الإيطاليون يدخلون «عصر ميلوني»... وحنينه السياسي

أمام تداعيات الداخل وردات فعل أوروبا

ميلوني... بعد انتصارها (أ.ب)
ميلوني... بعد انتصارها (أ.ب)
TT

الإيطاليون يدخلون «عصر ميلوني»... وحنينه السياسي

ميلوني... بعد انتصارها (أ.ب)
ميلوني... بعد انتصارها (أ.ب)

منذ مطالع القرن الماضي وإيطاليا أشبه بمختبر سياسي لأوروبا، تنشأ فيها حركات وتعتمل تيارات وتجارب للمرة الأولى، ولا تلبث أن تنكفئ وتتلاشى حتى تظهر مجدداً في أماكن أخرى بحلة جديدة... وغالباً أكثر تطوراً ورسوخاً.. من الفاشية التي كانت مصدر الإلهام الأول للنازية، إلى الديمقراطية المسيحية التي انتشرت لاحقاً في عدد من الدول الأوروبية. ومن ثم، من الحركة الأورو - شيوعية التي أخرجها أنريكو برلينغوير من دائرة التبعية للاتحاد السوفياتي لتصبح الحزب الشيوعي الأقوى والأقرب للحكم في أوروبا الغربية، ولاحقاً، من اندثار الأحزاب التقليدية - وفي طليعتها اليسارية والديمقراطية المسيحية... حتى الوصول إلى الرائد الأول للشعبوية اليمينية الحديثة سيلفيو برلوسكوني والصعود السريع لحركات مناهضة النظام القائم والخروج عن الأعراف وقواعد اللعبة السياسية الكلاسيكية. وها هي اليوم تقدّم للاتحاد الأوروبي أولى تجارب وصول اليمين المتطرف إلى الحكم بعد الفوز الذي حققه الائتلاف الذي يقوده حزب الفاشيين الجدد «إخوان إيطاليا» بقيادة «المرأة الحديدية الجديدة» جيورجيا ميلوني التي ستصبح أول امرأة تتولّى رئاسة الحكومة في تاريخ إيطاليا، والمرآة التي تتهيّب أوروبا النظر فيها إلى مستقبلها السياسي.
بعدما تولّت مارغريت ثاتشر رئاسة الحكومة البريطانية وأنجيلا ميركل منصب المستشارة في ألمانيا، وكذلك تكرار التجربة مرات عدة في البلدان الإسكندينافية، ومع وجود أورسولا فون در لاين على رأس المفوضية الأوروبية، لم يعد وصول امرأة إلى قمة السلطة الإجرائية في أوروبا الغربية يشكّل حدثاً بارزاً في المشهد السياسي القاري. غير أن وصول جيورجيا ميلوني إلى رئاسة الحكومة الإيطالية بعد الفوز الساحق الذي حققه حزبها «إخوان إيطاليا» في انتخابات الأحد الفائت، كان من أبرز التحولات السياسية التي شهدتها أوروبا خلال السنوات الأخيرة. لقد كان نقطة تحوّل تستدعي التوقف عندها لاستشراف صورة المستقبل السياسي الذي قد يكون يعتمل في بلدان الاتحاد الأوروبي، وربما في الدول الغربية.
إذ إن الحزب الذي تتزعمه ميلوني هو وليد «ارتقاء» فلول الحركة الفاشية، التي كان قد حظرها الدستور الإيطالي بعد سقوط بنيتو موسوليني وولادة «الجمهورية الثانية»، والدليل القاطع على أن «الطوق الأخلاقي» الذي حاولت الأحزاب التقليدية في أوروبا الغربية فرضه حول اليمين المتطرف طوال عقود لم يمنع هذا اليمين من الانخراط في المسار السياسي والصعود إلى قمة هرم السلطة. ويضاف إلى ذلك، أن هذه الاستراتيجية التي تبنّتها أحزاب اليسار واليمين المعتدل لم تكن حائلاً دون الانهيار المطّرد لهذه الأحزاب واندثار معظمها.

عِبَر كثيرة
كثيرة هي العِبَر التي ينبغي استخلاصها من هذه القفزة الإيطالية الجديدة نحو المجهول، خاصة أنها تأتي بعد أيام من الفوز الذي حقّقه النازيّون الجدد في السويد ودخولهم الحكومة الجديدة لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية في واحدة من أكثر الدول الأوروبي اعتدالاً. ولا يغيب عن البال أن هذا التطور، الذي يحصل في دولة أوروبية وازنة اقتصادياً وسياسياً وديمغرافياً، يتزامن مع مرحلة دقيقة جداً من التاريخ الأوروبي الحديث تعتمل فيها أزمات عدة عميقة ومفتوحة على احتمالات يصعب التكهن بمآلها. فقد تبيّن هذه التجربة، أن «تركيز» الحملات الانتخابية على الإدانة الأخلاقية، والتحذير من العواقب الكارثية لوصول القوى المتطرفة إلى السلطة، يضع هذه القوى في موقع «البديل الفعلي» مهما كانت برامجها السياسية خاوية من الاقتراحات والحلول العملية لمعالجة الأزمات.
نعم، عكفاً على ما سبق، فوز اليمين المتطرف في الانتخابات الإيطالية سبقه منذ أسابيع قليلة فوز كتلة المحافظين في السويد، حيث نال حزب النازيين الجدد ما يزيد على 20 في المائة من الأصوات. إلى جانب ذلك، يتضّح أن حكومات «الوحدة الوطنية» أو الائتلافية، التي غالباً ما يستهدف تشكيلها تهميش أو عزل القوى المتطرفة، تساهم في نهاية المطاف في توسيع دائرة التحرك أمام هذه القوى التي لا تعود مُحتاجة إلى طرح برامج سياسية بديلة، بل تكتفي بمعارضة السلطة الحاكمة العاجزة عن معالجة المشاكل اليومية الملحة للمواطنين.
الحقيقة، أنه تميّزت الأحزاب اليمينية المتطرفة خلال السنوات الأخيرة بنجاحها في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتسويق صورة معتدلة لها، ومنزّهة عن العقم والفساد الذي كانت تقع فيه الأحزاب المشاركة في الحكم؛ الأمر الذي سمح لها باستقطاب نسبة كبيرة من التأييد الذي كانت تحظى به الأحزاب التقليدية، وبخاصة منها المحافظة. وتفيد الدراسات بأن القوى اليمينية المتطرفة تسخّر نسبة كبيرة من مواردها في حملات واسعة على وسائل التواصل، قبل الانتخابات وخلالها وبعدها، وتوكلها إلى أفضل الاختصاصيين في هذا المجال.
ومن العوامل الأخرى التي تفسّر هذا الصعود للقوى اليمينية المتطرفة، إلى جانب مهارتها في نقل الأفكار الهامشية إلى واجهة النقاش العام - والتي تجلّت بوضوح في التجربة الإيطالية - هي الروابط التي نسجتها مع القوى اليمينية المؤسّسية، التي أصبحت تشكّل خطراً وجودياً على الأحزاب والقوى المحافظة التقليدية. فالتحالف الذي بناه حزب أنطونيو تاجاني، الرئيس السابق للبرلمان الأوروبي والمرشح لخلافة برلوسكوني، مع «إخوان إيطاليا»، كان له أكبر الأثر في التخفيف من حدة الصورة المتطرفة لحزب ميلوني، ما يحمل على التساؤل حول ما إذا كانت التجربة الإيطالية - مرة أخرى - نافذة تطل على المشهد السياسي المقبل في أوروبا.

