في يومهم العالمي... معلمو اليمن بين الحرمان من الرواتب والتسريح والقتل

تلاميذ في طابور الصباح أمام منزل حوله معلم يمني إلى مدرسة لنحو 70 تلميذاً في مدينة تعز 18 أكتوبر (رويترز)
تلاميذ في طابور الصباح أمام منزل حوله معلم يمني إلى مدرسة لنحو 70 تلميذاً في مدينة تعز 18 أكتوبر (رويترز)
TT

في يومهم العالمي... معلمو اليمن بين الحرمان من الرواتب والتسريح والقتل

تلاميذ في طابور الصباح أمام منزل حوله معلم يمني إلى مدرسة لنحو 70 تلميذاً في مدينة تعز 18 أكتوبر (رويترز)
تلاميذ في طابور الصباح أمام منزل حوله معلم يمني إلى مدرسة لنحو 70 تلميذاً في مدينة تعز 18 أكتوبر (رويترز)

لجأت أروى الحيدري إلى بيع ذهبها وإنفاق مدخراتها لافتتاح مطعم صغير للوجبات المنزلية في العاصمة صنعاء، إلا أن مشروعها لم يكتب له النجاح، فاضطرت لاحقاً للعمل في تقديم الدروس الخصوصية، قبل أن تعمل في الخدمة المنزلية، بعد أن فقدت راتبها مثل آلاف المعلمين الذين انقطعت رواتبهم أو تم تسريحهم من قبل جماعة الحوثي.
وأروى مدرسة علوم، كانت تعمل في مدرسة حكومية في العاصمة صنعاء منذ عام 2002، وكانت أمورها تسير بشكل طبيعي حتى عام 2016، حين انقطعت المرتبات، فتدهور حالها مثل عشرات الآلاف من المعلمين اليمنيين في مناطق سيطرة جماعة الحوثي.
وتشير أروى إلى أن تقديم الدروس الخصوصية أمر غير مجدٍ إلا لمعلمي بعض المواد الدراسية وفي مراحل دراسية محددة.
وبحسرة، قالت الحيدري لـ«الشرق الأوسط» إن تقديم الدروس الخصوصية أمر معيب بحق المعلم الذي ينبغي عليه تقديم كل جهوده في المدرسة بنزاهة، لكن انقطاع رواتب الموظفين الحكوميين، وفي مقدمتهم المعلمون، منذ ستة أعوام، دفعها وغيرها للبحث عن مصدر دخل، بما في ذلك الدروس الخصوصية، لكن حتى هذا لم يكن أمراً سهلاً.
وتوضح أن العملية التعليمية تراجعت بالمجمل، ولم يعد هنالك تعليم إلا لقلة من الميسورين أو أبناء قيادات الميليشيات الحوثية وأنصارها، الذين يتلقون تعليماً حقيقياً، بسبب ما وصفته بالتدمير المتعمد للتعليم، والرغبة التي تبديها الميليشيات في تسخير التعليم لصالح مشروعها، حتى إنها لجأت إلى تدجين المعلمين بتسريحهم وحرمانهم من أجورهم، أو بتلقينهم دروساً طائفية وإلزامهم بتقديمها في الفصول الدراسية.
واحتفل العالم في 5 أكتوبر (تشرين الأول) بيوم المعلم، إلا في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية، حيث مرّ هذا اليوم دون أي إشارة له. وبحسب مصدر تربوي في العاصمة صنعاء، فإن توجيهات صدرت من حسين الحوثي، شقيق زعيم الميليشيات، والذي عينته القوى الانقلابية وزيراً للتربية والتعليم، قضت بعدم الاحتفال بهذا اليوم وتجنب ذكره تماماً.
ووفقا للمصدر، فإن الميليشيات لا تعترف بهذا اليوم، باعتباره دخيلاً على قيم المجتمع والأمة والدين، وبدعة غربية لا ينبغي التعامل معها.
وتم إقرار يوم المعلم العالمي بهدف التركيز على تقدير المعلمين ولفت الانتباه إلى أهمية مهنة التعليم، وإتاحة الفرصة للنظر في القضايا المتعلقة بالمعلمين والتدريس.
