سامي مهدي... فخ السلطة وضريبة الشعر الأخيرة

الشاعر والديكتاتور وشياطين أخرى

سامي مهدي
سامي مهدي
TT

سامي مهدي... فخ السلطة وضريبة الشعر الأخيرة

سامي مهدي
سامي مهدي

في كل الثقافات العالمية وآدابها تظهر تقيمات للأدباء الموتى والأحياء، لا سيما بعد الموت، وبتشديد أكثر عندما تكون هناك فترات مظلمة في حياة الشاعر المعروف، أو الكاتب الشهير. نحن نعرف أن الأكاديميات والصحف الرئيسية، لا سيما التي تُصدر ملاحق كبرى، مثل ملحق «التايمز»، تعيد تقييم الأسماء الأدبية ونصوصها، من حين إلى آخر، ولا مشكلة. جامعة أوكسفورد، مثلاً، أعادت طبع مسرحيات شهيرة لشكسبير وأضافت اسم كريستوفر مارلو، بعد أن وصل البحث العلمي إلى مصاف اليقين بعدم أصالة شكسبير في كتابة بعض المسرحيات المنسوبة له، فأضيف اسم «مارلو» إلى جانب اسم شكسبير. وكذلك فعلوا مع كتاب «أوفيد في المنفى»؛ فالدراسات الأخيرة ترفض فكرة نفي الشاعر الشهيرة، ولم يظهر من يهدد أو يقاضي أو «يسخر» ممن أنجز هذه الدراسات العظيمة.
في ألمانيا كذلك، وحتى بعد أكثر من خمس وسبعين سنة، تعكف مؤسسة الأرشيف الألماني على التدقيق في الأرشيف الأدبي للكتاب الألمان المعاصرين لهتلر، فإذا ما وجدوا ما يشير إلى «النازية» يوصون في الحال بحجب الكتاب عن التداول، ويُرفع من التداول في المكتبات. وكلنا يتذكر الضجة التي أثارها تصريح غونتر غراس عندما تحدَّث عن التحاقه بصفوف منظمة «الفتوة» النازية، ولم يكن له سوى سبع عشرة سنة. ولقد وصل الأمر بكتاب ونقاد ألمان حد المطالبة بحجب كتب غراس من التداول. المضحك أن بعض من كتبوا المقالات الرئيسة عن حالة غونتر غراس، ونشروها في الصحف العربية الكبيرة، وقد عبّروا فيها عن إعجابهم الشديد بشجاعة غراس، نجدهم الآن يغضبون عندما تتحدث «قلة» قليلة عن حالة عراقية مماثلة. هذه مفارقة عربية ذات صيغة عراقية مركبة تدفعنا للتشكيك بمرامي تلقي «الحالات» العالمية، عربياً، مما يتصل بشجب سلطة الديكتاتور، بل وتمجيد الكاتب المعادي للديكتاتور؛ فقد لا يخلو كتاب لأحدنا، أو مقالة أو بحث من مقولة «ثورية» تندد بـ«القتلة» وتحث «الكتَّاب» على تشريح حياتهم وسيرهم حتى لا يتكرروا. لكن الحالة ذاتها سنجد لها ألف تفسير عندما تتصل بحياتنا العربية العراقية المعاصرة، لا سيما عندما يمسُّ الكلام شاعر - «نا» المفضل، أو شاعر الحزب، أو الشاعر الذي ينتمي إلى «طائفتنا».

