الدولة الوطنية كعقيدة للحداثة السياسية

رجل يؤدي عرضاً خلال حفل لإعادة فتح الحدود البرية رسمياً بين فنزويلا وكولومبيا سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)
رجل يؤدي عرضاً خلال حفل لإعادة فتح الحدود البرية رسمياً بين فنزويلا وكولومبيا سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

الدولة الوطنية كعقيدة للحداثة السياسية

رجل يؤدي عرضاً خلال حفل لإعادة فتح الحدود البرية رسمياً بين فنزويلا وكولومبيا سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)
رجل يؤدي عرضاً خلال حفل لإعادة فتح الحدود البرية رسمياً بين فنزويلا وكولومبيا سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

في مسار تاريخي تصاعدي منذ معاهدة «وستفاليا» (1648)، وإن شابه تباين جغرافي بين مناطق العالم المختلفة، كادت الدولة الوطنية، بما تملكه من حقوق السيادة العليا على أراضيها ومواطنيها، تكون دينا سياسياً، وبات المواطنون في المجتمعات المعاصرة يقدسون أوطانهم إلى درجة الهلع على مصيرها، خاصة في لحظات الخطر التي تذكي القلق على وجودها، كالحروب والثورات الكبرى والكوارث الطبيعية.
فالعلمانية (المفهوم المعتمد للحداثة السياسية)، التي تصدت لظاهرة تقديس الحكام في الحضارات القديمة، هي نفسها التي عادت لتقدس الدولة الوطنية أرضاً وشعباً وإرادة. لقد احتلّ مفهوم «الوطن» بما يعنيه من كلية الأرض وسيادة الشعب وعلو الإرادة، وما ينطوي عليه من قيمة رمزية ومعنوية، مكان الإله، وباتت المصطلحات اللاهوتية التي تتوسط العلاقة بين الإله والمؤمن، هي نفسها التي تتوسط العلاقة بين الوطن والمواطن. بالطبع يبقى الله هو المطلق الذي يُقاس إليه، ولا يُقاس إلى سواه، ولكن صار الوطن حاملاً لقبس من ذلك المطلق، مجسداً لبعض مثالاته العليا.
تلهمنا الوطنية عشقاً للأرض والناس، كما يلهمنا الإيمان توقاً إلى السماء والغيب، ومثلما الإله يستحق الشهادة في سبيله، توجد شروط للوطن الذي يستحق التضحية لأجله، على رأسها الأمن والحرية والعدالة. فالإله الواحد المنزّه عن كل نقص، العادل والرحيم، القادر على كل شيء، يحتضن العبد المؤمن ويمنحه الرعاية، مثلما يصبر على الفاسق ويلهمه التوبة، دون أن يجعل من أحدهما وصياً على الآخر. وكذلك الدولة الوطنية المتمدنة، الحرة، العادلة، تحتضن جميع مواطنيها، لا تميز بينهم دينياً ومذهبياً، تمنح للموهوب القادر على المبادرة حريته، وللفرد العادي فرصته، وتمد على الضعيف سقوف حمايتها. وكما فرض الله الزكاة والصدقات كفالة للفقراء والمحتاجين، تفرض علينا الدولة الرسوم والضرائب كفالة للمرضى والمعوذين.
تضع الأوطان دساتيرها بتوافق جموع مواطنيها، ليصبح دستور الوطن هو كتابه المقدس، يستلهمه في صنع قوانينه، ويحتكم إليه في حل خلافاته، والويل لكل من يهدره؛ فالخروج عليه هتك لروح الجماعة، وعدوان على ضميرها، إنه هرطقة سياسية تشبه الهرطقة الدينية؛ الأولى إلحاد في الوطن، والأخرى إلحاد في الله، وكلتاهما ترتب أشكالاً مختلفة من الحرمان الروحي أو الجسدي، القدسي أو الدنيوي. كما أصبحت أعلام الدول ترتفع فوق كل الشرفات، وعلى كل المؤسسات طوال الأيام، يتم التلويح بها، خصوصاً في الأعياد الوطنية، وفي ذكرى الانتصارات العسكرية، وأحياناً الرياضية، مثلما تُنكّس في أيام الهزيمة والانكسار تعبيراً عن الحزن والحداد. كما تصنع الأوطان لنفسها أناشيد تتغنى بها، وتضع لها موسيقى كي تشنّف الآذان، وتثير الخشوع في جموع المواطنين الذين تهتز أبدانهم، وقد تطفر دموعهم بعزف السلام الوطني.
