نتنياهو حاول شن هجوم على إيران ثلاث مرات

نتنياهو حاول شن هجوم على إيران ثلاث مرات

أوباما وبيرس وقادة الأجهزة الأمنية لجموا الخطة فخشي تحمّل المسؤولية مع وزير دفاعه
الخميس - 11 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 06 أكتوبر 2022 مـ رقم العدد [ 16018]
غلاف «شيفرة نتنياهو - بيوغرافيا»

بعد سنوات من نشر تسريبات عن خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه، إيهود باراك، شن هجوم حربي على المفاعل النووية في إيران، صدر في تل أبيب كتاب جديد عن حياة نتنياهو يوثق بشكل فعلي الأحداث الدرامية التي أحاطت بهذه الخطة والمحاولات لتنفيذها، وكشف عن أن الخطة كانت جدية، لكن قوى عديدة في إسرائيل والولايات المتحدة لجمتها.

وحسب الكتاب الذي أعدته الصحافية المتخصصة في الشؤون السياسية والحزبية في إسرائيل، مزال معلم، بعنوان «شيفرة نتنياهو – بيوغرافيا»، ونشرت كل من صحيفة «معريب» وموقع «واللا» الإلكتروني فصلاً منه، حاول نتنياهو وباراك إقناع قادة الأجهزة الأمنية وأحزاب الائتلاف الحكومي بتوجيه الضربة لتأخير المشروع النووي الإيراني، وذلك خريف العام 2010 وفي خريف العام 2011 وفي صيف العام 2012، ولكنهما واجها معارضة شديدة. ومع أن نتنياهو وباراك كانا يستطيعان، من ناحية الصلاحيات القانونية، إصدار أوامر للجيش بتنفيذ الهجوم إلا أنهما تراجعا في اللحظة الأخيرة، لأنهما لم يرغبا في تحمل المسؤولية التاريخية عن الهجوم وعواقبه. لا، بل إن باراك تراجع عن الخطة لأسباب سياسية وقرر الانسجام مع الموقف الأميركي. لهذا؛ لم يتم الهجوم.

وتروي مزال معلم، قصة الأحداث الدرامية، في هذا الفصل من كتابها، بدءاً من لقاء مع الحاخام عوفاديا يوسيف، الرئيس الروحي لحزب «شاس» للمتدينين الشرقيين. ففي عام 2010، تبين أن هذا الحزب يعارض الحرب على إيران. ونتنياهو وباراك كانا يرغبان في تجنيد ممثل هذا الحزب، الوزير إيلي يشاي، لصالح الهجوم، حتى تكون لهما أكثرية في «المطبخ القيادي» الذي أقامه نتنياهو داخل حكومته وتألف من ثمانية وزراء، وكان يمرر فيه القرارات الكبيرة والسرية في شؤون الأمن. غير أنه لم يؤيد الهجوم على إيران سوى الوزير أفيغدور ليبرمان، إضافة إلى نتنياهو وباراك. والخطة كانت في إقناع مندوب شاس أولاً، باعتبار أن هناك وزيراً من الليكود، هو يوفالل شتاينتس، كان معارضاً ولكن إقناعه سهل. وهكذا تتحقق للقرار أكثرية.

زيارة سرية لحاخام شاس

وتوجه نتنياهو إلى بيت الحاخام يوسيف في القدس الغربية، بشكل سري، في ساعة متأخرة من ليلة 24 أكتوبر (تشرين الأول) 2011. وكان قد تأخر ساعتين عن موعد اللقاء؛ لأنه كان قد استقبل في مكتبه صديقه الحميم مايكل بلومبيرغ، رئيس بلدية نيويورك. وبلومبيرغ ملياردير يهودي بدأ حياته السياسية في الحزب الديمقراطي، لكنه فاز برئاسة البلدية عن الحزب الجمهوري. ووجدا قواسم مشتركة كثيرة ضد الرئيس الديمقراطي، باراك أوباما، فطال اللقاء بينهما.

لكن ذلك لم يمنع نتنياهو من أن يبدو مزهواً ودخل على يوسيف مرتاحاً، يرتدي بدلة فخمة جداً والماكياج يغطي سحنته وابتسامة عريضة على محياه. وكان يوسيف غارقاً في قراءة التوراة ولم يكترث بالضيف في تلك الساعة المتأخرة منتصف الليل. وتسبب ذلك بالحرج للوزير يشاي ووزير آخر من الحزب رافق نتنياهو، ولفتا نظر الحاخام يوسيف إلى أن «رئيس الحكومة موجود هنا». فطلب منه نتنياهو ألا يتدخل. وقال «أنا أستمتع وأنا أرى قداسة الحاخام وهو يقرأ التوراة بهذه المحبة». وعندما تفرغ له يوسيف، باشر نتنياهو الحديث بشيء من النفاق، قائلاً، إن ابنته البكر أصبحت متدينة وتعتمر منديلاً يغطي رأسها مثل النساء اللواتي شاهدتهن هنا» (مع العلم بأن نتنياهو يقاطع ابنته هذه ولا تظهر في المناسبات العائلية).