ومنذ عام 2016، يعمل مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية دون رواتب. ووفقاً لتقرير نشرته منظمة اليونيسيف العام الماضي، فإن ثلث العاملين في العملية التعليمية في اليمن، والمقدر عددهم بـ171.6 ألفاً، لم يتقاضوا رواتبهم منذ 4 سنوات على الأقل.
وسبق أن أعلن مسؤولو نقابة المعلمين اليمنيين عن مقتل 1580 معلماً على أيدي ميليشيات الحوثي خلال الفترة من 2015، وحتى 2020، منهم 81 من مديري المدارس والإداريين، و1499 قتيلاً من المعلمين، فيما قضى 14 من القتلى بسبب التعذيب في السجون الحوثية، في محافظات صنعاء والحديدة وحجة وصعدة.
وتعرض 2642 معلماً لإصابات مختلفة بنيران الميليشيات، نتج عن بعضها إعاقات مستديمة، إضافة إلى اختطاف وإخفاء 621 معلماً بشكل قسري.
وبلغ عدد المعلمين الذين تركوا منازلهم ومدارسهم في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية ونزحوا منها إلى المناطق المحررة أو إلى خارج اليمن 20.142 معلماً، بحسب مسؤولي النقابة.
إلا أن غالبية المعلمين يواصلون مزاولة مهنتهم، رغم انقطاع الرواتب والتحديات والظروف الأخرى، على أمل أن يتم تسديد هذه الرواتب لاحقاً، وخوفاً من فقدان وظائفهم أو اتهامهم، من طرف الميليشيات، بالخيانة والعمالة والارتزاق كما هو دأبها.
وفي مطلع أغسطس (آب) الماضي، أقدمت الميلشيات الحوثية على فصل أكثر من 20 ألف معلم، وأحلَّت مكانهم عناصر تابعة لها، كما واصلت إيقاف صرف رواتب المعلمين أسوة بعموم موظفي الدولة الذين أوقفت صرف رواتبهم منذ ست سنوات، رغم أنها تمكنت من تحصيل ما يزيد على 200 مليار ريال من العملة المحلية مؤخراً، بحسب بيانات حكومية.
وتمكنت الميليشيات من الحصول على هذا المبلغ من ضرائب شحنات الوقود الواصلة إلى ميناء الحديدة منذ بداية الهدنة المنتهية في الثاني من الشهر الحالي. وكان أحد شروط الهدنة يقضي بتسديد رواتب موظفي الدولة في مناطق سيطرة الميليشيات من هذه الإيرادات، وهو بند نص عليه اتفاق استوكهولم في ديسمبر (كانون الأول) 2018.
ورغم تأكيد الحكومة مرات عدة أن هذا المبلغ يكفي لتغطية جزء كبير من رواتب الموظفين والمتقاعدين، فإن الميليشيات الحوثية تنصلت من ذلك، وانتهت الهدنة التي استمرت ستة أشهر دون تنفيذ هذا الالتزام، بل إنها عادت لاشتراط أن تقوم الحكومة بدفع هذه الرواتب ورواتب مقاتلي الميليشيات، كشرط لتجديد الهدنة.
ومع انطلاق العام الدراسي الحالي، اعترف عبد الله النعيمي، المعين من قبل الميليشيات وكيلاً لوزارة التربية والتعليم في الحكومة الانقلابية، عن نية الميليشيات تسريح 40 ألف معلم، وعدم توفير الكتاب المدرسي للعام الدراسي الحالي، متحججاً برفض المنظمات الدولية تقديم الدعم، بحسب زعمه.
