رضوى الأسود: لم أخض حتى الآن تجربة «الكتابة النسوية»

صاحبة «خداع واحد ممكن» تقول إنها متعصبة لأبطالها رجالاً ونساءً

رضوى الأسود
رضوى الأسود
TT

رضوى الأسود: لم أخض حتى الآن تجربة «الكتابة النسوية»

رضوى الأسود
رضوى الأسود

في روايتها الصادرة أخيراً «خداع واحد ممكن»، عن دار الشروق بالقاهرة، تطرح الكاتبة الروائية المصرية رضوى الأسود، من خلال أبطالها، تساؤلات مصيرية حول الحب والإبداع واسترداد الذات بوصفه سبيلاً للخلاص. ويتشكل هذا من خلال سياقات سردية تستلهم الرحلة والتاريخ والعالم النفسي، كما في أعمالها الأدبية السابقة، ومن أبرزها «حفل المئوية»، و«تشابك»، و«كل هذا الصخب»، و«بالأمس كنت ميتاً».
هنا حوار معها حول روايتها الجديدة وتجربتها الكتابية:
> ارتكزت روايتك الجديدة منذ عنوانها على موضوع «الخداع»، لماذا هذا الموضوع خاصة؟
- نعم، الخداع هو الثيمة والفكرة الأساسية للرواية، وأتحدث هنا عن خداعٍ أراه الوحيد؛ وهو خداع النفس؛ لأن أي خداع للآخرين هو في الحقيقة متفرع منه.
منذ أول رواية لي «حفل المئوية» وكتابتي تسعى لتعرية النفس البشرية، بكل ما تحمله من جمال ووحشية، بشقيّها: الملاك، والشيطان. وبالفعل أعتبر نفسي كاتبة تهوى الغوص في أغوار النفس البشرية، وقد ازداد هذا الشغف مع الوقت، حتى وصلت لكتابة هذه الرواية التي يمكن تصنيفها على أنها رواية نفسية بامتياز، رغم حملها كثيراً من الثيمات والأوجه والتأويلات، ففيها جانب من أدب الرحلات، وجانب بوليسي، وآخر رومانسي.
أعتقد أن الجو السينمائي الذي يغمر الرواية، بجانب ما أثارته من فكرة ارتكاب كاتب هام ومشهور جريمتي قتل، هو ما خلق هذا الزخم حولها، رغم تناول الكثير من الكتب علاقة الاضطرابات النفسية بالإبداع، ورغم معرفتنا التامة بتاريخ طويل مليء بنهايات مأساوية ومُفجعة للمبدعين، وهذا العامل الأخير ضمن أهم الأسباب التي دفعتني لكتابة هذه الرواية.
> لكنكِ ترسمين في الرواية صورة مُغايرة للمثقف قد تكون مثيرة للجدل.
- أعتقد أن منبع هذا الجدل يكمن في أن روائية كتبت عن الوسط الذي تنتمي إليه، ربما لو كنتُ كتبتُ عن طبيب أو مهندس، وليس روائياً، كانت ستمر الرواية بسلام. لقد كتبتُ بإيعاز من واقع تاريخ لا يمكن إنكاره، وكذلك مشاهدات حية لأزمات نفسية ووجودية لكُتاب أعرفهم بشكل شخصي، بالطبع لم يتحول أحدهم لقاتل، لكن ما قيمة الخيال إن لم أقم أنا بخلق وإبداع صورة ما؟ نسج قصة لا يعني بالضرورة أن تكون قد حدثت أو ستحدث، قصة قد تنتمي لأي فئة، لأي أحد، وليس للمبدع وحده، تكشف مأزق الإنسان الحديث وما يعانيه من ضغوط مميتة قد تجعله ضحية لمرض نفسي أو عقلي لا شفاء منه.
> برأيك، هل من الممكن أن يتحول شخص عادي إلى قاتل؟
يقول أورهان باموق: «لأن فرصة ارتكاب جريمة لم تسنح لهم، يعتقد الكثير من الناس أنهم أبرياء». وأنا أرصد في الرواية تجربة لامرأة صربية تُدعى مارينا أبراموفيتش، حين تعمدت الوقوف صامتة أشبه بتمثال لمدة ست ساعات في قاعة مليئة بأفراد مختلفي الأعمار والخلفيات، وضعت بجانبها سكيناً ومسدساً، وانتهى الأمر بأن تعرضت للعنف والجروح الجسدية بسبب تحرش الناس بها، وكادت تفقد حياتها.
برأيي أن الإنسان كائن فوضوي بطبعه، يحمل من الوضاعة قدراً ليس بالهيّن، وقدرة هائلة على الإيذاء، والتاريخ خير دليل؛ بدءًا من قابيل، وحتى آخِر يوم فوق سطح الأرض. تلك القدرة التدميرية لن يشعر هو بها أو يشعر بها الآخرون، إلا إذا أتيحت له الفرصة، والفرصة ليس بالضرورة أن تكون كالتجربة التي ذكرتها. ولا ننسى أن كثيراً من القتلة شهد لهم الناس بالهدوء والأخلاق الرفيعة.
> لماذا اخترتِ الرحلة البحرية مكاناً سردياً متحركاً للرواية؟
