رضوى الأسود: لم أخض حتى الآن تجربة «الكتابة النسوية»

صاحبة «خداع واحد ممكن» تقول إنها متعصبة لأبطالها رجالاً ونساءً

رضوى الأسود
رضوى الأسود
TT

رضوى الأسود: لم أخض حتى الآن تجربة «الكتابة النسوية»

رضوى الأسود
رضوى الأسود

في روايتها الصادرة أخيراً «خداع واحد ممكن»، عن دار الشروق بالقاهرة، تطرح الكاتبة الروائية المصرية رضوى الأسود، من خلال أبطالها، تساؤلات مصيرية حول الحب والإبداع واسترداد الذات بوصفه سبيلاً للخلاص. ويتشكل هذا من خلال سياقات سردية تستلهم الرحلة والتاريخ والعالم النفسي، كما في أعمالها الأدبية السابقة، ومن أبرزها «حفل المئوية»، و«تشابك»، و«كل هذا الصخب»، و«بالأمس كنت ميتاً».
هنا حوار معها حول روايتها الجديدة وتجربتها الكتابية:
> ارتكزت روايتك الجديدة منذ عنوانها على موضوع «الخداع»، لماذا هذا الموضوع خاصة؟
- نعم، الخداع هو الثيمة والفكرة الأساسية للرواية، وأتحدث هنا عن خداعٍ أراه الوحيد؛ وهو خداع النفس؛ لأن أي خداع للآخرين هو في الحقيقة متفرع منه.
منذ أول رواية لي «حفل المئوية» وكتابتي تسعى لتعرية النفس البشرية، بكل ما تحمله من جمال ووحشية، بشقيّها: الملاك، والشيطان. وبالفعل أعتبر نفسي كاتبة تهوى الغوص في أغوار النفس البشرية، وقد ازداد هذا الشغف مع الوقت، حتى وصلت لكتابة هذه الرواية التي يمكن تصنيفها على أنها رواية نفسية بامتياز، رغم حملها كثيراً من الثيمات والأوجه والتأويلات، ففيها جانب من أدب الرحلات، وجانب بوليسي، وآخر رومانسي.
أعتقد أن الجو السينمائي الذي يغمر الرواية، بجانب ما أثارته من فكرة ارتكاب كاتب هام ومشهور جريمتي قتل، هو ما خلق هذا الزخم حولها، رغم تناول الكثير من الكتب علاقة الاضطرابات النفسية بالإبداع، ورغم معرفتنا التامة بتاريخ طويل مليء بنهايات مأساوية ومُفجعة للمبدعين، وهذا العامل الأخير ضمن أهم الأسباب التي دفعتني لكتابة هذه الرواية.
> لكنكِ ترسمين في الرواية صورة مُغايرة للمثقف قد تكون مثيرة للجدل.
- أعتقد أن منبع هذا الجدل يكمن في أن روائية كتبت عن الوسط الذي تنتمي إليه، ربما لو كنتُ كتبتُ عن طبيب أو مهندس، وليس روائياً، كانت ستمر الرواية بسلام. لقد كتبتُ بإيعاز من واقع تاريخ لا يمكن إنكاره، وكذلك مشاهدات حية لأزمات نفسية ووجودية لكُتاب أعرفهم بشكل شخصي، بالطبع لم يتحول أحدهم لقاتل، لكن ما قيمة الخيال إن لم أقم أنا بخلق وإبداع صورة ما؟ نسج قصة لا يعني بالضرورة أن تكون قد حدثت أو ستحدث، قصة قد تنتمي لأي فئة، لأي أحد، وليس للمبدع وحده، تكشف مأزق الإنسان الحديث وما يعانيه من ضغوط مميتة قد تجعله ضحية لمرض نفسي أو عقلي لا شفاء منه.
> برأيك، هل من الممكن أن يتحول شخص عادي إلى قاتل؟
يقول أورهان باموق: «لأن فرصة ارتكاب جريمة لم تسنح لهم، يعتقد الكثير من الناس أنهم أبرياء». وأنا أرصد في الرواية تجربة لامرأة صربية تُدعى مارينا أبراموفيتش، حين تعمدت الوقوف صامتة أشبه بتمثال لمدة ست ساعات في قاعة مليئة بأفراد مختلفي الأعمار والخلفيات، وضعت بجانبها سكيناً ومسدساً، وانتهى الأمر بأن تعرضت للعنف والجروح الجسدية بسبب تحرش الناس بها، وكادت تفقد حياتها.
برأيي أن الإنسان كائن فوضوي بطبعه، يحمل من الوضاعة قدراً ليس بالهيّن، وقدرة هائلة على الإيذاء، والتاريخ خير دليل؛ بدءًا من قابيل، وحتى آخِر يوم فوق سطح الأرض. تلك القدرة التدميرية لن يشعر هو بها أو يشعر بها الآخرون، إلا إذا أتيحت له الفرصة، والفرصة ليس بالضرورة أن تكون كالتجربة التي ذكرتها. ولا ننسى أن كثيراً من القتلة شهد لهم الناس بالهدوء والأخلاق الرفيعة.
> لماذا اخترتِ الرحلة البحرية مكاناً سردياً متحركاً للرواية؟