الأبعاد الأوروبية المستقبلية
وإذا كان وصول اليمين المتطرف إلى الحكم في إيطاليا «مرآة» يستشرف الأوروبيون من خلالها ما قد ينتظرهم في السنوات المقبلة، فهو أيضاً يطرح علامات استفهام حول مستقبل المواجهة الأوروبية مع روسيا وموقع الاتحاد في المعادلة الدولية التي ستسفر عنها الحرب الدائرة في أوكرانيا. إذ من المعروف أن معظم الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا تقيم منذ سنوات علاقات وثيقة مع موسكو، وهي أعربت مراراً عن معارضتها للعقوبات المفروضة على روسيا بذريعة أنها تضرّ بالمصالح الأوروبية أكثر من المصالح الروسية؛ ولذا عارضت إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا.
وهنا، مع أن جيورجيا ميلوني حرصت منذ بداية الحرب في أوكرانيا على تأكيد موقف حزبها الداعم للمحور الأطلسي وللعقوبات على موسكو، فإن حليفيها اليمينيين البارزين سيلفيو برلوسكوني وماتّيو سالفيني لا يفوّتان فرصة للتمايز والابتعاد عن الموقف الأوروبي الموحّد من موسكو، لا، بل إلى محاولة تبرير الغزو الروسي لأوكرانيا... كما فعل برلوسكوني عشيّة الانتخابات الأخيرة.
للعلم، كان زعيم حزب «إخوان إيطاليا» قد أدلى بتصريحات قال فيها، إن العملية العسكرية الخاصة التي أطلقتها روسيا في أوكرانيا كانت تستهدف الوصول إلى كييف في غضون أسبوع واحد، وتعويض حكومة زيلينسكي بأخرى من «أشخاص صالحين»، والعودة بعد أسبوع إلى قواعدها. وأردف «لكن الضغوط التي تعرّض لها فلاديمير بوتين من وزرائه وحزبه، دفعته إلى الإقدام على هذه الخطوة... وما حصل هو أن القوات الروسية واجهت مقاومة غير متوقعة تعززت بفضل إمدادات بكل أنواع الأسلحة من الغرب».
من جهة ثانية، كان برلوسكوني، الذي التزم الصمت التام طوال شهرين قبل شجبه الغزو الروسي لأوكرانيا، قد صرّح منذ أسابيع بأن «على الدول الغربية أن تحاول إقناع الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي بالإصغاء إلى مطالب بوتين». ويُذكر، أن برلوسكوني، زعيم حزب «فورتسا إيطاليا»، تربطه صداقة شخصية وطيدة بالرئيس الروسي الذي استضافه مرات عديدة في رحلات ترفيهية... اعتاد برلوسكوني على التباهي بسرد تفاصيلها في مجالسه الخاصة. وكان أيضاً أول زعيم أوروبي رافق بوتين في زيارة إلى شبه جزيرة القرم بعدما ضمتها موسكو عام 2014.
جدير بالذكر، أنه، منذ بداية الحرب في أوكرانيا دأب الاتحاد الأوروبي على تكرار التحذيرات الموجهة إلى حكومات الدول الأعضاء من محاولات موسكو التأثير على مواقفها وسياساتها الداخلية عن طريق المعلومات المزيفة والأنباء المضللة واستخدام حلفائها في هذه الدول. وكان من الطبيعي أن توجّه هذه التحذيرات بشكل خاص إلى إيطاليا، ولو من غير تسميتها، لسببين رئيسيين:
الأول، لأن موسكو نسجت منذ سنوات علاقات تجارية واقتصادية وثيقة مع روما، ومدّت جسوراً وطيدة مع بعض القوى السياسية الصاعدة مثل حزب الرابطة اليميني المتطرف. وفي الوقت نفسه، أخذت تترسّخ العلاقات الشخصية بين بوتين وبرلوسكوني الذي رغم أفول نجمه السياسي ما زال يتمتع بقدرة كبيرة على التأثير في الرأي العام بفضل إمبراطوريته الإعلامية الضخمة.
والآخر، لأن إيطاليا دولة وازنة في الاتحاد الأوروبي، إلا أنها تعاني من وضع اقتصادي حرج يجعلها تتردد كثيراً قبل الإقدام على خطوات من شـأنها أن تساهم في مفاقمة هذا الوضع.
بناءً عليه؛ لم يكن مستغرباً أن الانتخابات الإيطالية استأثرت باهتمام واسع في الأوساط الأوروبية والأميركية، نظراً للتداعيات المحتملة لنتائجها على «وحدة الصف الأطلسية» من المواجهة مع موسكو. ويجدر التذكير في هذا الصدد بأن أصابع الاتهام الأوروبية وجّهت إلى موسكو مطلع هذا الصيف عندما قرّر برلوسكوني وحليفه اليميني المتطرف سالفيني سخب الثقة من حكومة ماريو دراغي. وكان دراغي قد تحوّل، بفضل علاقاته الوثيقة بالإدارة الأميركية، إلى «رأس حربة» في الدعم الأوروبي لأوكرانيا. يضاف إلى ذلك، أن سالفيني، الذي يطالب منذ فترة بإنهاء العقوبات المفروضة على موسكو وبناء تحالف اقتصادي وسياسي بين أوروبا وروسيا، سبق له أن دخل البرلمان الأوروبي مرة وهو يرتدي قميصاً يحمل صورة لفلاديمير بوتين.
وحقاً، لم تنفع التطمينات المتكررة على لسان ميلوني وتأييدها للعقوبات والمساعدات العسكرية لأوكرانيا، في تهدئة خواطر الحلفاء الغربيين. والسبب أنها مضطرة إلى التحالف مع سالفيني وبرلوسكوني لتشكيل الحكومة الجديدة. وهذا، بينما يرتبط حزبها بتحالف وثيق مع رئيس الوزراء المجري اليميني المتطرف فيكتور أوربان الذي يقود حملة إنهاء العقوبات على روسيا داخل الاتحاد الأوروبي. وكانت ميلوني قد سعت أخيراً، عبر حلفائها في الحزب الجمهوري الأميركي، إلى «طمأنة» واشنطن حول موقفها من الحرب في أوكرانيا في حال وصولها إلى الحكومة. غير أن إدارة الرئيس بايدن ردّت بأنها ستبقي على حذرها في انتظار المواقف التي ستعلنها الحكومة الإيطالية الجديدة.

