سقراط معاصرُنا

إنّ حياة لا نُخْضِعُها للمساءلة ليست بالحياة التي تستحق عبء عيشها

روزفلت مونتاس
روزفلت مونتاس
TT

سقراط معاصرُنا

روزفلت مونتاس
روزفلت مونتاس

أظنُّ أن أغلب القرّاء الشغوفين، وبخاصة من محبّي أعمال الراحل جبرا إبراهيم جبرا، يتذكّرون ذلك العمل الذي ترجمه جبرا في سبعينيات القرن الماضي ونشره بعنوان (شكسبير معاصرُنا Shakespeare Our Contemporary). لايُقرَأ الكتاب من عنوانه دوماً؛ بل من الخطأ الجسيم الحدسُ بمضمون أي كتاب من خلال عنوانه فحسب. لم يكن الأمر هكذا مع ترجمة جبرا لكتاب المؤلف البولندي يان كوت؛ إذ جاء العنوان ليمثل شاهدة مباشرة لما سيقرأه المرء في متن الكتاب: ليس شكسبير ذاك الذي مثّل شاهداً لعصره فحسب، بل يمكن أن يكون ضوءاً كاشفاً لعصرنا متى ما عرفنا الكيفية المناسبة لاستنطاقه في إطار فعالية دؤوبة نستطيع بمقتضاها جعل شكسبير عيناً إضافية لنا تعيننا في فهم عالمنا بطريقة تبدو معاصرة إلى حدّ يكاد معه المرء يظنُّ أن شكسبير هو أحد عظام المفكّرين في المعضلات الوجودية لعصرنا. يمثلُ شكسبير بموجب هذه الرؤية نمطاً من «الوعي الكوني»Cosmic Consciousness العابر لحدود الزمان والمكان والبيئات المحلية. كلّ العقول العظيمة تتماهى مع هذه الخصيصة الشكسبيرية.

