آمال مختار: الفكر التنويري أنقذ تونس من الردّة

رئيسة «بيت الرواية التونسية» ترى أن الكتابة الإبداعية مغامرة

آمال مختار (تصوير: سعد الدوسري)
آمال مختار (تصوير: سعد الدوسري)
TT

آمال مختار: الفكر التنويري أنقذ تونس من الردّة

آمال مختار (تصوير: سعد الدوسري)
آمال مختار (تصوير: سعد الدوسري)

بين الصحافة والرواية، تنقلت الكاتبة والروائية التونسية آمال مختار. نشرت أول رواية لها بعنوان «نخب الحياة» (عن «دار الآداب» في بيروت)، ونالت عليها جائزة الإبداع الأدبي لوزارة الثقافة لسنة 1994. وفي عام 2002 قدمت روايتها الثانية «الكرسي الهزاز»، تلاها في عام 2006 رواية «المايسترو» الحاصلة على جائزة لجنة التحكيم لمسابقة الرواية التونسية «الكومار الذهبي»، ورواية «دخان القصر» (2013)، وفي مجال السرد القصصي لها مجموعتان: «لا تعشقي هذا الرجل» (2003)، و«للمارد وجه جميل» (2004). ومؤخراً تم تعيينها مديرة لمؤسسة «بيت الرواية» وهو أول بيت عربي للرواية.
أجرينا اللقاء التالي معها بمناسبة مشاركتها في فعاليات معرض الرياض الدولي للكتاب الثقافية، بمناسبة اختيار تونس «ضيف شرف» هذه الدورة من المعرض.
> كيف ترين الاحتفاء بالمبدعين التونسيين في معرض الرياض الدولي للكتاب؟
- أرى الدعوة كريمة من الشقيقة السعودية التي يعود تاريخ التبادل الثقافي بينها وبين تونس إلى سنوات خلت. كما أرى في الاحتفاء بالمبدعين التونسيين في معرض مهمّ بأهميّة معرض الرياض تكريماً وإضافة متبادلة بين البلدين الشقيقين. وإذ يفتح معرض الرياض ذراعيه لتكريم المبدع التونسي بجعل تونس «ضيف شرف»، فإن ذلك سيجعل هذا المبدع يقدم كل ما لديه من معرفة ليكون في مستوى هذا التشريف.
> ما طبيعة مشاركتك في معرض الكتاب؟
- مشاركتي ستكون ضمن الوفد الرسمي الممثل لوزارة الشؤون الثقافية، تحت إشراف السيدة وزيرة الثقافة حياة قطاط قرماسي، وذلك باعتباري روائية أولاً، ومديرة لمؤسسة «بيت الرواية»، وهو أول بيت عربي للرواية. وستكون مساهمتي حسب البرنامج الذي أعدته الوزارة، بترؤس الجلسات الحوارية الخاصة بلقاءات الروائيين التونسيين المشاركين في الوفد الرسمي، كما ستكون لي مساهمة أخرى في يوم «التونسيات مبدعات ومنتجات للمعرفة».
> كيف تصفين التفاعل الثقافي بين المبدعين في تونس والعالم العربي؟
- الحضور الثقافي التونسي في المشهد الثقافي العربي متميز حقيقة، فالمبدع والمفكر والفنان والمثقف التونسي -عموماً- يحظى بمكانة مرموقة، نظراً لفرادة التجربة الثقافية التونسية التي نهلت من موجات التنوير التي هبّت وتهُب على البلاد التونسية منذ القدم، منذ أن أُلغيت العبودية سنة 1842 من تونس، ومنذ أن وُضع أول دستور تونسي وعربي سنة 1861، ومنذ أن قدّم خير الدين باشا إصلاحاته للبلاد التونسية، ومنذ أن كتب الطاهر الحداد كتابه الشهير: «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، وصولاً إلى الاستقلال ومسك الزعيم بورقيبة بزمام عملية التنوير، فاهتم بالركائز الثلاث التي يمكن أن تنهض عليها دولة حديثة متنورة، وهي: التعليم، والثقافة، وتحرر المرأة.
كل ذلك التراكم التنويري في تونس جعل من النتاج المعرفي والثقافي التونسي الذي تمتع دائماً بنسبة معقولة من الحريّة، وهي عماد كل عملية تفكير وإبداع، نتاجاً متميزاً في المشهد الثقافي العربي، فاتحاً أبوابه للتفاعل مع مشهدية ثقافية عربية أخرى مهمة تاريخياً، مثل التجارب المصرية واللبنانية والفلسطينية والعراقية والسورية، ولاحقاً بقية البلاد العربية؛ حيث تكفلت العولمة والثورة الرقمية بفتح كل المغلقات.