                                                                                      سالفيني
نحو إعادة تشكّل المشهد السياسي الإيطالي... في أعقاب «زلزال» الانتخابات الأخيرة
> على الصعيد الإيطالي الداخلي، أعادت الانتخابات الأخيرة خلط الأوراق مرة أخرى في المشهد السياسي، وفتحت الباب مجدداً أمام إعادة تشكيل التحالفات وظهور قوى سياسية جديدة أو اندثار بعضها. فالحزب الديمقراطي (يسار الوسط)، الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق إنريكو ليتّا، والمفترض أن يكون حزب المعارضة الرئيس ضد حكومة ميلوني، يجد نفسه أمام أزمة وجودية جديدة بعد الهزيمة التي مني بها في الانتخابات.
وفعلاً، دفعت الهزيمة الأمين العام إلى الدعوة لعقد مؤتمر استثنائي بهدف تجديد قيادته، والإعلان عن أنه لن يترشّح للمنصب مرة أخرى. ويذكر، أن هذا الحزب قام من ركام الحزب الشيوعي الإيطالي - الذي كان أقوى الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية قبل أن يندثر من المشهد السياسي – إلا أنه ما زال يعيد تشكيل ذاته تحت تسميات وشعارات مختلفة، ويبدّل تحالفاته مع قوى الوسط واليسار. ولقد شارك هذا الحزب في كل الحكومات التي تعاقبت على إيطاليا منذ سقوط حكومة برلوسكوني الرابعة والأخيرة في العام 2011. ومن ناحية أخرى، يعاني الحزب منذ سنوات من صراعات داخلية عميقة بين قياداته، أدت إلى انشقاق بعضهم نحو الوسط ونحو أقصى اليسار، في حين استقطبت «حركة النجوم الخمس» الشعبوية الناشئة نسبة كبيرة من شعبيته مكنتها من الفوز في الانتخابات الماضية عام 2018 حين حصلت على 33 في المائة من الأصوات.
غير أن «حركة النجوم الخمس» تعرّضت هي أيضاً للانقسام أخيراً عند سقوط حكومة ماريو دراغي، وانشقّ عنها زعيمها السابق ووزير الخارجية لويجي دي مايو... الذي خسر مقعده البرلماني في الانتخابات الأخيرة. ولكن رغم التوقعات التي كانت تشير إلى انهيار «الحركة»، فإنها تمكّنت من الصمود في وجه «إعصار ميلوني»، وحلّت في المرتبة الثالثة بعد «إخوان إيطاليا» والحزب الديمقراطي. وهذا واقع يفتح الباب أمام تشكّل التحالف الذي كان من المفترض أن يحصل مع الديمقراطيين، والذي كان السبيل الوحيد لانتزاع الانتصار من التحالف اليميني في الانتخابات.

                                                                                  برلوسكوني
وتشاء مفارقات المشهد السياسي الإيطالي، أن اللغز الأكبر يدور حول مصير تحالف الأحزاب اليمينية الذي حقق هذا الانتصار التاريخي في انتخابات الأحد الماضي. فالرابطة تشهد غلياناً في قواعدها المطالبة بتنحية سالفيني بعد تراجع شعبيتها والخسائر التي منيت بها في معظم معاقلها الشمالية على يد حلفائها في «إخوان إيطاليا»، في حين يتنامى التيار الذي يدعو للعودة إلى الجذور الإقليمية، حيث إن هذا الحزب كان قد تأسس كحركة انفصالية لأقاليم الشمال قبل أن يتسلّم سالفيني زمامه ويقرر توسيع امتداده على الصعيد الوطني، مستغلاً المشاعر المناهضة للهجرة التي سادت إيطاليا.
في هذه الأثناء، كان من المفاجآت التي حملتها الانتخابات الأخيرة أيضاً صمود حزب برلوسكوني الذي تنزف شعبيته منذ سنوات، والذي كان قد انشقّ عنه أخيراً عدد من قياداته البارزة بسبب مشاركته في مؤامرة إسقاط حكومة دراغي. وليس واضحاً بعد الموقع الذي سيحتله هذا الحزب في الحكومة الجديدة والخط الذي سينهجه برلوسكوني، الذي دأب على تسخير حزبه لتحقيق مآربه والدفاع عن مصالحه الشخصية.
وهكذا، يبقى حزب «إخوان إيطاليا» وزعيمته جيورجيا ميلوني المنكبّة على تهدئة خواطر الشركاء الأوروبيين، وعلى تشكيل الحكومة الجديدة التي من المفترض إلا يواجه عقبات كبيرة في ظل الغالبية البرلمانية التي حصل عليها الائتلاف اليميني. إلا أن السياسة الإيطالية سخيّة دائماً بالمكائد والمؤامرات التي جعلت من منصب رئيس الحكومة الأسرع زوالاً في أعصى البلدان الأوروبية على الحكم وأغناها بالمفاجآت.
وقبل أن ينقضي أسبوع واحد على الانتخابات التي بايعت ميلوني وحدها «ملكة غير متوجّة» على إيطاليا، ظهرت أمامها أولى العقبات من حليفها ماتّيو سالفيني، الذي أعلن أنه في حال عدم حصوله على حقيبة وزارة الداخلية ومنصب نائب الرئيس، لن يشارك في الحكومة، بل سيكتفي بتأييدها من الخارج، فاتحاً بذلك موسماً جديداً في «البازار السياسي» الإيطالي العريق.
ويبقى أيضاً، أن لغزاً كبيراً ما زال يحيط بمسار حزب «إخوان إيطاليا». إذ حرصت زعيمته ميلوني في الفترة الأخيرة على النأي عن تصريحاتها النارية والتأكيد على أنها ستحكم «بمسـؤولية ولكل الإيطاليين»، لكنها في المقابل، ذكّرت بأن الفوز الذي حققه هو نقطة البداية وليس نقطة الوصول. وتابعت أنها لن تخذل الذين انتخبوها «أولئك الذين بعد النصر، سيتمكنون من رفع رؤوسهم والجهر بما كانوا دائماً يفكرون ويـؤمنون به»، كما قالت في المهرجان الذي اختتمت به حملتها الانتخابية.


مقالات ذات صلة

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

أصبح برنامج «تشات جي بي تي» الشهير الذي طورته شركة الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» متاحا مجددا في إيطاليا بعد علاج المخاوف الخاصة بالخصوصية. وقالت هيئة حماية البيانات المعروفة باسم «جارانتي»، في بيان، إن شركة «أوبن إيه آي» أعادت تشغيل خدمتها في إيطاليا «بتحسين الشفافية وحقوق المستخدمين الأوروبيين». وأضافت: «(أوبن إيه آي) تمتثل الآن لعدد من الشروط التي طالبت بها الهيئة من أجل رفع الحظر الذي فرضته عليها في أواخر مارس (آذار) الماضي».