ليس بوسع المرء سوى الشعور بالأسف وهو يشهدُ نكوصاً متعاظماً في أقسام الإنسانيات في الجامعات العالمية لأسباب عديدة منها نقص التمويل وضغوطات سوق العمل والفكرة الموغلة في البراغماتية تجاه التعليم الجامعي، والتي ترى فيه معبراً لحياة مسترخية من الناحية المالية. ربما يرى المدافعون عن أولوية التعليم المهني والعلمي المحض (الذي تختصره مفردة STEM التي تعني حقول العلم والتقنية والهندسة والرياضيات) في أنّ الإنسانيات لا تخلق الثروة ولا تسهم في تعزيز القدرة الاستراتيجية للدول. تلك رؤية قاصرة ولا تدعمها شواهد مختبرة من واقع الحياة؛ فقد أبانت دراسات بحثية عديدة خطل هذه الرؤية وتهافتها. إنّ من يمتلك ذائقة فلسفية وحساً أدبياً وقراءة تاريخية وسوسيولوجية سيتوفرُ على مهارات من شأنها أن تجعله أكثر قدرة في عمله العلمي والتقني. لم تغفل كبريات الجامعات العالمية هذه الحقيقة فراحت تطعّمُ التعليم العلمي والهندسي ببرامج دراسية في الإنسانيات والفلسفة عبر الدراسات المزدوجة Dual Majors، أذكرُ منها على سبيل المثال: برنامج الرياضيات والفلسفة أو الفيزياء والفلسفة أو علم الحاسوب والفلسفة في جامعتي أكسفورد وكامبردج.
يتناولُ هذه الموضوعة روزفلت مونتاس Roosevelt Montás، الأستاذ المحاضر في قسم الدراسات الأميركية والإنجليزية بجامعة كولومبيا الأميركية العريقة، ومدير برنامج الحرية والمواطنة التابع لقسم الدراسات الأميركية بالجامعة ذاتها. ألّف مونتاس بهذا الشأن كتاباً اختار له عنوان «إنقاذ سقراط: كيف غيّرت الكتب العظيمة حياتي»، ولماذا هي مهمّة لجيل جديد Rescuing Socrates: How the Great Books Changed My Life and Why They Matter for a New Generation. نُشِرَ الكتاب عام 2021 عن دار نشر جامعة برينستون.
يبدأ مونتاس كتابه بمقدّمة عنوانها (الحالة The Case) في تذكير لنا بالأدبيات الطبية الإكلينيكية التي تركّزُ على دراسة حالات مرضية منتخبة لفرادتها أو ندرتها. يجعل مونتاس من ذاته ميداناً لدراسة الحالة المقصودة؛ فيسردُ لنا كيف ساهمت دراسة الإنسانيات في إحداث انعطافة كبرى في حياته، وهو يرى أنّ هذه الانعطافة يمكن أن تحدث لكثيرين سواه. يتناول مونتاس في الفصل الأول تاريخ اكتشافه للقديس أوغسطين، وفي الفصل الثاني الذي عنونه (الحياة الممتَحَنة The Examined Life) يتناول الفلاسفة العظماء: سقراط وأفلاطون (والقليل من أرسطو!!). ينقلبُ مونتاس في الفصل الثالث عن السياق الذي بدأ به الكتاب؛ إذ يقفز عبر القرون نحو فرويد وكيفية تحقيق السلام مع اللاوعي، ثم يتناول في الفصل الرابع موضوع الحقيقة من وجهة نظر غاندي. يختتم مونتاس كتابه بحصيلة استنتاجية يقدّمُ فيها خلاصات لكيفية تعزيز أهمية الكتب العظيمة والمفكّرين العظام في حياة الأفراد كما في الأقسام الأكاديمية الجامعية على اختلاف تخصصاتها.
يكتب مونتاس، وبطريقة مؤثرة، عن معرفته الأولى بسقراط:
«في تلك المجموعة من حوارات أفلاطون التي أنقذتها في ليلة شتائية من تلّ القمامة القائم قريباً من منزلنا في ضاحية كوينز في نيويورك، قابلتُ - عبر القراءة وحدها - رجلاً عجوزاً يعيشُ أيامه الأخيرة، يدعى سقراط، كان يجتهدُ في الدفاع عن نفسه تجاه اتهامات بإفساد الشباب. اعترض سقراط (كما قرأت في تلك المحاورات) على تلك الاتهامات الباطلة، وراح يخاطب مواطنيه الأثينيين:
يا رجال أثينا... أشعرُ بالامتنان، وأنا صديق لكم؛ لكن برغم ذلك، وطالما كانت في قدرة على تنسّم الهواء فلن أنكفئ عن الاشتغال في الفلسفة وحضّكم على التفكّر والمساءلة... (وهنا يسألهم): ألا تشعرون بالخجل من أنفسكم وجشعكم في تملّك كلّ ما تستطيعون بلوغه من غنى وصيت وأوسمة نصر ونياشين فخار في الوقت الذي لم تكلّفوا فيه أنفسكم عناء التفكّر - ولو بفكرة عابرة - في الحكمة أو الحقيقة، أو في الحالة الفضلى الممكنة التي يمكن أن تكون عليها أرواحكم؟