وتشير مزال معلم، إلى أن نتنياهو كان مبتهجاً لأنه أنجز صفقة تبادل الأسرى مع «حماس»، والتي تم خلالها إطلاق سراح الجندي غلعاد شليط مقابل إطلاق سراح أكثر من 1000 أسير فلسطيني. واعتبر الصفقة نتاجاً للشراكة بينه وبين حزب شاس الذي أيده فيها. بل إن عوفاديا يوسف، استهل لقاءه بتوجيهه الشكر لنتنياهو على تنفيذ الصفقة. لذلك؛ تصرف نتنياهو بثقة بالغة بالنفس فطلب إغلاق الكاميرات في المنزل وخروج جميع مرافقيه من الغرفة.

وراح نتنياهو يتحدث إلى الحاخام يوسف، عن الموضوع الأساسي الذي جاء من أجله، فقال «شعب إسرائيل يواجه تهديدات خطيرة. وجئت إليك لأننا في فترة حاسمة.

ومن الجائز أن نتخذ خلال أيام قراراً بمهاجمة إيران. كل التقارير التي أعدت في أجهزة المخابرات تشير إلى أننا نقترب من نقطة اللاعودة. إن إيران هذه التي تهددنا هي نفسها التي حاولت في التاريخ القديم القضاء على شعب إسرائيل (بحسب الرواية التوراتية).

لقد حدثت محرقة واحدة في التاريخ، ولن أسمح بتكرارها، ولن أضع مصيرنا بأيدي العالم. وقريباً سيصبح الهجوم متأخراً».

ولكن يوسيف فاجأ نتنياهو بسؤال «وماذا يقول الأميركيون؟». واتضح أن هذا السؤال لم يأت صدفة؛ إذ إن الحاخام يقيم علاقات جيدة مع السفير الأميركي الجديد، دان شابيرو، وهو شاب يهودي يتكلم العبرية وكان على علاقة مع حزب شاس أيضاً قبل تعيينه. أجاب نتنياهو «لا يمكننا الاعتماد على العالم». وعندها سأله الحاخام «ألا يمكن الانتظار»، فأجاب نتنياهو «طائراتنا قادرة على ضرب المنشآت النووية بشكل يعرقل البرنامج لسنوات عديدة. ونحن في حاجة إلى الوقت. وإذا لم نعمل قريباً سيكون الوقت متأخراً. وأنا أفضل أن يشن الأميركيون الهجوم، لكن في هذه الأثناء علينا الاستعداد للقيام بذلك بمفردنا».

تقول معلم، إن نتنياهو فوجئ من أسئلة الحاخام الذي سأل أيضاً عن موقف رئيس أركان الجيش السابق ووزير الشؤون الاستراتيجية، موشيه يعالون، المقرب منه. فوعده نتنياهو بأن «يعالون سيأتي إليك اليوم أو غداً. وسأهتم بذلك شخصياً»، رغم أنه يعلم بمعارضة يعالون لهجوم إسرائيلي مستقل، لكنه كان مدركاً أنه لن يستطيع منع لقاء كهذا وأنه يستطيع إقناع يعلون بضرورة وحيوية الهجوم.

معارضة الجنرالات

وتضيف الكاتبة، أن فشل نتنياهو في مهمته عند الحاخام الذي رفض أن يكون «ختماً مطاطياً» لهجوم كهذا، وعاد وكرر رفضه عندما تحدث إليه نتنياهو مرات عدة حول الموضوع، كان مفتاحاً للفشل مع آخرين. فقد عارض الهجوم أيضاً كل من رئيس أركان الجيش، غابي أشكنازي، ورئيس الموساد (المخابرات الخارجية)، مئير داغان، ورئيس الشاباك (المخابرات العامة)، يوفال ديسكين، قبل أنت تنتهي ولاياتهم في النصف الأول من العام 2011، واصفين فكرة مهاجمة إيران بأنها «مسيانية»، أي شيء من الخيال الديني. وبدا أن رحيل الثلاثة سيزيل عقبات رئيسية أمام اتخاذ القرار بالهجوم. فقد اعتبر نتنياهو وباراك، أن من سيخلفون الجنرالات من الجدد، أي رئيس أركان الجيش، بيني غانتس، ورئيس الموساد، تمير باردو، ورئيس الشاباك، يورام كوهين، أسهل على الإقناع، وأن المهمة الأساسية باتت إقناع أغلبية بين الوزراء. لكن نتنياهو وباراك فوجئا بشدة معارضة الوزير إيلي يشاي، من شاس، وكان مدعوماً داخل «الثمانية» من الوزراء يعالون ودان مريدور وبيني بيغن.

كذلك، وضع رئيس الدولة، شمعون بيرس، والسفير الأميركي شابيرو، كل ثقلهم من أجل أن يواصل يشاي معارضته؛ ولذلك قرر نتنياهو وباراك التقرب من الحاخام يوسيف، وزيارة نتنياهو الليلية لمنزل الحاخام، وبعدها تم تنسيق لقاء بين يعالون والحاخام. وعندما أدرك نتنياهو أن الرئيس الأميركي، باراك أوباما، يرفض الهجوم بشدة ويعتبره مساساً بالعلاقات بين البلدين، سعى نتنياهو إلى الحصول على تأييد سياسيين أميركيين من الحزب الجمهوري، على الرغم عن إدراكه أن هذا تدخلا في الانتخابات الأميركية. وفي الوقت الذي كان فيه أوباما يستعد لانتخابات الرئاسة وولاية ثانية، استقبل نتنياهو في إسرائيل منافسه الجمهوري، ميت رومني، بحفاوة بالغة.

