ريكاردو تيشي يودع «بيربري» بتشكيلة مستوحاة من الشاطئ البريطاني الممطر

الدار العريقة تُعلن دانييل لي مصمماً جديداً لها بعد يومين فقط من العرض

الشاطئ البريطاني بالنسبة له هو تحسب لكل أحوال الطقس - أخذ المعطف الممطر عدة أشكال في هذه التشكيلة - العارضة إيرين أوكنر وتصميم بالجينز
الشاطئ البريطاني بالنسبة له هو تحسب لكل أحوال الطقس - أخذ المعطف الممطر عدة أشكال في هذه التشكيلة - العارضة إيرين أوكنر وتصميم بالجينز
TT

ريكاردو تيشي يودع «بيربري» بتشكيلة مستوحاة من الشاطئ البريطاني الممطر

الشاطئ البريطاني بالنسبة له هو تحسب لكل أحوال الطقس - أخذ المعطف الممطر عدة أشكال في هذه التشكيلة - العارضة إيرين أوكنر وتصميم بالجينز
الشاطئ البريطاني بالنسبة له هو تحسب لكل أحوال الطقس - أخذ المعطف الممطر عدة أشكال في هذه التشكيلة - العارضة إيرين أوكنر وتصميم بالجينز

منذ أسبوع، استيقظ سكان بيرمندسي، الواقعة جنوب شرقي لندن، على حركة غير معهودة. مظاهر احتفالية أخرجتهم من بيوتهم المتواضعة ليتابعوا بانبهار ما يجري حولها: حرس بلباس أسود أنيق، سيارات فخمة تخترق شوارعهم وشخصيات مهمة تنزل منها في أبهى حلة. ما زاد من دهشتهم أن المكان الذي يتوقفون عنده ليس معلماً سياحياً أو تاريخياً. هو ببساطة مكتب بريد قديم اختارته دار «بيربري» لإقامة عرض تأجل لأكثر من أسبوع بسبب وفاة الملكة إليزابيث.


كان من الصعب تجاهل المعطف الممطر..فهو من أهم رموز الدار البريطانية

حتى من وجهة نظر دار «بيربري» البريطانية التي عودتنا على إقامة عروضها في أماكن مهمة، فإن المكان هذه المرة لم يكن مبهراً، لا من الناحية الجغرافية ولا المعمارية، لكنه كان شاسعاً، أي أنه قادر على استيعاب الضيوف وفرقة موسيقية طويلة عريضة احتلت وسطه بالكامل. باقة النجوم التي حضرت العرض مثل كيني ويست وستورمنزي وصوت السوبرانو نادين سييرا وهي تصدح بمقطوعات أوبرالية، عوضت عن افتقاد مسرح الحدث عنصر الإبهار، وأضفت الكثير من الدفء على عاصمة تعاني من برود وتقلبات تتعدى الطقس إلى الاقتصاد والسياسة. ما لا يختلف عليه اثنان أن وفاة الملكة إليزابيث الثانية كان صدمة لصناع الموضة في لندن تحديداً. فعدا أن معظم العروض التي كانت مُبرمجة لأسبوعها الموجه لربيع وصيف 2023، إن لم نقل كلها، مرت مرور الكرام احتراماً للحدث الجليل، فإن الدار البريطانية العريقة ألغت عرضها مباشرة بعد إعلان خبر الوفاة. عادت بعدها لتُعلن أنها لم تُلغ العرض تماماً، بل فقط أجلته إلى أن تنتهي فترة الحداد.


أراد المصمم أن تكون تشكيلته ديمقراطية بخاماتها وتصاميمها

كان انسحابها لفتة طبيعية، بالنظر إلى أن اسمها مرتبط بالتاج الملكي منذ زمن طويل، إلا أنه كان أيضاً ضربة موجعة لباقي الأسماء المشاركة. فهذه كانت ولا تزال تُعول على اسم «بيربري» لجذب شخصيات مهمة ومؤثرة في صناعة الموضة إلى أسبوع لندن. يوم الاثنين تبادرت إلى الذهن الكثير من التساؤلات حول التوقيت. كان بإمكان الدار أن تُلغي العرض تماماً أو تؤجله إلى ما بعد انتهاء دورة الموضة العالمية عوض يوم 26 من سبتمبر (أيلول) المحشور بين أسبوعي ميلانو وباريس. وعلى ما يبدو، فإن الجانب التجاري والمتمثل في توفير الأزياء وطرحها في المحلات في أقرب فرصة كان هو الغالب. بعد يومين من العرض، تبين أيضاً أن الدار كانت تريد أن تُودع مصممها الإيطالي بطريقة تليق به، وتبدأ صفحة جديدة مع مصمم جديد هو دانييل لي. ورغم عدم مثالية هذا التاريخ، فإنه أكد قوتها كدار أزياء عريقة وذات سطوة إعلانية في الوقت ذاته، وهو ما تجلى في حضور مميز، مثل أنا وينتور وكيني ويست وستورمزي، وعارضات شاركن في العرض من مثيلات ناعومي كامبل، وبيلا حديد، وإيرينا الشايخ وإيرين أوكونر وغيرهن.


ناعومي كامبل وزي يجمع الحداثة بالعملية

كل عناصر الإبهار هاته لم تُلغ حقيقة أن الدار كانت تُدرك أن فترة الحداد على الملكة لا تزال تُلقي بظلالها على الأجواء. كل من كانوا في استقبال الحضور من العاملين فيها توشحوا بالأسود. مثل غيرها تعرف جيداً أن التضخم المالي بات يرفع ضغط شريحة كبيرة من الناس، فضلاً عما يعنيه تراجع الجنيه الإسترليني بالنسبة لقطاعات اقتصادية مهمة منها الموضة، ومع ذلك أصر مصممها الفني، الإيطالي ريكاردو تيشي، أن يُرفه عنا بأخذنا إلى الشاطئ... البريطاني تحديداً. جسد مُتعه وتناقضاته في تشكيلة جد متنوعة جمعت التفصيل مع تصاميم مستوحاة من ملابس النوم وأخرى من الأسلوب القوطي أو «البانك». بالنسبة لمصمم إيطالي، فإن «الصيف البريطاني يختلف عن كل ما سواه في العالم. فهنا سترى الناس في كامل أزيائهم وهم يتمشون على الشاطئ، لأنهم لا يضمنون حالة الطقس»، حسب ما كتبه على الورق الذي وُزع على الضيوف. بيد أن أكثر ما أثار انتباهه كإيطالي في هذه الشواطئ شريحة الشباب، وكيف يُعبرون عن أساليبهم وأهوائهم بطرق تجمع التمرد بالرغبة في العيش، وذلك بخلقهم السعادة من أبسط الأشياء». قد يكون ريكاردو تيشي مُعجباً بالثقافة البريطانية، وما تتيحه من حرية واحتضان للأهواء والميول على اختلافها، لكن ترجمته افتقدت ذلك العُمق في قراءة ما بين سطورها والإمساك بخيوطها الرفيعة. غلبت عليها في المقابل رؤية من ينظر إليها من الخارج. مثلاً حضر فيها أسلوبه القوطي، الذي أدخله إلى الدار منذ خمس سنوات عندما التحق بها، وبقوة. أما كيف وفي بوعده أن يأخذنا إلى الشاطئ، فبطرحه مجموعة كبيرة من القطع المستوحاة من ملابس البحر، بما في ذلك المايوهات التي ظهرت من تحت الفساتين والبنطلونات والجاكيتات تارة وكجزء منها تارة أخرى. ولأنه لا يمكن لأي مصمم يدخل داراً عريقة بنت سُمعتها واسمها على الغاباردين والمعطف الواقي من المطر والكاروهات، أن يتجاهل هذه الرموز، كان بديهياً أن تظهر هي الأخرى مع رشة قوطية أرادها أن تدخل الدار الألفية وعالم الشباب. لكن يبقى السؤال ما إذا كان قد نجح في تجسيد رغبته والأهداف المنتظرة منه من قبل المساهمين والمسؤولين أم لا؟ أرقام المبيعات تقول إنه أصاب في الجانب الرجالي بينما خاب في الجانب النسائي، خصوصاً عندما قرر طرح أزياء راقية بأسعار عالية بهدف الارتقاء بها وتجميل صورتها.
ما لا يمكن إنكاره أن ريكاردو تيشي الذي تسلم المشعل من كريستوفر بايلي منذ خمس سنوات كمصمم فني للدار، حاول جُهده أن يضخها بروح شبابية ونجح في ذلك إلى حد كبير، لكن العديد من منتقديه يرون أنه لم ينجح في الإمساك بكل خيوطها. هربت منه تلك النغمات الثقافية البريطانية المحسوسة وغير الملموسة، وظل أسلوبه الذي كان وراء نجاحه في دار «جيفنشي» سابقاً هو الغالب. أسلوب يعشقه الكثير من المعجبين، لكنه جاء على حساب استراتيجيات تعوّد عليها عشاق الدار المخلصون.