- بداية، أود الإشارة إلى عدد أيام الرحلة، سبعة أيام. ورقم سبعة يحمل دلالات هامة، وله قدسية ومكانة خاصة ويحمل أسرارًا كثيرة، فهو مجموع أيام الأسبوع، وهو عدد ألوان قوس قزح، وعدد المعادن الرئيسية في الأرض، وعدد قارات العالم، ويكتمل الجنين في بطن أمه عند الشهر السابع، ومدارات الكون سبعة، وتطير الطيور المهاجرة مُشكِّلة في السماء رقم سبعة، وفقرات الرقبة سبع، وفي القرآن آيات سورة الفاتحة سبعة، والطواف حول الكعبة يكون سبع مرات، وعدد الجمرات التى تُلقى سبع، وأبواب النار سبعة، ويُقال إن يوم القيامة يوم جمعة؛ أي اليوم السابع. وروحياً، هو الرقم الذي يعني اليقظة الروحية، وهو مرتبط بالحكمة والتصوف والحدس والقوة الداخلية. لذا قصدت الإشارة إليه بنهاية الرحلة وإتمامها. وكانت عودة بطلي الرواية لطبيعتهما الأصيلة، ومن ثَمّ لبعضهما.
يعزز من ذلك إيماني بسحر المكان وتأثيره على الفرد، وأن الارتحال أو زيارة مكان مختلف، عالي الطاقة، هو السبيل إلى الشفاء، أو على أقل تقدير هو السبيل لإيجاد حل لمشكلة ما، وإعادة ترتيب الأوراق المبعثرة.
> في الرواية توظيف للغة الشعرية، وفي عملكِ السابق كانت ثمة لغة أقرب إلى الصوفية، كيف تختارين لغتكِ؟
- طبيعة العمل هي ما يفرض لغته. في «بالأمس كنت ميتاً» تبنّيتُ الصوفية منهجاً لرؤية العالم، كوصفة تسامح تمكِّننا من التعايش السلمي وقبول كل ما هو مختلف عنا. كان الحديث عن حرب بشعة وإبادة جماعية. أما هنا، ولأنها قصة حب أولاً وأخيراً، حب في جوهره وحيد واستثنائي، غائر في تاريخ الشخصيتين، لذا كانت اللغة غارقة في الشعرية، خاصة في وصف مشاعر الحب.
> كذلك تعكس أعمالكِ شغفاً خاصاً بالبحث في التاريخ... هل قادكِ أو يقودكِ التاريخ للأدب؟
- أنا مشغوفة بالبحث في التاريخ. ورثت نَفَس الباحث عن أبي الدكتور فاضل الأسود، رحمه الله؛ إذ كان باحثاً أكاديمياً. أما التاريخ ففي اختبارات المدرسة كنت أحصل فيه على الأرقام النهائية. نعم، يقودني التاريخ للأدب إلى حد ما، لكن ليس كل ما أكتبه تاريخاً، فمجموع رواياتي التاريخية لا يتعدى اثنتين هما: «تشابك» التي تتحدث عن التاريخ المصري القديم، و«بالأمس كنت ميتاً» التي تتحدث عن مذابح الأرمن.
أما بالنسبة للبحث في الأديان فهو مجال شديد الجاذبية، بالنسبة لي، إذ إن دراسة أي دين تجعل الإنسان بالضرورة يدرس التاريخ والجغرافيا والحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى دراسة الأساطير وعلم الأنثروبولوجي وسيكولوجية الجمهور أو الشعب الذي يعتنق ديناً ما، فلا فهم لأي دين بمعزل عن كل الظروف التي أحاطت بنشأته وانتشاره.
> الطبيعة الأنثوية لبطلاتكِ مُغايرة، فبطلة الرواية الجديدة «أحلام»، وبطلة الرواية السابقة «لوسي» هما باحثتان عن الحقيقة، تتعرضان للعنف.هل يمكن أن نتحدث هنا عن «حس أنثوي» في كتابتكِ؟
- ربما يكون ذلك التميز بطبيعة مغايرة يعود إلى أنني لا أنظر إليهن على أنهن «إناث»، ولكن بوصفهن «إنساناً»، كما أن غالبيتهن يتصفن- إن لم يكن كلهن- بالقوة؛ ليس الجسدية بالطبع، ولكن تلك القوة التي تكمن في الشجاعة والإقدام والجرأة والجَلَد والحكمة والقيام من العثرات والبدء من جديد.
لا أرى أن «أحلام» في «خداع واحد ممكن» تعرضت للعنف، بعكس «لوسي» في «بالأمس كنت ميتاً» التي تعرضت لعنف جسدي، وصدمة عائلية ونفسية شديدة في المراهقة، بالإضافة لحملها إرثاً ضخماً من المعاناة والتشتت من الأجداد، فإن خلعنا عن «لوسي» صفة الأنثى، فهي أقرب لطبيعة الرجل، وتحديداً في صراعها وخوضها المعارك من أجل الحصول على اعتراف من دول العالم بالمذبحة التي تعرَّض لها الشعب الذي تنتمي إليه. أما فيما يخص البحث عن الحقيقة، فأبطالي من الرجال هم أيضًا ارتحلوا وخاضوا التجارب بحثاً عنها، مثل «مالك» في «بالأمس كنت ميتاً»، و«حازم» في «خداع واحد ممكن».
في الحقيقة أنا متعصبة جداً لأبطالي، رجالاً ونساء على السواء، وقضيتي الأساسية هي الإنسان ومعاناته الوجودية، وأرى أنني حتى الآن لم أخض تجربة كتابة نسوية، بمعنى كتابة تنتصر للمرأة وقضاياها وتجعلها أولوية أولى، وإن كنت أرغب فيها بشدة كشكل مغاير.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
TT

ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)

ظلّ القمر، على مدى عقود، يثير تساؤلاتٍ علمية بدت أحياناً أقرب إلى المفارقة: كيف لجسمٍ صغيرٍ نسبياً، كقمر الأرض، أن يحمل في تاريخه المبكر مجالاً مغناطيسياً قيل إنه يفوق في قوته نظيره الأرضي؟

استند طويلاً هذا التصوّر إلى تحليلات صخورٍ أعادتها بعثات «أبولو»، وأوحت نتائجها بأن القمر عرف، في مرحلة ما، نشاطاً مغناطيسياً شديداً. غير أن دراسة حديثة قدّمت قراءة مختلفة، تكاد تعيد رسم الصورة من أساسها، وتمنح هذا اللغز العلمي تفسيراً أكثر توازناً... وأكثر إنسانية في فهم حدود المعرفة نفسها. وفقاً لصحيفة «الغارديان».

الباحثة كلير نيكولز، وفريقها من جامعة أكسفورد، اتجهوا إلى تفصيلٍ بدا في السابق ثانوياً: محتوى التيتانيوم في صخور القمر.

وبالتحليل، تبيّن أن الصخور الغنية بهذا العنصر نشأت من مواد عميقة داخل القمر؛ حيث أسهمت عمليات الانصهار في توليد مجالاتٍ مغناطيسية قوية، ولكنها كانت موضعية ومؤقتة.

المفارقة أن بعثات «أبولو»، وبمحض الصدفة، جمعت عدداً أكبر من هذه الصخور تحديداً، نظراً لانتشارها في المناطق المستوية التي اختيرت مواقعَ للهبوط. وهو ما أفضى، دون قصد، إلى تحيّزٍ في العينات، ومن ثم إلى استنتاجٍ بدا وكأنه حقيقة عامة.