في نهاية تلك المجموعة الحوارية نجد سقراط نزيل السجن في اليوم الموعود لإعدامه، ثم نشهده يتناول السم «بهدوء ويُسر»، ويضطجعُ محتضراً حتى يغادر الحياة. «هكذا كانت نهاية حياة رفيقنا»: هذا ما يقوله السارد في تلك الحوارات، ثم يضيف: «الرجل الذي سنقول عنه إنه كان الرجل الأكثر علماً بين كلّ من عرفنا، والأكثر حكمة واستقامة». يعلّق مونتاس هنا:
«لم تكن لي حاجة حينها، وأنا أقرأ تلك الكلمات، لأن أكون غنياً أو ذا حظوة كبيرة وميزات ثقافية رفيعة لكي أجد في تلك الكلمات شيئاً كأنه كان يخاطبُ أعمق إحساساتي الشخصية. لم أكن في حاجة كذلك لأن أكون أبيض اللون أو أوروبياً لكي تصيبني الدهشة وأنا أقرأ كلمات سقراط الحكيمة (إنّ حياة لا نُخْضِعُها للمساءلة ليست بالحياة التي تستحق عبء عيشها)».
ليس المرء في حاجة لأن يفترض ماهية ميتافيزيقية للطبيعة البشرية لأجل إدراك أنّ كلّ البشر يتشاركون خصائص أساسية متماثلة: ابتداءً من التنظيم البيولوجي المتخصص حتى المعمارية الجينية المتخصصة، ومن أشكال محدّدة من الإدراك حتى حالة العيش الوجودية التي ندرك فيها جميعاً حقيقة الموت الذي يمثل الخاتمة الطبيعية لوجودنا البشري. من المثير للملاحظة والدراسة أننا يمكن أن نستمرئ متعة إلى أقصى الحدود المتصورة من الحقيقة الخارقة للطبيعة والتي مفادها أنّ الأعمال العظيمة في الأدب والفن يمكن أن تمسك بالخواص المشتركة في تجربتنا الإنسانية عبر وسائط وأساليب أبعد ما تكون عن الخصيصة التشاركية؛ أي بمعنى أنّ قراءتنا لهذه الأعمال العظيمة المندرجة في المعتمد الأدبي ستتلوّنُ بحسب رؤيتنا الفردية ومديات تجاربنا الشخصية، وهي أبعد ما تكون عن التجربة النمطية الجمعية.
يكتب مونتاس حول تجربته الجامعية في تدريس الإنسانيات:
«عندما شرعتُ بتدريس مادة (كتب عظيمة The Great Books) لطلبة الدراسات الإنسانية الأولية بجامعة كولومبيا فإنني في الغالب أسألُ الطلبة المسجّلين على المنهج الدراسي لهذه المادة السؤال التالي: عندما تبدأ الشيخوخة والموت بالزحف إليك، ما الذي يجب فعله؟ أعلَمَني هؤلاء الطلبة أنّ هذا السؤال ظلّ يرنّ في عقولهم لسنوات طويلة بعد تخرجهم وانغماسهم في مشاغل مهنية متنوعة المشارب. صحيحٌ أنّ هؤلاء الشباب يأتون للجامعة مدفوعين بدافع تحسين فرص توظيفهم وحيازة مهارات يمكن لهم معها الحصولُ على ميزات تنافسية في سوق محكومة باعتبارات تجارية ومالية محتدمة؛ لكنهم يدخلون الجامعة في غمرة معضلات وجودية تجتاحهم بطريقة عنيفة، وهم يتطلعون لا إلى الحصول على وظائف مرموقة مالياً فحسب، بل إلى إعادة تكييف حيواتهم أيضاً وجعلها أكثر تناغماً مع الحقائق الصارخة للوجود البشري بكلّ تعقيداته وتناقضاته وإشكالياته».
التعليم الحر Liberal Education، وبخاصة تعليم الإنسانيات، مقاربة في التعليم تكشفُ أساس حالتنا الوجودية، وهي تتناول - بكلّ جدية ممكنة - فكرة المساءلة العقلانية للمعضلات الأساسية في وجودنا البشري، وأنّ هذه المساءلة مسعى يستحقّ كل الأعباء المترتبة عليه لكلّ فرد في المجموع البشري. ربما ليس من وسيلة أقوى لتحقيق هذه المساءلة من المناقشات المفتوحة في جماعات صغيرة من القرّاء أو طلبة الجامعات المكرّسين، هؤلاء الذين يجدون لذة لا تقاومُ في قراءة الأعمال الأدبية والفلسفية العظيمة التي لم تزل لها مفاعيلها المؤثرة في تشكيل حياتنا وثقافتنا المعاصرتين.


