الإيطاليون يدخلون «عصر ميلوني»... وحنينه السياسي

أمام تداعيات الداخل وردات فعل أوروبا

ميلوني... بعد انتصارها (أ.ب)
ميلوني... بعد انتصارها (أ.ب)
TT

الإيطاليون يدخلون «عصر ميلوني»... وحنينه السياسي

ميلوني... بعد انتصارها (أ.ب)
ميلوني... بعد انتصارها (أ.ب)

منذ مطالع القرن الماضي وإيطاليا أشبه بمختبر سياسي لأوروبا، تنشأ فيها حركات وتعتمل تيارات وتجارب للمرة الأولى، ولا تلبث أن تنكفئ وتتلاشى حتى تظهر مجدداً في أماكن أخرى بحلة جديدة... وغالباً أكثر تطوراً ورسوخاً.. من الفاشية التي كانت مصدر الإلهام الأول للنازية، إلى الديمقراطية المسيحية التي انتشرت لاحقاً في عدد من الدول الأوروبية. ومن ثم، من الحركة الأورو - شيوعية التي أخرجها أنريكو برلينغوير من دائرة التبعية للاتحاد السوفياتي لتصبح الحزب الشيوعي الأقوى والأقرب للحكم في أوروبا الغربية، ولاحقاً، من اندثار الأحزاب التقليدية - وفي طليعتها اليسارية والديمقراطية المسيحية... حتى الوصول إلى الرائد الأول للشعبوية اليمينية الحديثة سيلفيو برلوسكوني والصعود السريع لحركات مناهضة النظام القائم والخروج عن الأعراف وقواعد اللعبة السياسية الكلاسيكية. وها هي اليوم تقدّم للاتحاد الأوروبي أولى تجارب وصول اليمين المتطرف إلى الحكم بعد الفوز الذي حققه الائتلاف الذي يقوده حزب الفاشيين الجدد «إخوان إيطاليا» بقيادة «المرأة الحديدية الجديدة» جيورجيا ميلوني التي ستصبح أول امرأة تتولّى رئاسة الحكومة في تاريخ إيطاليا، والمرآة التي تتهيّب أوروبا النظر فيها إلى مستقبلها السياسي.
بعدما تولّت مارغريت ثاتشر رئاسة الحكومة البريطانية وأنجيلا ميركل منصب المستشارة في ألمانيا، وكذلك تكرار التجربة مرات عدة في البلدان الإسكندينافية، ومع وجود أورسولا فون در لاين على رأس المفوضية الأوروبية، لم يعد وصول امرأة إلى قمة السلطة الإجرائية في أوروبا الغربية يشكّل حدثاً بارزاً في المشهد السياسي القاري. غير أن وصول جيورجيا ميلوني إلى رئاسة الحكومة الإيطالية بعد الفوز الساحق الذي حققه حزبها «إخوان إيطاليا» في انتخابات الأحد الفائت، كان من أبرز التحولات السياسية التي شهدتها أوروبا خلال السنوات الأخيرة. لقد كان نقطة تحوّل تستدعي التوقف عندها لاستشراف صورة المستقبل السياسي الذي قد يكون يعتمل في بلدان الاتحاد الأوروبي، وربما في الدول الغربية.
إذ إن الحزب الذي تتزعمه ميلوني هو وليد «ارتقاء» فلول الحركة الفاشية، التي كان قد حظرها الدستور الإيطالي بعد سقوط بنيتو موسوليني وولادة «الجمهورية الثانية»، والدليل القاطع على أن «الطوق الأخلاقي» الذي حاولت الأحزاب التقليدية في أوروبا الغربية فرضه حول اليمين المتطرف طوال عقود لم يمنع هذا اليمين من الانخراط في المسار السياسي والصعود إلى قمة هرم السلطة. ويضاف إلى ذلك، أن هذه الاستراتيجية التي تبنّتها أحزاب اليسار واليمين المعتدل لم تكن حائلاً دون الانهيار المطّرد لهذه الأحزاب واندثار معظمها.