وعلى هذا باتت الشعوب تبجّل مفكريها الكبار الذين يرسمون معالم شخصيتها، ويصوغون السرديات الطويلة عن تاريخها، كما تُخلد فنانيها المبدعين الذين ينشدون عنها ملاحم تحكي أمجادها القديمة، وتتغنى بحضاراتها العتيقة، لتصبح الأوطان بمثابة أساطير حية، تحمل أبعاداً خيالية وعاطفية بقدر ما تنطوي على حقائق عقلية وتاريخية، ينصاع الجميع لها احتراماً للتضحيات المبذولة لحفظ بقائها، وللدماء الكثيرة التي أُريقت على مذبحها، من أقدم العصور إلى أحدث الأزمنة، حتى يصير الأبطال القدماء جداً، كالمحدثين جداً، كحبات لؤلؤ تنتظم في عِقد واحد نفيس، يزين رقاب من ينتمون إليها، ويثير الفخر لدى شبابها، فأولئك الرجال الكبار هم من يحملون البوصلة، ويمنحون المعنى، ويؤكدون الهوية في زمن التيه أو لحظات الخطر. وحتى الأبطال الذين لا تُعرف أسماؤهم، صار قبر الجندي المجهول معلماً عليهم، يأتي إليه الناس في المناسبات المختلفة، امتناناً لهم وتقديراً لتضحياتهم.
صارت حدود الأوطان، أيضاً، مقدسة، يصاحب عبورها إجراءات دبلوماسية وقنصلية تشبه الطقوس، حتى بين الجيران والأصدقاء؛ فالحدود علامات تشبه أبواب البيوت، تُفتح الحدود على التراب المقدس لدى جموع الناس، كما تُفتح الأبواب على الحرمات الخاصة. صارت مثل جلد الإنسان يفتح على باطنه، أو جلدة الكتب المقدسة، تُفتح على عوالم الإيمان. كما صار التفريط فيها عاراً لا يمحوه الزمان، يستفز نخوة الكهول قبل حماسة الشبان؛ فالتضحية على مذبح الوطن كالشهادة في سبيل الله، والوطن لا يكون وطناً إلا إذا صار بوتقة لمعنى يتجاوز جميع أفراده؛ مثلما يسمو الله على كل موجوداته؛ فالله خالق الكون والإنسان، والوطن لأبنائه في كل زمان ومكان؛ ولذا يستعير الناس رغبتهم في التضحية على مذبح أوطانهم ضد الأعداء من روحانية الجهاد ضد الكفار؛ حيث يبني جموع الوطنيين تضامنهم المشترك بحسب قدرتهم على تمثّل ما في الدين من قدرة على تكتيل إرادة جماعة المؤمنين؛ فمشاعر الأخوة في الله تشبه مشاعر الثائرين للوطن، يتجمع الثوار لإعادة بناء وطنهم بالصورة التي يحلمون بها بعد أن أرهقه المتسلطون عليه، ويتضامن المؤمنون للدفاع عن دينهم الذي يعاديه الملحدون، أو يفسده المتطرفون. أما الطقوس الثورية في الحشد والتعبئة، فتعبر أفضل تعبير عن ذلك الرابط الخفي بين الشعور الوطني وبين الشعور الديني، فالحماس الوطني هو مشاعر دينية في الصميم، لكنها أخذت طابعاً دنيوياً، ولكن يبقى التحذير واجباً من أن تقديس الوطن لا يعني الإقصاء باسمه، أو الاستعلاء على غيره، كما يتصور المتطرف القومي، كما أن تقديس العقيدة لا يعني الوصاية باسمها، أو العداء لغيرها، كما يفعل المتطرف الديني.
يقود التطرف في الوطنية إلى شوفينية سياسية، مثلما يقود التطرف في الدين إلى عنف أصولي، يسعى كلاهما إلى التحكم في الطبيعة الإنسانية. يدّعي الأصولي معرفته بالطريق الوحيد الذي يكفل للجماعة الدينية تحقيق أهدافها الكبرى وغاياتها القصوى، وهنا يصير المؤمنون الآخرون، أحرار العقل والضمير، الذين ينشدون الله عبر طريق لا يمر بوصايته؛ يستحقون التكفير، ومن ثم تنمو ظاهرة الجهاديين الذين لا يحاربون كفاراً بالضرورة، بل يقتلون ذويهم، ويدمرون بلدانهم، طمعاً في غنيمة، وسعياً إلى سُلطة.
وفي المقابل، يتصور الشوفيني أن وطنه، الأكثر إدراكاً لحكمة التاريخ وغاياته الكبرى، يسمو على بقية الأوطان، فلا يتوقف عن تمجيد، أو حتى اصطناع، خصوصياته العِرقية واللغوية، مستدعياً رؤى أكثر فلاسفته عنصرية، وتأويلات أكثر مؤرخيه استعلائية، محاولاً فرض إرادته على ما سواه من بلدان، ولو عبر القتال إذا كان حاكماً، متجاهلاً أن الحرب قرار خطير يفرض على صانعه أن يكون حصيفاً، لا يدخل معارك عبثية قد تلبي جنون عظمته، فيما تهدد مستقبل الوطن، وتهدر كفاح أجياله عبر العصور من أجل التحرر والتقدم.

* باحث مصري



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.