مقالات ذات صلة

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

كتب هما كاتوزيان

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية...

ندى حطيط
كتب معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا

رشا أحمد (القاهرة)
كتب رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة...

ندى حطيط
كتب محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري

ميرزا الخويلدي (الدمام)

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان
TT

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية التي انتهت إلى ثورة عام 1979 عبر منظور يربط بين هشاشة البنى المؤسسية والنزوع السلطوي المتعاقب، متجاوزاً الطرح الاختزالي الذي يرى في أحداث تلك الحقبة مجرد صعود فجائي للتيار الديني، ليُقدِّم بدلاً من ذلك أطروحةً سوسيولوجيةً ونفسيةً معقدةً تبحث في جذور الانقطاع التاريخي والمفهوم المثير للجدل الذي يسميه «المجتمع قصير المدى».

تُستمَد القوة النظرية للكتاب من التقاطه الأوهام البنيوية المشتركة بين الأنظمة الشمولية المختلفة، مبيناً كيف تلتقي راديكالية الدولة مع الراديكالية الآيديولوجية المعارضة في نقطة إنكار الواقع المجتمعي، ومبرزاً التناقض الجوهري بين رغبة السلطات المتعاقبة في الضبط المطلق، ونزوع المجتمع الطبيعي نحو التَّعدُّد والتشظي خارج أطر التوجيه القسري.

يتتبع كاتوزيان بكفاءة عالية، وعبر لغة تجمع بين التجريد الفلسفي والتوثيق التاريخي، فترات التَّحوُّل الكبرى في التاريخ الإيراني الحديث بدءاً من سقوط رضا شاه عام 1941، مروراً بالانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953، وصولاً إلى اللحظة الشمولية - المستمرة - التي توجت أحداث السبعينات.

وفي تفكيكه لـ«الثورة البيضاء» التي قادها الشاه محمد رضا بهلوي، يُحدِّد المفارقة في أنَّ التحديث المادي المفروض من الأعلى، والمتمثِّل في شَقِّ الطرق وبناء الجامعات وتطوير الجيش، واكبه تجريفٌ كاملٌ للمؤسسات السياسية القادرة على استيعاب التعددية، وهضم قنوات التعبير الشرعية.

ينكشف للمتأمل في فصول الكتاب منطق التفسير الفلسفي لظاهرة الاستبداد، حيث يؤصل لفكرة أنَّ السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها السريع بفعل العزلة النفسية التي تفرضها على الحاكم، ويصف كيف أدَّى سلوك الدولة البهلوية القائم على التسيير الأحادي والاعتماد على جهاز «السافاك» إلى نشوء قطيعة شعورية ونفسية هائلة بين الحكم والناس، لدرجة جعلت المجتمع يرفض الاعتراف بأي منجز مادي تُقدِّمه له السلطة.

يتيح هذا المنظور للقارئ فهم الثورة في 1979 بوصفها انفجاراً مجتمعياً شاملاً شاركت فيه القوى الليبرالية واليسارية والقومية جنباً إلى جنب مع رجال الدين، حيث توحَّدت هذه الأطياف المتناقضة على هدف هدم البنية القائمة، غافلة في الوقت ذاته عن طبيعة البديل المقبل ومآلات التمرُّد الأعزل عن الوعي المؤسسي.

يتجلى عمق التحليل عند مناقشة التداعيات الدولية والإقليمية التي أعقبت لحظة التحول الشاملة، خصوصاً حادثة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية التي يصفها المؤلف بالحدث الكارثي الذي دفع بالبلاد نحو عزلة دولية خانقة وعزَّز من قبضة الراديكالية الدينية في الداخل، ويوثق الكيفية التي استغلت بها السلطة الجديدة هذا المناخ الاستثنائي، مضافاً إليه ظرف الحرب الطويلة مع العراق، لفرض عملية أسلمة قسرية وشاملة للحياة العامة وتطهير المؤسسات من العناصر غير المتماهية مع الآيديولوجيا الرسمية.

هذه القراءة الفلسفية لطبيعة السلطة الثورية تكشف كيف يتحوَّل التمرد على الطغيان، في غياب أطر قانونية راسخة، إلى صياغة طغيان جديد يستعير أدوات القمع السابقة ويغلفها بقداسة غيبية، ما يؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج الاستبداد بمسوغات ميتافيزيقية أشد وطأة على الوعي الفردي والجمعي.