بين الصحافة والرواية
> منذ عام 1984 وأنت تعملين في الصحافة الثقافية، وكان لديك برنامج حواري مهم في الإذاعة، هو «خارج النصّ». فهل منحتك الصحافة سقفاً أعلى لممارسة الحرية؟ أم رسخت لديك «الرقيب الداخلي»؟
- أكاد أقول إن الصحافة والعمل الميداني فيها، وكل تلك العلاقات والتجارب التي يعيشها الصحافي خلال عمله، هي الطريق الأوفر حظاً لصاحب موهبة أدبية كي ينجح في شحذ تلك الموهبة بعد اكتشافها وإثرائها معرفياً وميدانياً.
وشخصياً، استفدت كل الاستفادة من تجربتي في العمل الصحافي بكل أشكاله، المكتوبة والمسموعة والمرئية، مما وسّع ثقافتي وعلاقاتي ومعرفتي، فنهلت من كل الفنون التي تعاملت معها في عملي الصحافي، من سينما وفن تشكيلي ومسرح وأدب وموسيقى، فمثَّل ذلك -إلى جانب ثقافتي الشخصية في قراءات علم النفس والفلسفة- ذخيرتي في الكتابة الروائية.
> كثيرون اعتبروا روايتك الأولى «نخب الحياة» (1993)، نقطة تحول في الرواية التونسية. بالنسبة إليك، ماذا أردت أن توصلي من طريق هذه الرواية؟
- نعم، لقد كان الناقد الكبير وأستاذ الأدب الراحل توفيق بكار هو من قال ذلك، في منتصف التسعينات من القرن الماضي، ليضع بذلك حداً لجدل كبير حدث في المشهد الأدبي التونسي منذ صدور روايتي الأولى «نخب الحياة» عن «دار الآداب» العريقة، وهي أوّل رواية تونسية تنشر عن هذه الدار. وكان سبب هذا الجدل ما اعتبره البعض جرأة في هذه الرواية الصغيرة التي فتحت باب جدل كبير حول جرأتها وأسئلتها الوجودية التي طرحتها خلالها، إلى جانب مفاهيم شائكة، مثل حرية المرأة، والعلاقة بالغرب.
والحقيقة أنّني عندما كتبت تلك الرواية بتلقائية الموهبة واندفاعة الشباب، لم أكن أخطط لشيء مطلقاً. لقد جاءت بمنزلة قدر محتوم على يدي الروائي الكبير والناشر سهيل إدريس، لأنطلق في عالم الرواية بصفة روائية، ولتثبت بقية التجربة واستمرارها صدق نبوءة سهيل إدريس الذي ما فتئ يساند المرأة العربية، مؤمناً بأهمية دورها في تحرير الشعوب وتنويرها.

المرأة والعنف... والربيع
> كثيراً ما تتناول أعمالك موضوع «العنف ضد المرأة» كثيمة ثابتة، كما في رواية «الكرسي الهزاز». ألا ترين أن المرأة في المغرب العربي خاصةً قد كسرت قيد العزلة إلى حد بعيد، وأصبحت شريكة في الحياة العامة؟
- صحيح؛ لكن إلى حدّ ما. فعلى الرغم من التطوّر المذهل الذي بلغته المرأة في تونس -مثلاً- متقدّمة على جيرانها في المغرب العربي على مستوى القوانين في مجلة الأحوال الشخصية التي وضعها بورقيبة، وطورها زين العابدين بن علي، فإن أمر تحرر المرأة ظل نسبياً على أرض الواقع، متخلفاً عن القوانين؛ لأن الحرب الحقيقية كانت على مستوى تحرير العقليات الذكورية المسيطرة، إلا أن كل ذلك سقط في عدمية العشرية السوداء الأخيرة التي عاشتها تونس، فعدنا على أرض الواقع إلى فترة بداية الاستقلال التي كانت بداية صعبة لإرساء برنامج تحرير المرأة، باعتبار أنّ الجهل كان مستشرياً في المجتمع، والانتصار عليه كان ممكناً بالتعليم والثقافة والمثابرة في إنجاز ذلك.

