في مسار تاريخي تصاعدي منذ معاهدة «وستفاليا» (1648)، وإن شابه تباين جغرافي بين مناطق العالم المختلفة، كادت الدولة الوطنية، بما تملكه من حقوق السيادة العليا على أراضيها ومواطنيها، تكون دينا سياسياً، وبات المواطنون في المجتمعات المعاصرة يقدسون أوطانهم إلى درجة الهلع على مصيرها، خاصة في لحظات الخطر التي تذكي القلق على وجودها، كالحروب والثورات الكبرى والكوارث الطبيعية.
فالعلمانية (المفهوم المعتمد للحداثة السياسية)، التي تصدت لظاهرة تقديس الحكام في الحضارات القديمة، هي نفسها التي عادت لتقدس الدولة الوطنية أرضاً وشعباً وإرادة. لقد احتلّ مفهوم «الوطن» بما يعنيه من كلية الأرض وسيادة الشعب وعلو الإرادة، وما ينطوي عليه من قيمة رمزية ومعنوية، مكان الإله، وباتت المصطلحات اللاهوتية التي تتوسط العلاقة بين الإله والمؤمن، هي نفسها التي تتوسط العلاقة بين الوطن والمواطن. بالطبع يبقى الله هو المطلق الذي يُقاس إليه، ولا يُقاس إلى سواه، ولكن صار الوطن حاملاً لقبس من ذلك المطلق، مجسداً لبعض مثالاته العليا.
تلهمنا الوطنية عشقاً للأرض والناس، كما يلهمنا الإيمان توقاً إلى السماء والغيب، ومثلما الإله يستحق الشهادة في سبيله، توجد شروط للوطن الذي يستحق التضحية لأجله، على رأسها الأمن والحرية والعدالة. فالإله الواحد المنزّه عن كل نقص، العادل والرحيم، القادر على كل شيء، يحتضن العبد المؤمن ويمنحه الرعاية، مثلما يصبر على الفاسق ويلهمه التوبة، دون أن يجعل من أحدهما وصياً على الآخر. وكذلك الدولة الوطنية المتمدنة، الحرة، العادلة، تحتضن جميع مواطنيها، لا تميز بينهم دينياً ومذهبياً، تمنح للموهوب القادر على المبادرة حريته، وللفرد العادي فرصته، وتمد على الضعيف سقوف حمايتها. وكما فرض الله الزكاة والصدقات كفالة للفقراء والمحتاجين، تفرض علينا الدولة الرسوم والضرائب كفالة للمرضى والمعوذين.
تضع الأوطان دساتيرها بتوافق جموع مواطنيها، ليصبح دستور الوطن هو كتابه المقدس، يستلهمه في صنع قوانينه، ويحتكم إليه في حل خلافاته، والويل لكل من يهدره؛ فالخروج عليه هتك لروح الجماعة، وعدوان على ضميرها، إنه هرطقة سياسية تشبه الهرطقة الدينية؛ الأولى إلحاد في الوطن، والأخرى إلحاد في الله، وكلتاهما ترتب أشكالاً مختلفة من الحرمان الروحي أو الجسدي، القدسي أو الدنيوي. كما أصبحت أعلام الدول ترتفع فوق كل الشرفات، وعلى كل المؤسسات طوال الأيام، يتم التلويح بها، خصوصاً في الأعياد الوطنية، وفي ذكرى الانتصارات العسكرية، وأحياناً الرياضية، مثلما تُنكّس في أيام الهزيمة والانكسار تعبيراً عن الحزن والحداد. كما تصنع الأوطان لنفسها أناشيد تتغنى بها، وتضع لها موسيقى كي تشنّف الآذان، وتثير الخشوع في جموع المواطنين الذين تهتز أبدانهم، وقد تطفر دموعهم بعزف السلام الوطني.
وعلى هذا باتت الشعوب تبجّل مفكريها الكبار الذين يرسمون معالم شخصيتها، ويصوغون السرديات الطويلة عن تاريخها، كما تُخلد فنانيها المبدعين الذين ينشدون عنها ملاحم تحكي أمجادها القديمة، وتتغنى بحضاراتها العتيقة، لتصبح الأوطان بمثابة أساطير حية، تحمل أبعاداً خيالية وعاطفية بقدر ما تنطوي على حقائق عقلية وتاريخية، ينصاع الجميع لها احتراماً للتضحيات المبذولة لحفظ بقائها، وللدماء الكثيرة التي أُريقت على مذبحها، من أقدم العصور إلى أحدث الأزمنة، حتى يصير الأبطال القدماء جداً، كالمحدثين جداً، كحبات لؤلؤ تنتظم في عِقد واحد نفيس، يزين رقاب من ينتمون إليها، ويثير الفخر لدى شبابها، فأولئك الرجال الكبار هم من يحملون البوصلة، ويمنحون المعنى، ويؤكدون الهوية في زمن التيه أو لحظات الخطر. وحتى الأبطال الذين لا تُعرف أسماؤهم، صار قبر الجندي المجهول معلماً عليهم، يأتي إليه الناس في المناسبات المختلفة، امتناناً لهم وتقديراً لتضحياتهم.