تتبدى في المقابل جوانب ضعف منهجية واضحة تحد من قدرة هذا العمل على تقديم دليل موضوعي مطلق لفهم الراهن الإيراني. إذ يسقط المؤلف في فخ الانحياز الفكري المسبق عند معالجته السياسة الخارجية المعاصرة للجمهورية الإسلامية، حيث يتجلى في ثنايا تحليله ميل لتحميل القوى الخارجية المسؤولية الكاملة عن تعثر المساعي الدبلوماسية وأزمات الشرق الأوسط، مغفلاً الدور البنيوي للآيديولوجيا التوسعية للنظام نفسه. هذا الخلل في التوازن التحليلي يضعف من رصانة الأطروحة الفلسفية حول المسؤولية السياسية والمجتمعية، ويجعل القراءة السياسية للأحداث الأخيرة تبدو مفتقرة إلى الحياد الأكاديمي الصارم، متغافلة عن حقيقة أن التطرف يغذي بعضه بعضاً في حلقة مفرغة من العنف المتبادل والصراع على مجالات النفوذ الحيوي.

يؤخذ على الكتاب كذلك وقوعه في التعميم التاريخي المفرط من خلال تمديد مفهوم «المجتمع قصير المدى» - وهي النظرية التي يستخدمها المؤلف لوصف تكرار هدم البناء المؤسسي بالكامل، ثم إعادة تشييده من جديد على نحو يمنع تراكم الإنجاز القومي - ليشمل فترات التحول الكبرى كافة في إیران. وبينما يبدو هذا المفهوم فلسفياً وجذاباً من الناحية النظرية، فإنَّه يتناسى الخصائص الفريدة والتعقيدات السوسيولوجية التي ميَّزت كل حقبة على حدة، كاختلاف الديناميات بين الثورة الدستورية الإيرانية عام 1906 وثورة 1979. يضاف إلى ذلك اختزال دور الثقافة الشيعية العميقة التي شكلت الوجدان الشعبي الثائر، والتركيز الزائد على سردية المجموعات السياسية الهامشية بدلاً من تشريح اللحظة الثورية ذاتها.

مع ذلك، كتاب كاتوزيان وثيقة فكرية بالغة الأهمية تحفز على التفكير النقدي في مصائر الأمم التي تعيش تحت وطأة التجاذب بين التحديث السطحي والأصالة المنغلقة، وبين المطرقة والسندان في صراع الآيديولوجيات المتطرفة.

وينجح العمل في إثبات أنَّ الشرعية السياسية قيمة معنوية تولد من رحم العقد الاجتماعي الحقيقي، ويستحيل تصنيعها عبر القوة العسكرية أو فرضها بواسطة الأجهزة الأمنية. لذلك فالإضافة الأساس لهذي المراجعة التاريخية تكمن في التذكير بأن الصراع المستمر في إيران، والذي يتجسد في الاحتجاجات الشعبية المتكررة وحركات الرفض المتصاعدة، هو في جوهره كفاح طويل من أجل استعادة المجتمع صوته الذاتي، وإجبار الدولة على الخضوع لمنطق المساءلة الإنسانية والقانونية، بعيداً عن أوهام الخلاص الثوري الزائف.


معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر
TT

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا، كما أمر بإطلاق سراح نحو 500 من العبيد الذين أسرهم أحمد باشا أبو ودان، حكمدار السودان، وأمر بإنشاء مستعمرة زراعية على النيل الأزرق لإيجاد عمل مناسب لمن لم يستطع من هؤلاء العبيد العودة إلى بلاده الأصلية.

هذا ما يرصده الباحث ناجي غابة في كتابه «الرق ومقاومته في مصر في القرن التاسع عشر»، الصادر عن «دار العربي» في القاهرة، إلا أنه يذكر أنه من الواضح أن «الباشا» لم يقتنع على الإطلاق بإلغاء تجارة الرقيق لما سوف ينتج عن ذلك من مشكلات لمشروعه التنموي، وسيُحرم من مورد مالي مهم يتمثل في الجمارك المفروضة على العبيد المجلوبين من السودان.

