مزاد كريستيز للفن الإسلامي: مخطوطات هندية وفارسية وسجاد مغولي

مخطوطة قرآنية من الأناضول في منتصف القرن الرابع عشر  -  سجادة من صوف الباشمينا تعود لعام 1659
مخطوطة قرآنية من الأناضول في منتصف القرن الرابع عشر - سجادة من صوف الباشمينا تعود لعام 1659
TT

مزاد كريستيز للفن الإسلامي: مخطوطات هندية وفارسية وسجاد مغولي

مخطوطة قرآنية من الأناضول في منتصف القرن الرابع عشر  -  سجادة من صوف الباشمينا تعود لعام 1659
مخطوطة قرآنية من الأناضول في منتصف القرن الرابع عشر - سجادة من صوف الباشمينا تعود لعام 1659

في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل تعود مزادات الفن الإسلامي للندن، لتفتح نوافذ على مشاهد من تاريخ الفنون والحرف في أرجاء العالم الإسلامي والهندي القديم، عبر كل نافذة نرى قصة تاريخية مكتملة العناصر تتجسد في قطعة سجاد أو مخطوطة قرآنية فائقة الصنعة. كل قطعة تحمل معها تاريخاً خاصاً، تأخذنا لأرجاء القصور وورش العمل، نرى السلاطين والأمراء ونرى الحرفيين والصناع الذين تباروا في صنع الأفضل والأجمل.
في مزاد «كريستيز» لفنون العالم الإسلامي والهندي الذي سيقام في لندن في 27 من شهر أكتوبر المقبل، لا يزال العمل قائماً لإعداد الكتالوج واختيار أهم القطع لعرضها، ولكن «الشرق الأوسط» حصلت على نظرة مسبقة على بعض أهم القطع المعروضة والتي ستسافر لدبي هذا الأسبوع لعرضها هناك قبل عودتها للندن.

صفحات من مصحف بالخط الكوفي

- سجاد هندي وتأثير شاه جاهان
خبيرة السجاد في كريستيز لويز برودهيرست تأخذنا لقطعة فريدة من نوعها، تتوسط حجرة وحدها وتشع بجلال وجمال الصنعة والألوان بما يملأ المكان كله. قطعة السجاد الماثلة أمامنا تزهو بلون أحمر واضح، لا تبدو وكأنها سافرت من القرن السابع عشر للقرن الـ21. النظرة الأولى لا تشي بعمرها، والحق أن القطعة أيضاً لا تحمل تأثيرات الزمن عليها بشكل واضح، فقط النظرة المقربة قد تظهر بعض التغيرات في اللون أو أن هناك رقعاً منسوجة بمهارة عالية.
تتحدث لويز عن القطعة بحب الخبيرة وعاشقة السجاد، تذكر في حديثها أن القطعة الهندية المنشأ نادرة، فهي تعود للقرن السابع عشر، وهي مقتطعة من سجادة أصلية ضخمة. السجادة الأصلية أنتجت أربع قطع تم فصلها بعناية كي لا يختل التصميم. وهي واحدة من أربعة ما زالت مملوكة لأشخاص، أما باقي القطع فقد توزعت على مؤسسات ومتاحف عالمية. تقول إن القطعة «يمكن قراءتها» وأتوقف قليلاً أمام الوصف الذي يشي بمعرفة مستفيضة حول تصاميم السجاد وأصولها في التاريخ.
السجادة الأصلية خرجت من الهند في القرن التاسع عشر بحسب ما تذكر الخبيرة، وتم تقسيمها لقطع مستقلة منها ما استقر في صالات المتاحف العالمية في نيويورك وفلورنسا وغيرها.
نعود لأصل السجادة «صنعت في عام 1650 أثناء حكم الإمبراطور شاه جاهان، ونرى فيها التصميم المعروف باسم نقش «الشعرية» أو «النقش المشبكي»، الذي بدأ في عصر والده ثم وصل لذروته في عصر شاه جاهان. نعرف أن الإمبراطور كان يصحب الرسامين معه في رحلات للريف لتسجيل الزهور والنباتات، وهو ما يظهر في التصوير الدقيق أمامنا.
«هذه الزخارف والتصاميم نراها في القصور الهندية، (تشير برودهيرست) نراها تحديداً في تاج محل الذي زين بالكامل باستخدام هذه الزخارف، حتى قبر شاه جاهان يحمل رسومات تصور الورد وزهور دوار الشمس والزنابق التي نراها على السجادة. يمكننا تخيل تلك القاعات وتأثير النقوش الملونة التي تحملها قطع السجاد الوثير على الرخام الأبيض».

