خيوطٌ عربية طرزت فستان زفاف الملكة إليزابيث

سليم مزنر يحرس إرثاً عابقاً برائحة الذهب والتاريخ

مزنّر مع ولدَيه نمير ورنوى
مزنّر مع ولدَيه نمير ورنوى
TT

خيوطٌ عربية طرزت فستان زفاف الملكة إليزابيث

مزنّر مع ولدَيه نمير ورنوى
مزنّر مع ولدَيه نمير ورنوى

كان العالم خارجاً لتوه من حرب شاملة، يوم قررت الأميرة إليزابيث والدوق فيليب الزواج. نظراً لسياسة التقشف التي سادت أوروبا والمملكة المتحدة آنذاك، يُحكى أن إليزابيث اضطرت للاستعانة ببطاقات التموين من أجل شراء قماش فستان الزفاف وسائر تفاصيله. إلا أن ملامح التقشف لم تظهر لاحقاً على الفستان الذي أبهر العالم، والذي تولى تصميمه نورمان هارتنيل.
هارتنيل المعروف بولعه بالأقمشة المطرزة، لم يبخل على الثوب العاجي بشيء. أوصى على حريره من الصين، وعلى 10 آلاف حبة لؤلؤ من الولايات المتحدة الأميركية. أما التطريز فكان لا بد أن يتولاه رواد الحرفة.
استفاقت السفارة السورية في لندن على برقية من قصر باكينغهام في أحد أيام سنة 1947: «أرسِلوا لنا أجود أقمشة الديباج (brocart) من أسواق الشام لإنجاز ثوب زفاف الأميرة». تحت إشراف الرئيس السوري آنذاك شكري القوتلي، طُلب الحرير المطرز بخيطان الذهب من مصنع أنطون إلياس مزنر في منطقة باب شرقي. وتحكي الرواية أن قماش الفستان التاريخي أُنجز في دمشق، قبل أن يُرسل إلى القصر الملكي.
يروي أحد أحفاد السلالة، صانع ومصمم المجوهرات اللبناني سليم مزنر، كيف أن أسلافه استقروا في دمشق في القرن الـ19 قبل الانتقال إلى بيروت. وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» يقول مزنر، إن أنطون عُرف كأفضل صانع للديباج، فاستحق مصنعه ثقة كبار القوم، من الشام وصولاً إلى لندن.
العابر في سوق منطقة باب شرقي في دمشق، قد يسمع حتى اليوم من يطلب من الباعة «بروكار إليزابيث»، يخبر مزنر الذي انتقلت إليه حكاية ثوب العرس بالتواتر، وعبر مقتطفات صغيرة.