> ماذا عن الآن..؟
- أما الآن فإنّي أرى الوضع أشد استحالة لأن الشعوب عموما وتلك التي مرّ عليها الربيع العربي خصوصا، باتت بعد الثورة الرقمية تعاني ممّا أسميه نصف الجهل أو المعرفية المزيفة وهو التزود بمعلومات مغلوطة من شأنها أن تمنح الفرد الإحساس بثقة العارف بينما هو في حقيقة الأمر جاهل والأدهى أنّ ثقته بأنّه يعرف جعلته عنيدا وغير قابل للتلقي.
هذه التحولات الكبرى في العالم وفي منطقة المغرب العربي جعلت سقف الحرية يصبح واطئا ان لم نقل منعدما، فالمجتمعات باتت تعيش حالة انفصام بامتياز سببها هذه الحرية المادية الزائدة عن اللزوم التي توفرها الوسائط الاجتماعية وتلك الردّة في الفكر التنويري خاصة في تونس بسبب عودة العقلية الذكورية المريضة للسيطرة على البلاد ومفاصلها ممّا جعل النقاشات علي وسائل التواصل تعالج فضائح أخلاقية تكون البطلة بطلتها اما اغتصابا أو عنفا أو او … و قصصا غريبة حول الشعوذة والسحر وتفاهات اخرى بدل مناقشة قضايا جادة تصلح مَن شأن الوضع المتري في البلاد.
وهنا بات الكاتب مطالبا بمزيد من العمل وتحمّل مسؤوليته كمثقف عليه أن ينهض بمجتمعه ووسيلته الوحيدة هي الكتابة بحريّة لمعالجة تلك العقلية الذكورية الدكتاتورية التي عادت بشراسة ودمّرت كل شي جميل في تونس.
> بالمناسبة، أليس غريباً أن تُمنع رواية «الكرسي الهزاز» في بلد يملك سقفاً عالياً من حرية النشر والتعبير؟
- مُنعت روايتي الثانية «الكرسي الهزاز» في ظروف ملتبسة ومتضاربة، دون أن يكون هناك من يقرأ ويتمحّص الأمر جيداً. وقد ضاعت الحقيقة بين القيل والقال، وتكاثرت التهم، والرواية براء من كل ذلك. هي ليست رواية سياسية تتحدّث عن السلطة والكرسي، ولا هي لا أخلاقية (كما أُشيع) حتى وإن أُخرجت بعض مقاطع منها عن السياق العام للرواية. هي فقط رواية سيئة الحظ، كُتب لها أن تُمنع ظلماً من التوزيع، إلى أن حلّت سنة 2008 بالقرار الرئاسي الذي حذف جهاز المراقبة الإبداعية من تونس، وجعل القضاء فيصلاً بين الناس عندما يتجاوز عمل إبداعي ما حدوده الجماعية المتعارف عليها.
> إلى أي مدى تشكل الكتابة «مغامرة» في مجتمعات لم تتعود احترام حرية التعبير؟
- فعلاً، الكتابة الإبداعية مغامرة. وهي من أبدع المغامرات وأكثرها انفتاحاً على فضاء الخيال؛ حيث يمكن للكاتب أن يحلم بما يريد. وهنا تكمن المسؤولية الحقيقية للكتابة. والسؤال الحارق: ماذا يريد الكاتب فعلاً أن يقول؟ وماذا يمكن أن ينتج عمّا يقوله هذا الكاتب تحديدا؟ هذه الأسئلة جعلت من دور الكاتب أكثر مسؤولية وخطورة في الظروف التي نعيشها؛ حيث بات المتلقي ذو المعرفة المشوهة والعقلية الذكورية المنغلقة صعب المنال، وأصعب في الإقناع.
> كثيرون يعلمون بقصتك مع الناشر اللبناني سهيل إدريس، صاحب مجلة «الآداب»، و«دار الآداب» للنشر، حين رفض نشر قصة لك وصفها بـ«التافهة»، وبعد فترة اطلع على نصّ آخر اكتشف فيه الموهبة الروائية لديك، فكانت روايتك الأولى «نخب الحياة» (1993)؛ السؤال: كم من الناشرين والنقاد أطفأوا أحلام المبدعين الشباب؟
- تماماً، كانت تلك حادثة قدرية بيني وبين الناشر الراحل سهيل إدريس الذي رفض نشر قصة قصيرة لي سنة 1988، في مجلة «الآداب»، ليعود بعد ذلك وينشر لي رواية «نخب الحياة».