مخطوطة قرآنية أخرى من الأناضول تعود لمنتصف القرن الرابع عشر

السجادة مصنوعة من صوف الباشمينا المستورد من التبت، وهو صوف ثمين جداً وقام بصناعتها أفضل وأمهر الحرفيين.
تتمثل في السجادة كل العناصر المرغوبة من قبل المقتنين، فهي تحمل الجودة والتاريخ والحالة الجيدة للصوف والألوان.
تشير إلى بعض التفاصيل في التصميم مثل أفرع النباتات التي تحيط بالأزهار وتقول: «تحمل التأثير الصيني، وهي ما يبدو مثل السحب الرقيقة المتصلة، نرى التصميم كثيراً في المنمنمات الفارسية أيضاً».
التقنيات الموجودة هنا لم تظهر من قبل في السجاد الهندي، فعلى سبيل المثال تقنية «التظليل» حول الأزهار وأوراق النبات تحولها لتصاميم ثلاثية الأبعاد تمنح الرسومات حياة.

محبرة وعلبة أقلام من العهد العثماني  -  صينية للتقديم مرصعة بالماس والجواهر من حيدر آباد القرن الـ18

- منمنمات ومخطوطات
من قاعات تاج محل والسجاد الوثير ننتقل للمنمنمات والمخطوطات والمجوهرات مع خبيرة الفن الإسلامي بـ«كريستيز»، سارة بلمبلي. تختار بلمبلي أن تبدأ بعرض لوحة مرسومة للخطاط الشهير رضا عباسي (نحو 1565 - 1635) الذي ربما يعتبر أكثر الفنانين الصفويين إبداعاً وتأثيراً فيما بعد. اللوحة تصور طائر البلبل يبدو واقفاً على صخرة وخلفه نرى شجرة قيقب مرسومة بحساسية ورقة ويبدو اهتمامه بتصوير الفروق الدقيقة في الألوان ودقة الطبيعة مثل تصويره لأوراق شجرة القيقب وريش البلبل الذي نوشك أن نلمسه.
من الهند أيضاً تعرض لنا الخبيرة لوحة للرسام جوفاردان وهو أحد الفنانين البارزين أثناء حكم الأباطرة أكبر وجهانجير وشاه جهان. يتميز الفنان برسمه للوجوه بشكل أقرب للواقعية، يظهر جوفاردان اهتماماً خاصاً بتصوير الحكماء والأمراء. وفي اللوحة الحالية نرى في المنتصف أميراً جالساً على سجادة ومدعوماً بوسادة كبيرة. يبدو أنه في محادثة مع حكيم. وفي يمين اللوحة نرى شخصاً راكعاً يبدو أنه يخلط طعاماً من نوع ما مقابل غزال أليف. خلف الأمير يقف اثنان من المرافقين. وهناك قطة جالسة على السجادة تحدق في المشاهد مباشرة. «كم التفاصيل مدهش هنا»، تشير بلمبلي: «يمكننا تكبير أجزاء منها بشكل مبهر، يمكننا تفهم أنه كان الرسام المفضل في البلاط».
ننتقل لقطعة مختلفة تماماً عن المخطوطات، فتعرض لنا الخبيرة صينية من الذهب المرصع بالماس والأحجار الكريمة، تبدو كطبق للتقديم وتحمل أربعة علب لها أغطية تتوسط الصينية. نعرف من الخبيرة أن الصينية كانت مخصصة لتقديم أوراق البان والبهارات المختلفة الدارجة في الهند. الإناء كان هدية للمهراجا رانجيت سينغ، وهو أحد الحكام المشهورين في القرن التاسع عشر.

لوحة للرسام جوفاردان من عام 1605 في الهند  -  لوحة للخطاط الشهير رضا عباسي

- صفحات من مصحف بالخط الكوفي
من صندوق ضخم تخرج لنا الخبيرة صفحات منفصلة تعود لمصحف كتب بالخط الكوفي في نهايات القرن التاسع ويعود لمنطقة شمال أفريقيا. تقول الخبيرة: «توجد حالياً نماذج قليلة من مخطوطات الخط الكوفي من المجموعة نفسها، من النادر أن نجد هذا العدد من الصفحات التي تتبع بعضها. كما تحتوي على 19 عنوان سورة مكتوبة بالحبر الذهبي». وتشير إلى عدم وجود معلومات عن باقي الأجزاء، وترجح أن تكون قد تفرقت أو بيعت بشكل منفصل.
تبقى لدى بلمبلي قطعة واحدة يمكن اعتبارها نجمة المزاد، وهي لفافة طولها 15 متراً كتب عليها بدقة وإبداع سور من القرآن الكريم وأدعية مختلفة. صنعت في الأناضول في منتصف القرن الرابع عشر. المخطوطة مزينة بسلسلة من الألواح المستديرة والمستطيلة المتناوبة بكثافة وأناقة ومزخرفة بالذهب والفضة وبألوان متنوعة وتتضمن دعوات دينية وأسماء الله الحسني. تتميز المخطوطة بدقة الخط والتفاصيل المختلفة وبلمسات جمالية فائقة.


مقالات ذات صلة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

كتب استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

يُعنى كتاب «المنام والسجن وحُجرة ابن الهيثم: قراءة جديدة للفضاء في الحضارة العربيّة» للباحثة الأكاديمية اللبنانية الدكتورة لينا الجمّال، بالمنامات وكتب تعبيرها…

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق مجموعة من نجوم الفن والرياضة الذين اعتنقوا الإسلام (أ.ف.ب/ نتفليكس/ إنستغرام/ إكس) p-circle 01:39

من محمد علي كلاي إلى جيانكارلو إسبوزيتو... مشاهير أجانب اعتنقوا الإسلام

أشهرَ الممثل الأميركي جيانكرلو إسبوزيتو إسلامه قبل أيام ونطق بالشهادتَين. سبقَه إلى ذلك نجوم كثُر من عالم الفن والرياضة.

كريستين حبيب (بيروت)
أوروبا مسلمون يتجمّعون في المسجد الكبير بباريس (أ.ف.ب - أرشيفية)

مسلمو فرنسا في حيرة بين بيانين… رمضان الأربعاء أم الخميس؟

أثار صدور بيانين مختلفين حول موعد بدء شهر رمضان في فرنسا حالة من الحيرة في أوساط المسلمين. والاختلاف هو إذا كان بداية رمضان يوم الأربعاء أم يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم رجل يصلي في مسجد خلال شهر رمضان (رويترز)

تراجع طفيف في عدد ساعات الصيام خلال رمضان 2026

يتهيأ المسلمون بمختلف أنحاء العالم لإحياء شهر رمضان لعام 2026 في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن عدد ساعات الصيام سيكون هذا العام أقل بقليل من 2025 

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا ميريما أفديتش تحمل العلم الصربي خلال المسيرة (رويترز)

مظاهرة جامعية تمنح الطلاب المسلمين في صربيا شعوراً بالانتماء

كان الانضمام إلى الآلاف في نوفي ساد لحظة مهمة بالنسبة إلى أفديتش؛ وهي طالبة تنتمي إلى أقلية البوشناق المسلمة الصغيرة في صربيا وترتدي ‌الحجاب.

«الشرق الأوسط» (نوفي بازار (صربيا))

دواء جديد يُظهر فاعلية ضد سرطان الرئة

سرطان الرئة هو نمو غير منضبط لخلايا غير طبيعية في الرئة (جامعة هيوستن)
سرطان الرئة هو نمو غير منضبط لخلايا غير طبيعية في الرئة (جامعة هيوستن)
TT

دواء جديد يُظهر فاعلية ضد سرطان الرئة

سرطان الرئة هو نمو غير منضبط لخلايا غير طبيعية في الرئة (جامعة هيوستن)
سرطان الرئة هو نمو غير منضبط لخلايا غير طبيعية في الرئة (جامعة هيوستن)

كشفت نتائج دراسة سريرية أن دواء «تارلاتاماب» (Tarlatamab) أظهر نشاطاً مضاداً للأورام وكان جيد التحمل عند إعطائه عن طريق الحقن تحت الجلد لمرضى مصابين بسرطان الرئة صغير الخلايا.

وأوضح الباحثون من مستشفى جامعة فال ديبرون في برشلونة أن النتائج تدعم مواصلة دراسة هذه الطريقة، التي قد توفر بديلاً أكثر سهولة عن إعطاء الدواء عن طريق الوريد، وعُرضت النتائج، السبت، خلال المؤتمر العالمي لسرطان الرئة لعام 2026، الذي تنظمه الجمعية الدولية لدراسة سرطان الرئة بالعاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وسرطان الرئة هو نمو غير منضبط لخلايا غير طبيعية في الرئة، وقد تنتشر إلى أجزاء أخرى من الجسم. وينقسم أساساً إلى سرطان الرئة غير صغير الخلايا، وهو الأكثر شيوعاً، وسرطان الرئة صغير الخلايا، وهو أقل شيوعاً لكنه أسرع نمواً وانتشاراً. ويُعد التدخين عامل الخطر الرئيسي، إلى جانب التدخين السلبي وتلوث الهواء والتعرض لبعض المواد والغازات في بيئة العمل والعوامل الوراثية. وقد لا تظهر أعراض واضحة مبكراً، بينما تشمل الأعراض لاحقاً السعال المستمر وضيق التنفس وألم الصدر وخروج الدم مع السعال وفقدان الوزن. ويعتمد العلاج على نوع السرطان ومرحلته وحالة المريض، وقد يشمل الجراحة والعلاج الكيميائي والإشعاعي والمناعي والموجه.

ويُعد دواء «تارلاتاماب» علاجاً مناعياً يساعد جهاز المناعة على التعرف إلى الخلايا السرطانية ومهاجمتها. وقد أظهر الدواء في دراسات سابقة نشاطاً سريرياً لدى مرضى سرطان الرئة صغير الخلايا، لكنه دُرس أساساً عند إعطائه عن طريق الوريد. وحسب الباحثين، تعد هذه الدراسة الأولى التي تبحث في إعطاء «تارلاتاماب» تحت الجلد. وقد تكون هذه الطريقة أكثر ملاءمة للمرضى مقارنة بالتسريب الوريدي، كما قد تؤدي إلى وصول الدواء إلى الدم بصورة أكثر تدريجاً وبلوغ مستويات قصوى أقل، وهو ما قد يؤثر في حدوث بعض الآثار الجانبية أو شدتها، ومنها متلازمة إطلاق السيتوكينات.

وشملت الدراسة مرضى كان سرطان الرئة صغير الخلايا لديهم قد تطور أو عاد بعد تلقي علاج واحد على الأقل. وفي الجزء الأول من الدراسة، اختبر الباحثون جرعتي 10 و15 ملليغراماً من «تارلاتاماب» تحت الجلد مرة كل أسبوعين. وأظهرت جرعة 15 ملليغراماً تعرضاً للدواء في الجسم مماثلاً تقريباً للجرعة الوريدية البالغة 10 ملليغرامات كل أسبوعين، ولذلك اختيرت باعتبارها الجرعة المستهدفة في الجزء الثاني من الدراسة.

وكان 40 مريضاً قد تلقوا جرعة 15 ملليغراماً، وظهرت آثار جانبية مرتبطة بالعلاج لدى 85 في المائة منهم، أبرزها تفاعلات موضع الحقن (50 في المائة)، وتغير حاسة التذوق (45 في المائة)، ومتلازمة إطلاق السيتوكينات (38 في المائة)، وانخفاض الشهية (20 في المائة). وكانت معظم حالات متلازمة إطلاق السيتوكينات منخفضة الدرجة، ولم تُسجل حالات شديدة منها أو آثار جانبية مرتبطة بالعلاج أدت إلى الوفاة. وبلغ معدل الاستجابة الموضوعية الأولي 30 في المائة، ما يعني أن أورام نحو 3 من كل 10 مرضى أظهرت استجابة للعلاج.

وقال الباحثون إن النتائج تشير إلى أن جرعة 15 ملليغراماً من «تارلاتاماب» تحت الجلد يمكن أن تحقق مستويات تعرض للدواء في الدم مماثلة لتلك التي تحققها الجرعة الوريدية البالغة 10 ملليغرامات كل أسبوعين، مع الحفاظ على ملف سلامة ملائم. وحسب الباحثين، تدعم نتائج السلامة والنشاط الأولي المضاد للأورام، إلى جانب سهولة إعطاء العلاج المحتملة، مواصلة دراسة «تارلاتاماب» تحت الجلد. ومع ذلك، تظل النتائج أولية، ولا تكفي هذه الدراسة وحدها لإثبات فاعلية الدواء بصورة نهائية أو مقارنته مباشرة بالعلاجات الأخرى.


هوايات خريفية تساعد في التغلب على الكآبة

يمكن للخبز أن يتحول إلى هواية ممتعة خلال فصل الخريف (مجلة ريل سمبل)
يمكن للخبز أن يتحول إلى هواية ممتعة خلال فصل الخريف (مجلة ريل سمبل)
TT

هوايات خريفية تساعد في التغلب على الكآبة

يمكن للخبز أن يتحول إلى هواية ممتعة خلال فصل الخريف (مجلة ريل سمبل)
يمكن للخبز أن يتحول إلى هواية ممتعة خلال فصل الخريف (مجلة ريل سمبل)

مع تراجع ساعات النهار وانخفاض التعرض لضوء الشمس، قد يعاني بعض الأشخاص انخفاضاً في المزاج وزيادة الشعور بالخمول خلال فصل الخريف، وهي أعراض قد ترتبط بما يُعرف بــ«الاضطرابات العاطفية الموسمية». ويمكن لممارسة هوايات وأنشطة هادفة أن تساعد على تحسين المزاج والحد من الميل إلى العزلة خلال هذه الفترة.

وقالت كوني ماكرينولدز، الاختصاصية النفسية في الولايات المتحدة، إن قلة التعرض لضوء الشمس مع قصر ساعات النهار قد تؤثر في المواد الكيميائية المرتبطة بالمزاج والنوم، إذ قد يتراجع مستوى السيروتونين، الذي يشارك في تنظيم المزاج، بينما يرتفع مستوى الميلاتونين المرتبط بالنعاس، ما قد يزيد الشعور بالتعب وانخفاض المزاج. كما أن قلة الخروج من المنزل تعني تعرضاً أقل لأشعة الشمس، وبالتالي الحصول على كمية أقل من فيتامين «د»، وهو ما قد يؤثر في الحالة المزاجية لدى بعض الأشخاص، وفق مجلة «Real Simple» الأميركية.