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

في الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام تحتفل إيطاليا بـ«عيد التحرير» من النازية والفاشية عام 1945، أي عيد النصر الذي أحرزه الحلفاء على الجيش النازي المحتلّ، وانتصار المقاومة الوطنية على الحركة الفاشية، لتستحضر مسيرة استعادة النظام الديمقراطي والمؤسسات التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم. يقوم الدستور الإيطالي على المبادئ التي نشأت من الحاجة لمنع العودة إلى الأوضاع السياسية التي ساهمت في ظهور الحركة الفاشية، لكن هذا العيد الوطني لم يكن أبداً من مزاج اليمين الإيطالي، حتى أن سيلفيو برلوسكوني كان دائماً يتغيّب عن الاحتفالات الرسمية بمناسبته، ويتحاشى المشاركة فيها عندما كان رئيساً للحكومة.

شوقي الريّس (روما)
شمال افريقيا تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

أعلنت الحكومة المصرية عن عزمها تعزيز التعاون مع إيطاليا في مجال الاستثمار الزراعي؛ ما يساهم في «سد فجوة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي»، بحسب إفادة رسمية اليوم (الأربعاء). وقال السفير نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء المصري، إن السفير الإيطالي في القاهرة ميكيلي كواروني أشار خلال لقائه والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، (الأربعاء) إلى أن «إحدى أكبر الشركات الإيطالية العاملة في المجال الزراعي لديها خطة للاستثمار في مصر؛ تتضمن المرحلة الأولى منها زراعة نحو 10 آلاف فدان من المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إليها مصر، بما يسهم في سد فجوة الاستيراد وتحقيق الأمن الغذائي». وأ

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
TT

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، وتعليق الشبكات الكبرى التغطية التلفزيونية المشتركة لأنشطته، انتقل النزاع إلى اختبار حدود السلطة على المعلومات، وقدرة الصحافة على الدفاع عن استقلاليتها أمام جمهور تتراجع ثقته بها. وتجمع المواجهة بين أسئلة يصعب فصلها: أين تنتهي صلاحية الإدارة في تنظيم الوصول إلى المؤسّسات الحكومية؟ وأين تبدأ معاقبة التوجه التحريري؟ وهل أضعفت بعض وسائل الإعلام موقعها حين غلَّبت الخصومة السياسية على تفسيرها للوقائع؟ ثم هل يفسر أسلوب ترمب وحده هذا التصعيد، أم أنه يكشف عن أزمة أوسع في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والصحافة والمواطنين؟ وبين رئيس يرى في التغطية «المعادية» تشويهاً لسياساته، ومؤسسات تعد استبعادها اعتداء على حرية الصحافة، يدور صراع يتجاوز الطرفين: من يحدد المعلومات التي تصل للأميركيين عن حكومتهم، وبأي شروط؟

بدأ الفصل الأخير، الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة. وبعد ذلك منع صحافيوها من الدخول وسحبت تصاريحهم. ودخل القضاء على خط المواجهة بعدما لجأت المؤسسات إليه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أمر القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترمب عام 2017، بإعادة اعتمادات صحافيي المؤسسات الثلاث فوراً، ووقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً. ورجح القرار مخالفة الحظر للضمانات الدستورية، واعتبر أن مبررات الأمن القومي تفتقر إلى سند واقعي كاف. وهو تدخّل مؤقت يضع إجراءات الإدارة تحت الرقابة القضائية، فيما يستمر النزاع بشأن حدود سلطتها على وصول الصحافة.

جذور في ولاية ترمب الأولى

للخلاف جذور في ولاية ترمب الأولى، حين ألغى اعتماد مراسل الـ«سي إن إن» جيم أكوستا عام 2018، قبل أن يأمر كيلي بإعادته لغياب الضمانات الإجرائية اللازمة. لكن الانتقال من إجراء ضد مراسل إلى استبعاد مؤسسات كاملة يوسع نطاق السؤال: هل ينظم عمل الصحافة وفق قواعد معلنة، أم يصبح استمرار وجودها رهناً بتقييم الرئيس لتغطيتها؟

وامتد النزاع في ولايته الثانية إلى مواقع أخرى. ففي فبراير (شباط) 2025، أخرج البنتاغون مؤسسات من مساحات عملها ضمن برنامج قال إنه يوسع فرص الوصول لمؤسسات أخرى. ثم أثارت شروط الاعتماد اللاحقة نزاعاً قضائياً، وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاض بعدم دستورية السياسة المطعون فيها، قبل أن تعلن الوزارة تعديلات ومواصلة الاستئناف.

وتكشف هذه الوقائع عن أن القضية تتصل بقواعد مؤسسية قابلة للاستمرار بعد مغادرة ترمب منصبه. وفي المقابل، فإن اختزال خيارات اليمين، من الهجرة إلى التجارة والسياسة الخارجية، في شخصية الرئيس، يحجب النقاش حول أسباب تأييدها. فالإعلام يستطيع مساءلة الخيارات ونتائجها، لكن تفسير كل منها بوصفه نزوة شخصية قد يضعف قدرته على فهم المجتمع الذي يمنحها التأييد. كما أن «شخصنة» الصراع تؤدي أيضاً خدمة سياسية للرئيس: فحين تتحوّل المناقشة إلى محاكمة طباعه، يسهل تقديم الاعتراض على قراراته، باعتباره خصومة معه ومع ناخبيه. وعندئذ تتراجع الأسئلة القابلة للتحقق، مثل كلفة السياسة ونتائجها والبدائل المتاحة، لمصلحة سجال حول النيات والولاءات. وتلك مشكلة تحريرية حتى حين تكون الانتقادات الأصلية مبرّرة.

الصحافة تحت الاختبار

تمنح أزمة الثقة هذا الخطاب أرضية أوسع؛ ففي استطلاع «غالوب»، نشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال 28 في المائة من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو معقولة بقدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على تقديم الأخبار بدقة وإنصاف وشمول. وبلغت النسبة 8 في المائة بين الجمهوريين، و27 في المائة بين المستقلين، و51 في المائة بين الديمقراطيين.

وحقاً، لا تثبت هذه الأرقام أن الأخبار خاطئة، لكنها تظهر أن المؤسسات الإعلامية لا تخاطب جمهوراً يتفق على أهليتها للحكم على الوقائع. كما أن ضعف الثقة بين المستقلين، وتراجعها حتى عند الديمقراطيين، يمنعان تفسير المشكلة كنتيجة لخطاب ترمب وحده.