عِبَر كثيرة
كثيرة هي العِبَر التي ينبغي استخلاصها من هذه القفزة الإيطالية الجديدة نحو المجهول، خاصة أنها تأتي بعد أيام من الفوز الذي حقّقه النازيّون الجدد في السويد ودخولهم الحكومة الجديدة لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية في واحدة من أكثر الدول الأوروبي اعتدالاً. ولا يغيب عن البال أن هذا التطور، الذي يحصل في دولة أوروبية وازنة اقتصادياً وسياسياً وديمغرافياً، يتزامن مع مرحلة دقيقة جداً من التاريخ الأوروبي الحديث تعتمل فيها أزمات عدة عميقة ومفتوحة على احتمالات يصعب التكهن بمآلها. فقد تبيّن هذه التجربة، أن «تركيز» الحملات الانتخابية على الإدانة الأخلاقية، والتحذير من العواقب الكارثية لوصول القوى المتطرفة إلى السلطة، يضع هذه القوى في موقع «البديل الفعلي» مهما كانت برامجها السياسية خاوية من الاقتراحات والحلول العملية لمعالجة الأزمات.
نعم، عكفاً على ما سبق، فوز اليمين المتطرف في الانتخابات الإيطالية سبقه منذ أسابيع قليلة فوز كتلة المحافظين في السويد، حيث نال حزب النازيين الجدد ما يزيد على 20 في المائة من الأصوات. إلى جانب ذلك، يتضّح أن حكومات «الوحدة الوطنية» أو الائتلافية، التي غالباً ما يستهدف تشكيلها تهميش أو عزل القوى المتطرفة، تساهم في نهاية المطاف في توسيع دائرة التحرك أمام هذه القوى التي لا تعود مُحتاجة إلى طرح برامج سياسية بديلة، بل تكتفي بمعارضة السلطة الحاكمة العاجزة عن معالجة المشاكل اليومية الملحة للمواطنين.
الحقيقة، أنه تميّزت الأحزاب اليمينية المتطرفة خلال السنوات الأخيرة بنجاحها في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتسويق صورة معتدلة لها، ومنزّهة عن العقم والفساد الذي كانت تقع فيه الأحزاب المشاركة في الحكم؛ الأمر الذي سمح لها باستقطاب نسبة كبيرة من التأييد الذي كانت تحظى به الأحزاب التقليدية، وبخاصة منها المحافظة. وتفيد الدراسات بأن القوى اليمينية المتطرفة تسخّر نسبة كبيرة من مواردها في حملات واسعة على وسائل التواصل، قبل الانتخابات وخلالها وبعدها، وتوكلها إلى أفضل الاختصاصيين في هذا المجال.
ومن العوامل الأخرى التي تفسّر هذا الصعود للقوى اليمينية المتطرفة، إلى جانب مهارتها في نقل الأفكار الهامشية إلى واجهة النقاش العام - والتي تجلّت بوضوح في التجربة الإيطالية - هي الروابط التي نسجتها مع القوى اليمينية المؤسّسية، التي أصبحت تشكّل خطراً وجودياً على الأحزاب والقوى المحافظة التقليدية. فالتحالف الذي بناه حزب أنطونيو تاجاني، الرئيس السابق للبرلمان الأوروبي والمرشح لخلافة برلوسكوني، مع «إخوان إيطاليا»، كان له أكبر الأثر في التخفيف من حدة الصورة المتطرفة لحزب ميلوني، ما يحمل على التساؤل حول ما إذا كانت التجربة الإيطالية - مرة أخرى - نافذة تطل على المشهد السياسي المقبل في أوروبا.