وقد تكون حادثة رفض نشر نص سردي أو شعري لمبدع شاب -مثلما حدث معي أوّل مرّة مع الدكتور سهيل إدريس- سبباً في وأد موهبة شابة تلتمس مساحة وتربة خصبة لتنمو وتزهر. فأنا مثلاً انقطعت عن النشر منذ أبدى الدكتور رأيه في تلك القصة، ولم أنشر إلا تحت إلحاحه رواية «نخب الحياة». لأجل ذلك ألتمس من الناشرين التريث والتمعّن قبل إطلاق حكم قد يكون بمنزلة رصاصة الإعدام لموهبة قد تكون فذة وواعدة.

> ماذا تغير في المشهد الثقافي التونسي بعد أحداث 2011؟ هل تخفف المثقفون من القيود التي كانوا يشتكون منها؟
- بعد أحداث 2011، تحول المشهد الثقافي التونسي إلى فوضى عارمة من فرط منسوب الحريّة الذي عرفته الحياة الثقافية؛ حيث اختلط الحابل بالنابل، وغابت الرقابة الصحية على كل شيء. وزادت وسائط التواصل الاجتماعي الطين بلّة، فتضاعف عدد الكتاب والناشرين والصحافيين والنقاد والفنانين في شتى المجالات. قد يقول قائل إنّ في ذلك نفساً صحيّاً؛ لكني أرى عكس ذلك، مؤمنة بأنّ كل شيء إذا ما فاق حدّه انقلب إلى ضدّه.
كما أؤمن بأنّ بعد كل انفجار وفوضى لا بد للأمور من أن تعثر على توازن ما، فيه من المنطق الكثير، وهذا ما يحدث الآن في المشهد الثقافي التونسي الذي بدأ يستعيد توازنه؛ خصوصاً بعد التوقف الذي فرضه وباء «كورونا» الذي شلّ العالم بأسره. وها نحن نستعيد ألقنا وفرادتنا بعد تجاوز كثير من العراقيل، محافظين على الحريّة في ممارسة فعل الإبداع، وهي شرطه الأوّل ليتحقق ويفيد.

> ماذا يمكنك أن تضيفي لحركة الإبداع الأدبي بعد تعيينك مسؤولة عن «بيت الرواية»؟
- لدي مشروع واضح الأهداف والرؤية بالنسبة لمؤسسة «بيت الرواية»، يتمثل في العمل بالشراكة مع وزارة التربية لالتقاط الشباب الذين يتمتعون بمواهب القراءة والكتابة، وتأطيرهم في ورشات مختصة يشرف عليها مختصون في المادة، لتساهم «بيت الرواية» في تنشئة جيل يقرأ أولاً، ومن يقرأ يمكن أن يُعوّل عليه، ثم تأطير أصحاب المواهب لكي تنمو في مناخ سليم.
هذا إلى جانب العمل العادي، من تنظيم ندوات تونسية وعربية وعالمية، حول الرواية وصناعتها ومحتواها، لمزيد إشعاع «البيت» عربياً وعالمياً.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
TT

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

ودّع الوسط الفني في مصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الذي قدم العديد من الأعمال المسرحية المهمة على مدى تاريخه الفني الذي بدأ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كما شارك في العديد من الأعمال الدرامية لتي قدم فيها أداءً متميزاً.

ونعت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، الفنان القدير ياسر صادق، الذي وافته المنية، الخميس، «بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع، قدّم خلالها نموذجاً للفنان المثقف الملتزم بقضايا مجتمعه، فأسهم بإخلاص في إثراء الحركة المسرحية والفنية في مصر، سواء من خلال أعماله الإبداعية أو إدارته للمؤسسات الثقافية، تاركاً بصمة واضحة في وجدان جمهوره وتلاميذه ومحبيه»، وفق بيان للوزارة.

ونعت نقابة المهن التمثيلية الفنان الراحل، وقالت في بيان: «رحل الفنان القدير بعد مسيرة فنية مشرفة قدّم خلالها العديد من الأعمال التي تركت أثراً واضحاً في الساحة الفنية، وكان مثالاً للفنان الملتزم صاحب الحضور الهادئ والروح الطيبة».

ونعى المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح في وزارة الثقافة، الفنان، قائلاً في بيان: «فقدنا اليوم شخصية فنية جادة، قدمت العديد من الأعمال الفنية الناجحة»، مشيراً إلى ما قدمه الفنان القدير ياسر صادق من جهود مخلصة بالوزارة أثْرت العمل الثقافي.

الفنان ياسر صادق (وزارة الثقافة)

وقدم الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق العديد من الأعمال في التلفزيون والسينما والمسرح، وحصل على جوائز عديدة بالمسرح الجامعي منذ بداية دخوله مجال الفن، منها مخرج أول جامعة القاهرة وممثل أول الجامعة، ثم ممثل أول الجامعات المصرية عام 1985، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج وتخرج فيه عام 1994، وشغل منصب مدير عام المسرح الحديث، ثم رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

ونعى رئيس دار الأوبرا المصرية، الدكتور علاء عبد السلام، صادق وقال إن «الراحل ترك بصمات واضحة في الساحة الإبداعية بأعمال بارزة، كما شارك بجهود دؤوبة ورؤية فريدة فى إثراء ميدان الثقافة المصرية».

ونعى المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الفنان الراحل، وقال: «لقد كان الراحل رئيساً للإدارة المركزية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية لمدة أربع سنوات، قدم خلالها العديد من الإنجازات الإدارية الملموسة داخل هذا الصرح الفريد بوزارة الثقافة، كما أثرى الساحة الفنية المصرية بأعمال خالدة، وترك بصمة مميزة في وجدان الجمهور وذاكرة الفن المصري، وتميز الفقيد بإخلاصه لفنه».

وبالإضافة إلى شهرته في التمثيل والإخراج المسرحي، حيث قدم العديد من الأعمال من بينها «لكع ابن لكع» في مسرح الجامعة، ومسرحية «سي علي وتابعه قفة» و«حوش بديعة»، فقد شارك الفنان الراحل في العديد من الأعمال السينمائية والدرامية وعرف بأدواره البارزة في المسلسلات التاريخية مثل «أبو حنيفة النعمان»، و«عصر الأئمة» و«القضاء في الإسلام» و«ابن حزم»، وأحدث أعماله التاريخية كان ضمن مسلسل «الحشاشين»، وشارك في مسلسل «المداح» و«عهد أنيس» في السنوات الأخيرة، كما شارك في العديد من الأفلام من بينها «امرأة هزت عرش مصر» و«دانتيلا» و«بالألوان الطبيعية».


هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
TT

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام؛ نظراً لصيام ساعات طويلة يليها تناول وجبات دسمة بعد الإفطار.

ويسعى كثير من الناس خلال الإفطار لتعويض الطاقة المفقودة بسرعة، وغالباً ما يكون البروتين جزءاً كبيراً من وجبات الإفطار والسحور، سواء من اللحوم الحمراء أو البيضاء، أو منتجات الألبان.

ويؤكد خبراء التغذية أن البروتين عنصر أساسي لبناء العضلات، وصيانة الأنسجة، ودعم جهاز المناعة. وتحتوي اللحوم، والأسماك، والدواجن، والبيض، على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، في حين يمكن الحصول على البروتين النباتي من مصادر مثل البقوليات والمكسرات. والسؤال هنا: هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان مفيد أو ضار للصحة؟

تشير الدكتورة فينا في، أخصائية التغذية السريرية في الهند، إلى أن البروتين الحيواني يمتصه الجسم بكفاءة أكبر مقارنة بالمصادر النباتية، ويمنح شعوراً بالشبع لفترة أطول، ما يساعد على التحكم في الشهية خلال الإفطار بعد يوم طويل من الصيام، حسب شبكة «إنديا تي في» الهندية.

وتضيف أن قوائم الإفطار غالباً ما تركز على اللحوم، ويمكن أن يكون ذلك مفيداً إذا تم اختيارها بعناية، موضحة أن تناول البروتين باعتدال يبطئ امتصاص الكربوهيدرات، ويساعد على استقرار مستويات السكر في الدم.

وتوصي الدكتورة فينا باختيار مصادر بروتين منخفضة الدهون، وطهيها بطريقة صحية، مثل الدجاج المشوي، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب القلي الذي يزيد من الدهون غير الصحية ويؤدي إلى شعور بالكسل بعد الوجبة.