ومع ذلك، يحتاج اتهام الإعلام بالتحول إلى معارضة سياسية إلى أدلة تتجاوز عدد الأخبار السلبية: هل تُمنح المعلومات المخالفة للرواية الغالبة مكانها؟ هل يظهر التصحيح بوضوح؟ وهل يستطيع القارئ تمييز الخبر من التحليل والرأي؟ وهي معايير يمكن تطبيقها على المؤسسات الليبرالية والمحافظة معاً.

في تغطية حرب إيران، على سبيل المثال، يتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وسائل الإعلام بأنها بدت وكأنها تدافع عن طهران. هنا يختلف نقد قرار الحرب أو مساءلة الرواية الرسمية عن تفاصيل عملياتية قد تعرّض أفراداً للخطر. كما يختلف التحقيق في خسائر أو إخفاقات عن افتراض سوء نيات الإدارة سلفاً. وحين تصف السلطة النقد بالخيانة أو بتشويه الحقائق، وحين تتعامل التغطية مع كل تفسير رسمي بوصفه تضليلاً محسوماً، تضيع هذه الفروق.

بيد أن مشكلة المصالح تظهر في ملفات أخرى، كالجدل الدائر حول «أخطار» الذكاء الاصطناعي. ففي مقال رأي في الـ«وول ستريت جورنال»، جادل غابرييلي مازيني الذي يشغل منصب زميل في مبادرة «إم آي تي كونيكشن ساينس»، وقاد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالمفوضية الأوروبية، بأن تضخيم شركات الذكاء الاصطناعي أخطار تقنياتها، قد يخدم مصالح تنظيمية وتجارية واحتكارية. وهذه حجة تستدعي اختبار روايات الشركات ومصادرها، من دون أن تثبت أن الأخطار مختلقة أو أن الصحافة تتبنى أجندة موحدة ضد الرئيس.

والاختبار هنا عملي: هل تُعامل ادعاءات شركة نافذة بالمقدار نفسه من التدقيق الذي يواجه به تصريح سياسي؟ وهل يوضح التقرير ما ثبت بالتجربة وما بقي متوقعاً؟ هذه الأسئلة تصلح أيضاً للتعريفات الجمركية والهجرة والحروب، حيث تتنافس مصادر رسمية وتجارية وحزبية على توجيه التغطية. ومن نافلة القول إن مهنية الصحافة تقاس بقدرتها على كشف هذه المصالح، بما فيها مصالح المصادر التي تتفق معها.

في دفاعها أمام المحكمة،

قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض

«امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات

المستبعدة بمخالفة معايير المهنية

الأمن القومي وحدود السلطة

في دفاعها أمام المحكمة، قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض «امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات المستبعدة بمخالفة معايير المهنية ونشر معلومات حساسة وسرية. وبحسب «نيويورك تايمز»، استشهدت الرسائل الموجهة إليها بتقارير عن منشآت البيت الأبيض وترتيبات أمنية، وأخرى عن تقديرات ترمب للحرب مع إيران.

هذه حجج للسلطة التنفيذية في دعوى جارية، وليست أحكاماً تثبت وقوع مخالفات. وتقول المؤسسات الإعلامية إن العقوبة استهدفت توجهها التحريري ونُفذت من دون إنذار أو فرصة مسبقة للاعتراض، بينما تتمسك الإدارة بأن الإجراءات التي وفرتها بعد المنع كانت كافية. والتمييز القانوني أساسي: ليست الصحافة صاحبة حق مطلق في دخول كل مكان أو حضور كل لقاء رئاسي. لكن سابقة «شيريل ضد نايت» عام 1977 قررت أن إدارة نظام التصاريح الصحافية تخضع لضمانات دستورية، تشمل معايير واضحة وإخطاراً بأسباب الرفض وفرصة الرد.

ومن هنا، لا يكفي وصف الدخول بالامتياز لإعفاء قرارات الاستبعاد من المراجعة. وتزداد حساسية المساءلة عندما يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل نشر تقدير سياسي لا يعجب الرئيس. ونقلت الـ«نيويورك تايمز» عن أستاذة القانون باربرا ماكويد قولها، إن المحاكم تمنح السلطة التنفيذية هامشاً في المسائل الأمنية، لكنها حذرت من أن الاستخدام غير الجدي لهذه الذريعة قد يضعفها حين تكون ضرورية بالفعل.

ويشمل النزاع توقيت تقديم أسباب المنع والضمانات المتاحة للاعتراض عليه. وتقول المؤسسات الثلاث إن الإدارة سحبت اعتمادات صحافييها من دون إخطار مسبق أو فرصة للطعن، بينما يتمسك البيت الأبيض بكفاية الإجراءات التي أتاحها بعد تنفيذ القرار. ونقلت الصحيفة عن غيب روتمان، نائب رئيس السياسات في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، اعتراضه على تعليق الاعتماد ثم تقديم مبررات لاحقة. وبذلك، يمتد الخلاف إلى الإجراءات التي اتبعتها الإدارة، إلى جانب النزاع بشأن مضمون التغطية الصحافية.

السوابق ومعيار المقارنة

يدافع نائب الرئيس جي دي فانس عن القرار بعدّه حجباً لوصول مميز عن مؤسسات تمارس، وفق وصفه، الدعاية، ويستشهد بمعاملة وسائل محافظة في عهدي أوباما وبايدن. وتقول الإدارة إن المؤسسات المستبعدة ما زالت قادرة على النشر، بينما ترى تلك المؤسسات أن استمرار البث لا يعوض حرمانها من جمع الأخبار داخل المقر الرئاسي.

وتوجد بالفعل سوابق لضغوط اتخذتها إدارات ديمقراطية، أبرزها تحقيقات التسريبات في عهد أوباما التي شملت سجلات الـ«أسوشييتد برس» ومراسل «فوكس نيوز» جيمس روزن. غير أن هذه السوابق لا تنتج تبريراً تلقائياً للإجراء الحالي، ولا تسمح بنسبة حسابية تختزل المقارنة بين الحزبين.

إذ إن ملاحقة مصدر، والحصول على سجل اتصالات، والاستبعاد من مقابلة، وسحب اعتماد مؤسسة، إجراءات تختلف في طبيعتها وآثارها. وقد يكون إجراء محدود العدد بالغ التأثير إذا أخاف المصادر وعطل التحقيقات. المعيار الأكثر جدية يجمع بين نطاق الإجراء ومدته، وضمانات الاعتراض عليه، ومدى ارتباطه بمخالفة محددة أو بموقف تحريري.