سرطان السياسة...
سرطانات الأدب والثقافة
في وقت مبكر من لحظة «نيسان 2003» كنا نقول، معترضين، لزملاء وأصدقاء إنه لا بد لنا من معيار نحتكم إليه في التقييم والحكم. لكن هذه الرغبة طارت ولم تجد أرضاً صلبة تقف عليها. «فلان الفلاني»، مثلاً، كان مدَّاحاً لصدام ونظامه. يصمت الغاضبون من حالة «الشاعر - السيد»، في حين تثيرهم حالة «رئيس» القسم «البعثي»؛ فأعرف أنهم صمتوا لأنه «السيد» ابن عائلة دينية كبيرة. يرتقي «الشاعر الدكتور» أعلى مناصب دولة ما بعد صدام حتى صار وزيراً، في حين يذهب «الأستاذ» البعثي ذو الأصول «الطائفية» المختلفة للنسيان. ثم «يموت» الشاعر يوسف الصائغ فيرفض اتحاد الأدباء والكتَّاب ببغداد نعيه؛ بتهمة إنه كان «خائناً» للحزب والشعب والشعر والوطن. والرفض ذاته نسمع عنه عندما مات، في مغتربه، شاعر صدام الأول «عبد الرزاق عبد الواحد». لكننا «نصحو» على نعي حار برحيل سامي مهدي، النصف البعثي مع خالد علي مصطفى من البيان الشعري الستيني الشهير. ولا أحد يتطوع ويفسر لنا؛ لماذا؟
ولا تفسير، أيضاً، لحالات الجمع بين مطرب شهير مثل كاظم الساهر، لا سيما بعد حديثه الأخير في حفلة وداع سامي مهدي الدامية حد قتال الشوارع في المدن المنكوبة بالحقد والكراهية، شهدنا ما لم نعرف ونسمع من قبل. فجأة تحوَّل «مواطنو» صفحة الشاعر «المحبَّون» له إلى شامتين به وناقمين عليه وعلى شعره. وفجأة، أيضاً، تحول «شعراء» و«مفكرون» و«كتاب قصة أو رواية أو مسرح»، كانوا، حتى البارحة، يكتبون الشعر وينشرون القصص والمقالات الجميلة المنددة بالطغيان والمستبدين وشعراء الحروب ألعابثة إلى مادحي تراث «الراحل» الشعري والنقدي. وإذا كانت «هجمة» بعض مثقفي اليسار العراقي، لا سيما الذين أجبرهم «إرهاب» الدولة البوليسية التي كان سامي مهدي يدير مؤسساتها الثقافية ويكتب المقالات والشعر المادح لـ«رئيسها» على الفرار من البلد، مفهومة، وربما مسوَّغة بحكم تاريخ العلاقة الشائكة بينهما، فإن حجم المغالطات والتنكر لصلة مهدي بما آل إليه وضع البلاد وانتقالها من «استبداد» الفرد الواحد إلى «احتلالات» أجنبية هو أمر غير مفهوم، ولقد حوَّل هؤلاء مهدي إلى «سيَّاف» السلطان الرهيب الذي لا يجرؤ أحد على شتمه، أو فضح أفعاله في حياته، فإذا «مات» صار أعداؤه يكتبون ضده.

ساعة السكرتير المنسية و«مدير الشعر»
منشوران ضائعان في عالم «فيسبوك» الشاسع، أو عالم النت الأوسع، كانا سبب هذه الحفلة الصاخبة. «نتفة» تركها الشاعر عبد الكريم گاصد عن «ساعة سلام عادل: سكرتير الحزب الشيوعي العراقي». لن أتخذ هذه القصة دليلاً على إدانة أحد، لكني أفكر بمئات المنشورات المنددة بما كتبه الشاعر گاصد في كتابه الأخير «رهان الستينات: نقد البيان الشعري، عبد الكريم گاصد، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بغداد، 2022»؛ فقط لأن كاتب «النتفة» لم يذكرها في حياة الشاعر الراحل؛ ليمكنه الرد على هذه «الكذبة». والحقيقة أن هذه القصة قد ذكر تفاصيلها گاصد نفسه في مقال عنوانه «خفة الشاعر التي تُحتمل»، نشره عام 2006 على موقع «الحوار المتمدن»، بل إن تاريخ نشر المقال يعود إلى زمن سابق؛ إذ إنه قد نُشر بصفته تقديماً لأحد كتب الكاتب السوري ممدوح عدوان. وفي ذلك المقال يتحدَّث گاصد عن لقاء جمعه بممدوح عدوان وعلي الجندي، وكان معهما سامي مهدي، ولقد أخبرهما مهدي، في ذلك اللقاء، أنه حصل على ساعة سلام عادل، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، بعد موته تحت التعذيب أثناء الانقلاب البعثي في شباط عام 1963، وأنه قد شهد وقائع التعذيب، لكنه لم يشترك به. تاريخ المقال، من ثمّ، لا يرتبط بتاريخ صدور كتاب گاصد «رهان الستينات: نقد البيان الشعري»، إنما يعود لأكثر من خمسة عشر عاماً. ولا يعنيني، هنا، صدق أو كذب واقعة ساعة السكرتير، إنما يهمني جداً أن أسفِّه «حمية» كل الذين كتبوا أن «القصة» ذكرت بعد موت الشاعر سامي مهدي، وأنه كان على صاحبها أن «يعلنها/ ينشرها» في حياة الشاعر. فالقصة معروفة ومعلنة ومسجلة في كتب الشاعر عبد الكريم گاصد، وهي ليست بنت اليوم أو البارحة. أما صدقها أو كذب صاحبها فهذا موضوع آخر، رغم أن أحد الشهود المذكورين «الشاعر علي الجندي» قد تُوفي عام 2009، بعد سنوات من نشر المقالة، حتى ممدوح عدوان فقد رحل عن عالمنا عام 2004.
لكن مقالة الكاتب علي بدر بعنوانها الهادئ «سامي مهدي بورتريه» هي المأثرة الأهم في حفلة الوادع الصاخبة. أقول العنوان الهادئ وهو خلاف مادته الصادمة والمكتوبة بمنطق «الخبير» بالشعر وكتابة السيرة، لِم لا؛ أليس هو، ذاته، صانع المصائر وكاتب سير شخصيات قصصه ورواياته. ولكن متى نفع كلام «الخبير» في بلاد دمرَّها «القتلة» و«الجهلة». في مقالة «بدر» ثمة تقييم نهائي للشاعر الراحل وشعره. يهمنا، هنا، تقييم بدر لشعر مهدي: فهو شاعر سلطة بامتياز، رغم أنه «لم يكتب الشعر السياسي»، ولقد ظل مؤمناً بالآيديولوجيا «البعثية/ القومية» حتى وفاته. ولم يكن موضوع الحرية يقلقه، «كما أنه لم تكن لديه ولا حتى أزمة ضمير إزاء الشعراء من جيله الذي انتهوا منفيين أو مسجونين أو مقتولين فهو كشاعر أو كمثقف أبعد ما يكون عن التعاطف».
وهو ذو شعر «يفقد للجذوة، يفتقر للروح، شعره مكتوب ببراعة لكنه مصنوع (...) هو شعر مكتب مبرد ومخدوم خدمة جيدة». وفي المقالة «البوست» ذاته سيشدد بدر أن شعر سامي مهدي «لم يكن مدرسة كاملة في الشعر له تلامذته ومقلدوه ومريدوه مثل سعدي يوسف، لقد عجز أن يجد شاعراً واحداً يتبعه، ولم نجد شاعراً واحداً نقول إن شعره تقليد واضح لشعر سامي مهدي». وسيكرر علي بدر بعض هذا الحقائق في «منشورات» لاحقة، بعد أن صار في واجهة نار المعترضين على تقييمه للشاعر الراحل.