ووفق الدكتورة روزماي تراوت، أستاذة علوم الغذاء في جامعة دريكسل الأميركية، فإن اللحوم مصدر غني بالبروتين الكامل الذي يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، إضافة إلى فيتامين «B12»، والحديد، والزنك، وفق صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

في حين تشير اختصاصية التغذية الأميركية لورين مانكر إلى أن تناول اللحوم يومياً ممكن إذا كانت طازجة وغير مصنعة وبحصص معتدلة، مع دمجها بالخضراوات والألياف لتحقيق توازن غذائي صحي.

مخاطر الإفراط في البروتين

رغم فوائد البروتين العديدة، يشير خبراء التغذية إلى أن الإفراط في تناوله بشكل يومي، خصوصاً خلال رمضان، قد يؤدي إلى عدة مشاكل صحية؛ فاللحوم الغنية بالدهون تحتوي على كولسترول ودهون مشبعة قد ترفع مستويات الكولسترول الضار في الدم، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب.

عبء إضافي

كما أن تناول كميات كبيرة من البروتين يفرض عبئاً إضافياً على الكلى والكبد، خصوصاً لدى من لديهم مشاكل صحية سابقة. إضافة إلى ذلك، فإن اللحوم المصنعة مثل النقانق واللحم المقدد، تحتوي على ملح وسكر ودهون إضافية، وهي غير مناسبة للاستهلاك اليومي، وقد يرهق الإفراط في البروتين بعد صيام طويل الجهاز الهضمي، مسبباً شعوراً بالثقل أو الانتفاخ أو الإمساك، خصوصاً إذا قل تناول الألياف والخضراوات.

ولتجنب هذه المخاطر، ينصح خبراء التغذية بالاعتدال في حصص البروتين، بحيث لا تتجاوز الوجبة الواحدة 3 إلى 4 أونصات، مع مزج البروتين الحيواني بمصادر نباتية مثل الفاصوليا والمكسرات.

كما يُفضل اختيار البروتين الصحي، مثل الدجاج الأبيض، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب اللحوم المصنعة والمقلية.

ويُنصح أيضاً بتوزيع البروتين على وجبتَي الإفطار والسحور لتقليل الضغط على الجهاز الهضمي، والحفاظ على مستويات الطاقة طوال اليوم، مع التركيز على تناول الخضراوات والألياف التي تساعد على الهضم وتحافظ على صحة الأمعاء، وشرب الماء بانتظام لتعويض السوائل اللازمة لترطيب الجسم بعد الصيام.

أما بالنسبة للكميات الموصى بها، فالجرعة اليومية من البروتين تبلغ 0.8 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم، وقد تختلف حسب مستوى النشاط البدني. ووفقاً لإرشادات النظام الغذائي الأميركي، يُنصح بتناول نحو 26 أونصة؛ أي نحو 736 غراماً، من اللحوم والدواجن والبيض أسبوعياً.


«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

في الفيلم الأرجنتيني «قطار النهر»، لا يبدأ كلُّ شيء من لحظة الهروب، بل من لحظة الشكّ الأولى؛ تلك اللحظة الخفية التي يُدرك فيها طفلٌ أن العالم أكبر من حدود قريته، وأن الصورة التي رسمها في خياله عن المدينة قد تكون أوسع من قدرته على احتوائها.

هنا، لا تبدو المغادرة فعلاً بطولياً ولا نزوة عابرة، بل سؤالاً داخلياً ينمو بصمت حتى يصير قراراً. الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى في الدورة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، كتب السيناريو الخاص به وأخرجه الثنائي الأرجنتيني الشاب لورينزو فيرو ولوكاس فينيالي. لا يتعامل العمل مع الرحلة بوصفها مغامرةً طفولية، بل بوصفها عتبة عبور بين مرحلتين: براءةٍ تعتقد أن الحلم وحده يكفي، ووعيٍ يتعلّم تدريجياً أن الطريق إلى الحلم ليس كما تصوّره الأفلام.

ومن هذه المسافة بين الصورة والواقع، تتشكّل حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحوّل تدريجياً إلى تأمّل بصري وإنساني في معنى الحرية الأولى، وفي الثمن الصامت الذي يدفعه الإنسان حين يقرر أن يختبر العالم وحده.