ومع وصول سعيد باشا للسلطة في مصر عام 1853، تبدلت الأمور، حيث يعتبر سعيد أول حاكم مصري يفرض حظراً جاداً على هذه التجارة، إذ أصدر أمراً إلى المفتش العام للوجه القبلي في ديسمبر (كانون الأول) 1854 بمنع دخول العبيد إلى مصر من السودان، كما صدرت أوامر أخرى مشابهة إلى كثير من المديريات والمحافظات، وكذلك إلى جمرك أسوان وإلى ديوان المالية.

نصت هذه الأوامر على إعادة من يرد إلى مصر من السودانيين بغرض البيع ذكوراً أو إناثاً إلى بلادهم مع تدشين ما سُمي بالبوليس النهري في السودان للتأكد من خلو السفن من الرقيق المجلوبين لمصر وإنشاء نقطة تفتيش عند «فاشودة» كانت مهمتها تفتيش كل المراكب الآتية إلى النيل الأبيض والاستيلاء على أي رقيق مهرب.

لم تهتم إنجلترا على المستويين الرسمي والشعبي بالموضوع، حيث كانت مشغولة بقضية إلغاء الرق في أميركا التي كانت تمر بمرحلة حرجة وحاسمة في تلك الفترة. أما السلطان العثماني فقد بدأ من جانبه فرض حظر على هذه التجارة في فبراير (شباط) 1857، وعلى أثرها أرسل فرماناً لسعيد باشا يعلمه بوجوب إلغاء هذه التجارة، ومنعها منعاً مطلقاً، وتنفيذ ذلك خلال مهلة أقصاها ستة أسابيع، وأنه بعد انقضاء هذه المهلة فإن الرقيق المجلوب إلى مصر يطلق سراحه ويعاد لبلاده.

وأوضح أنه إذا قام «الجلاب» بإحضار رقيق مرة ثانية يعاقب بالسجن لمدة سنة، وإذا تكرر منه ذلك تُرفع العقوبة إلى الحبس لمدة سنتين. ومنح هذا الفرمان حق سفن الأسطول الحربي العثماني ضبط السفن وتفتيشها وعتق من فيها من الأرقاء وإرسال التجار إلى الآستانة لمحاكمتهم هناك.

تقدم الكثير من التجار بشكاوى للوالي مفادها أن معيشتهم كانت قائمة على هذه التجارة، وأن هذا سوف يعرضهم لخسائر كبيرة.

وحين تبوأ الخديو إسماعيل الولاية انضم إلى حركة العاملين على تحرير الرقيق، كما حدث مع الرئيس الأميركي إبراهام لينكولن، فبذل جهوداً مكثفةً في هذا المجال بدأها في العام الذي تولى فيه الحكم فأرسل إلى حكمدار السودان حمدي باشا يأمره بتعقب تجار الرقيق لقطع دابرهم، فصدع الحكمدار للأمر وكانت النتيجة ضبط 70 سفينة محملة بالأرقاء الذين تم إطلاق سراحهم وإعادتهم لبلادهم، واعتقال التجار الذين لم يفرج عنهم إلا بعد أن أقروا بعدم العودة للنخاسة مرة ثانية.

حتى ذلك الوقت، لم يكن هناك قانون يعاقب التجار الذين يتم ضبطهم بالرقيق، حيث كان يكتفى بمصادرة ما معهم من العبيد، وفي عام 1864 صدرت أولى العقوبات تجاه «الجلابة»، وهي السجن لمدة شهرين حال ضبطهم بأي رقيق وارد لمصر. ووقعت العقوبة على ستة من «الجلابة» الذين تم ضبطهم بمنطقة «أثر النبي»، جنوب القاهرة، بينما ارتفعت العقوبة لستة أشهر لرجال الإدارة المتهاونين في محاربة تجارة الرقيق.

وفي عام 1877 أجريت مفاوضات شاقة ومضنية بين مصر وإنجلترا، حيث أرادت الأخيرة توسيع نفوذها في أفريقيا، خصوصاً في المناطق الجديدة التي سيطر عليها إسماعيل، بينما أردات مصر كسب اعتراف إنجلترا بحقوق السيادة المصرية على ساحل بلاد الصومال حتى نهر جوبا جنوباً. وفي أعقاب موافقة إنجلترا في مارس (آذار) 1877 على أن تشمل السيادة المصرية ساحل الصومال، تم عقد معاهدتين؛ إحداهما في 4 أغسطس (آب) 1877 خاصة بالتعاون بين الطرفين في محاربة تجارة الرقيق.