فستان زفاف الملكة إليزابيث

إلى سليم مزنر انتقلت كذلك ثاني حِرف العائلة التي انقسمت بين اختصاصيي أقمشة وتطريز، ومصممي وتجار مجوهرات. في دمشق أيضاً استقر الأجداد، حيث أسالوا الذهب وصنعوا منه حلياً، قبل أن تندلع أحداث 1860 وتجبر جزءاً من العائلة على الانتقال إلى بيروت. حسب رواية مزنر، «ما بين 1860 و1914 استمر انتقال العائلة على مراحل من الشام إلى بيروت، حيث حولوا الإسطبل العثماني في منطقة الصيفي إلى سوق للصاغة وفتحوا دكاكين لبيع الذهب».
يصر مزنر على كلمة «دكان»، فحِرفة الذهب اتسمت بالبساطة آنذاك ولم يكن يُنظر إليها على أنها ترف كما هي الحال الآن. يوضح قائلاً: «صحيح أن أجدادي كانوا يسكون العملة للسلطنة العثمانية، لكن العمل عموماً كان متواضعاً. لم يعرفوا الابتكار والتفرد في البدايات، فكانوا مثلاً يركزون على تصميم واحد مثل سوار المبرومة، وينفذونه جميعاً».
أن يحمل شخص اسم مزنر في لبنان، فهذا يعني على الأرجح أنه مصمم مجوهرات أو صاحب متجر لبيع الذهب. مع أن جزءاً كبيراً من الجيل الجديد اتجه صوب اختصاصات أخرى، حسبما يؤكد سليم مزنر، إلا أن تلك الصبغة لا تزال قائمة. 160 سنة من توارث المهنة عبر الأجيال، فعلت فعلها.
لا يرى مزنر في المهنة الموروثة مدعاة للتفاخر: «أن تأتيك الحِرفة بالوراثة وليس من خلال مجهود شخصي، فهذا هو الطريق الأسهل. مع ابنتي وابني خالفت القاعدة التي اعتمدها أبي وأجدادي. لم أُجبرهما على تسلم الشعلة. لكنهما وبعد أن تخصصا بداية فيما لا علاقة له بالمجوهرات، عادا من تلقاء نفسَيهما إلى هذا العالم الواسع كل على طريقته».
يبدو أن قدر عائلة مزنر كُتب بخيوط من ذهب، فكلما حاولوا قطعها عادوا ووقعوا في شَركها. «تخصص والدي في العلوم السياسية ثم عاد إلى المتجر الذي فتحه له والده. أما أنا فكنت مصمماً على أن أصبح صحافياً، وقد غطيت الحرب الأهلية اللبنانية لصالح إحدى منظمات حقوق الإنسان»، يروي مزنر.
لم يربطه أي شغف بالمجوهرات خلال مراهقته وأولى سنوات شبابه. الساعات الطويلة والإجازات الصيفية التي أمضاها طفلاً إلى جانب الحِرفيين في محل الوالد وهو يراقب عملهم الدقيق، كانت بمثابة واجب عليه تنفيذه. حتى التخصص في علم المعادن والأحجار في باريس شكل نوعاً من الهروب باتجاه مسارٍ علمي مختلف.
لطالما رغب بالاستقلال عن «بيزنس» العائلة، فوجد وظيفة في مصنع للمجوهرات في السعودية. وبعد 5 سنوات هناك، خاض مغامرة العمر فسافر إلى الشرق الأقصى حيث أمضى سنتين. بين مناجم الحجارة الكريمة وأسواق الذهب في كلٍ من كمبوديا وبورما وتايلاند، بدأت قصة عشقه للحجارة الملونة الطالعة من بين التربة والصخر.
«الطبيعة أكبر من أكبر فنان»، يقول سليم مزنر. فهي التي مهرت حكاية حبه وجعلت من مزيج الحجارة الملونة علامته الفارقة. لا يحب التمييز بين حجر كريم وآخر نصف كريم، «فلكل حجر جماله وإن لم يكن من الفئة الأثمن».
في محترفه ومصنعه بمنطقة الأشرفية في بيروت، يتنقل بين الحرفيين والموظفين متابعاً تفاصيل صناعة القطعة من المخاض حتى الولادة. لا يحتاج إلى عدسة مكبرة ليعاين الحجر الكريم. تكفيه نظرة سريعة أو حتى لمسة ليتفحصه. «أمضيت عمري وأنا أكتشف كل يوم شيئا جديداً. تعلمت التصميم بمفردي، وأعرف كل مراحل العمل لكني أؤمن بأدوار كل عناصر الفريق»، يقول مزنر.
استطاع سليم مزنر أن ينحت الإرث ويُخرج منه شكلاً جديداً. صنع ثورته الخاصة على الماضي من دون أن يخدش أسس المهنة: «صحيح أنني غير تقليدي، لكن ثمة قواعد لا أستطيع أن أكسرها. أحترم مبادئ المهنة. أؤمن بالحداثة والتطور، لكن لا شيء يحل مكان اليد البشرية التي تمنح اللمسة الإنسانية الحنونة للقطعة».
يهمه أن تشعر المرأة التي ترتدي تصاميمه بالفرح وبالاتحاد مع الخاتم أو العقد أو السِوار. يقول: «الأولوية عندي هي ألا يكون المنتج مستفزاً للعين وأن يكون مريحاً في الارتداء. أتجنب أن أعكس من خلال تصاميمي معادلة الذهب والثراء، ولا أحب أن ترتدي سيدة قطعة من توقيعي بهدف التكبر أو من باب المظاهر». مع العلم أن ممثلات عالميات مثل ميشيل فايفر، وإيما ستون، وجنيفر لورنس لبسن تصاميمه.
لكل قطعة حكايتها، وهي في الغالب حكاية مُفرحة. حتى المجموعات التي خصصها لمدينته بيروت، تعمد مزنر أن يحملها رسائل حنين وأمل: «اخترت البقاء لأن لبنان هو مساحتي الآمنة. هنا ملعبي وأخاف أن أغادره. بيروت تركض تحت جلدي وأنا طبعاً أستوحي منها الكثير في عملي». لمتجره فروع كثيرة حول العالم، لكنه يرمي مرساته دائماً في لبنان.
رغم الدمار الذي لحق بمنزله التراثي بعد تفجير مرفأ بيروت الذي أصاب ابنته، يصر سليم مزنر على الاحتفاظ بنسخته الخاصة عن المدينة. «بيروت سوق الصاغة وأياس وسرسق حيث جذوري. أفتخر بأنني ركضت في تلك الشوارع وشممت رائحتها ما قبل النار والبارود».