«إحنه مشينا للحرب»

مثلما أن «الديكتاتور» يخلق بلاداً بحجم أوهامه وكوابيسه وأخطائه وجنونه، فإنه يخلق كذلك شعراءه وكتّابه ومثقفيه. ومثلما أن «الديكتاتور» يذهب إلى موته بلا اعتذار لشعبه عما فعله به، فإن شاعر السلطة يظل عند حدود يقينه بـ«عقيدتـ»ـه السياسية الصلبة حتى لحظته الأخيرة. وسامي مهدي شاعر خدمته سلطة الديكتاتور، وخدم هو، نفسه، تلك السلطة. هاتان حقيقتان لا يمكن إنكارهما، ولا يمكن فصلهما عن بعض، مثلما لا يمكن تفسيرهما بمنطق صراع الشيوعيين والبعثيين، أو كما يسوِّغ بعضهم «استخدام» السلطة المستبدة للأدب والثقافة في خداع الناس وإخضاعهم لها، وركون «الشعراء» و«الكتاب» لهذا المنطق كما لو أنه الحالة الطبيعية. وهو ما يريده أغلب المدافعين عن الشاعر الراحل. نحن نتحدث عن «شاعر» و«شعر» يفترض أن يعبّر عن الحق والعدالة، كما هو منطق الشعر في أغلب آداب العالم، لا أن يكون «أداة» لترسيخ سلطة «الديكتاتور» المطلق. وهذا الأمر حدث على مستوى الشعر نفسه، مثلما حدث على مستوى إدارة الشاعر لمؤسسات السلطة الديكتاتورية. لعل كثيرين سيوردون سيرة الجواهري، مثلاً، وسيقفون عند قصائد أو أبيات مدح بها الشاعر الشهير ملوك العراق و«قاسم» وحتى «البكر» وقادة بعثيين آخرين. وقد يتحدثون عن «منطق» الشعر العربي في مديح السلاطين، شأن أي شعر آخر في أمة أخرى، ولنا في سيرة الشاعر العربي الأعظم «المتنبي» مثلاً. بل قد نحتاج إلى كتب ومؤلفات كثيرة نحصي بها «كلام» المختصين، وغيره، عن جدل العلاقة بين «الأدب» و«السلطة» في تاريخنا العربي والعراقي. ولابأس؛ لكننا في حالة الشاعر الراحل نقف، ربما لأول مرة عند شاعر يسهم في بناء سلطة ديكتاتور. فلا المتنبي فعلها مع سيف الدولة الحمداني، ولا الجواهري مع الملك فيصل أو قاسم. نعم، لم يفعلها شاعر من قبل سوى شعراء الديكتاتور العراقي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended