائية بشكلها التقني والبيئة الثقافية التي تتصل بالعملية الإبداعية، لتفسر كيف استطاع الشكل الفني البنائي للروايات اليمنية أن ينتج الرؤية الخاصة بالمؤلف تجاه الواقع، التي تكاد تعتمد على ثيمة واحدة هي التعثر التاريخي للبلاد، واصطدام الشخصيات بواقع لا يزال يتخبط بمرجعياته المتعددة، كالعادات والتقاليد والبنية الاجتماعية هناك، الذي يتعرض للخلخلة أثناء تصاعد الأحداث والحوار بين الشخصيات، وقد ظهر هذا واضحاً في رواية «أغيلاس» التي تشتغل على موضوع الإرهاب، وتبرز الخلفيات الثقافية والاجتماعية والسياسية للمجتمع، وتظهر الإنسان اليمني قلقلاً تجاه كل تغيير، يدور في حلقة مغلقة، وفضاء لا مركزية له.

المرأة والمهمشون

ذكرت السمان أن الرواية اليمنية تطرقت لوضع المرأة، والمهمشين، والأقليات، وخاض كثير منها في التابوهات، مثل «علي المقري» وروايته «حرمة»، ووجدي الأهدل في «قوارب جبلية»، ونبيلة الزبير في «زوج حذاء لعائشة». وهذه المؤشرات تندرج ضمن التطور والتحول في الفن الروائي، والوعي بالكتابة القصصية، وتقنياتها الحديثة.
واهتم كتاب الألفية الثالثة، حسب السمان، بجماليات الموضوع وأسلوب الكتابة، والتقنيات الحديثة؛ لإخراج فن روائي جديد، وجاءت الكتابة الروائية في زمن الحرب استجابة مباشرة لرفض دمويتها وآثارها، لتمثل السلاح الإبداعي المقاوم للموت والتغييب والغربة والتشرد، وذلك من خلال التنوع في تشكيلاتها السردية.
وانطلقت في دراستها من السرديات البنيوية، التي تهتم بتحليل تراكيب القصة والعلاقات الداخلية لها وأساليب بنائها، وقامت بدراسة الجانب التقني ومكونات الحكي، من أجل كشف أسرار النظام الداخلي للأعمال السردية، ومكوناتها «الزمن، والراوي، والفضاء الداخلي».
وقسمت السمان السرد الروائي اليمني في الألفية الثالثة إلى فترتين، بدأت الأولى مطلع الألفية الثالثة، وامتدت إلى ما قبل أحداث الربيع العربي في 2011. أما الثانية فتشكلت فيما بعد أحداثه، وتتصدر قائمة روايات مطلع الألفية: «الملكة المغدورة»، و«دملان»، و«عرق الآلهة»، و«طائر الخراب»، لحبيب عبد الرب سرويو و«إنه جسدي» لنبيلة الزبير، و«طعم أسود رائحة سوداء»، و«اليهودي الحالي»، و«حرمة» لعلي المقري، الذي رأته السمان يمثل حالة ثريّة يمكن الارتكاز عليها من خلال سرد التفاصيل المختلفة وغير المرئيّة في المجتمع، بهدف كشف مشكلات الذات المغايرة في الهوية والجندر والطبقية.