- بداية، أود الإشارة إلى عدد أيام الرحلة، سبعة أيام. ورقم سبعة يحمل دلالات هامة، وله قدسية ومكانة خاصة ويحمل أسرارًا كثيرة، فهو مجموع أيام الأسبوع، وهو عدد ألوان قوس قزح، وعدد المعادن الرئيسية في الأرض، وعدد قارات العالم، ويكتمل الجنين في بطن أمه عند الشهر السابع، ومدارات الكون سبعة، وتطير الطيور المهاجرة مُشكِّلة في السماء رقم سبعة، وفقرات الرقبة سبع، وفي القرآن آيات سورة الفاتحة سبعة، والطواف حول الكعبة يكون سبع مرات، وعدد الجمرات التى تُلقى سبع، وأبواب النار سبعة، ويُقال إن يوم القيامة يوم جمعة؛ أي اليوم السابع. وروحياً، هو الرقم الذي يعني اليقظة الروحية، وهو مرتبط بالحكمة والتصوف والحدس والقوة الداخلية. لذا قصدت الإشارة إليه بنهاية الرحلة وإتمامها. وكانت عودة بطلي الرواية لطبيعتهما الأصيلة، ومن ثَمّ لبعضهما.
يعزز من ذلك إيماني بسحر المكان وتأثيره على الفرد، وأن الارتحال أو زيارة مكان مختلف، عالي الطاقة، هو السبيل إلى الشفاء، أو على أقل تقدير هو السبيل لإيجاد حل لمشكلة ما، وإعادة ترتيب الأوراق المبعثرة.
> في الرواية توظيف للغة الشعرية، وفي عملكِ السابق كانت ثمة لغة أقرب إلى الصوفية، كيف تختارين لغتكِ؟
- طبيعة العمل هي ما يفرض لغته. في «بالأمس كنت ميتاً» تبنّيتُ الصوفية منهجاً لرؤية العالم، كوصفة تسامح تمكِّننا من التعايش السلمي وقبول كل ما هو مختلف عنا. كان الحديث عن حرب بشعة وإبادة جماعية. أما هنا، ولأنها قصة حب أولاً وأخيراً، حب في جوهره وحيد واستثنائي، غائر في تاريخ الشخصيتين، لذا كانت اللغة غارقة في الشعرية، خاصة في وصف مشاعر الحب.
> كذلك تعكس أعمالكِ شغفاً خاصاً بالبحث في التاريخ... هل قادكِ أو يقودكِ التاريخ للأدب؟
- أنا مشغوفة بالبحث في التاريخ. ورثت نَفَس الباحث عن أبي الدكتور فاضل الأسود، رحمه الله؛ إذ كان باحثاً أكاديمياً. أما التاريخ ففي اختبارات المدرسة كنت أحصل فيه على الأرقام النهائية. نعم، يقودني التاريخ للأدب إلى حد ما، لكن ليس كل ما أكتبه تاريخاً، فمجموع رواياتي التاريخية لا يتعدى اثنتين هما: «تشابك» التي تتحدث عن التاريخ المصري القديم، و«بالأمس كنت ميتاً» التي تتحدث عن مذابح الأرمن.
أما بالنسبة للبحث في الأديان فهو مجال شديد الجاذبية، بالنسبة لي، إذ إن دراسة أي دين تجعل الإنسان بالضرورة يدرس التاريخ والجغرافيا والحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى دراسة الأساطير وعلم الأنثروبولوجي وسيكولوجية الجمهور أو الشعب الذي يعتنق ديناً ما، فلا فهم لأي دين بمعزل عن كل الظروف التي أحاطت بنشأته وانتشاره.
> الطبيعة الأنثوية لبطلاتكِ مُغايرة، فبطلة الرواية الجديدة «أحلام»، وبطلة الرواية السابقة «لوسي» هما باحثتان عن الحقيقة، تتعرضان للعنف.هل يمكن أن نتحدث هنا عن «حس أنثوي» في كتابتكِ؟
- ربما يكون ذلك التميز بطبيعة مغايرة يعود إلى أنني لا أنظر إليهن على أنهن «إناث»، ولكن بوصفهن «إنساناً»، كما أن غالبيتهن يتصفن- إن لم يكن كلهن- بالقوة؛ ليس الجسدية بالطبع، ولكن تلك القوة التي تكمن في الشجاعة والإقدام والجرأة والجَلَد والحكمة والقيام من العثرات والبدء من جديد.
لا أرى أن «أحلام» في «خداع واحد ممكن» تعرضت للعنف، بعكس «لوسي» في «بالأمس كنت ميتاً» التي تعرضت لعنف جسدي، وصدمة عائلية ونفسية شديدة في المراهقة، بالإضافة لحملها إرثاً ضخماً من المعاناة والتشتت من الأجداد، فإن خلعنا عن «لوسي» صفة الأنثى، فهي أقرب لطبيعة الرجل، وتحديداً في صراعها وخوضها المعارك من أجل الحصول على اعتراف من دول العالم بالمذبحة التي تعرَّض لها الشعب الذي تنتمي إليه. أما فيما يخص البحث عن الحقيقة، فأبطالي من الرجال هم أيضًا ارتحلوا وخاضوا التجارب بحثاً عنها، مثل «مالك» في «بالأمس كنت ميتاً»، و«حازم» في «خداع واحد ممكن».
في الحقيقة أنا متعصبة جداً لأبطالي، رجالاً ونساء على السواء، وقضيتي الأساسية هي الإنسان ومعاناته الوجودية، وأرى أنني حتى الآن لم أخض تجربة كتابة نسوية، بمعنى كتابة تنتصر للمرأة وقضاياها وتجعلها أولوية أولى، وإن كنت أرغب فيها بشدة كشكل مغاير.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
TT