كما اعترف النعيمي، في تصريحات لوسائل إعلام الميليشيات، بانتشار الفساد في «صندوق دعم المعلم والتعليم» الذي أنشأته الميليشيات كمبرر للجبايات، حيث فرضت الميليشيات على المدارس الخاصة والشركات والمؤسسات التجارية التبرع لهذا الصندوق، الذي لا تعلن الميليشيات عن مصير إيراداته.
وبمناسبة اليوم العالمي للمعلم، ناشدت نقابة المعلمين اليمنيين رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، تلبية مطالب المعلمين القانونية، داعية القيادة السياسية والمجتمع الدولي إلى «إلزام ميليشيا الحوثي والضغط عليها بعدم تسييس التعليم وتحويله إلى تعليم طائفي مقيت».
كما طالبت النقابة في بيان لها بإلزام الميليشيات «التوقف عن ارتكاب الانتهاكات في تحريف المناهج التعليمية، بدس المبادئ الطائفية التي تغرس الأحقاد وتفتت النسيج الاجتماعي، وتخالف القوانين الدولية والمبادئ العامة للأمم المتحدة، والأهداف العامة للتعليم في اليمن».
وأشاد بيان النقابة بالتضحيات التي قدمها التربويون لأجل اليمن واليمنيين، حيث حيّا «التضحيات الجسيمة التي يقدمها منتسبو النقابة في شتى المجالات»، مستنكراً «ما يتعرضون له من إهانات واعتقالات وأحكام قضائية بالإعدام، وسلب حقوقهم، وعدم صرف رواتبهم في مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي»، مطالباً المعلمين «بالمزيد من الصبر والتضحية من أجل الوطن».
من جهته، طالب المركز الأميركي للعدالة، في بيان بمناسبة يوم المعلم، بمعالجة أوضاع المعلمين اليمنيين وحماية حق التعليم في البلاد، مشيراً إلى أن حماية حق التعليم في اليمن يسهم بشكل مباشر وجذري في صناعة السلام والاستقرار في البلاد وفي المنطقة.
وذكر المركز، وهو منظمة مقرها نيويورك، «أن أوضاع المعلمين في اليمن تزداد تعقيداً بسبب حالة الحرب القائمة، والأزمة الإنسانية، والظروف المعيشية الصعبة التي نتجت عن الحرب، في حين تتدهور الحالة التعليمية تبعاً لكل ذلك، ويتم إفراغ المؤسسات التعليمية من محتواها ومضمونها».
وأشار إلى أنه يتابع «تطورات حالة التعليم في اليمن، وما يعانيه المعلمون من انقطاع الأجور والمستحقات المالية في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، ودفعهم إلى الانقطاع عن أداء مهامهم قسراً، أو إجبارهم على تلقي دورات طائفية بهدف توجيههم لتلقينها للطلاب في المدارس، واستبدال بمن يرفضون منهم معلمين غير مؤهلين تابعين للجماعة».
وتحدث بيان المركز عن تعرض عشرات المعلمين للاعتقال والتعذيب والمحاكمات، وصدور أحكام بالإعدام بحق بعضهم في مناطق سيطرة ميليشيات الحوثي، منبهاً إلى أن «هذه الأوضاع تدفع بالعملية التعليمية في اليمن إلى مزيد من الانهيار، وتجعل ملايين الأطفال عرضة للاستغلال في الأعمال الشاقة والمعاملة المهينة والتجنيد لدى الجماعات المسلحة، والانحراف السلوكي».
وحثّ البيان المجتمع الدولي على «العمل على معالجة هذه الحالة، وحماية حق التعليم في اليمن، وتقديم المساعدات الكافية واللازمة لإنهاء تسرب الأطفال من المدارس، ومعالجة أوضاع المعلمين، وتوفير أجور كافية لهم للتفرغ لممارسة مهامهم بكفاءة وتقدير».