الأبعاد الأوروبية المستقبلية
وإذا كان وصول اليمين المتطرف إلى الحكم في إيطاليا «مرآة» يستشرف الأوروبيون من خلالها ما قد ينتظرهم في السنوات المقبلة، فهو أيضاً يطرح علامات استفهام حول مستقبل المواجهة الأوروبية مع روسيا وموقع الاتحاد في المعادلة الدولية التي ستسفر عنها الحرب الدائرة في أوكرانيا. إذ من المعروف أن معظم الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا تقيم منذ سنوات علاقات وثيقة مع موسكو، وهي أعربت مراراً عن معارضتها للعقوبات المفروضة على روسيا بذريعة أنها تضرّ بالمصالح الأوروبية أكثر من المصالح الروسية؛ ولذا عارضت إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا.
وهنا، مع أن جيورجيا ميلوني حرصت منذ بداية الحرب في أوكرانيا على تأكيد موقف حزبها الداعم للمحور الأطلسي وللعقوبات على موسكو، فإن حليفيها اليمينيين البارزين سيلفيو برلوسكوني وماتّيو سالفيني لا يفوّتان فرصة للتمايز والابتعاد عن الموقف الأوروبي الموحّد من موسكو، لا، بل إلى محاولة تبرير الغزو الروسي لأوكرانيا... كما فعل برلوسكوني عشيّة الانتخابات الأخيرة.
للعلم، كان زعيم حزب «إخوان إيطاليا» قد أدلى بتصريحات قال فيها، إن العملية العسكرية الخاصة التي أطلقتها روسيا في أوكرانيا كانت تستهدف الوصول إلى كييف في غضون أسبوع واحد، وتعويض حكومة زيلينسكي بأخرى من «أشخاص صالحين»، والعودة بعد أسبوع إلى قواعدها. وأردف «لكن الضغوط التي تعرّض لها فلاديمير بوتين من وزرائه وحزبه، دفعته إلى الإقدام على هذه الخطوة... وما حصل هو أن القوات الروسية واجهت مقاومة غير متوقعة تعززت بفضل إمدادات بكل أنواع الأسلحة من الغرب».
من جهة ثانية، كان برلوسكوني، الذي التزم الصمت التام طوال شهرين قبل شجبه الغزو الروسي لأوكرانيا، قد صرّح منذ أسابيع بأن «على الدول الغربية أن تحاول إقناع الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي بالإصغاء إلى مطالب بوتين». ويُذكر، أن برلوسكوني، زعيم حزب «فورتسا إيطاليا»، تربطه صداقة شخصية وطيدة بالرئيس الروسي الذي استضافه مرات عديدة في رحلات ترفيهية... اعتاد برلوسكوني على التباهي بسرد تفاصيلها في مجالسه الخاصة. وكان أيضاً أول زعيم أوروبي رافق بوتين في زيارة إلى شبه جزيرة القرم بعدما ضمتها موسكو عام 2014.
جدير بالذكر، أنه، منذ بداية الحرب في أوكرانيا دأب الاتحاد الأوروبي على تكرار التحذيرات الموجهة إلى حكومات الدول الأعضاء من محاولات موسكو التأثير على مواقفها وسياساتها الداخلية عن طريق المعلومات المزيفة والأنباء المضللة واستخدام حلفائها في هذه الدول. وكان من الطبيعي أن توجّه هذه التحذيرات بشكل خاص إلى إيطاليا، ولو من غير تسميتها، لسببين رئيسيين:
الأول، لأن موسكو نسجت منذ سنوات علاقات تجارية واقتصادية وثيقة مع روما، ومدّت جسوراً وطيدة مع بعض القوى السياسية الصاعدة مثل حزب الرابطة اليميني المتطرف. وفي الوقت نفسه، أخذت تترسّخ العلاقات الشخصية بين بوتين وبرلوسكوني الذي رغم أفول نجمه السياسي ما زال يتمتع بقدرة كبيرة على التأثير في الرأي العام بفضل إمبراطوريته الإعلامية الضخمة.
والآخر، لأن إيطاليا دولة وازنة في الاتحاد الأوروبي، إلا أنها تعاني من وضع اقتصادي حرج يجعلها تتردد كثيراً قبل الإقدام على خطوات من شـأنها أن تساهم في مفاقمة هذا الوضع.
بناءً عليه؛ لم يكن مستغرباً أن الانتخابات الإيطالية استأثرت باهتمام واسع في الأوساط الأوروبية والأميركية، نظراً للتداعيات المحتملة لنتائجها على «وحدة الصف الأطلسية» من المواجهة مع موسكو. ويجدر التذكير في هذا الصدد بأن أصابع الاتهام الأوروبية وجّهت إلى موسكو مطلع هذا الصيف عندما قرّر برلوسكوني وحليفه اليميني المتطرف سالفيني سخب الثقة من حكومة ماريو دراغي. وكان دراغي قد تحوّل، بفضل علاقاته الوثيقة بالإدارة الأميركية، إلى «رأس حربة» في الدعم الأوروبي لأوكرانيا. يضاف إلى ذلك، أن سالفيني، الذي يطالب منذ فترة بإنهاء العقوبات المفروضة على موسكو وبناء تحالف اقتصادي وسياسي بين أوروبا وروسيا، سبق له أن دخل البرلمان الأوروبي مرة وهو يرتدي قميصاً يحمل صورة لفلاديمير بوتين.
وحقاً، لم تنفع التطمينات المتكررة على لسان ميلوني وتأييدها للعقوبات والمساعدات العسكرية لأوكرانيا، في تهدئة خواطر الحلفاء الغربيين. والسبب أنها مضطرة إلى التحالف مع سالفيني وبرلوسكوني لتشكيل الحكومة الجديدة. وهذا، بينما يرتبط حزبها بتحالف وثيق مع رئيس الوزراء المجري اليميني المتطرف فيكتور أوربان الذي يقود حملة إنهاء العقوبات على روسيا داخل الاتحاد الأوروبي. وكانت ميلوني قد سعت أخيراً، عبر حلفائها في الحزب الجمهوري الأميركي، إلى «طمأنة» واشنطن حول موقفها من الحرب في أوكرانيا في حال وصولها إلى الحكومة. غير أن إدارة الرئيس بايدن ردّت بأنها ستبقي على حذرها في انتظار المواقف التي ستعلنها الحكومة الإيطالية الجديدة.

