ريكاردو تيشي يودع «بيربري» بتشكيلة مستوحاة من الشاطئ البريطاني الممطر

الدار العريقة تُعلن دانييل لي مصمماً جديداً لها بعد يومين فقط من العرض

الشاطئ البريطاني بالنسبة له هو تحسب لكل أحوال الطقس - أخذ المعطف الممطر عدة أشكال في هذه التشكيلة - العارضة إيرين أوكنر وتصميم بالجينز
الشاطئ البريطاني بالنسبة له هو تحسب لكل أحوال الطقس - أخذ المعطف الممطر عدة أشكال في هذه التشكيلة - العارضة إيرين أوكنر وتصميم بالجينز
TT

ريكاردو تيشي يودع «بيربري» بتشكيلة مستوحاة من الشاطئ البريطاني الممطر

الشاطئ البريطاني بالنسبة له هو تحسب لكل أحوال الطقس - أخذ المعطف الممطر عدة أشكال في هذه التشكيلة - العارضة إيرين أوكنر وتصميم بالجينز
الشاطئ البريطاني بالنسبة له هو تحسب لكل أحوال الطقس - أخذ المعطف الممطر عدة أشكال في هذه التشكيلة - العارضة إيرين أوكنر وتصميم بالجينز

منذ أسبوع، استيقظ سكان بيرمندسي، الواقعة جنوب شرقي لندن، على حركة غير معهودة. مظاهر احتفالية أخرجتهم من بيوتهم المتواضعة ليتابعوا بانبهار ما يجري حولها: حرس بلباس أسود أنيق، سيارات فخمة تخترق شوارعهم وشخصيات مهمة تنزل منها في أبهى حلة. ما زاد من دهشتهم أن المكان الذي يتوقفون عنده ليس معلماً سياحياً أو تاريخياً. هو ببساطة مكتب بريد قديم اختارته دار «بيربري» لإقامة عرض تأجل لأكثر من أسبوع بسبب وفاة الملكة إليزابيث.


كان من الصعب تجاهل المعطف الممطر..فهو من أهم رموز الدار البريطانية

حتى من وجهة نظر دار «بيربري» البريطانية التي عودتنا على إقامة عروضها في أماكن مهمة، فإن المكان هذه المرة لم يكن مبهراً، لا من الناحية الجغرافية ولا المعمارية، لكنه كان شاسعاً، أي أنه قادر على استيعاب الضيوف وفرقة موسيقية طويلة عريضة احتلت وسطه بالكامل. باقة النجوم التي حضرت العرض مثل كيني ويست وستورمنزي وصوت السوبرانو نادين سييرا وهي تصدح بمقطوعات أوبرالية، عوضت عن افتقاد مسرح الحدث عنصر الإبهار، وأضفت الكثير من الدفء على عاصمة تعاني من برود وتقلبات تتعدى الطقس إلى الاقتصاد والسياسة. ما لا يختلف عليه اثنان أن وفاة الملكة إليزابيث الثانية كان صدمة لصناع الموضة في لندن تحديداً. فعدا أن معظم العروض التي كانت مُبرمجة لأسبوعها الموجه لربيع وصيف 2023، إن لم نقل كلها، مرت مرور الكرام احتراماً للحدث الجليل، فإن الدار البريطانية العريقة ألغت عرضها مباشرة بعد إعلان خبر الوفاة. عادت بعدها لتُعلن أنها لم تُلغ العرض تماماً، بل فقط أجلته إلى أن تنتهي فترة الحداد.


أراد المصمم أن تكون تشكيلته ديمقراطية بخاماتها وتصاميمها

كان انسحابها لفتة طبيعية، بالنظر إلى أن اسمها مرتبط بالتاج الملكي منذ زمن طويل، إلا أنه كان أيضاً ضربة موجعة لباقي الأسماء المشاركة. فهذه كانت ولا تزال تُعول على اسم «بيربري» لجذب شخصيات مهمة ومؤثرة في صناعة الموضة إلى أسبوع لندن. يوم الاثنين تبادرت إلى الذهن الكثير من التساؤلات حول التوقيت. كان بإمكان الدار أن تُلغي العرض تماماً أو تؤجله إلى ما بعد انتهاء دورة الموضة العالمية عوض يوم 26 من سبتمبر (أيلول) المحشور بين أسبوعي ميلانو وباريس. وعلى ما يبدو، فإن الجانب التجاري والمتمثل في توفير الأزياء وطرحها في المحلات في أقرب فرصة كان هو الغالب. بعد يومين من العرض، تبين أيضاً أن الدار كانت تريد أن تُودع مصممها الإيطالي بطريقة تليق به، وتبدأ صفحة جديدة مع مصمم جديد هو دانييل لي. ورغم عدم مثالية هذا التاريخ، فإنه أكد قوتها كدار أزياء عريقة وذات سطوة إعلانية في الوقت ذاته، وهو ما تجلى في حضور مميز، مثل أنا وينتور وكيني ويست وستورمزي، وعارضات شاركن في العرض من مثيلات ناعومي كامبل، وبيلا حديد، وإيرينا الشايخ وإيرين أوكونر وغيرهن.