مقالات ذات صلة

غروندبرغ يتحدث عن «نقاش جوهري» مع العليمي ويدعو لتقديم التنازلات

العالم العربي غروندبرغ يتحدث عن «نقاش جوهري» مع العليمي ويدعو لتقديم التنازلات

غروندبرغ يتحدث عن «نقاش جوهري» مع العليمي ويدعو لتقديم التنازلات

وصف المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الخميس) اللقاء الذي جمعه برئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في عدن بـ«المثمر والجوهري»، وذلك بعد نقاشات أجراها في صنعاء مع الحوثيين في سياق الجهود المعززة للتوصل إلى تسوية يمنية تطوي صفحة الصراع. تصريحات المبعوث الأممي جاءت في وقت أكدت فيه الحكومة اليمنية جاهزيتها للتعاون مع الأمم المتحدة والصليب الأحمر لما وصفته بـ«بتصفير السجون» وإغلاق ملف الأسرى والمحتجزين مع الجماعة الحوثية. وأوضح المبعوث في بيان أنه أطلع العليمي على آخر المستجدات وسير المناقشات الجارية التي تهدف لبناء الثقة وخفض وطأة معاناة اليمنيين؛ تسهيلاً لاستئناف العملية السياسية

علي ربيع (عدن)
العالم العربي الحوثيون يفرجون عن فيصل رجب بعد اعتقاله 8 سنوات

الحوثيون يفرجون عن فيصل رجب بعد اعتقاله 8 سنوات

في خطوة أحادية أفرجت الجماعة الحوثية (الأحد) عن القائد العسكري اليمني المشمول بقرار مجلس الأمن 2216 فيصل رجب بعد ثماني سنوات من اعتقاله مع وزير الدفاع الأسبق محمود الصبيحي شمال مدينة عدن، التي كان الحوثيون يحاولون احتلالها. وفي حين رحب المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ بالخطوة الحوثية الأحادية، قابلتها الحكومة اليمنية بالارتياب، متهمة الجماعة الانقلابية بمحاولة تحسين صورتها، ومحاولة الإيقاع بين الأطراف المناهضة للجماعة. ومع زعم الجماعة أن الإفراج عن اللواء فيصل رجب جاء مكرمة من زعيمها عبد الملك الحوثي، دعا المبعوث الأممي في تغريدة على «تويتر» جميع الأطراف للبناء على التقدم الذي تم إنجازه

علي ربيع (عدن)
العالم العربي أعداد اللاجئين الأفارقة إلى اليمن ترتفع لمعدلات ما قبل الجائحة

أعداد اللاجئين الأفارقة إلى اليمن ترتفع لمعدلات ما قبل الجائحة

في مسكن متواضع في منطقة البساتين شرقي عدن العاصمة المؤقتة لليمن، تعيش الشابة الإثيوبية بيزا ووالدتها.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي كيانات الحوثيين المالية تتسبب في أزمة سيولة نقدية خانقة

كيانات الحوثيين المالية تتسبب في أزمة سيولة نقدية خانقة

فوجئ محمود ناجي حين ذهب لأحد متاجر الصرافة لتسلّم حوالة مالية برد الموظف بأن عليه تسلّمها بالريال اليمني؛ لأنهم لا يملكون سيولة نقدية بالعملة الأجنبية. لم يستوعب ما حصل إلا عندما طاف عبثاً على أربعة متاجر.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي تحذيرات من فيضانات تضرب اليمن مع بدء الفصل الثاني من موسم الأمطار

تحذيرات من فيضانات تضرب اليمن مع بدء الفصل الثاني من موسم الأمطار

يجزم خالد محسن صالح والبهجة تتسرب من صوته بأن هذا العام سيكون أفضل موسم زراعي، لأن البلاد وفقا للمزارع اليمني لم تشهد مثل هذه الأمطار الغزيرة والمتواصلة منذ سنين طويلة. لكن وعلى خلاف ذلك، فإنه مع دخول موسم هطول الأمطار على مختلف المحافظات في الفصل الثاني تزداد المخاطر التي تواجه النازحين في المخيمات وبخاصة في محافظتي مأرب وحجة وتعز؛ حيث تسببت الأمطار التي هطلت خلال الفصل الأول في مقتل 14 شخصا وإصابة 30 آخرين، كما تضرر ألف مسكن، وفقا لتقرير أصدرته جمعية الهلال الأحمر اليمني. ويقول صالح، وهو أحد سكان محافظة إب، لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف، في ظل الأزمة التي تعيشها البلاد بسبب الحرب فإن الهطول ال

محمد ناصر (عدن)

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

أعاد حديث وصفته وسائل إعلام مصرية وسورية بأنه «ودي» بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره السوري أحمد الشرع، مسار علاقات البلدين للواجهة مجدداً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «العلاقات التي شهدت تفاهمات اقتصادية ومساعي مصرية للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، سيدفعها اللقاء (الودي) خطوة للأمام في مسار الشراكة، ويعزز فرص التقارب بصورة أكبر». وأشار الخبراء إلى «وجود تحديات يجب تجاوزها لتوسيع العلاقات».

وأفادت وسائل إعلام بالقاهرة ودمشق بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيس المصري ونظيره السوري، في «قمة قبرص»، الجمعة، لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون العربي الأوروبي.

وتقدم ذلك المشهد على لقطات أخرى حاولت حسابات بمنصات التواصل وصفها بأنها «تجاهل»، بعدما ادعت أنه «لم يبادر أي منهما بالتحدث إلى الآخر على الرغم من جلوسهما جنباً إلى جنب في الاجتماع».