وتعقّد مشاركة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين، في موقف الشبكات اختزال المواجهة بأنه صراع مع الإعلام الليبرالي. ففي بيان مشترك نشرته الشبكة مع الـ«إيه بي سي» والـ«سي بي إس» والـ«سي إن إن» والـ«إن بي سي»، أكّدت المؤسسات «مصلحة الجمهور في معلومات مستقلة»، ورفضت تقييد مؤسسة بسبب الاعتراض على تقاريرها. غير أن هذا «التضامن» وإن كان لا يلغي المنافسة أو الانحيازات بين الشبكات، لكنه يوضح وجود مصلحة مهنية مشتركة في منع السلطة من اختيار من يراقبها. وأيضاً يضع سؤالاً أمام الإعلام نفسه عن كيفية الدفاع عن حق الوصول مع استمرار تزويد الجمهور بالمعلومات، حتى في أثناء الاحتجاج على القيود.

الديمقراطية وأزمة الثقة

قابل البيت الأبيض تراجع التغطية المشتركة بإطلاق بث «ترمب تي في»، الذي يقدم محتوى تختاره الإدارة. وبدأ بخطابات الرئيس ومشاهد عسكرية، من دون برامج أصلية. وهو ما يبرز إمكانية تجاوز الوسيط الصحافي والوصول مباشرة إلى الجمهور، مع غياب الأسئلة المستقلة عن الشاشة الرسمية. غير أن أزمة الوساطة ليست أميركية حصراً، فقد وجد تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» لعام 2026 أن الثقة بالأخبار انخفضت في 29 من أصل 48 سوقاً شملها، وبلغ متوسطها 37 في المائة. ويربط التقرير هذا التراجع بتحولات استهلاك الأخبار والقلق الأوسع من المؤسسات، مع بقاء الثقة بعلامات إعلامية محددة أكثر تماسكاً من الثقة بالإعلام عموماً.

وتدعم النتائج بحث أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، لكنها لا تكفي لإعلان انهيار نموذج واحد. فالفروق بين الدول، وأنظمة الإعلام، واستقلال المحاكم، وملكية المؤسسات، تؤثر في قدرة كل مجتمع على مواجهة الضغط. كما أن تراجع الثقة قد يطال الحكومة والصحافة معاً، فلا تستفيد منه السلطة بالضرورة على المدى الطويل.

وفي الولايات المتحدة يختبر اللجوء إلى القضاء والتضامن بين شبكات متنافسة قدرة المؤسسات على فرض حدود للصراع. ومع أن القضاء تدخل لإعادة الاعتمادات مؤقتاً، فإن قراره لا يعالج وحده شكوك جمهور يرى الصحافة خصماً، ولا يعفي غرف الأخبار من مراجعة أخطائها.

والواقع أن المواجهة الجارية بين ترمب ووسائل الإعلام تكشف عن تاريخ أوسع من استخدام السلطة التنفيذية أدواتها للضغط على الصحافة؛ إذ شهد عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إجراءات طالت اتصالات الصحافيين ومصادرهم، وأثارت اعتراضات حادة على إدارة تعهدت بالشفافية، ثم وسعت ملاحقة تسريبات المعلومات الحكومية.

في مايو (أيار) 2013، كشفت وكالة الـ«أسوشييتدبرس» أن وزارة العدل حصلت سراً على سجلات 21 خطاً هاتفياً استخدمها صحافيوها ومكاتبها خلال فترة شهرين. واعترض رئيس الوكالة آنذاك، غاري برويت، على اتساع الإجراء وتنفيذه من دون إخطار مسبق يتيح الطعن فيه، محذراً من أثره في قدرة الصحافة على جمع الأخبار.

وطالت التحقيقات جيمس روزن، مراسل «فوكس نيوز»؛ إذ حصل المحققون على سجلات اتصالاته وبريده الإلكتروني في قضية تسريب معلومات عن كوريا الشمالية. ولقد وصفته وثائق التحقيق بأنه شريك محتمل في مخالفة قانون التجسس، بما أثار مخاوف من التعامل مع العمل الصحافي نفسه بوصفه نشاطاً جنائياً. ولم توجّه إليه اتهامات، لكن الإجراء وضع سرية علاقته بمصادره تحت ضغط مباشر.

وبحسب تقرير «لجنة حماية الصحافيين» في أكتوبر 2013، شملت الملاحقات بموجب قانون التجسّس منذ 2009 ستة موظفين حكوميين ومتعاقدَين اثنين، مقارنة بثلاث ملاحقات مماثلة في الإدارات السابقة مجتمعة. وتتعلق هذه الأرقام بقضايا التسريب، لكنها تكشف عن حجم التصعيد الذي رافق خطاب الإدارة عن الانفتاح.

وتبرز هذه الوقائع وجهاً للضغط لا يظهر بالضرورة في منع كاميرا أو سحب اعتماد: حين يخشى المصدر كشف اتصالاته، قد تتوقّف المعلومة قبل وصولها إلى الصحافي. ولذلك، لا يكفي استمرار مؤسسة إعلامية في النشر للقول إن حريتها لم تتأثر. وتمنح هذه السوابق أساساً للاعتراض على انتقائية الدفاع عن الصحافة وفق هوية الرئيس أو المؤسسة المستهدفة. فالمعيار هو ما تفعله السلطة بأدواتها، ومدى خضوعها للمساءلة. ومن مراقبة الاتصالات في عهد أوباما إلى سحب الاعتمادات في عهد ترمب، يبقى السؤال: كيف تُحمىَ قدرة الصحافة على كشف ما تُفضِّل الإدارة حجبه عن الجمهور؟


أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
TT

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية لا تخفى على أحد في ألمانيا ولا خارجها؛ ذلك أن «زيغ هايل»، ومعناه «يعيش النصر»، كان شعار النازيين الذي تردد لسنوات، وأصبح محظوراً في ألمانيا بعد هزيمة النازيين من ضمن مساعي البلاد للابتعاد عن إرثها الداكن. ومع ذلك، يلعب مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» الفائر بالانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت، أولريش (أولي) زيغموند، على الكلمات، ويحمّس مؤيديه على الرد لدى سماع كلمة «زيغ» في تجمّعاته، بكلمة «موند»، وهي تعني بالألمانية «فم»، ثم يمازح قائلاً إن اسمه «زيغ موند»، وإن الهتاف هو هتاف لاسمه، ضاحكاً ومتسائلاً: «ما المشكلة في اسمي؟!». لعل هذه القصة تلخّص الكثير عن الرجل الذي تحوّل إلى نجم من دون منافس لدى الحزب اليميني المتطرف، والذي سيصبح قريباً أول رئيس حكومة محلية في ألمانيا ينتمي إلى حزب يميني متطرف منذ هزيمة النازيين. فهو يستخدم خليطاً من الفكاهة و«الكاريزما» ليرى إلى أي مدى يمكنه تخطي الخطوط الحمراء. وكما حول الشعار المحظور إلى دعابة، يسعى الشاب البالغ من العمر 35 سنة إلى فرض واقع جديد في ألمانيا. ويسعى حزبه إلى أن يختبر عبره إلى أي مدى يمكن الذهاب في ولاية صغيرة، على أمل نقل التجربة على الصعيد الوطني قريباً.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وقف أولريش زيغموند أمام قرابة 20 شخصاً، بينهم نازيون جدد ومتطرفون يمينيون، داخل فندق فخم ناءٍ في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، يتكلم أمام مشاركين في اجتماع سرّي دُعي إليه برسائل ورقية.