وحسب خبراء في الصحة النفسية، يمكن للهوايات أن توفر خلال الخريف روتيناً يومياً، وتشجع على التواصل الاجتماعي، وتمنح شعوراً بالإنجاز، ما يساعد على مواجهة بعض الآثار المرتبطة بتغير الموسم. وتعد ممارسة الرياضة من الأنشطة المفيدة، سواء من خلال المشي قبل حلول الظلام، أو تجربة حصة رياضية مع الأصدقاء، أو ممارسة التمارين في المنزل، أو التنزه قبل غروب الشمس. وقالت ماكرينولدز إن الرياضة تساعد على الحفاظ على مستويات الهرمونات المرتبطة بتحسن المزاج، مضيفة أن المشي السريع أو الجري مع الأصدقاء، يليه تناول القهوة والتحدث معهم، قد يرفع المعنويات بأكثر من طريقة. كما يمكن للطهي أن يتحول إلى هواية ممتعة، خصوصاً عند تجربة وصفات جديدة أو إعداد الطعام مع العائلة والأصدقاء.

وقالت إليزابيث بوديت دريسر، المعالجة النفسية في الولايات المتحدة، إن هذه الأنشطة تشغل عدة حواس، من اللمس والشم والتذوق إلى القياس والتركيز على ما يحدث في اللحظة نفسها، كما تتيح فرصاً للتواصل مع الآخرين من خلال إعداد الطعام أو مشاركته. وقد تساعد القراءة أيضاً على إبعاد الذهن مؤقتاً عن القلق والأفكار المتكررة، خصوصاً عند وضع الجوال جانباً والتركيز على الكتاب. وأضافت دريسر أن الانضمام إلى نادٍ للكتاب يمكن أن يضيف جانباً اجتماعياً إلى القراءة، ويقلل الشعور بالعزلة خلال فترة قد يصبح فيها الانسحاب من الآخرين أكثر سهولة.

ومن الخيارات الأخرى التطوع، الذي يجمع بين الخروج من المنزل ومساعدة الآخرين. وتشمل فرص التطوع رعاية الحيوانات، ومساعدة الأشخاص، والمشاركة في حملات جمع الملابس أو الطعام. وقالت سيارا بوغدانوفيتش، المعالجة النفسية في الولايات المتحدة، إن التطوع يوفر فرصاً للتواصل الاجتماعي وشعوراً بالهدف، كما يمنح الشخص قدراً من الالتزام والروتين، ما قد يساعد على مقاومة الميل إلى العزلة عندما ينخفض المزاج.

ويمكن كذلك إشغال اليدين بأنشطة مثل الحياكة والتطريز، وحل الألغاز وصناعة الفخار والبستنة والرسم وتركيب مجسمات «ليغو». وقالت ريبيكا ماكيلوب، المعالجة المتخصصة في الولايات المتحدة، إن الحركات اليدوية المتكررة في هذه الأنشطة يمكن أن تنشط الجهاز العصبي نظير الودي، الذي يساعد الجسم على الاسترخاء، مشيرة إلى أن طبيعتها المتكررة تجعلها شبيهة بالتأمل، كما أن إنجاز شيء ملموس يمنح شعوراً بالرضا، خصوصاً عندما تبدو جوانب أخرى من الحياة غير واضحة أو غير مستقرة.

وخلص الخبراء إلى أن الاستفادة من الأنشطة التي يتميز بها فصل الخريف قد تساعد أيضاً على تقبل هذا الوقت من العام بدلاً من التركيز على انتهاء الصيف. ويمكن أن تشمل هذه الأنشطة التنزه في الطبيعة، أو مشاهدة الأفلام في المنزل، أو إعداد المخبوزات الموسمية، أو تركيب أحجية كبيرة يمكن مواصلة العمل عليها طوال الموسم.


الطاهر عيسى: «لا موضة» صرخة ضد المباهاة التي فرضتها العولمة

المخرج التونسي يتسلَّم جائزة أفضل مخرج بحفل ختام «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» (إدارة المهرجان)
المخرج التونسي يتسلَّم جائزة أفضل مخرج بحفل ختام «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» (إدارة المهرجان)
TT

الطاهر عيسى: «لا موضة» صرخة ضد المباهاة التي فرضتها العولمة

المخرج التونسي يتسلَّم جائزة أفضل مخرج بحفل ختام «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» (إدارة المهرجان)
المخرج التونسي يتسلَّم جائزة أفضل مخرج بحفل ختام «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» (إدارة المهرجان)