مخرجا الفيلم الأرجنتيني (الشركة المنتجة)

تدور القصة حول «ميلو»، الطفل الذي يعيش في قرية أرجنتينية نائية، ويتدرّب يومياً على رقصة المالامبو تحت إشراف والده، ضمن إطار عائلي واضح التوقعات والملامح. ترى الأسرة فيه امتداداً لتقاليدها، بينما يرى هو في نفسه شيئاً آخر لم تتضح ملامحه بعد.

العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، ليست بالنسبة إليه مجرد مدينة؛ إنها صورة تعلّمها من السينما والتلفزيون، مساحة افتراضية للحرية والانطلاق. وحين يقرر أن يستقل القطار ويرحل، فإن الرحلة لا تقوده فقط من الريف إلى العاصمة، بل من طفولة ساكنة إلى تجربة أكثر تعقيداً.

يقول لورينزو فيرو لـ«الشرق الأوسط» إن الدافع الأول وراء «قطار النهر» كان الرغبة في العودة إلى سؤال الطفولة بوصفها أرضاً أولى نفقدها ولا نتوقف عن الحنين إليها، مشيراً إلى أن ما جذبه إلى شخصية «ميلو» هو هذا التناقض الحاد بين الجسد الصغير والحلم الكبير، وبين انضباط التدريب اليومي الصارم ورغبة داخلية في الانفلات واختبار المجهول.

ويضيف أن الطفل في السينما يمتلك قدرة استثنائية على كشف الحقيقة، لأن نظرته لم تُثقل بعد بالحسابات أو المجاملات، ولأنه يعيش اللحظة بعفوية كاملة. وبالنسبة إليه، لم يكن الهدف أن يروي قصة صبي هارب، بل أن يتتبع لحظة وعي تتكوّن ببطء؛ لحظة يبدأ فيها الإنسان الصغير في إدراك أن العالم لا يشبه تماماً ما تخيّله.

ويشير فيرو إلى أن فكرة القطار لم تكن عنصراً سردياً فحسب، بل هي رمز للحركة المستمرة، وللرغبة في تجاوز المألوف حتى من دون ضمانات. فالقطار، في نظره، هو المسافة بين ما نعرفه وما نظن أننا نريده، بين البيت بوصفه أماناً والمدينة بوصفها احتمالاً.

ويؤكد أن «الفيلم يتعمد ترك مساحات صمت طويلة، لأن الصمت ليس فراغاً، بل زمن داخلي يتشكل فيه الإدراك. لحظات الانتظار على الرصيف، والمشي في شوارع لا يعرفها الطفل، والتحديق في وجوه الغرباء؛ كلها ليست تفاصيل عابرة، بل جوهر التجربة»، مشيراً إلى أن «الكاميرا كانت مطالَبة بأن تصبر، وأن تمنح الزمن حقه، لأن التحول الحقيقي لا يحدث في لحظة صاخبة، بل في تراكم لحظات صغيرة لا تكاد تُرى».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في برلين (إدارة المهرجان)

أما لوكاس فينيالي فيؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم يقوم على مفارقة دقيقة تتعلق بـ«ميلو» نفسه؛ فهو يعتقد أنه يهرب من ضغط العائلة وتوقعاتها، لكنه يكتشف أن ما يرافقه في الرحلة ليس مجرد حقيبة صغيرة، بل خوفه وحيرته ورغبته العميقة في أن يُعترف به.

ويقول فينيالي إن الحرية، كما يتناولها الفيلم، ليست شعاراً سهلاً ولا حالة رومانسية، بل وضعية معقّدة؛ فهي تمنح الإنسان مساحة للاختيار، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام مسؤولية هذا الاختيار. ويشير إلى أن الإيقاع البطيء للفيلم كان قراراً مسبقاً اتخذه مع فيرو، لأن التجربة الإنسانية، وخصوصاً في الطفولة، لا تحدث في انفجار درامي واحد، بل في تراكم لحظات صغيرة قد تبدو عابرة.

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

ويؤكد فينيالي أن «منح الزمن حقه داخل الكادر يسمح بظهور تفاصيل لا يمكن كتابتها في السيناريو: نظرة مترددة، وابتسامة خافتة، وخطوة متباطئة فوق رصيف محطة. هذه التفاصيل، في رأيه، هي التي تصنع صدق التجربة».

ويلفت إلى أن «العمل لا يسعى إلى تقديم رسالة مباشرة أو خاتمة مطمئنة، بل إلى خلق حالة شعورية تدعو المشاهد إلى أن يعيش الرحلة مع ميلو، لا أن يكتفي بتفسيرها من الخارج».