                                                                                      سالفيني
نحو إعادة تشكّل المشهد السياسي الإيطالي... في أعقاب «زلزال» الانتخابات الأخيرة
> على الصعيد الإيطالي الداخلي، أعادت الانتخابات الأخيرة خلط الأوراق مرة أخرى في المشهد السياسي، وفتحت الباب مجدداً أمام إعادة تشكيل التحالفات وظهور قوى سياسية جديدة أو اندثار بعضها. فالحزب الديمقراطي (يسار الوسط)، الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق إنريكو ليتّا، والمفترض أن يكون حزب المعارضة الرئيس ضد حكومة ميلوني، يجد نفسه أمام أزمة وجودية جديدة بعد الهزيمة التي مني بها في الانتخابات.
وفعلاً، دفعت الهزيمة الأمين العام إلى الدعوة لعقد مؤتمر استثنائي بهدف تجديد قيادته، والإعلان عن أنه لن يترشّح للمنصب مرة أخرى. ويذكر، أن هذا الحزب قام من ركام الحزب الشيوعي الإيطالي - الذي كان أقوى الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية قبل أن يندثر من المشهد السياسي – إلا أنه ما زال يعيد تشكيل ذاته تحت تسميات وشعارات مختلفة، ويبدّل تحالفاته مع قوى الوسط واليسار. ولقد شارك هذا الحزب في كل الحكومات التي تعاقبت على إيطاليا منذ سقوط حكومة برلوسكوني الرابعة والأخيرة في العام 2011. ومن ناحية أخرى، يعاني الحزب منذ سنوات من صراعات داخلية عميقة بين قياداته، أدت إلى انشقاق بعضهم نحو الوسط ونحو أقصى اليسار، في حين استقطبت «حركة النجوم الخمس» الشعبوية الناشئة نسبة كبيرة من شعبيته مكنتها من الفوز في الانتخابات الماضية عام 2018 حين حصلت على 33 في المائة من الأصوات.
غير أن «حركة النجوم الخمس» تعرّضت هي أيضاً للانقسام أخيراً عند سقوط حكومة ماريو دراغي، وانشقّ عنها زعيمها السابق ووزير الخارجية لويجي دي مايو... الذي خسر مقعده البرلماني في الانتخابات الأخيرة. ولكن رغم التوقعات التي كانت تشير إلى انهيار «الحركة»، فإنها تمكّنت من الصمود في وجه «إعصار ميلوني»، وحلّت في المرتبة الثالثة بعد «إخوان إيطاليا» والحزب الديمقراطي. وهذا واقع يفتح الباب أمام تشكّل التحالف الذي كان من المفترض أن يحصل مع الديمقراطيين، والذي كان السبيل الوحيد لانتزاع الانتصار من التحالف اليميني في الانتخابات.