ناعومي كامبل وزي يجمع الحداثة بالعملية

كل عناصر الإبهار هاته لم تُلغ حقيقة أن الدار كانت تُدرك أن فترة الحداد على الملكة لا تزال تُلقي بظلالها على الأجواء. كل من كانوا في استقبال الحضور من العاملين فيها توشحوا بالأسود. مثل غيرها تعرف جيداً أن التضخم المالي بات يرفع ضغط شريحة كبيرة من الناس، فضلاً عما يعنيه تراجع الجنيه الإسترليني بالنسبة لقطاعات اقتصادية مهمة منها الموضة، ومع ذلك أصر مصممها الفني، الإيطالي ريكاردو تيشي، أن يُرفه عنا بأخذنا إلى الشاطئ... البريطاني تحديداً. جسد مُتعه وتناقضاته في تشكيلة جد متنوعة جمعت التفصيل مع تصاميم مستوحاة من ملابس النوم وأخرى من الأسلوب القوطي أو «البانك». بالنسبة لمصمم إيطالي، فإن «الصيف البريطاني يختلف عن كل ما سواه في العالم. فهنا سترى الناس في كامل أزيائهم وهم يتمشون على الشاطئ، لأنهم لا يضمنون حالة الطقس»، حسب ما كتبه على الورق الذي وُزع على الضيوف. بيد أن أكثر ما أثار انتباهه كإيطالي في هذه الشواطئ شريحة الشباب، وكيف يُعبرون عن أساليبهم وأهوائهم بطرق تجمع التمرد بالرغبة في العيش، وذلك بخلقهم السعادة من أبسط الأشياء». قد يكون ريكاردو تيشي مُعجباً بالثقافة البريطانية، وما تتيحه من حرية واحتضان للأهواء والميول على اختلافها، لكن ترجمته افتقدت ذلك العُمق في قراءة ما بين سطورها والإمساك بخيوطها الرفيعة. غلبت عليها في المقابل رؤية من ينظر إليها من الخارج. مثلاً حضر فيها أسلوبه القوطي، الذي أدخله إلى الدار منذ خمس سنوات عندما التحق بها، وبقوة. أما كيف وفي بوعده أن يأخذنا إلى الشاطئ، فبطرحه مجموعة كبيرة من القطع المستوحاة من ملابس البحر، بما في ذلك المايوهات التي ظهرت من تحت الفساتين والبنطلونات والجاكيتات تارة وكجزء منها تارة أخرى. ولأنه لا يمكن لأي مصمم يدخل داراً عريقة بنت سُمعتها واسمها على الغاباردين والمعطف الواقي من المطر والكاروهات، أن يتجاهل هذه الرموز، كان بديهياً أن تظهر هي الأخرى مع رشة قوطية أرادها أن تدخل الدار الألفية وعالم الشباب. لكن يبقى السؤال ما إذا كان قد نجح في تجسيد رغبته والأهداف المنتظرة منه من قبل المساهمين والمسؤولين أم لا؟ أرقام المبيعات تقول إنه أصاب في الجانب الرجالي بينما خاب في الجانب النسائي، خصوصاً عندما قرر طرح أزياء راقية بأسعار عالية بهدف الارتقاء بها وتجميل صورتها.
ما لا يمكن إنكاره أن ريكاردو تيشي الذي تسلم المشعل من كريستوفر بايلي منذ خمس سنوات كمصمم فني للدار، حاول جُهده أن يضخها بروح شبابية ونجح في ذلك إلى حد كبير، لكن العديد من منتقديه يرون أنه لم ينجح في الإمساك بكل خيوطها. هربت منه تلك النغمات الثقافية البريطانية المحسوسة وغير الملموسة، وظل أسلوبه الذي كان وراء نجاحه في دار «جيفنشي» سابقاً هو الغالب. أسلوب يعشقه الكثير من المعجبين، لكنه جاء على حساب استراتيجيات تعوّد عليها عشاق الدار المخلصون.


لم يغب التفصيل في المجموعة

الكثير من التكهنات كانت تدور في الآونة الأخيرة حول مصيره. ما إذا كانت الدار ستُجدد عقدها معه بعد انتهائه أم لا. يوم الاثنين كان عرضه لربيع وصيف 2023، يوم الأربعاء جاء الجواب بالإعلان عن تعيين دانييل لي مصمم الدار الجديد على أن يتسلم عمله بعد أسبوع واحد، ويقدم تشكيلته الأولى للدار في الموسم المقبل.
لم يكن الإعلان مفاجأة ولا سرعة التنفيذ صادمة. فالعديد من المتابعين كانوا يتوقعون إنهاء الدار تعاقدها مع ريكاردو تيشي لسببين؛ الأول خروج الرئيس التنفيذي ماركو غوبيتي منها منذ حوالي ستة أشهر. فهو الذي رشحه منذ خمس سنوات ودعمه طوال فترته. والثاني تردد اسم دانييل لي خليفة له بعد مغادرته دار «بوتيغا فينيتا» في عام 2021، فبالإضافة إلى أن هذا الأخير بريطاني الهوى والمولد، فإن دار «بوتيغا فينيتا» الإيطالية تدين له بالكثير من النجاحات، على رأسها وضعه لها ضمن خريطة كبار بيوت الأزياء العالمية.
فخلال السنوات الثلاث التي قضاها فيها، غيّر الكثير من أساسياتها وجمّل صورتها. أدخل مثلاً الألوان الصارخة على حقائبها، الأمر الذي كان له مفعول السحر على اسمها كما على أرباحها. فقد ارتفعت في عام 2019 بحوالي 1.2 مليار يورو. وحتى في عام 2020، وفي عز جائحة «كورونا»، ظلت الدار تحقق الأرباح بفضل صور هذه الحقائب على شبكات التواصل الاجتماعي خصوصاً «إنستغرام». هذا لا يعني أن «بيربري» لم تحقق أي نجاحات في عهد ريكاردو تيشي. بالعكس فإيراداتها لعام 2022 ارتفعت بحوالي 3 مليارات دولار عما كانت عليه قبل الجائحة، وارتفعت مبيعات المنتجات الجلدية بشكل ملحوظ. وهذا ما أكده المدير العام الجديد للمجموعة جوناثان أكرويد، قائلاً: «إن ريكاردو لعب دوراً محورياً في إعادة تنظيم الدار وتعزيز لغتها التصميمية». المشكلة أنها رغم هذه الأرباح لم تصل إلى مستوى أرباح مجموعة «إل في آم آش» أو «شانيل». كما أنها رغم تحقيقها مرادها من الوصول إلى شريحة الشباب، فإن زبائنها الذين تعودوا على أسلوبها البريطاني الخاص كان لهم رأي آخر، وحان الوقت لاستعادة ولائهم.


مقالات ذات صلة

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

لمسات الموضة حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

بينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها، ما يجعلها سيفاً ذا حدين.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)
خاص النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

خاص صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

لا تزال المرأة ضحية معايير محددة للجمال تلعب فيها الإعلانات وأحياناً صناعة الترفيه والموضة دوراً محورياً يترك أثره في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء

جميلة حلفيشي (لندن)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.


كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
TT

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

على ما يبدو فإن شهر سبتمبر (أيلول) المقبل سيكون حافلاً بالهدايا والمفاجآت الإبداعية؛ فحتى قبل أن يفيق عشاق الموضة من سكرة خبر تعاون جون غاليانو مع محلات «زارا» الشعبية لمدة عامين، وطرحه أول مجموعة في هذا الشهر، انتشر خبر عودة كريستوفر كاين مديراً إبداعياً لقسم الأزياء الجاهزة في دار «مالبوري» البريطانية، وتقديمه هو الآخر أول تشكيلة له، خلال أسبوع لندن المرتقب، في سبتمبر 2026.

كريستوفر كاين (غيتي)

غني عن القول إن الخبر استُقبل بحماسة كبيرة؛ إذ يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات. فآخر عرض لها كان في عام 2017.