كان حينذاك رئيس الكتلة النيابية لحزبه «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت. ووقف داعياً المشاركين إلى تقديم تبرعات لحملته الانتخابية التي كان بدأ يعد لها منذ ذلك الوقت، وعارضاً أفكاره لـ«تغيير صورة الشوارع في ألمانيا».

في ذلك التجمع قال إنه في حال فوزه، فإن «المطاعم الأجنبية» في ولايته «ستصبح تحت ضغوط كبيرة»، وإنه سيجعل العيش في سكسونيا-أنهالت «غير جذاب بأكبر قدر ممكن لهذه الفئة»، قاصداً بذلك المهاجرين ومَن هم من أصول مهاجرة، الذين كانوا حقاً موضوع نقاش الاجتماع السرّي. وتابع يقول إن تحقيق ذلك «سيكون سهلاً جداً جداً».

فضح الاجتماع السرّي

الاجتماع السرّي فضحه لاحقاً صحافيون ألمان من موقع «كوريكتيف» الاستقصائي الذي كشف أن إحدى الرسائل سُربت إليه، وأنه أرسل صحافياً إلى الفندق لكي يراقب الاجتماع ويكتب عنه.

وكان هدف الاجتماع الذي دعا إليه اثنان من كبار رجال الأعمال والمموّلين الألمان، مناقشة خطة لترحيل ملايين المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة، بحسب الموقع الاستقصائي.

أثار الكشف عن الاجتماع آنذاك غضباً كبيراً في ألمانيا وإدانات سياسية واسعة؛ خاصة لأنه حمل أصداء تاريخية، مذكّراً باجتماع النازيين لمناقشة وإقرار «الحل النهائي» الذي شكّل بداية المحرقة (الهولوكوست). وللعلم، أيضاً عُقد اجتماع النازيين في مدينة بوتسدام في مكان قريب من موقع الاجتماع الحديث الذي شارك فيه زيغموند.

اللافت أن زيغموند كان واحداً من 3 سياسيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» شاركوا في الاجتماع، والثلاثة يعتبرون من المتطرفين داخل الحزب؛ ولذا حاول الحزب إبعاد نفسه عنهم، مدّعياً أنهم حضروا «بصفة شخصية»، وأن ما نوقش ليس سياسة يتبناها الحزب. غير أن الحزب لم يتمكن من إنكار ما نوقش بسبب وجود تسجيلات تثبت ذلك.

لا ذكر للاجتماع في الإعلام

أيضاً، كان لافتاً أنه رغم الصدمة والنقمة التي تسبب فيها الكشف عن الاجتماع في ذلك الحين، لم تُذكر القصة في الإعلام الألماني خلال حملة زيغموند الانتخابية وتغطية الانتخابات التي سبقت فوزه، وكأن الجميع نسي أنه شارك في ذاك الاجتماع، علماً بأنه في ذاك الوقت لم يكن معروفاً خارج ولايته، على عكس الوضع اليوم؛ فهو الآن بات معروفاً ليس فقط في كامل ألمانيا، بل في العالم بأسره؛ ذلك أن فوزه جذب الإعلام العالمي وترددت أصداء فوزه في كل مكان. وقد تكون مجلة «دير شبيغل» قد ساهمت عن غير قصد في تحويله إلى «نجم» بعدما وضعته على غلافها قبل الانتخابات، في صورة تثني عليه مع عنوان «أخطر رجل في ألمانيا»، ولكن من دون مضمون يعكس العنوان. زيغموند، نفسه، استغل ذلك لينشر صوراً له مع المجلة مبتسماً، والحزب اشترى كل الأعداد ليوزّعها على مؤيديه الذين بدأوا يصطفون في تجمّعاته حاملين المجلة للحصول على توقيعه.

وعندما سئل زيغموند أخيراً عن مشاركته في اللقاء قبل سنتين في سؤال عابر ضمن مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» أخيراً، قلّل القيادي اليميني المتطرف من أهمية اللقاء، منتقداً في المقابل الصحافة التي زعم أنها «ضخّمت القصة!». أيضاً رفض زيغموند وصفه بـ«رجل متطرّف خطير»، مدّعياً أنه «شخص عادي يقلق على بلده، ويريد بلداً أفضل له ولعائلته وأولاده». وأردف: «ببساطة لا أستطيع أن أقف على الحياد في حين أشاهد بلدي يتطوّر بهذا الشكل السلبي وبسرعة». ولكن رغم إنكار الحزب تبنّي السياسات التي ناقشها الاجتماع السرّي، فإن الحملة الانتخابية في سكسونيا-أنهالت، التي قادها زيغموند وأوصلته إلى الفوز، أثبتت أن «البديل من أجل ألمانيا» تبنّى الكثير منها، ثم إن تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني؛ فزعيمته أليس فايدل، التي تحظى بإعجاب «أغنى رجل في العالم» إيلون ماسك، تكرّر أنه يجب إعادة كل السوريين إلى بلدهم. والحزب أيضاً استخدم التعبير مراراً في بيانه الانتخابي في ولاية سكسونيا-أنهالت الذي امتد على أكثر من 140 صفحة. وفيه يتعهد الحزب بإلغاء المشاريع المموّلة من الحكومة والمخصّصة لدمج المهاجرين، وإلغاء مسؤولي ومفوّضي الدمج وإبدال «مفوضي إعادة الهجرة» بهم.

نشأة زيغموند وتدرّجه

وُلد أولريش زيغموند عام 1990 في بلدة هافلبرغ بولاية سكسونيا-أنهالت لعائلة كاثوليكية. وهو متزوّج من يوليا، التي تعمل مدرّسة، ولديهما ابنة، ويعيشان في بلدة تانغرمونده القريبة من مكان ولادته في هافلبرغ.

في بدايات حياته المهنية، تلقى زيغموند تدريباً في تجارة الجملة والتجارة الخارجية، وأسّس شركة عطور عام 2014. وتخرّج لاحقاً عام 2016 في جامعة هامبورغ ببكالوريوس في العلوم الإدارية وعلم النفس الاقتصادي.

وعام 2017 هجر زيغموند الكنيسة الكاثوليكية بسبب «دورها السياسي المشين» بحسب زعمه. وللعلم، تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن اللاجئين بشكل مستمر، وتفتح أبوابها للذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل.