قال المخرج التونسي الطاهر عيسى، مخرج العرض المسرحي «لا موضة- Show Off»، الفائز بجائزة «أفضل مخرج» في الدورة الثالثة والثلاثين من «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي»، إن اختياره عالم الموضة مدخلاً للعرض جاء بوصفها «تجلياً صارخاً لآليات النظام الرأسمالي المعاصر»، موضحاً أنها لم تعد مجرد أزياء أو صرعات عابرة، وإنما أصبحت بنية تفرض الذوق العام، وتوجه السلوك نحو الاستهلاك، وتعيد تشكيل هوية الإنسان وقيمته وفقاً لما يستهلكه.

وأضاف الطاهر في حوار مع «الشرق الأوسط» أن عنوان «لا موضة- Show Off» يعكس حالة التداخل الثقافي التي يعيشها الإنسان المعاصر، موضحاً أن عبارة «لا موضة» تحمل موقفاً نقدياً رافضاً للنمطية والاتباعية الاستهلاكية، كما تشير «Show Off» إلى ثقافة الاستعراض والمباهاة التي فرضتها العولمة، والجمع بين التعبيرين يجسد صراع الذات بين جذورها المحلية وشبكات الهيمنة الثقافية والتسويقية العابرة للحدود.

وتدور فكرة العمل حول الإنسان داخل عالم تحكمه الموضة والاستهلاك والاستعراض؛ حيث تتحول الصورة إلى جزء أساسي من الوجود اليومي، ويصبح الفرد مطالباً باستمرار بتقديم نسخة معينة من نفسه أمام الآخرين. ومن خلال الحركة والأداء الجسدي والرقص والسيرك والميديا الرقمية، يضع العرض الإنسان أمام منظومة تدفعه إلى التكرار والتشابه، وتطرح سؤالاً حول المساحة التي ما زالت متاحة له ليكون ذاته بعيداً عن ضغط السوق والصورة.

حصد العرض التونسي جائزة أفضل إخراج في المهرجان (إدارة المهرجان)

وأشار الطاهر عيسى إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي وسَّعت مفهوم الاستعراض ليصبح «شرطاً وجودياً يومياً»، فأصبح الإنسان المعاصر يوثق حياته لا ليعيشها، وإنما ليستعرضها أمام الآخرين، لافتاً إلى أن هذه الواقعية الافتراضية أثرت في رؤيته الإخراجية، ودفعت إلى تفكيك العلاقة بين «الإنسان والآلة»، بعدما أصبحت التكنولوجيا والشبكات جزءاً من منظومة تؤطر الإنسان وتحوله في الوقت نفسه إلى منتج ومستهلك.

وأكد أن هدفه لم يكن تقديم خطاب مباشر أو موعظة أخلاقية حول الاستهلاك، وإنما تفكيك آلياته من خلال الصورة والأداء، موضحاً أن العرض يطرح أسئلة متعددة الدلالات، ويكشف التناقضات على الخشبة، ثم يترك للمشاهد حرية القراءة واكتشاف موقفه بنفسه، عبر رهان على إشراك المتلقي في التجربة، بدلاً من فرض رؤية إخراجية محددة عليه أو تقديم إجابات جاهزة.

وأضاف أن الأداء الجسدي كان ضرورياً للتعبير عن حالة التشظي النفسي والضغط الذي تفرضه المنظومة الاستهلاكية، موضحاً أن الجسد في حالته الحرجة يستطيع التعبير عن القهر والتدجين والتكرار الآلي، بصورة يصعب على الكلمات الوصول إليها.

قُدِّم العرض للمرة الأولى في القاهرة ضمن فعاليات المهرجان (إدارة المهرجان)

وأشار إلى أن «العرض تعمَّد في البداية تقديم عالمه بوصفه فرجة غرائبية بعيدة عن المشاهد، قبل أن يكشف تدريجياً أن المتلقي نفسه جزء من هذه المنظومة»، مؤكداً أن الرهان كان على إحداث صورة فنية مباغتة، ينتقل خلالها الجمهور من موقع المشاهد المحايد إلى موقع الشريك الذي يكتشف أنه يمارس الآليات الاستهلاكية ذاتها في حياته اليومية، لتتحول الفُرجة إلى مساءلة للذات.