وتشير نتائج الدراسة، المنشورة في مجلة «نيتشر غيوساينس»، إلى أن هذا «التحيّز العيّني» قدّم صورة مضخّمة عن قوة المجال المغناطيسي للقمر، مانحاً إيّاه ما يشبه «سمعة» علمية لا تعكس واقعه بدقة كاملة.

ويرى الباحثون أن الفترات التي شهد فيها القمر مجالاً مغناطيسياً قوياً كانت قصيرة ونادرة، ولم تدم إلا آلافاً قليلة من السنين، في مقابل تاريخٍ أطول ساد فيه مجالٌ ضعيف.

ومع اقتراب بعثات «أرتميس»، يأمل العلماء في اختبار هذه الفرضية بصورة أدق، عبر عيناتٍ أوسع وأكثر تنوّعاً ربما تعيد، مرة أخرى، صياغة فهمنا للقمر... ولكن هذه المرة، تعويضاً مناسباً لسنواتٍ من الاستنتاجات غير المكتملة.


بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر، التي شُخِّصت بمرض «ألزهايمر» عام 2011، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لما يقرب من 4 عقود على خشبة المسرح في «جزر فارو».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن والدته كانت خلال تلك السنوات واحدة من أبرز الوجوه المسرحية في بلدها، وكانت تقدم عروضاً مسرحية بشكل مستمر، إذ اعتادت المشاركة في 4 أو 5 مسرحيات شهرياً، وكانت حياتها كلها مرتبطة بالمسرح والأداء.

وأوضح أن بداية المرض شكّلت صدمة للعائلة؛ خصوصاً بعدما بدأت والدته تفقد قدرتها على تذكر النصوص والتعليمات المسرحية، وهو ما أجبرها على التوقف عن العمل الذي أحبته طوال حياتها، مشيراً إلى أن شغفها بالمسرح لم يتراجع مع مرور الوقت، بل على العكس من ذلك، ازداد حنينها إلى الوقوف مجدداً على خشبة المسرح كلما تدهورت ذاكرتها.

وأكد أن هذه الرغبة دفعت العائلة إلى التفكير في إيجاد طريقة تعيدها إلى المسرح، حتى لو بشكل مختلف عن المعتاد، لتبدأ فكرة الفيلم عندما جلس مع والده لمناقشة إمكانية تصميم عرض مسرحي خاص يتناسب مع ظروفها الصحية، بحيث يمنحها مساحة للوجود على المسرح دون الحاجة إلى حفظ النصوص أو الالتزام بتفاصيل الإخراج التقليدية.

عرض الفيلم للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان «كوبنهاغن» (الشركة المنتجة)

وأشار بوي دام إلى أنهما قررا في النهاية تنفيذ هذا المشروع عندما أدركا أن الوقت يمر سريعاً، وأن حالتها الصحية قد تتدهور أكثر، فاختارا المُضي قدماً في التجربة، لافتاً إلى أنه قرر تقديم فيلم وثائقي، لشعوره بأن التجربة تحمل أبعاداً إنسانية واجتماعية مهمة تستحق التوثيق.

وأضاف أن الفيلم بالنسبة له لم يكن فقط عن والدته أو عن مرض «ألزهايمر»، بل عن الطريقة التي يمكن أن يتعامل بها المجتمع مع الأشخاص الذين يفقدون بعض قدراتهم الإدراكية، وكيف يمكن إيجاد مساحة لهم داخل المجتمع بدلاً من عزلهم.

وأوضح أن المسرح في الفيلم يتحول إلى رمز للمجتمع نفسه، إذ إن منح شخص يعاني فقدان الذاكرة مكاناً على خشبة المسرح يُشبه منح مساحة مماثلة له داخل المجتمع، فوالدته كانت طوال حياتها مدافعة عن الأقليات والفئات المهمشة، ولذلك شعر بأن هذا المشروع يُمثل استمراراً لرسالتها الإنسانية، حتى في الوقت الذي فقدت فيه القدرة على التعبير بالكلمات.

وأشار المخرج إلى أن تصوير فيلم عن والدته في هذه المرحلة الحساسة من حياتها لم يكن أمراً سهلاً على الصعيد العاطفي، لكنه بالنسبة لعائلته يُعد امتداداً طبيعياً لأسلوب حياتهم الفني؛ فوالداه ممثلان ومخرجان، وقد نشأ في بيئة اعتادت تحويل التجارب الإنسانية الخاصة إلى مادة فنية تُقدَّم على المسرح، سواء أكانت مؤلمة أم سعيدة.