وقبل الانتخابات التي فاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في سكسونيا-أنهالت، حذّرت الكنيسة الكاثوليكية في ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من التصويت للحزب. وعلّقت لافتات ضخمة على الكاتدرائية وسط المدينة تذكّر فيها بالأخلاق المسيحية، وتدعو إلى التصويت «بضمير»، ومما كتبت: «أَحِب جارك، الحوار، الكرامة الإنسانية، التضامن، صوّت بضمير!». وبعد فوز الحزب المتطرف، أعرب مطران الكاتدرائية، إلى جانب الكنيسة البروتستانتية، عن صدمته وقلقه الكبير من زيادة الانقسام في المجتمع.

العداء للهجرة واللاجئين

من ناحية أخرى، مع أن زيغموند وُلد وكبر في ريف سكسونيا-أنهالت، حيث أعداد اللاجئين ضئيلة، فهو بنى شعبيته في الولاية على مهاجمة اللاجئين وسياسات الحكومة الفيدرالية «وسخائها» في المعونات المقدّمة لهم، مدّعياً أنه يعبر عن مشاعر أبناء الولاية. وهو دائماً يكرّر في مقابلاته أن الشوارع في ألمانيا «لم تعُد آمنة»، ويزعم أن طفولته في المقابل كانت «مليئة بالحرية... وكان بإمكانك اللعب بأمان في الشوارع ليلاً». ومن ثم، يقول إن هذه ألمانيا التي يريد إعادتها. بالطبع، هو يلمِّح إلى مسؤولية اللاجئين والمهاجرين عن جعل الشوارع أقل أماناً.

في المقابل، رغم تسخيف حزب «البديل من أجل ألمانيا» التهم الموجّهة إليه بأن بعض أفكاره تحمل صدى النازية، فإن زيغموند نفسه تكلّم عن «استخدام القوة» لتنفيذ خطط «إعادة المهاجرين».

وعندما سئل عن موقفه من خطط فتح مصنع سلاح في الولاية، قال إنه لا يعارض الفكرة، مضيفاً: «سنحتاج بطبيعة الحال إلى الموارد اللازمة لحملة إعادة الهجرة والترحيل اللاحقة، وهذا يصب في مصلحة الأمن الداخلي واستقرارنا الذاتي والدفاع الوطني»، ثم عاد ليوضح لاحقاً أن «المصنع سيصنع أيضاً المعدات والآليات ووسائل تكنولوجية وغيرها لتستخدمها القوات المسلحة الألمانية والشرطة والسلطات الأمنية». ولكن الشركة التي يتكلم عنها شركة تصنيع أسلحة إسرائيلية متخصصة فقط في تصنيع تكنولوجيا عسكرية وأنظمة دفاع وآليات مدرعة، ولا علاقة لها بتصنيع معدات للشرطة.

على خطى أبيه

في الحقيقة، لا يحمل «أولي» زيغموند أفكاراً بعيدة عن أفكار عائلته؛ فوالده يعمل لدى أحد نواب حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو ما دفع كثيرين لاتهامه وأعضاء في الحزب بالمحسوبية. ومثل معظم المنتمين إلى اليمين المتطرف، يتشكك زيغموند من الإعلام، ويتكلم عن خطط لـ«إصلاحه»، وإقفال القناة الرسمية المموّلة من أموال دافعي الضرائب في الولاية. وعوضاً عن ذلك، يترافق بشكل شبه عام مع «مؤثرين» على «يوتيوب» يحملون أفكاراً يمينية متطرفة، يروّجون له وينتقدون الإعلام المهني.

ويدعو برنامج الحزب إلى وقف توظيف الأجانب حتى في الوظائف المتخصصة، في مقابل إعداد خطط لإعادة جذب الألمان الذين هاجروا لملء تلك الوظائف.

وعن طلاب المدارس من أبناء المهاجرين أو المتحدّرين من أصول مهاجرة، يقول إنه يريد فصلهم في صفوف خاصة، والإحجام عن دمجهم مع الطلاب الألمان، وبدلاً من ذلك تعليمهم بمناهج بلدهم الأصلي، وبواسطة أساتذة مهاجرين، إذا أمكن، وذلك «تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم» عندما تسمح الظروف بذلك.


ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
TT

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري المتطرف لتشكيل حكومة جديدة للولاية، وذلك بعدما تبين أن هذا الحزب كان الوحيد الذي وافق على التفاوض مع الحزب اليميني لتشكيل حكومة.

تلاقى الحزبان المتطرفان - يميناً ويساراً - بأفكارهما حول تشديد الهجرة وإعادة العلاقات مع روسيا. وبالتالي، يأمل زيغموند أن يصبح قريباً أول رئيس حكومة ولاية ينتمي لحزب متطرف في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خطط الحزب تمتد إلى المناهج التعليمية التي يريد تعديلها لكي تخفّف التركيز على الشعور بالذنب الذي يلاحق الألمان بسبب ما ارتكبوه أيام النازيين، وإعادة توجيهها بحيث تركز على «الوطنية والجوانب الإيجابية».

ولا يتردد زيغموند نفسه في الكلام عن ذلك؛ إذ ينتقد فكرة أن النازيين ارتكبوا «أعظم جريمة ضد الإنسانية في التاريخ»، ويقول إن ما يبدو إنكاراً للمحرقة النازية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الألماني، «لا أدعي القدرة على الحكم على ذلك؛ لأنني لا أستطيع تقييم البشرية جمعاء». ويضيف: «أرى أن هذا التفسير مبالغ فيه للغاية ومنفصل تماماً عن الواقع، فبالنسبة لي من المهم التطلع إلى المستقبل لا النظر إلى الماضي. وبالطبع يجب علينا دائماً أن نتعلم من التاريخ، ليس فقط من جوانب محددة منه، بل من التاريخ ككل».

أفكار زيغموند هذه نجح في إيصالها إلى أعداد كبيرة من مؤيديه من خلال متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بشكل كبير، خاصة على منصتَي «تيك توك» و«إنستغرام» اللتين يتابعه عليهما أكثر من 600 ألف شخص، ما يجعله من ثم السياسي الألماني الأكبر شعبية على المنصتين، ثم إنه غالباً ما ينشر صوراً له تظهره «واحداً من الشعب»، في نقيض للسياسيين المنتمين للأحزاب الأخرى.

بداية مشوار زيغموند مع التطرف غير واضحة، ولكن على الأرجح أنه كان دائماً يحمل أفكاراً متطرفة تطوّرت مع الوقت لتطول اللاجئين والمهاجرين. بداياته السياسية تظهر أنه بدأ مشواره عندما كان يبلغ 19 سنة مع أكثر الأحزاب محافظةً آنذاك، وهو حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي يتزعمه اليوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

في حينه، لم يكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد أُسس بعد، ولم تكن هناك أحزاب على يمين الديمقراطيين المسيحيين، ولكن بعد تأسيس «البديل من أجل ألمانيا» عام 2013، انضم زيغموند للحزب عام 2015.