صارت حدود الأوطان، أيضاً، مقدسة، يصاحب عبورها إجراءات دبلوماسية وقنصلية تشبه الطقوس، حتى بين الجيران والأصدقاء؛ فالحدود علامات تشبه أبواب البيوت، تُفتح الحدود على التراب المقدس لدى جموع الناس، كما تُفتح الأبواب على الحرمات الخاصة. صارت مثل جلد الإنسان يفتح على باطنه، أو جلدة الكتب المقدسة، تُفتح على عوالم الإيمان. كما صار التفريط فيها عاراً لا يمحوه الزمان، يستفز نخوة الكهول قبل حماسة الشبان؛ فالتضحية على مذبح الوطن كالشهادة في سبيل الله، والوطن لا يكون وطناً إلا إذا صار بوتقة لمعنى يتجاوز جميع أفراده؛ مثلما يسمو الله على كل موجوداته؛ فالله خالق الكون والإنسان، والوطن لأبنائه في كل زمان ومكان؛ ولذا يستعير الناس رغبتهم في التضحية على مذبح أوطانهم ضد الأعداء من روحانية الجهاد ضد الكفار؛ حيث يبني جموع الوطنيين تضامنهم المشترك بحسب قدرتهم على تمثّل ما في الدين من قدرة على تكتيل إرادة جماعة المؤمنين؛ فمشاعر الأخوة في الله تشبه مشاعر الثائرين للوطن، يتجمع الثوار لإعادة بناء وطنهم بالصورة التي يحلمون بها بعد أن أرهقه المتسلطون عليه، ويتضامن المؤمنون للدفاع عن دينهم الذي يعاديه الملحدون، أو يفسده المتطرفون. أما الطقوس الثورية في الحشد والتعبئة، فتعبر أفضل تعبير عن ذلك الرابط الخفي بين الشعور الوطني وبين الشعور الديني، فالحماس الوطني هو مشاعر دينية في الصميم، لكنها أخذت طابعاً دنيوياً، ولكن يبقى التحذير واجباً من أن تقديس الوطن لا يعني الإقصاء باسمه، أو الاستعلاء على غيره، كما يتصور المتطرف القومي، كما أن تقديس العقيدة لا يعني الوصاية باسمها، أو العداء لغيرها، كما يفعل المتطرف الديني.
يقود التطرف في الوطنية إلى شوفينية سياسية، مثلما يقود التطرف في الدين إلى عنف أصولي، يسعى كلاهما إلى التحكم في الطبيعة الإنسانية. يدّعي الأصولي معرفته بالطريق الوحيد الذي يكفل للجماعة الدينية تحقيق أهدافها الكبرى وغاياتها القصوى، وهنا يصير المؤمنون الآخرون، أحرار العقل والضمير، الذين ينشدون الله عبر طريق لا يمر بوصايته؛ يستحقون التكفير، ومن ثم تنمو ظاهرة الجهاديين الذين لا يحاربون كفاراً بالضرورة، بل يقتلون ذويهم، ويدمرون بلدانهم، طمعاً في غنيمة، وسعياً إلى سُلطة.
وفي المقابل، يتصور الشوفيني أن وطنه، الأكثر إدراكاً لحكمة التاريخ وغاياته الكبرى، يسمو على بقية الأوطان، فلا يتوقف عن تمجيد، أو حتى اصطناع، خصوصياته العِرقية واللغوية، مستدعياً رؤى أكثر فلاسفته عنصرية، وتأويلات أكثر مؤرخيه استعلائية، محاولاً فرض إرادته على ما سواه من بلدان، ولو عبر القتال إذا كان حاكماً، متجاهلاً أن الحرب قرار خطير يفرض على صانعه أن يكون حصيفاً، لا يدخل معارك عبثية قد تلبي جنون عظمته، فيما تهدد مستقبل الوطن، وتهدر كفاح أجياله عبر العصور من أجل التحرر والتقدم.
* باحث مصري