ما يزيد من الحماس والترقب أن كريستوفر يتمتع بأسلوب جريء يميل إلى ألوان النيون الصارخة والتصاميم المتمردة، إضافة إلى اعتماده على مزج مواد وخامات متنوعة من الدانتيل إلى المطاط. في المقابل، تُعتبر «مالبوري» واحدة من دور الأزياء البريطانية العريقة التي تشتهر بتصميم الحقائب والمنتجات الجلدية أكثر. هذه المعادلة بين الفني المتمرِّد والكلاسيكي المعاصر من بين أكثر الأمور المثيرة في هذه العلاقة.

من هو كريستوفر كاين؟

وُلِد في عام 1982 باسكوتلندا، وتخرج في معهد «سانترال سانت مارتن» الشهير. نجح في شد الانتباه في حفل تخرجه؛ إذ قدَّم مجموعة مختلفة بتصاميمها الضيقة وألوانها المتضاربة. هذه المجموعة سلّطت الضوء عليه، وجعلت اسمه يتردد في أوساط الموضة بوصفه مصمماً واعداً.

كانت دوناتيلا فيرساتشي أكثر مَن انتبهت إلى موهبته، ودعمته بأن عبّدت له الطريق لصقل قدراته خلال أولى سنواته المهنية.

في عام 2006، أطلق علامته الخاصة بالتعاون مع شقيقته تامي، التي تولّت إدارة الجانب المالي والإبداعي معه. وسرعان ما رسَّخ مكانته، في وقت كانت فيه الموضة تحتفي بالاختلاف وبتنوع المدارس الإبداعية. في عام 2009، سلّمته دوناتيلا فيرساتي قيادة خط «فيرسيس»، الخط الأصغر والشبابي التابع لخط «فيرساتشي»، واستمر عمله معها إلى 2012.

من عرض كريستوفر كاين في عام 2009 (غيتي)

لكن رغم نجاحاته الفنية، لم يسلم من تبعات الأزمات الاقتصادية التي أودت بالعديد من المصممين المستقلين من أمثاله. في منتصف عام 2023، اضطر للإعلان عن إجراءات إغلاق علامته، وتعيين إداريين لتصفيتها. طوال هذه العملية، كان الأمل لا يزال يخامره بأن يجد مشترياً أو مستثمراً جديداً. لم يحصل هذا، ولم تعد العلامة إلى نشاطها الكامل، ما جعله يبقى بعيداً عن أضواء ساحة الموضة، باستثناء عودة مؤقتة في عام 2024، عبر تعاونه مع علامة «سيلف بورتريت». كان التعاون ناجحاً بكل المقاييس، حيث نفذت المجموعة بسرعة، إلا أنه لم يُترجم في تجربة ثانية.

«مالبوري»... فصل جديد

لهذا، فإن تعيينه في «مالبوري» مديراً إبداعياً، يمثل تحولاً استراتيجياً له وللدار على حد سواء. هو سيعود إلى منصات العرض العالمية وإلى دائرة الضوء مرة أخرى، بينما ستحصل «مالبوري» على فرصة لإحياء قسمها الخاص بالأزياء الجاهزة، بعد سبع سنوات تقريباً من الغياب.

من عرض دار «مالبوري» حين كانت في أوج قوتها في عام 2012 (غيتي)

تأسست الدار في منطقة سومرست، عام 1971، كشركة للمنتجات الجلدية، ولم تتحوَّل إلى مجال الأزياء إلا فيما بعد. لإنجاح هذه الخطوة، استعانت بمصممين، مثل ستيوارت فيفرز، وإيما هيل، وجون كوكا. رغم نجاحهم في ترسيخ هالة بريطانية عصرية على منتجاتها، فإن تأثيرات الأزمة الاقتصادية وجائحة «كورونا»، كانت أقوى من إمكاناتهم الإبداعية. فالمرأة لم تستعد رغبتها في اقتناء حقائب يد موسمية، كما لم تستعد الدار توازنها بالكامل. فـ«مالبوري» بنت سُمعتها ونجاحاتها التجارية على الإكسسوارات الجلدية أولاً والأزياء ثانياً. ففي التسعينات وبداية الألفية، طرحت حقائب يد ناجحة، مثل «روكسان» و«بايزووتر» و«أليكسا» وغيرها كان لها الفضل في إنعاشها وإبقائها في الصدارة، وهذا يعني أن على كريستوفر كاين أن يقدم حقائب لا تقل نجاحاً، من الناحية التجارية، حتى يسند قسم الأزياء الجاهزة ويرسّخ مكانته أكثر.