ويروي الفيلم الوثائقي «بيريتا» الذي عرض ضمن النسخة الحالية من مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» قصة عائلة من صناع المسرح في «جزر فارو» الدنماركية، تُحاول تنفيذ تجربة فنية غير تقليدية تتمثل في تقديم مسرحية «الملك لير» مع إسناد الدور الرئيسي إلى الممثلة المخضرمة بيريتا موهر رغم إصابتها بمرض «ألزهايمر».

وثق المخرج جانباً من دعم والده لوالدته خلال مرضها (الشركة المنتجة)

ويقود المشروع ابنها المخرج بوي دام، الذي يؤمن بأن شغف والدته بالمسرح لا يزال حياً رغم فقدانها القدرة على الكلام، في حين يحاول والدهما الموازنة بين رعاية زوجته ودعم هذا المشروع الفني، وخلال التحضيرات للعرض تُثير التجربة أسئلة أخلاقية حول حدود المشاركة الفنية للأشخاص الذين يعانون فقدان الذاكرة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن قوة حضور بيريتا الإنساني والفني، وتأثيرها العميق في كل من يشارك في هذه الرحلة.

وأوضح أن اختيار مسرحية «الملك لير» لويليام شكسبير لم يكن اختياراً عشوائياً، بل جاء لعدة أسباب، منها أنه يعدّها واحدة من أعظم المسرحيات التي كُتبت في تاريخ المسرح، وكان حلماً قديماً بالنسبة له أن يقدمها على المسرح، بالإضافة إلى موضوعها الذي يرتبط بشكل عميق بما عاشته عائلته.

وأضاف أن هذا التشابه بين موضوع المسرحية وتجربة عائلته جعل العمل يبدو كأنه مرآة لما كانوا يعيشونه في الواقع، خصوصاً أن والدته كانت قبل المرض شخصية قيادية داخل العائلة وفي الوسط المسرحي، وكانت بالنسبة لهم أشبه بملكة تقود الجميع، مشيراً إلى أن فقدان هذا الدور القيادي بسبب المرض أحدث تغيراً كبيراً في توازن العائلة، وهو ما يُشبه إلى حد كبير ما يحدث في مسرحية «الملك لير».

وأكد المخرج الدنماركي رغبته في تقديم عمل درامي قوي ومليء بالصراعات لوالدته، بدلاً من تقديم عمل بسيط أو عاطفي، فلم يشأ أن يعاملها بطريقة مفرطة في الحماية، بل أراد أن يمنحها فرصة للوجود داخل عالم مسرحي غني بالتوتر والدراما كما اعتادت طوال حياتها.

المخرج الدنماركي بوي دام (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن الفيلم يسعى إلى تقديم صورة متوازنة للحياة مع المرض تجمع بين الحزن والفرح، وبين فقدان الذاكرة والقدرة على الاستمتاع بالحياة، لقناعته بأن كثيراً من الأفلام التي تتناول مرض «ألزهايمر» تميل إلى التركيز على الجانب المأساوي فقط، في حين أراد هو أن يظهر أيضاً الجانب الإنساني المليء بالحب والضحك واللحظات الجميلة.

ولفت دام إلى أن أكثر ما فاجأه خلال البروفات المسرحية هو التأثير القوي الذي تركه حضور والدته على الممثلين الآخرين، مؤكداً أن وجودها في غرفة البروفات جعل أداء الممثلين أكثر صدقاً وبساطة، لأنهم كانوا يشعرون بصدق اللحظة الإنسانية التي يعيشونها معها، فالممثلون كانوا يؤدون النصوص بطريقة أكثر طبيعية عندما تكون حاضرة، في حين يعودون إلى أسلوبهم المسرحي التقليدي عندما تغادر.

في الختام، أشار المخرج إلى أن هذه اللحظات كانت من الأكثر تأثيراً بالنسبة له؛ إذ أظهرت أن الفن يمكن أن يظل حاضراً حتى مع بدء تلاشي الذاكرة. وأكد أن الفن يعتمد بدرجة كبيرة على العاطفة والإحساس، لا على الذاكرة أو القدرات العقلية وحدها.


عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)

كشفت خريطة حديثة لقارة الأرض الواقعة في أقصى الجنوب عن تفاصيل غير مسبوقة للعالم الكامن تحت الجليد في القارة القطبية الجنوبية، مقدّمةً بيانات جديدة قد تساعد العلماء على فهم التغير المناخي بشكل أعمق والتعامل معه بفاعلية أكبر.

وعلى الرغم من أن مساحة القارة تعادل ضعف مساحة أستراليا، فإن ما يوجد تحت الطبقة الجليدية السميكة التي تغطيها لا يزال مجهولاً إلى حد كبير. بل إن العلماء يعرفون عن سطح كوكب المريخ الذي يبعد نحو 140 مليون ميل أكثر مما يعرفونه عن تضاريس القارة القطبية الجنوبية. وفقاً لمجلة «نيوزويك».

وتحتوي الصفيحة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية على نحو 70 في المائة من المياه العذبة على كوكب الأرض، ما يجعلها أكبر كتلة جليدية في العالم. ويختلف سُمك هذه الطبقة الجليدية، إذ يبلغ متوسطه نحو كيلومترين، وقد يتجاوز خمسة كيلومترات في أعمق مناطقها.

الموقع «ليتل دوم سي» في القارة القطبية الجنوبية (أ.ب)

لكن ماذا يكمن تحت هذا الغطاء الجليدي الهائل؟

نظراً لصعوبة الرصد بسبب الامتداد الواسع للجليد، تمكن فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة إدنبرة من إعداد أدق خريطة حتى الآن للمناظر الطبيعية المخفية تحت الجليد في القارة.

واعتمد الفريق على تقنية تُعرف باسم «تحليل اضطراب تدفق الجليد» (IFPA)، التي تستخدم فيزياء حركة الجليد لاستنتاج شكل التضاريس أسفله، من خلال تتبّع الأنماط السطحية التي تتكوّن عندما يتحرك الجليد فوق التلال والوديان. ثم دمجوا هذه البيانات مع أحدث صور الأقمار الاصطناعية للكشف عن ملامح القارة بأكملها.

وقال أستاذ علوم الأرض وأحد مؤلفي الدراسة، البروفسور أندرو كيرتس: «تتيح هذه الطريقة، التي تسقط معلومات سطح الجليد الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية إلى قاعدته، أسلوباً جديداً تماماً لرؤية ما تحت الصفائح الجليدية. وعلى مدار عدة سنوات أثبتنا فاعليتها من خلال اختبارات دقيقة، ويؤكد تطبيقها على مستوى القارة بأكملها قوتها الكبيرة».

وكشفت الدراسة عن تفاصيل جغرافية في مناطق لم تُستكشف سابقاً، بما في ذلك سلاسل جبلية ضخمة، وأودية عميقة، وسهول واسعة، إضافة إلى عشرات الآلاف من التلال والوديان التي لم تكن معروفة من قبل.

وقالت الباحثة هيلين أوكيندن، المشاركة في إعداد الدراسة: «بسبب صعوبة إجراء القياسات العلمية عبر الجليد، فإن معرفتنا بالمناظر الطبيعية المخفية تحت القارة القطبية الجنوبية أقل من معرفتنا بأسطح كوكبي المريخ أو الزهرة. لذلك، من المثير للغاية أن تتيح لنا هذه الطريقة الجديدة استخدام قياسات الأقمار الاصطناعية لسطح الجليد لسد الفجوات في خرائطنا، والكشف عن تفاصيل جديدة للسلاسل الجبلية والأودية والحدود الجيولوجية».

وقد أظهرت دراسات سابقة أن المناطق الوعرة تحت الجليد مثل المنحدرات الصخرية الحادة وسلاسل الجبال يمكن أن تُبطئ تراجع الصفائح الجليدية في القارة، إذ توفّر مقاومة احتكاكية تحدّ من اندفاع الجليد نحو البحر.

وتُعد هذه الخريطة الجديدة دليلاً مهماً للعلماء، إذ تساعد في تحديد المناطق التي ينبغي التركيز عليها في الدراسات المستقبلية، كما تدعم تطوير توقعات أكثر دقة بشأن ارتفاع مستويات سطح البحر ومقدار هذا الارتفاع في المستقبل.