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي، وبدرجة تقييم بلغت 6.817 من 10 على مقياس تقييم الحياة.

ويصدر هذا التقرير السنوي عن مركز أبحاث الرفاهية في جامعة أكسفورد بالتعاون مع مؤسسة «غالوب» الدولية بالتزامن مع اليوم العالمي للسعادة في 20 مارس (آذار).

ويعتمد التقرير على استطلاعات رأي تشمل أكثر من 140 دولة، تقيس مستوى رضا الأفراد عن حياتهم وفق عدة عوامل رئيسية، أبرزها: الناتج المحلي الإجمالي للفرد، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر الصحي المتوقع، والحرية في اتخاذ القرارات، والكرم، ومستوى مكافحة الفساد.

وتؤكد النتيجة نجاح الجهود المبذولة ضمن «رؤية السعودية 2030»، لا سيما عبر «برنامج جودة الحياة» الذي يعتمد هذا التقرير كأحد المؤشرات المرجعية له.

وتجاوزت مساهمة قطاعات جودة الحياة في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد 20.5 مليار دولار، وجذبت ما يزيد عن 5.8 مليارات دولار في الاستثمارات غير الحكومية، كما عزَّزت الصادرات غير النفطية بأكثر من 5.6 مليارات دولار.

ويعكس التقدم المطرد في ترتيب السعودية الأثر الإيجابي للتحولات الشاملة التي شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة، حيث أسهمت في تعزيز أنماط الحياة الصحية بالمجتمع، وبناء منظومة متكاملة ترتكز على الإنسان وتُعزِّز رفاهيته.

وجاء ترتيب السعودية في التقرير متقدماً على عدة دول كبرى، إذ حلّت في مرتبة أعلى من الولايات المتحدة التي جاءت في المركز الـ23، وكندا الـ25، والمملكة المتحدة الـ29، فيما تصدرت فنلندا القائمة للعام التاسع على التوالي، تلتها آيسلندا والدنمارك.