ويرى عيسى أن التجريب المسرحي لا ينبغي أن يتحول إلى استعراض شكلي؛ لأن التجريب الحقيقي هو بحث مستمر عن أشكال جديدة للتعبير، وربط الفن بالإنسان والتاريخ؛ مشيراً إلى أن التجريب يصبح غاية فارغة عندما يكتفي بالشكليات أو الاستخدام المجاني للتقنيات والوسائط، من دون ضرورة فنية أو فكرية.

وأكد أن المسرح التجريبي قادر على الوصول إلى جمهور واسع، إذا امتلك الصدق الجمالي والوضوح الدلالي، معتبراً أن الفصل بين المسرح التجريبي والمسرح الجماهيري ليس حتمياً؛ لأن التجريب الحقيقي يخاطب وعي الإنسان وحواسه مباشرة. ونجاح العرض في التواصل مع الجمهور يرتبط بقدرته على خلق حالة تفاعلية حية تلامس قضايا المتلقي، إلى جانب امتلاك أدوات مناسبة للتواصل معه.

المخرج التونسي أعرب عن سعادته بتتويجه بجائزة أفضل مخرج (إدارة المهرجان)

وقال إن هذا العمل -مقارنةً بأعماله السابقة- شهد مجازفة أكبر في كسر البناء الدرامي التقليدي، واختبار مسرح ما بعد الدراما، مع محاولة تحقيق توازن بين الصرامة الفنية والتواصل مع الجمهور، وهو ما جعله محطة مهمة في مساره الإبداعي.

وأضاف أن موضوع التسليع والاستهلاك يتجاوز الحدود الجغرافية؛ لأنه يمس الإنسان المعاصر في مجتمعات مختلفة، معتبراً أن استقبال الجمهور المصري أثبت قدرة العرض على الانتقال من خصوصيته التونسية إلى سؤال إنساني أوسع.

وأشار إلى أن المشاركة في «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» وفر للعرض فرصة الاحتكاك بتجارب مسرحية دولية من دول عدة، بينها سويسرا وإسبانيا وبيلاروسيا وفرنسا، موضحاً أن هذا التنوع أتاح له مقارنة أدواته الفنية بتجارب مختلفة، لافتاً إلى أن المهرجان لم يكن فقط مساحة للعرض، وإنما وفَّر أيضاً بيئة للتواصل الفني والمعرفي، وإعادة قراءة التجربة ضمن سياق مسرحي أوسع.

اعتمد العرض على تقديم رؤية تجريبية مبتكرة (إدارة المهرجان)

وأكد أن حصوله على جائزة أفضل مخرج يمثل تكريماً لمسار البحث الفني الذي خاضه مع العرض، ولكنه لا يغير جوهر التجربة التي اكتملت أساساً من خلال تفاعلها مع الجمهور، معتبراً أن الجائزة تضاعف مسؤوليته الإبداعية، وتمنحه دافعاً للاستمرار في البحث والتجديد، محذراً في الوقت نفسه من أن يتحول النجاح إلى نمطية تحد من المغامرة الفنية.

وأوضح أن خصوصية العرض التونسية ظهرت من خلال أجساد الممثلين وإيقاعهم، والذاكرة الأدائية المرتبطة ببيئتهم، بينما انفتح الطرح الفكري والوسائطي على قضايا إنسانية تتجاوز الحدود.

وقال إن الانطلاق من المحلية لم يكن عائقاً أمام الوصول إلى العالمية؛ بل كان وسيلة للوصول إليها؛ لأن التجريب الحقيقي -من وجهة نظره- لا يلغي الهوية، وإنما يستثمرها في طرح أسئلة تتعلق بالإنسان المعاصر.