في حين بادر الإعلامي المصري، عمرو أديب عبر برنامجه على قناة «إم بي سي مصر»، مساء الجمعة، بنفي «هذه الادعاءات حول التجاهل»، قائلاً: «جرت الأمور بشكل طبيعي، وتحدثا الرئيسان معاً، لا سيما عند التقاط الصورة التذكارية».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، يرى أنه «في لحظة إقليمية شديدة السيولة، لم يكن الحديث الودي الذي جمع بين الرئيس السيسي ونظيره السوري على هامش لقاء قبرص مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل يمكن قراءته باعتباره تعبيراً دقيقاً عن دبلوماسية الإشارة الإيجابية التي تلجأ إليها الدول حين تكون المسارات مفتوحة، ولكنها لم تنضج بعد إلى مستوى التحولات الاستراتيجية الكاملة».

القادة عقب «الاجتماع التشاوري» في قبرص الجمعة (الرئاسة المصرية)

وبحسب حجازي، فإن «الانتقال من صورة يُفهم منها التباعد أو التجاهل إلى مشهد حوار مباشر وودي، يعكس وجود إرادة سياسية لتفادي أي انطباع عن العزلة أو القطيعة، ويؤكد أن قنوات الاتصال بين القاهرة ودمشق مفتوحة وتسير إيجاباً نحو الأمام، وأنها لم تنقطع يوماً، بل تعمل بهدوء وإيجابية بعيداً عن الأضواء».

ويتابع: «قد لا يكون الحديث الودي نهاية المطاف؛ لكنه بالتأكيد ليس تفصيلاً هامشياً، بل خطوة وإشارة إيجابية محسوبة في طريق طويل نحو إعادة صياغة علاقة تاريخية، تظل قابلة للتقدم؛ ولكن وفق إيقاع الحذر الاستراتيجي».

ووفق رأي أستاذ العلاقات الدولية السوري، عبد القادر عزوز، فإن «الحديث الودي الذي جرى في قبرص، كان تعبيراً عن إدراك ووعي كبيرين من القيادة السياسية في كلا البلدين بأهمية العلاقات السورية - المصرية المشتركة، خاصة أنها كانت، عبر التاريخ، بمثابة صمام أمان للأمن القومي العربي والأمن الإقليمي على حد سواء».

ويوضح أن «التنسيق السوري - المصري يلعب دوراً كبيراً في تحقيق استقرار المنطقة، خاصة في ظل ما تشهده الساحة الإقليمية حالياً»، ويتوقع أن «يؤدي ذلك إلى تعزيز التقارب والعمل على معالجة أي خلافات أو مشكلات قائمة بين البلدين».

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية في التحرك نحو اتصالات ثنائية وتعاون اقتصادي في قطاع الغاز، قبل تفاعلات الحديث الودي في قبرص بين رئيسي البلدين.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، استضافت دمشق «ملتقىً اقتصادياً واستثمارياً» مشتركاً بين البلدين، بعد أيام من توقيع البلدين مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة، «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا، بهدف توليد الكهرباء».

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

كما التقى السيسي، الشرع، على هامش القمة العربية الطارئة بالقاهرة في مارس (آذار) 2025، بعد سلسلة خطوات اتخذتها القاهرة تجاه دمشق، أبرزها دعوة من الرئيس المصري لنظيره السوري لحضور القمة، عقب تهنئته بالمنصب الرئاسي في فبراير (شباط) 2025، بخلاف اتصالات ولقاءات متكررة بين وزيري خارجية البلدين.

ويرى حجازي أن «هذا التطور لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن مسار تدريجي شهد خلال العامين الماضيين مؤشرات متراكمة على إعادة اختبار العلاقة بين البلدين، سواء عبر الاتصالات الرسمية أو بوادر التعاون الاقتصادي المحدود».

غير أن هذا المسار، وفق حجازي، «يظل محكوماً بجملة من التحديات المعقدة، في مقدمتها طبيعة التحولات داخل سوريا نفسها، كما يظل ملف التنظيمات المسلحة والتوازنات الأمنية داخل سوريا عنصراً حاسماً في أي انفتاح مصري أعمق؛ إذ لا يمكن فصل التقارب السياسي عن ضمانات الاستقرار الأمني».