«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
TT

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

انتقدت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني بمصر، مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2»، الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية، على خلفية ظهور بطلي العمل عمرو يوسف وأسماء جلال بملابس الشركة، في مشهد اعتبرته الشركة «غير لائق» ويمس «الصورة المشرفة المتأصلة لأطقم الركب الطائر في ذهن الجمهور»؛ بحسب بيان صدر (الاثنين).

واتهمت الشركة صناع الفيلم بـ«الإساءة لصورتها الذهنية وقيمتها المعنوية والانتقاص من مكانتها في مصر والعالم تحت دعوى الإبداع»، مؤكدة وقوفها بقوة «لحماية الحقوق المعنوية والأدبية للعاملين بالشركة ضد أي تشويه متعمد أو غير متعمد لصورتهم».

وتدور أحداث الفيلم - الذي حمل اسم «السلم والثعبان... لعب عيال» - ما بين الحب وطموحات الواقع، فيعيد طرح أسئلة الهوية والعاطفة من خلال قصة «أحمد»، الذي يقوم بدوره عمرو يوسف، المعماري المُبدع الذي يسعى لإعادة اكتشاف ذاته، و«ملك» التي تقوم بدورها أسماء جلال، رائدة الأعمال الطموحة التي تحاول الموازنة بين نجاحها المهني وحنينها العاطفي.

وشددت «مصر للطيران» على الاحتفاظ بحقها في «اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال استخدام الزي الرسمي المعتمد لأطقم الضيافة الجوية الخاص بالشركة وعلامتها التجارية المسجلة ضمن أحداث العمل دون الحصول على موافقة مسبقة من الجهات المختصة بالشركة، بالإضافة إلى الضرر الواقع بسبب استخدامها في (مشهد مسيء وغير لائق)»، بحسب البيان.

في السياق، أعلن طيار مصري يدعى أحمد فتح الله عبر حسابه على «فيسبوك» عن تقديم بلاغ للنائب العام ضد صناع الفيلم بتهمة «الإساءة للطيران»، مؤكداً أن تحركه جاء بدافع احترامه لمهنة الطيران ولكل من يعمل بها باعتبارها «من المهن التي لا يمكن السخرية منها».

المخرج طارق العريان خلال تحضيرات التصوير (الشركة المنتجة)

وعرض الجزء الثاني من «السلم والثعبان – لعب عيال» بعد 25 عاماً من عرض الجزء الأول، وهو من بطولة عمرو يوسف وأسماء جلال وظافر العابدين، ومن إخراج طارق العريان، وحقق إيرادات كبيرة مع عرضه بالصالات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وعلق الناقد الفني طارق الشناوي على الأزمة قائلاً إن «هناك حالة من التربص تجاه الأعمال الفنية خلال الفترة الأخيرة، وهذا المناخ يؤثر سلباً على حرية الإبداع»، مضيفاً أن «فقدان روح الدعاية والتفاعل الطبيعي مع الفن يعني خسارة جزء مهم من مقومات الحياة الثقافية».

وأضاف أن المشهد محل الجدل لا يتجاوز كونه «إيفيه» أو نكتة درامية قد تعجب البعض وقد لا تلقى قبولاً لدى آخرين، لكنه لا يحمل أي إساءة حقيقية أو تجاوز يستدعي هذا التصعيد، مشيراً إلى أن «الأزمة الحالية تعكس مشكلة أكبر بكثير من مجرد الاعتراض على مشهد داخل فيلم».

وأكد أن الأصوات المعترضة غالباً ما تكون الأعلى، لكنها لا تعبر بالضرورة عن الرأي العام، فتضخيم ردود الفعل أصبح ظاهرة متكررة، لافتاً إلى أن «بعض المهن، ومن بينها الطيارون وأطقم الضيافة، من المفترض أن يكون لديهم قدر من تقبل روح الدعابة، خاصة في إطار الأعمال الفنية التي تقوم بالأساس على الخيال والمعالجة الدرامية».

عمرو يوسف وأسماء جلال في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

واعتبر الناقد الفني أحمد سعد الدين أن تحركات «مصر للطيران» وغضب الطيارين «أمر غير مبرر»، مؤكداً أن «الفيلم لا يحمل أي إساءة، سواء للشركة أو للطيارين على حد سواء، لأنه يقدم مشهداً في إطار كوميدي، ومُوظف درامياً داخل الأحداث».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحدث من تصعيد يعكس حالة الاحتقان التي أصبحت موجودة لدى العديد من أصحاب المهن المختلفة الذين يعترضوا على ظهور نماذج سلبية أو أي مشاهد قد تكون محل تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر يحمّل الأفلام السينمائية أكثر مما ينبغي ويجب عدم التعامل معها بهذا المنظور».