مقالات ذات صلة

العلامة التجارية لميغان ماركل تنفصل عن «نتفليكس»

يوميات الشرق ميغان ماركل في لقطة من برنامجها (نتفليكس)

العلامة التجارية لميغان ماركل تنفصل عن «نتفليكس»

بعد موسمين لم ينالا النجاح المنتظر أعلنت منصة البث «نتفليكس» وعلامة دوقة ساسيكس ميغان ماركل «As Ever» إنهاء الشراكة بينهما، وأن الدوقة ستطلق مشروعها بشكل مستقل…

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق قصر هوليرود هاوس باسكوتلندا (شاترستوك)

الغرف الخاصة للملكة إليزابيث الثانية تفتح أبوابها للزوار للمرة الأولى

تستعد الغرف الخاصة للملكة إليزابيث الثانية في مقر إقامتها الرسمي في اسكوتلندا لفتح أبوابها أمام الجمهور للمرة الأولى، وذلك إحياءً للذكرى المئوية لميلادها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق سارة فيرغسون تقف الى جانب طليقها الأمير البريطاني السابق أندرو (رويترز) p-circle

تقرير: طليقة أندرو بلا منزل وتقيم لدى أصدقائها بعد فضيحة إبستين

تجد سارة فيرغسون، طليقة الأمير البريطاني السابق أندرو، نفسها في وضع معقَّد، بعد عودة الجدل حول قضية الممول الأميركي الراحل جيفري إبستين.تجد سارة فيرغسون، طليقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير هاري وزوجته ميغان يزوران مركز الملك حسين للسرطان برفقة وفد من منظمة الصحة العالمية في عمّان (رويترز)

رسالة الأمير هاري للمتعافين: لا عيب في الإدمان... «شاركوا شجاعتكم»

في إطار زياراته الإنسانية للأردن، وجّه الأمير البريطاني هاري رسالة تضامن واضحة إلى المتعافين، مؤكداً أن الإدمان ليس وصمة عار، بل تحدٍ يمكن تجاوزه بالإرادة.

«الشرق الأوسط» (عمان)
أوروبا الملك البريطاني تشارلز يتحدث مع شقيقه أندرو في لندن (أرشيف - أ.ب) p-circle

وثائق: إبستين ألقى باللوم على تشارلز في تنحي أندرو عن منصبه التجاري

ألقى رجل الأعمال الراحل المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين باللوم على الملك تشارلز في فقدان الأمير البريطاني السابق، أندرو، منصبه مبعوثاً تجارياً للمملكة المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

نقل الدورة الرباعية الإعدادية للمونديال من الأردن إلى تركيا

من آخر اجتماعات الاتحاد الأردني لكرة القدم (الشرق الأوسط)
من آخر اجتماعات الاتحاد الأردني لكرة القدم (الشرق الأوسط)
TT

نقل الدورة الرباعية الإعدادية للمونديال من الأردن إلى تركيا

من آخر اجتماعات الاتحاد الأردني لكرة القدم (الشرق الأوسط)
من آخر اجتماعات الاتحاد الأردني لكرة القدم (الشرق الأوسط)

أعلن الاتحاد الأردني لكرة القدم، السبت، نقل مباريات الدورة الرباعية الدولية الودية المقررة نهاية شهر مارس (آذار) من العاصمة عمان إلى مدينة أنطاليا التركية، وذلك بسبب الوضع الراهن في المنطقة ومحدودية حركة السفر.