ورغم هذه التحديات، شدد حجازي على أن «معادلة الفرص تبدو حاضرة بقوة، مع إدراك متزايد بأن إعادة دمج سوريا في الإطار العربي تمثل مصلحة مشتركة، ليس فقط لسوريا، بل أيضاً لإعادة التوازن إلى الإقليم وتقليص أدوار القوى غير العربية، بخلاف ملف إعادة إعمار سوريا بوصفه مدخلاً عملياً للتعاون بما تمتلكه مصر من خبرات».

وبحسب عزوز، فإنه «لو لم يصل البلدان بعد إلى مرحلة تصفير المشكلات من خلال الحوار المباشر، فعلى الأقل يجب أن يكون هناك نوع من تحييد الخلافات، خاصة أنها ليست جوهرية في مسيرة العلاقات السورية - المصرية المشتركة، في ظل وجود فرص كبيرة للتطوير رغم التعقيدات الدولية بعد حرب إيران».

ودعا إلى «تجسير مزيد من التواصل بين أجهزة الدولة في كلا البلدين، بما يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة ومصلحة الشعبين السوري والمصري، وتطوير هذه العلاقات في مختلف المجالات، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادية».


مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على وقوفها مع دول الخليج في مواجهة أي محاولات تستهدف أمنها، وأكدت تطلعها لأن تصل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات تراعي الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.

جاء ذلك خلال اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه في الكويت والبحرين وسلطنة عمان وباكستان، وفقاً لبيانات صادرة السبت، عن «الخارجية المصرية».

وتأتي الاتصالات المصرية بالتزامن مع بوادر لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، وترقب لما ستؤول إليه المفاوضات، وفي ظل أوضاع مضطربة في المنطقة، وتهديدات متصاعدة للملاحة البحرية في مضيق هرمز.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت الشقيقة، للتشاور حول التطورات في المنطقة، وتنسيق الجهود لخفض التصعيد.

تبادل الوزيران الآراء بشأن مستجدات المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية عقد الجولة الثانية لتثبيت وقف إطلاق النار واستدامة التهدئة وإنهاء الحرب، لتجنيب المنطقة تداعيات خطيرة، وشدّد عبد العاطي في هذا السياق على ضرورة مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وجدد عبد العاطي إدانة مصر الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، الجمعة، باستخدام طائرات مسيّرة، مؤكداً «تضامن مصر الكامل مع حكومة الكويت وشعبها وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها»، ومشدداً على دعم مصر لكل الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها.

وكذلك أجرى اتصالاً هاتفياً مع وزير خارجية سلطنة عمان، بدر البوسعيدي، تناول التطورات المتسارعة في المنطقة وتنسيق الجهود المشتركة لخفض التصعيد.

وتبادل الوزيران الرؤى حول أهمية دعم مسار التفاوض للتوصل إلى تفاهمات تُسهم في تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وإرساء دعائم الاستقرار بالمنطقة، وتعزيز الحلول السياسية بعيداً عن التصعيد العسكري.

وجدّد الوزير عبد العاطي التأكيد، خلال الاتصال، على تضامن مصر الكامل ودعمها لسلطنة عمان الشقيقة وسائر دول الخليج العربي، مشيراً إلى أن أمن الخليج يُمثل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية مملكة البحرين، عبد اللطيف بن راشد الزياني، جدّد خلاله تضامن مصر الكامل مع البحرين في مواجهة أي تحديات تستهدف أمنها واستقرارها.

وسبق أن أدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

وبالتزامن مع بوادر استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، أكد خلاله ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة الدولية، ومراعاة الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.


السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، أن بلاده تدعم «الحقوق العربية بلا مواربة أو مهادنة»، مؤكداً أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن، وحذر «من مساعٍ مدبرة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، ما عده خبراء بمثابة رسائل توضح استراتيجية القاهرة ورؤيتها بشأن مختلف الأزمات وسبل مواجهتها.

وقال السيسي، في كلمة مسجلة، السبت، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، إن «منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى آيديولوجية متطرفة»، مؤكداً أن «الطريق الأمثل لمستقبل المنطقة لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام».