لم يغب التفصيل في المجموعة

الكثير من التكهنات كانت تدور في الآونة الأخيرة حول مصيره. ما إذا كانت الدار ستُجدد عقدها معه بعد انتهائه أم لا. يوم الاثنين كان عرضه لربيع وصيف 2023، يوم الأربعاء جاء الجواب بالإعلان عن تعيين دانييل لي مصمم الدار الجديد على أن يتسلم عمله بعد أسبوع واحد، ويقدم تشكيلته الأولى للدار في الموسم المقبل.
لم يكن الإعلان مفاجأة ولا سرعة التنفيذ صادمة. فالعديد من المتابعين كانوا يتوقعون إنهاء الدار تعاقدها مع ريكاردو تيشي لسببين؛ الأول خروج الرئيس التنفيذي ماركو غوبيتي منها منذ حوالي ستة أشهر. فهو الذي رشحه منذ خمس سنوات ودعمه طوال فترته. والثاني تردد اسم دانييل لي خليفة له بعد مغادرته دار «بوتيغا فينيتا» في عام 2021، فبالإضافة إلى أن هذا الأخير بريطاني الهوى والمولد، فإن دار «بوتيغا فينيتا» الإيطالية تدين له بالكثير من النجاحات، على رأسها وضعه لها ضمن خريطة كبار بيوت الأزياء العالمية.
فخلال السنوات الثلاث التي قضاها فيها، غيّر الكثير من أساسياتها وجمّل صورتها. أدخل مثلاً الألوان الصارخة على حقائبها، الأمر الذي كان له مفعول السحر على اسمها كما على أرباحها. فقد ارتفعت في عام 2019 بحوالي 1.2 مليار يورو. وحتى في عام 2020، وفي عز جائحة «كورونا»، ظلت الدار تحقق الأرباح بفضل صور هذه الحقائب على شبكات التواصل الاجتماعي خصوصاً «إنستغرام». هذا لا يعني أن «بيربري» لم تحقق أي نجاحات في عهد ريكاردو تيشي. بالعكس فإيراداتها لعام 2022 ارتفعت بحوالي 3 مليارات دولار عما كانت عليه قبل الجائحة، وارتفعت مبيعات المنتجات الجلدية بشكل ملحوظ. وهذا ما أكده المدير العام الجديد للمجموعة جوناثان أكرويد، قائلاً: «إن ريكاردو لعب دوراً محورياً في إعادة تنظيم الدار وتعزيز لغتها التصميمية». المشكلة أنها رغم هذه الأرباح لم تصل إلى مستوى أرباح مجموعة «إل في آم آش» أو «شانيل». كما أنها رغم تحقيقها مرادها من الوصول إلى شريحة الشباب، فإن زبائنها الذين تعودوا على أسلوبها البريطاني الخاص كان لهم رأي آخر، وحان الوقت لاستعادة ولائهم.