وتشارك في الدورة إلى جانب منتخب الأردن، منتخبات إيران ونيجيريا وكوستاريكا، وتدخل في إطار التحضيرات للمشاركة في نهائيات كأس العالم 2026 المقررة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

وحسب جدول مباريات الدورة، يلتقي في المواجهة الأولى الأردن مع كوستاريكا في 27 مارس، وفي اليوم نفسه تلتقي إيران مع نيجيريا، على أن تُختتم في 31 منه، بمواجهتي الأردن مع نيجيريا، وإيران مع كوستاريكا.

وتُعتبر الدورة الرباعية المحطة قبل الأخيرة لمنتخب الأردن الذي يستعد لمشاركته التاريخية الأولى في كأس العالم.

وستكون المحطة الأخيرة لمنتخب «النشامى» خلال شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران)؛ حيث يلتقي مع سويسرا في 31 مايو في مدينة سانت غالن، قبل أن يغادر إلى الولايات المتحدة لمواجهة كولومبيا في 7 يونيو في مدينة سان دييغو.

ويقيم منتخب الأردن معسكره الرسمي خلال المونديال في مدينة بورتلاند الأميركية، ومن المقرر أن يواجه في دور المجموعات النمسا والجزائر والأرجنتين في 16 و22 و27 يونيو توالياً في إطار منافسات المجموعة العاشرة.


الدوري الفرنسي: لوريان يحرم لانس من استعادة الصدارة

لاعبو لوريان يحتفلون بهدف الفوز (أ.ف.ب)
لاعبو لوريان يحتفلون بهدف الفوز (أ.ف.ب)
TT

الدوري الفرنسي: لوريان يحرم لانس من استعادة الصدارة

لاعبو لوريان يحتفلون بهدف الفوز (أ.ف.ب)
لاعبو لوريان يحتفلون بهدف الفوز (أ.ف.ب)

أهدر لانس، صاحب المركز الثاني، فرصة للصعود إلى صدارة ترتيب دوري الدرجة الأولى الفرنسي، وتعرض لخسارة مخيبة للآمال 2-1 أمام مضيفه لوريان السبت؛ إذ سجل أييجون توسين هدف الفوز لصاحب الأرض في منتصف الشوط الثاني.

وتجمد رصيد لانس عند 56 نقطة من 26 مباراة، بفارق نقطة واحدة خلف المتصدر باريس سان جيرمان، الذي لعب مباراة أقل ولن يخوض أي مباراة في الدوري هذا الأسبوع؛ إذ يواجه تشيلسي في إياب دور الستة عشر من دوري أبطال أوروبا، الثلاثاء.

وصعد لوريان مركزين ليحتل المركز الثامن برصيد 37 نقطة من 26 مباراة.


رغم وجوده في الدمام... استبعاد ماني من مباراة الخليج

ماني لاعب النصر (موقع النادي)
ماني لاعب النصر (موقع النادي)
TT

رغم وجوده في الدمام... استبعاد ماني من مباراة الخليج

ماني لاعب النصر (موقع النادي)
ماني لاعب النصر (موقع النادي)

تأكد غياب النجم السنغالي ساديو ماني عن مواجهة النصر والخليج، رغم مرافقته بعثة الفريق إلى الدمام ووجوده في ملعب المباراة.

وأظهرت الفحوصات الطبية التي خضع لها لاعب النصر تعرضه لتمزق عضلي من الدرجة الثانية، ما سيبعده عن الملاعب لفترة تتراوح بين أسبوع إلى 10 أيام، ليتم استبعاده رسمياً من قائمة المباراة.

وكان ماني قد وصل مع بعثة النصر إلى الدمام ووجد في ملعب اللقاء، ضمن التحضيرات الأخيرة، قبل أن تحسم الفحوصات الطبية موقفه، وتؤكد عدم قدرته على المشاركة في المواجهة التي ستقام أمام الخليج.