الانتماء والهويّة

تظهر فكرة الانتماء والهويّة واضحة في رواية «أنف واحدة لوطنين» لسامي الشاطبي، التي تطرح موضوعاً شائكاً تعاني منه فئة المولدين، وهي الفئة التي تختلط دماؤها بين اليمني والإثيوبي. وهنا تنحو روايات الألفية الثالثة منحًى جديداً في مواضيع سردها، استطاعت خلاله أن تتحرر من قيود التابوهات المفروضة على واقع الكتابة، وكان من ضمن الكتّاب الذين توغلوا في هذه المنطقة وجدي الأهدل في أعماله «قوارب جبلية»، و«بلاد بلا سماء»، و«فيلسوف الكرنيتة»، و«حمار بين الأغاني»، و«الغرب يعمر أنفي».
وهناك أعمال تندرج في سياق تطور الوعي بالكتابة الروائية النسائية في اتصالها بواقع المرأة ومشكلاتها الخاصة، مثل «حب ليس إلا» و«عقيلات» لنادية الكوكباني، و«امرأة ولكن» للمياء الإرياني، و«زوج حذاء لعائشة» لنبيلة الزبير، و«تابوت امرأة» لسيرين حسن، ومن بين أسئلة الرواية الكبرى كانت مآلات ثورة التغيير في اليمن، وتناولتها نادية الكوكباني في «سوق علي محسن»، ورصدت خلال أحداثها يوميات الثورة الشبابية وتفاصيلها من خلال عينيْ طفلين من المهمشين، تتداخل أحلامهما الصغيرة بأحلام الشباب الثائر في ساحة التغيير. وتعتبر الرواية اختزالاً سوسيولوجياً للثورة وتحولاتها بعد انضمام الأحزاب والكيانات السياسية والقبلية والعسكرية الانتهازية.
وفي رواية «ثورة مهيوب» تميل الأديبة لمياء الإرياني إلى تركيز السرد، من خلال شخصية «مهيوب» الذي يعيش فوق رصيف بناية، نائماً داخلَ كيس يرقب من خلال رصيفه التغييرات والتحولات التي تمر بها المدينة وطبقاتها، وحين يقرر اللحاق بالثورة يرى ضابطاً تخصّص في نهب الأراضي والممتلكات يلتحق بالثورة، فيقرر العودة إلى رصيفه، وكيسه الذي يشكل ترميزاً لغطاء من العزلة، التي سيطرت على الواقع عقب فشل الثورة.

سرد برائحة البارود

أنتجت الفترة الثانية من الألفية الثالثة التي حددتها السمان «بما بعد أحداث 2011» ودخول اليمن معترك الحرب أعمالاً ظهر السرد خلالها ممزوجاً بأصوات القذائف وروائح الدم، وساعياً لكشف أوجه المحنة والأسباب التي أدت إليها، وإثارة مجموعة من التساؤلات عن التهاب الواقع ونتاجه السلبي، وقد تناول بعض الكتّاب بجرأة خلفيات هذا الانفجار، على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي، ولجأ آخرون إلى تناولها بحذر، مستعينين بخطاب استعاري أكثر مرونة في التفسير، مثل رواية «نزهة عائلية» لبسام شمس الدين، التي تناولت فكرة انتهاك الأعراف، وسيطرة العراك القبليّ، كما في رواية الغربي عمران «حصن الزيدي».
وفي رواية «حفيد سندباد» لحبيب سروري، يجد الراوي القادم من فرنسا نفسه أثناء إجازته في عدن الجنوبية في ورطة الحرب المشتعلة بين جيش نظامي تسانده ميليشيات دينية شمالية، وبين شباب مدينة عدن المقاوم الذي لا يمتلك غير البنادق البسيطة. وتصف الرواية صورة الحرب الدموية بأسلوب لا يخْلو من السخرية. أما رواية «أرض المؤامرات السعيدة» لوجدي الأهدل، فتضع سؤالاً كبيراً حول قضية الفساد، وتكشف عن بنْية كامنة في تفاصيل المجتمع الذي تسوده منظومة علاقات اجتماعية وسياسية سلبية.
ويقدم وليد دماج في روايته «أبو صهيب العزي» ظاهرة الإرهاب والتطرف الديني، مستخدماً تقنية التراوح السردي بين الحاضر والماضي، مستعيناً برؤية تحليلية لا تفصل بين ما هو سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي في تنامي الظاهرة الإرهابية، ولا تستبعد دور المجتمع الإقليمي والدولي في تفشيها، ويخضعها للمحاكمة والمساءلة.
ومن بين الأعمال الحديثة التي خاضت في أوجاع الحاضر، تبرز رواية «بلاد القائد» لعلي المقري، و«فاكهة للغربان» لأحمد زين، ففي الأولى باستخدام لغة سردية تعتمد المفارقة والسخرية والتهكم يسعى المقري إلى اكتشاف عالم الديكتاتور الطاغية وجنونه، وتفاصيل محيطه الخاص، وقصة سقوطه التراجيدي، وانفراط عقد نظامه وحاشيته، في حبكة سردية تجعل القارئ يستمتع بلذة الاكتشاف.
وينفتح السرد في رواية «فاكهة للغربان» لأحمد زين على حقبة بالغة الحساسية من تاريخ الجنوب، حين كانت مدينة عدن تستقطب الشيوعيين والحركات اليسارية العربية، في السبعينات ومنتصف الثمانينات، وهي حقبة مفخّخة بالصراعات والمؤامرات والدسائس، انتزعت فيها المدينة من الفضاء الكوزموبوليتاني قبل الاستقلال، إلى مدينة أخرى لم تنجح في العبور إلى اليوتوبيا الاشتراكية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.