صناع الفيلم خلال العرض الخاص (الشركة المنتجة)

وأوضح أنه بالمنطق نفسه فإن العاملين بمجال الطيران كان يتوجب عليهم المطالبة بوقف عرض فيلم «مطاردة غرامية» الذي جمع بين فؤاد المهندس وشويكار في ستينات القرن الماضي وظهر خلاله البطل في وظيفة «مراقب جوي» متعدد العلاقات النسائية وتؤثر علاقته النسائية على عمله بشكل واضح يكاد يؤدي لحدوث كوارث في الحركة الجوية، لكن الواقع يشير إلى أن «الفيلم الذي قدمت أحداثه في معالجة مسرحية أيضاً يعد من كلاسيكيات السينما المصرية ومن الأفلام الكوميدية الناجحة، وصور بالفعل داخل مطار القاهرة آنذاك».


فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
TT

فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)

يستعيد فيلم «إيجي بست» قصة أحد أشهر مواقع القرصنة على الأفلام -عنوان الفيلم نفسه- الذي مثّل نافذة مهمة لأجيال من الشباب لمشاهدة أحدث الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية مجاناً عبر الإنترنت، وقد حقق الموقع انتشاراً عربياً واسعاً، ونجح في استقطاب نحو 13.5 مليار زائر، محققاً أرباحاً تخطت 100 مليون دولار، وقد عرض نحو 2500 فيلم عربي وأجنبي، منذ تأسيسه عام 2009، وحتى إغلاقه في 2019، حسب أرقام أوردها صناع الفيلم في نهاية أحداثه.

الفيلم الذي بدأ عرضه ضمن أفلام موسم عيد الفطر يتسم بروح شبابية ويجمع اثنين من نجوم السينما الشباب، وهما: أحمد مالك وسلمى أبو ضيف، بمشاركة مطرب الراب مروان بابلو في أول أعماله ممثلاً، إلى جانب كل من ميشال ميلاد، وأحمد عبد الحميد، وأحمد الرافعي، وحنان يوسف.

وأخرج الفيلم مروان عبد المنعم في أول أعماله الطويلة، وإنتاج طارق نصر الذي عَدّ الفيلم عملاً شبابياً يعبّر عن طموحات جيل بأكمله ويناقش مرحلة محورية في تطور العصر الرقمي في مصر، مسلطاً الضوء على الصراع بين الشغف والمسؤولية في إطار إنساني يناقش الصداقة والحب، مثلما ذكر في تصريحات صحافية. وحقّق «إيجي بست» خلال أيام عيد الفطر إيرادات لافتة بلغت نحو 21 مليون جنيه (الدولار الأميركي يعادل 52.5 جنيه مصري) ليحتل المركز الثاني بعد فيلم «برشامة».

مروان بابلو وأحمد مالك وسلمى أبو ضيف على ملصق الفيلم (الشركة المنتجة)

وعبر دراما مستوحاة من وقائع حقيقية تنطلق أحداث الفيلم من زقاق صغير بحي المرج (شرق القاهرة)، حيث يجمع الشغف بالأفلام بين الصديقين «محمد شوقي» الذي يؤدي دوره أحمد مالك، وصديقه «صابر» الذي يؤديه مروان بابلو، لا يستطيع شوقي شراء تذكرتَي سينما لمشاهدة فيلم مع «أنوار» بائعة محل الملابس التي يحبها ويتطلّع إلى الزواج منها وتؤديها سلمى أبو ضيف، ويكتفي بتذكرة واحدة لها، لكنها تلقي له بالتذكرة ويحصل عليها «صابر» الذي يضع كاميرا خلسة لنسخ الفيلم.

ومن هنا تبدأ رحلتهما في عمل موقع لمشاهدة الأفلام مجاناً، معتمداً على ما يحققه من إيرادات الإعلانات، ليحقق الموقع صدى واسعاً بين الجمهور، ويبدو مثل المصباح السحري الذي يجد فيه محبو الأفلام كل ما يحلمون به، وتنهال عليهم الأموال ويتغير حالهم. وحَلّ الفنان أحمد فهمي ضيف شرف في الفيلم مؤدياً دور المنتج الذي يسعى للتعاون مع مؤسسي الموقع، في حين ترددت موسيقى شارة برنامج «نادي السينما» بما تمثله من «نوستالجيا» على خلفية بعض المشاهد لتعبّر عن تعلق كبير بالفن السابع.