مقالات ذات صلة

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)

أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

تبلغ أنجلينا جولي اليوم 50 عاماً، وبالتالي من الطبيعي أن تتغير ملامحها، إضافة إلى ظروفها الشخصية والضغوط التي رافقت سنوات ما بعد انفصالها عن النجم براد بيت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الفوز بالجائزة ليس مادياً فحسب بل هو مفتاح للتعرف على أسماء كبيرة في مجالات إبداعية شتى (فاشن ترست أرابيا)

خاص جوائز الموضة العربية... بوابة نجاح أم مجرد حافز مؤقت؟

تجربة الراحل إيف سان لوران خير دليل على أن الموهبة تحتاج إلى دعم. فهل كان بإمكانه أن يبلغ ما بلغه من مجد لولا مشاركته في مسابقة الصوف الدولية وتألقه فيها؟

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

دليل عملي لإطلالات العمل بعد الأربعين: خزانة ذكية، وتنسيق بسيط، وتحضير مسبق يمنحك أناقةً يوميةً، وثقةً دون عناءٍ أو حيرةٍ كل صباح.

«الشرق الأوسط» (لندن)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.


أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)
هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)
TT

أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)
هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)

نعم للسن أحكامها. ولكن عندما يتعلَّق الأمر بواحدة من أجمل نساء العالم، فإن هذه الأحكام لا تتوقف ولا تهدأ عند أول تغيير يطرأ على الوجه أو الجسم.

صورة عابرة التُقطت لأنجلينا جولي مع حيدر أكرمان، مصمم دار «توم فورد» في شنغهاي، تحوَّلت إلى عاصفة رقمية. لم يكن الحديث فيها عن أزيائها ولا ماكياجها. فقد بدت كعادتها بأناقة راقية، وماكياج خفيف لم يبرز فيه سوى أحمر شفاه صارخ. التركيز كله انصبَّ على تفصيل أدق يتمثل في العينين، أو بالأحرى نظرة مشدودة وقليلة الرمش، جعلت الصورة تختلف عن تلك الصورة المثالية التي ترسَّخت في الأذهان عن النجمة.

في شنغهاي ظهرت بنظرة باهتة وثابتة كانت سبب الضجة الإعلامية (غيتي)

خلال وقت قصير، انتشرت الصور مُرفقة بتعليقات متشابهة، وكأن أصحابها يتشاركون الفكرة نفسها: «هل هذه أنجلينا جولي فعلاً؟»، «هذه لا تشبهها إطلاقاً»، بينما تساءل آخرون: «ماذا حدث لعينيها؟». وسرعان ما انزلق النقاش نحو نظريات غريبة تزعم أنها «استُبدلت» أو أنها «شبيهة» ظهرت بدلاً منها، بينما ذهب البعض إلى القول إنه «تم استنساخها». اللقطات القريبة ساهمت في تغذية هذه الانطباعات؛ إذ أظهرت الإضاءة وزوايا التصوير وكأن ملامحها تغيَّرت فعلاً. الماكياج الخفيف والهادئ لم يساعد أيضاً؛ خصوصاً أن خطّاً أبيض خفيفاً يبدو مرسوماً على الجفن الأسفل ساهم في إبراز شكل العينين الجديد.

بين التفسير والمبالغة

المدافعون عنها يشيرون إلى أن القضايا الناتجة من انفصالها عن النجم براد بيت لم تُحسَم تماماً وهو ما يضعها تحت ضغوط نفسية وجسدية كثيرة (غيتي)

في مقابل هذا السيل من نظريات المؤامرة والتحليلات، ظهر اتجاه مضاد يدافع عن أنجلينا جولي، معتبراً أن ما يُرى ليس أكثر من خدعة بصرية، سببها الإضاءة وزوايا التصوير والماكياج الهادئ، بينما أشار آخرون إلى عامل الزمن. فأنجلينا تبلغ اليوم 50 عاماً، وبالتالي من الطبيعي أن تتغير ملامحها. أما فريق ثالث، فربط مظهرها بظروفها الشخصية، مُشيرين إلى الضغوط التي رافقت سنوات ما بعد انفصالها عن النجم براد بيت، واستمرار التوترات القانونية بينهما حتى الآن. هذا الإرهاق والضغط النفسي من شأنهما أن ينعكسا بشكل مباشر على ملامح الوجه والجسم. فقد فقدت كثيراً من وزنها في السنوات الأخيرة، وفقدت أيضاً دهوناً داعمة لنضارة وجهها.