وتقول معلم، إن يعالون كان ينفر من باراك ويعتقد أنه «مضلل». كذلك رفض تقبل مكانة باراك المرموقة لدى نتنياهو. وكان مقتنعاً بأن باراك تحركه مصلحة سياسية للبقاء في منصبه. أما رئيس الموساد، مئير داغان للحاخام، فقد قال للحاخام، إنه «لا ينبغي أن نهاجم إسرائيل الآن. ولسنا في هذا الوضع الآن. وإيهود باراك يدفع الجميع بقوة كي يؤيدوا الهجوم وأنا أشك بدوافعه ولم أقتنع. وهو خبيث جداً ولا يفصح عن كل شيء. ولا أشعر أن بإمكاني الاعتماد عليه. وقلت ذلك لإيلي (يشاي) أيضاً، وهو يعلم بموقفي».

ويكشف الكتاب عن أنه «خلال اجتماع حاسم حول الهجوم في إيران، وهو الأول من نوعه، عارض أشكنازي الأمر، وقال إن الجيش الإسرائيلي لا يملك قدرة عسكرية لتنفيذه. وحضر إلى منزل المستشار القضائي للحكومة، يهودا فاينشتاين، وحذر من أن الهجوم قد يؤدي إلى حرب؛ ولذلك يجب أن تصادق الحكومة عليها وليس هيئة مصغرة. ولاحقاً، قال رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، عاموس يدلين، لأشكنازي «أنت تعلم أنهما (نتنياهو وباراك) غير قادرين على تنفيذ ذلك».

ريس الدولة ينضم

ويقول الكتاب، إن الرئيس بيرس، تولى حينها مسؤولية تركيز الجهود من أجل لجم نتنياهو وباراك، وإن نتنياهو تكلم مع رئيس الدولة بلهجة تهديد، قائلاً له «تذكّر أن كل شيء يصل إليّ». وقال أحد مستشاري بيرس، إن «نتنياهو قصد أن بيرس يتآمر عليه مع قادة جهاز الأمن والأميركيين. وهذا صحيح طبعاً. فقد تحدث داغان وأشكنازي وديسكين معه كثيراً بادعاء أنهم يتخوفون من هجوم يؤدي إلى حرب كبيرة ودمار العلاقات مع الولايات المتحدة».

وأبلغ بيرس نتنياهو بمعارضته للهجوم، خلال لقاء بينهما في يونيو (حزيران) العام 2012. وخلال اجتماع بمشاركة القيادة السياسية والأمنية في ديوان بيرس، منتصف أغسطس (آب) ، لمح نتنياهو وباراك إلى أن الجيش جاهز لتنفيذ الهجوم. وبعدها، بادر بيرس إلى مقابلة تلفزيونية مع القناة الثانية (القناة 12 حالياً)، شدد خلالها على أن «إسرائيل لا يمكنها أن تهاجم إيران وحدها».

وكان مستشار الأمن القومي الأميركي، توم دونيلون، قد وصل إلى إسرائيل، منتصف يوليو (تموز) 2012، قبيل انتخابات الرئاسة الأميركية، ووجه تهديداً واضحاً لنتنياهو وباراك، عندما قال لهما، إنه «إذا هاجمتم إيران، فسوف نفسر ذلك كتدخل في الانتخابات والإطاحة برئيس الولايات المتحدة». ولاحقاً، زارت إسرائيل وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، في هذا الاتجاه، وفي موازاة ذلك، وصل إلى إسرائيل المرشح الجمهوري ميت رومني.

في النهاية، تراجع باراك وفك الشراكة مع نتنياهو في هذه الخطة، ثم زار الولايات المتحدة لإجراء محادثات مع مسؤولين أميركيين، لكنه لم يطلع نتنياهو على لقائه مع رئيس بلدية شيكاغو، رام عمانوئيل، المقرب من أوباما. كما أقصى باراك، سفير إسرائيل في واشنطن المقرب من نتنياهو، مايكل أورن، عن هذا اللقاء وعن لقائه مع مستشار الأمن القومي الأميركي دونيلون.

وفي شهر سبتمبر (أيلول)، تحدث في منابر عدة عن تحفظه على هجوم ضد إيران، وقال في أحد خطاباته، إن «مسؤولية القيادة السياسية هي إبعاد الحروب، وشنّها يجب أن يكون بعد استنفاد الإمكانات كافة». واستشاط نتنياهو غضباً بعدما علم بلقاءات باراك، وقال إن «إيهود باعني لأوباما. لا أريد أن أسمع شيئاً عنه».


اسرائيل أخبار إسرائيل

اختيارات المحرر

فيديو