وعلى الرغم من جماهيريته الواسعة لأنه أحد أهم مطربي الراب، فإن الفيلم يخلو من غناء مروان بابلو ويعتمد على غناء مطربي الراب أبيوسف، والفنان شوقي، والفنان موند، بالإضافة إلى أغنية «2 في 1» لهادي معمر وطارق الشيخ. وقد أصدر صناع الفيلم «ميني ألبوم» الذي طُرح تزامناً مع عرض العمل.

عرض مجاني

وأقام فريق العمل عرضاً مجانياً للجمهور ليلة أول أيام عيد الفطر في سينما «ميامي» بالقاهرة، حضره طاقم الفيلم، وقال المؤلف أحمد حسني لـ«الشرق الأوسط» إنهم أقاموا مسابقة عبر مواقع «السوشيال ميديا»، وقد شهد العرض نحو 800 شاب وفتاة، مؤكداً أن «مستوى تقييمات الجمهور للفيلم جيدة جداً، وأنها تجتذب جمهوراً جديداً كل يوم».

وكشف أحمد حسني عن أن فكرة الفيلم نبعت من رغبته هو والمخرج مروان عبد المنعم في تقديم فيلم عن شباب نجحوا في الإقدام على تجربة كبيرة بإمكانات محدودة، وأنهم وجدوا في «إيجي بست» تجربة مهمة، لأنهم أنفسهم تأثروا بها وشاهدوا أفلاماً كثيرة من خلالها زادت من تعلقهم بالسينما.

وأشار إلى أن الفيلم لا يروي سيرة هذا المشروع من البداية إلى النهاية، بل يختار منه ما يؤكد فكرته. وأضاف: «كان هدفي يتركز على مخاطبة من يشاهدون الأفلام بشكل غير قانوني وما يمثله ذلك من حرمانية وخسائر لصناعة السينما من خلال عمل درامي يتعرض للقرصنة، لكن بشكل غير مباشر»، مرجعاً التعاطف مع أبطاله إلى «أنهم لم يشعروا أنهم كانوا يقومون بعمل غير قانوني».

وحول تقديم مروان بابلو ممثلاً بالفيلم دون غناء، يقول حسني: «أردنا أن تكون التجربة تمثيلاً فقط، حتى لا نكسر إيهام المتفرج».

صورة جماعية لطاقم الفيلم بحضور الفنان عصام عمر الذي شارك منتجاً تنفيذياً به (الشرق الأوسط)

وعدّ الناقد طارق الشناوي فيلم «إيجي بست» عملاً عصرياً مأخوذاً من حالة عاشها شباب هذا الزمن، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «لقد راهنت عليه قبل أن أشاهده من خلال أبطاله وفكرته المأخوذة من حياة دافعي التذكرة؛ إذ إن 80 في المائة من جمهور السينما هم هذا الجيل الذي كان يشاهد (إيجي بست)، وأنه تأكد بعد مشاهدة الفيلم من صحة رهانه»، لافتاً إلى أنه «من الأفلام التي تحقق تراكماً نوعياً في الإيرادات».

وتابع قائلاً: «براعة الفيلم في أنه لا يُشعر المشاهد أن هناك سيناريو مكتوباً، ولا أن هناك حبكة درامية، وإنما حالة مأخوذة من الحياة دون تدخل درامي، وقد عاش صناعه الحالة، كما عاش أبطاله هذا الإحساس في أدائهم، في فيلم لا يتورع عن تقديم لحظات ضعفهم، فلم يقدم شخصيات مثالية، بل قدم بشراً لديهم لحظات ضعف قد تكون هي مصدر قوتهم».

ولفت الشناوي إلى أن «مروان بابلو لديه تلقائية وحضور أمام الكاميرا، وهو اختيار ذكي»، مشيراً إلى أن «مالك وسلمى من أكثر الفنانين عصرية في فن (الأداء الهامس) الذي يعتمد على أقل قدر من الانفعال، وأن المخرج مروان عبد المنعم قدم تجربة ناضجة في أول أفلامه، وقد حافظ على تلقائية ممثليه»، مشيداً بـ«مشاهد المواجهة بين بابلو ومالك وسلمى».