وافق الخديو إسماعيل على عقد المعاهدة برغم التعنت الشديد من قبل رجال الدين في مصر، فقد عارضه في ذلك مفتي الديار بزعم أن الاتفاقية مخالفة للشريعة، ولكن إسماعيل لم يأبه باعتراضه بل عزله من منصبه.

وفي يونيو (حزيران) 1880 أنشأ الخديو توفيق «مصلحة إلغاء الرق»، وعُين لرئاستها الكونت ديلا سالا الذي اشتُهر بحماسته في محاربة هذه التجارة وكان أحد كبار الضباط الكبار في حرب المكسيك، كما ابتكر خططاً فعالة لمحاربة قوافل الرقيق التي توقفت معظمها بسب إجراءاته القوية.

أما في فترة الثورة العرابية، فقد شن قادة الثورة حملة ضارية ضد تجار الرقيق، وقد أعلن عرابي أنه «ليس في مصر من يود أن يكون له عبيد غير أمراء بيت الخديو والباشوات الأتراك الذين تعودوا على استعباد المصريين، وأن الإصلاحات الجديدة سوف توجد المساواة بين الناس مهما اختلفوا في الجنس واللون والدين».

واتخذت الحكومة الثورية عدة خطوات عملية في هذا المجال بدأت بحملة جماهيرية تزعمها عبد الله النديم بهدف تكوين جمعية سميت بـ«جمعية الأحرار السودانيين» كان هدفها مساعدة الأرقاء المحررين وتقديم المعونات لهم.

بعد أشهر قليلة من تولي عباس حلمي الحكم، وافق على إنشاء بعض المراكز لمتابعة حركة تجارة الرقيق لتكون بمثابة نقاط حراسة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وبلغت تكاليف إنشائها 600 جنيه مصري، وتم تكليف البكباشي لوتون الإنجليزي الجنسية لقيادتها، كما أصدر في 20 مايو (أيار) 1892 أمراً بإبطال استخدام الرقيق في المقاهي والمحلات العمومية مراعاة للآداب العامة.

وتعتبر معاهدة 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1895 مكملة للمعاهدة السابقة، حيث لا تختلف عنها كثيراً، وتزيد فقط في أنها نصت على منع التجارة في جميع أنواع الرقيق، بما في ذلك المماليك والجواري البيض، كما أضيف إليها ملحق يتعلق بالإجراءات التفصيلية المختصة بتجارة الرقيق، سواء البائعين أو المشترين.

وفي 21 نوفمبر من العام نفسه، صدرت مذكرة تفسيرية يتضح منها تشديد العقوبة على جالبي الرقيق إلى مدة تتراوح ما بين خمسة أشهر وخمس سنوات.

نتيجة لهذه القوانين الصارمة ونشاط رجال مصلحة منع تجارة الرقيق، انحصرت تجارة الرقيق في مصر، ولم يتبق منها سوى آثار قليلة في السودان، ولذلك احتوت اتفاقية «الوفاق للسودان» الموقعة بين مصر وبريطانيا في 19 يناير (كانون الثاني) 1899 على مادة نصت على منع تجارة الرقيق بالسودان وإزالة ما تبقى من آثاره.


رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»
TT

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان الذي يبوح بقلقه وأحلامه، والإنسان الذي يرى في الحب شراكة فكر وحياة لا عاطفة عابرة.

الكتاب الصادر عام 2025 عن «دار كنعان» للدراسات والنشر في دمشق، في 512 صفحة، يفتح نافذة على جانب وجداني وفني من شخصية المخرج والممثل الراحل حاتم علي، الذي عرفه الجمهور من خلف الكاميرا بهندسته المتقنة للمشهد، وأمامها ممثلاً، فيما تكشف رسائله إلى الكاتبة السورية دلع الرحبي عن عالم حميم يتقاطع فيه الحب مع الفن، والسيرة الشخصية مع أسئلة المسرح والدراما والقضية.