فقدت أنجلينا كثيراً من وزنها في السنوات الأخيرة ما أفقدها دهوناً داعمة للبشرة (أ.ف.ب)

بين الحملات التشكيكية والدفاعية، يبرُز سؤال عما إذا كانت أنجلينا جولي قد خضعت فعلاً لعملية تجميل في منطقة العينين، وما الذي تقوله الخبرة الطبية في هذا الشأن؟

أنجلينا نفت سابقاً خضوعها لأي إجراءات تجميلية، ومع ذلك، في حال إجراء مثل هذه التدخلات، يتفق الخبراء على أن التعامل مع منطقة العين يجب ألا يقتصر على الشد والرفع؛ بل يجب أن يُراعي أيضاً الحفاظ على الوظيفة والترطيب والتوازن.

رأي الطب

تقول الدكتورة بريا أوداني، وهي جرَّاحة تجميل العيون في لندن، إن «تقييم مثل هذه الحالات من خلال الصور وحدها يظل محدوداً». ورغم أنها لا تؤكد أن أنجلينا خضعت فعلاً لعملية تجميل، فإنها لا تنفي أن بعض السمات التي يلاحظها الجمهور قد ترتبط بتدخلات تجميلية.

تطورت عمليات تجميل الجفون ومنطقة العينين وأصبحت تأخذ الصحة أيضاً في عين الاعتبار (غيتي)

وتوضح: «عندما يبدو محيط العين أكثر شداً من المعتاد، فقد يكون ذلك مؤشراً على شد مفرط للجلد، وهو ما يمكن أن يؤثر على حركة الجفن الطبيعية، بما في ذلك حركة الرمش». وتتابع: «إزالة كمية كبيرة من الجلد أو شد منطقة الجفون بشكل مبالغ فيه، قد يؤدي إلى جفاف العين، ويجعلها تبدو مشدودة بشكل غير طبيعي». وتتابع: «بعبارة أخرى، ما يلاحظه المتابعون قد لا يكون مجرد تغير بصري؛ بل قد يكون تغيراً وظيفياً أيضاً. فمنطقة العين شديدة الحساسية، وأي تغيير -مهما كان طفيفاً- يبدو ملحوظاً للغاية، وهذا تحديداً ما يخلق ذلك الانطباع الغامض الذي يبدو فيه الوجه مختلفاً، مع صعوبة تحديد السبب بدقة».

أما لماذا يتحدث الجميع عن حالة أنجلينا جولي؟ فتجيب بريا أوداني بأن السبب يعود إلى أن «منطقة العين هي أول ما يلاحظه الناس، وأي تغيير فيها -وإن كان مجرد اختلافات بسيطة في نسيج الجلد أو الترطيب أو الحركة- قد يجعلها تبدو مختلفة».

وهي في أوج تألقها عام 2024 بمجوهرات من «بوتشيلاتي» (بوتشيلاتي)

وتُضيف بريا أوداني أن عدداً من التقنيات الحديثة بات يكتسب شعبية أكبر من الإجراءات التقليدية التي تقوم على قص جزء من الجفن، مثل «Morpheus8» التي تساعد على شدّ الجلد وتحسين جودته حول العينين، مع الحفاظ على الحركة والتعبير الطبيعي، وتقنية «Lumecca» التي تعتبرها فعَّالة بشكل خاص في تحسين التصبُّغات ومنح المنطقة إشراقاً واضحاً على كامل الوجه عموماً، والعينين على وجه الخصوص، من دون تغيير بنيتهما. أما تقنيات أخرى –مثل «Envision»- فتدعم صحة العينين نفسها، من خلال تحسين الترطيب والتعامل مع الجفاف، وهو أمر أساسي؛ ليس فقط للراحة؛ بل أيضاً للمظهر.