                                                                                  برلوسكوني
وتشاء مفارقات المشهد السياسي الإيطالي، أن اللغز الأكبر يدور حول مصير تحالف الأحزاب اليمينية الذي حقق هذا الانتصار التاريخي في انتخابات الأحد الماضي. فالرابطة تشهد غلياناً في قواعدها المطالبة بتنحية سالفيني بعد تراجع شعبيتها والخسائر التي منيت بها في معظم معاقلها الشمالية على يد حلفائها في «إخوان إيطاليا»، في حين يتنامى التيار الذي يدعو للعودة إلى الجذور الإقليمية، حيث إن هذا الحزب كان قد تأسس كحركة انفصالية لأقاليم الشمال قبل أن يتسلّم سالفيني زمامه ويقرر توسيع امتداده على الصعيد الوطني، مستغلاً المشاعر المناهضة للهجرة التي سادت إيطاليا.
في هذه الأثناء، كان من المفاجآت التي حملتها الانتخابات الأخيرة أيضاً صمود حزب برلوسكوني الذي تنزف شعبيته منذ سنوات، والذي كان قد انشقّ عنه أخيراً عدد من قياداته البارزة بسبب مشاركته في مؤامرة إسقاط حكومة دراغي. وليس واضحاً بعد الموقع الذي سيحتله هذا الحزب في الحكومة الجديدة والخط الذي سينهجه برلوسكوني، الذي دأب على تسخير حزبه لتحقيق مآربه والدفاع عن مصالحه الشخصية.
وهكذا، يبقى حزب «إخوان إيطاليا» وزعيمته جيورجيا ميلوني المنكبّة على تهدئة خواطر الشركاء الأوروبيين، وعلى تشكيل الحكومة الجديدة التي من المفترض إلا يواجه عقبات كبيرة في ظل الغالبية البرلمانية التي حصل عليها الائتلاف اليميني. إلا أن السياسة الإيطالية سخيّة دائماً بالمكائد والمؤامرات التي جعلت من منصب رئيس الحكومة الأسرع زوالاً في أعصى البلدان الأوروبية على الحكم وأغناها بالمفاجآت.
وقبل أن ينقضي أسبوع واحد على الانتخابات التي بايعت ميلوني وحدها «ملكة غير متوجّة» على إيطاليا، ظهرت أمامها أولى العقبات من حليفها ماتّيو سالفيني، الذي أعلن أنه في حال عدم حصوله على حقيبة وزارة الداخلية ومنصب نائب الرئيس، لن يشارك في الحكومة، بل سيكتفي بتأييدها من الخارج، فاتحاً بذلك موسماً جديداً في «البازار السياسي» الإيطالي العريق.
ويبقى أيضاً، أن لغزاً كبيراً ما زال يحيط بمسار حزب «إخوان إيطاليا». إذ حرصت زعيمته ميلوني في الفترة الأخيرة على النأي عن تصريحاتها النارية والتأكيد على أنها ستحكم «بمسـؤولية ولكل الإيطاليين»، لكنها في المقابل، ذكّرت بأن الفوز الذي حققه هو نقطة البداية وليس نقطة الوصول. وتابعت أنها لن تخذل الذين انتخبوها «أولئك الذين بعد النصر، سيتمكنون من رفع رؤوسهم والجهر بما كانوا دائماً يفكرون ويـؤمنون به»، كما قالت في المهرجان الذي اختتمت به حملتها الانتخابية.


مقالات ذات صلة

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

أصبح برنامج «تشات جي بي تي» الشهير الذي طورته شركة الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» متاحا مجددا في إيطاليا بعد علاج المخاوف الخاصة بالخصوصية. وقالت هيئة حماية البيانات المعروفة باسم «جارانتي»، في بيان، إن شركة «أوبن إيه آي» أعادت تشغيل خدمتها في إيطاليا «بتحسين الشفافية وحقوق المستخدمين الأوروبيين». وأضافت: «(أوبن إيه آي) تمتثل الآن لعدد من الشروط التي طالبت بها الهيئة من أجل رفع الحظر الذي فرضته عليها في أواخر مارس (آذار) الماضي».

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

في الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام تحتفل إيطاليا بـ«عيد التحرير» من النازية والفاشية عام 1945، أي عيد النصر الذي أحرزه الحلفاء على الجيش النازي المحتلّ، وانتصار المقاومة الوطنية على الحركة الفاشية، لتستحضر مسيرة استعادة النظام الديمقراطي والمؤسسات التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم. يقوم الدستور الإيطالي على المبادئ التي نشأت من الحاجة لمنع العودة إلى الأوضاع السياسية التي ساهمت في ظهور الحركة الفاشية، لكن هذا العيد الوطني لم يكن أبداً من مزاج اليمين الإيطالي، حتى أن سيلفيو برلوسكوني كان دائماً يتغيّب عن الاحتفالات الرسمية بمناسبته، ويتحاشى المشاركة فيها عندما كان رئيساً للحكومة.

شوقي الريّس (روما)
شمال افريقيا تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

أعلنت الحكومة المصرية عن عزمها تعزيز التعاون مع إيطاليا في مجال الاستثمار الزراعي؛ ما يساهم في «سد فجوة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي»، بحسب إفادة رسمية اليوم (الأربعاء). وقال السفير نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء المصري، إن السفير الإيطالي في القاهرة ميكيلي كواروني أشار خلال لقائه والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، (الأربعاء) إلى أن «إحدى أكبر الشركات الإيطالية العاملة في المجال الزراعي لديها خطة للاستثمار في مصر؛ تتضمن المرحلة الأولى منها زراعة نحو 10 آلاف فدان من المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إليها مصر، بما يسهم في سد فجوة الاستيراد وتحقيق الأمن الغذائي». وأ

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.