وتقوم خصوصية الكتاب على أنه لا يقدم رسائل حب فقط، بل يرسم ملامح سيرة غير اعتيادية لفنان في بداياته، قبل أن يعرفه الجمهور مخرجاً لأعمال تركت أثراً عميقاً في الذاكرة السورية والعربية، ففي هذه الرسائل يظهر حاتم علي شاباً في مقتبل العمر، منشغلاً بتدريبات المسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية، يكتب إلى دلع الرحبي لا ليحكي تفاصيل يومه فحسب، بل ليشاركها خطواته الأولى في الطريق إلى الفن.

وتبدو دلع الرحبي في هذه الرسائل شريكة فكر وحلم، تتلقى الحب بعقل الكاتبة المثقفة وقلب العاشقة، وتتابع ما يصنع خلف الكواليس من قلق واجتهاد وطموح، ومن هنا يتحول البوح الشخصي إلى وثيقة وجدانية وفنية، تكشف عن كيف بدأ وعي حاتم علي يتشكل من المسرح، بوصفه «أبو الفنون»، قبل أن يصبح واحداً من أبرز صناع الدراما السورية.

كتب مقدمة الكتاب الفنان جمال سليمان، الصديق المقرب للعائلة، مشيراً إلى أن «الكتاب وثيقة ثقافية أدبية تحكي قصة حب استثنائية بين حاتم علي ودلع الرحبي، لا تتكون من فصل أو فصلين كما جرت العادة، بل من أربعة فصول، تعود إلى البدايات في المعهد العالي للفنون المسرحية وصولاً إلى مرحلة الزواج».

واعتبر سليمان أن الكتاب هو النقطة الأخيرة في مرحلة «أدب الرسائل» التي امتدت لمئات السنين، آخذاً القارئ في رحلة إلى زمن يمزج بين الشأن الشخصي والمسرحي والدرامي، عبر يوميات وثقها الراحل في رسائله».

تأخذ رسائل حاتم علي بعداً وجدانياً وفنياً؛ إذ يعبّر فيها عن حب روحي يتجاوز ومضات العاطفة السريعة، ليبدو أقرب إلى مشروع حياة قائم على المشاركة والثقة، وقد مزج فيها بين حساسية الفنان الشاب، ولغة المتأمل، ووعي المبدع الذي يدرك أن الفن لا ينفصل عن التجربة الإنسانية.

وتكتسب الرسائل أهميتها أيضاً لأنها كتبت بخط اليد، قبل أن تغزو وسائل الاتصال الحديثة علاقات الناس ومشاعرهم، لذلك تحمل صفحاتها متعة الانتظار، ورائحة الورق، ودفء اليد التي كتبت، في امتداد لسلسلة «أدب الرسائل» التي عرفتها الثقافة العربية، من رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة، ورسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، وغيرهما.

من خلال الرسائل، يمكن تلمس بدايات عقود من إبداع حاتم علي؛ إذ تبدو خشبة المسرح منطلقاً أول لصقل موهبته في الإخراج والتمثيل، وركيزة لصناعة مخرج قدّم لاحقاً أعمالاً درامية خالدة في الدراما السورية الاجتماعية، وعكست صورة العائلة بكل دفئها.

كما تحضر في الرسائل القضية الفلسطينية، متداخلة مع تأثر علي برسائل غسان كنفاني، ومعايشته لبيئة المخيمات الفلسطينية في دمشق، وهو ما يفسر الزخم الإنساني والفني الذي ظهر لاحقاً في إخراجه مسلسل «التغريبة الفلسطينية»، ذلك العمل الأيقوني الذي حمل ألم التهجير وضياع الهوية والحنين إلى الوطن، ونقل الوجدان العربي إلى مدن حيفا وعكا وذاكرة فلسطين.

صحيح أن الكتاب رسائل حب، لكنه في الوقت نفسه يسرد سيرة فنان من خطواته الأولى، قبل أن يعرف العالم ذلك المخرج المبدع، فهو يصور الاجتهاد والعمل والقلق والأحلام.