وشدد السيسي على «ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية والدولية»، مؤكداً أن «الحلول السياسية والمفاوضات هي السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيداً من الكوارث والدماء والدمار».

وفي هذا الصدد، أشار السيسي إلى «إدانة مصر بكل وضوح وحزم الاعتداءات التي تعرضت لها بعض الدول العربية مؤخراً، ورفضها القاطع لأي مساس بسيادة تلك الدول، أو انتهاك سلامة أراضيها»، وقال: «تتخذ مصر مواقف سياسية مشهودة لدعم الحق العربي أمام المنظمات الدولية دون مواربة أو مهادنة». وأضاف الرئيس المصري أن «التضامن هو السبيل الأوحد لتجاوز المحن، وأن بلاده ستظل السند والركيزة لأمتها، تدافع عن قضاياها، وتعمل بإخلاص من أجل تحقيق مصالحها العليا».

وسبق وأدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

فيما أدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصاله مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت، الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، أمس، باستخدام طائرات مسيرة.

وأكد «تضامن مصر الكامل مع حكومة وشعب الكويت وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها، مشدداً على دعم مصر لكافة الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها».

وحدة الصف العربي

رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن خطاب السيسي تضمن رسالة مهمة تضمنت التأكيد على «أهمية وحدة الصف العربي باعتباره السبيل لمواجهة التحديات»، وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطاب عبّر عن «موقف مصر المبدئي بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأنه لا تنازل عن الحقوق العربية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة».

وجدد السيسي خلال كلمته التي تطرقت لملفات عديدة، التأكيد على «أهمية التطبيق الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع»، مشدداً على «رفض مصر القاطع؛ الذي لا يقبل تأويلاً أو مساومة، لأي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أي ظرف كان»، ومؤكداً «ضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية».

الرئيس المصري يؤكد الدفاع عن الحقوق العربية بلا مواربة (الرئاسة المصرية)

وأعاد السيسي التأكيد على أن «خيار مصر دائماً هو السلام». وقال إن هذا «خيار ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة، لا من ضعف أو تردد أو خوف»، مشدداً على أن «القوات المسلحة المصرية؛ بعقيدتها وجدارتها، قادرة على حماية الوطن والدفاع عنه، والتصدي لكل من يحاول المساس بأمنه القومي، أو تهديد استقراره».

طريق التنمية

وأشار إلى أن بلاده «اختارت، بإرادة صلبة وعزم لا يلين، أن تسلك طريق البناء والتنمية، دون توقف أو تأجيل، رغم ما واجهته من تحديات جسيمة خلال العقد الأخير»، لافتاً في هذا الصدد إلى «الحرب على الإرهاب، وجائحة (كورونا)، والحرب الروسية - الأوكرانية، وحرب غزة، وأخيراً الحرب الإيرانية»، وقال إن هذه التحديات «ترتب عليها تداعيات ثقيلة، منها خسارة مصر نحو عشرة مليارات دولار، من إيرادات قناة السويس... ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إلى مصر... فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وسبق أن أشارت مصر مراراً لما تعرضت له من خسائر اقتصادية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، واتخذت أخيراً إجراءات تقشفية لترشيد الاستهلاك ومواجهة تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية.

وتضمن خطاب الرئيس المصري في ذكرى تحرير سيناء رسائل عدة؛ أبرزها بحسب الخبير العسكري اللواء سمير فرج «التأكيد على السلام باعتباره خياراً استراتيجياً»، وقال فرج لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل تأكيد السيسي على خيار السلام، «تحتفظ مصر بالقوة العسكرية اللازمة للدفاع عن الوطن»، ما «يجعل الجيش قوة ردع لا هجوم واعتداء».

وأضاف فرج أن الرئيس المصري أكد «أهمية تنمية سيناء باعتبارها السبيل لتأمينها ضد أي محاولات اعتداء مستقبلية»، مشدداً على أن الرئيس المصري كان حريصاً على التحذير من محاولات تقسيم المنطقة، أو المساس بسيادة دولها، والتأكيد على رفض التهجير، وأن الخطاب في مجمله تضمن توضيحاً لرؤية مصر واستراتيجيتها في مواجهة الأزمات ودعم الحقوق العربية.