سامي مهدي... فخ السلطة وضريبة الشعر الأخيرة

الشاعر والديكتاتور وشياطين أخرى

سامي مهدي
سامي مهدي
TT

سامي مهدي... فخ السلطة وضريبة الشعر الأخيرة

سامي مهدي
سامي مهدي

في كل الثقافات العالمية وآدابها تظهر تقيمات للأدباء الموتى والأحياء، لا سيما بعد الموت، وبتشديد أكثر عندما تكون هناك فترات مظلمة في حياة الشاعر المعروف، أو الكاتب الشهير. نحن نعرف أن الأكاديميات والصحف الرئيسية، لا سيما التي تُصدر ملاحق كبرى، مثل ملحق «التايمز»، تعيد تقييم الأسماء الأدبية ونصوصها، من حين إلى آخر، ولا مشكلة. جامعة أوكسفورد، مثلاً، أعادت طبع مسرحيات شهيرة لشكسبير وأضافت اسم كريستوفر مارلو، بعد أن وصل البحث العلمي إلى مصاف اليقين بعدم أصالة شكسبير في كتابة بعض المسرحيات المنسوبة له، فأضيف اسم «مارلو» إلى جانب اسم شكسبير. وكذلك فعلوا مع كتاب «أوفيد في المنفى»؛ فالدراسات الأخيرة ترفض فكرة نفي الشاعر الشهيرة، ولم يظهر من يهدد أو يقاضي أو «يسخر» ممن أنجز هذه الدراسات العظيمة.
في ألمانيا كذلك، وحتى بعد أكثر من خمس وسبعين سنة، تعكف مؤسسة الأرشيف الألماني على التدقيق في الأرشيف الأدبي للكتاب الألمان المعاصرين لهتلر، فإذا ما وجدوا ما يشير إلى «النازية» يوصون في الحال بحجب الكتاب عن التداول، ويُرفع من التداول في المكتبات. وكلنا يتذكر الضجة التي أثارها تصريح غونتر غراس عندما تحدَّث عن التحاقه بصفوف منظمة «الفتوة» النازية، ولم يكن له سوى سبع عشرة سنة. ولقد وصل الأمر بكتاب ونقاد ألمان حد المطالبة بحجب كتب غراس من التداول. المضحك أن بعض من كتبوا المقالات الرئيسة عن حالة غونتر غراس، ونشروها في الصحف العربية الكبيرة، وقد عبّروا فيها عن إعجابهم الشديد بشجاعة غراس، نجدهم الآن يغضبون عندما تتحدث «قلة» قليلة عن حالة عراقية مماثلة. هذه مفارقة عربية ذات صيغة عراقية مركبة تدفعنا للتشكيك بمرامي تلقي «الحالات» العالمية، عربياً، مما يتصل بشجب سلطة الديكتاتور، بل وتمجيد الكاتب المعادي للديكتاتور؛ فقد لا يخلو كتاب لأحدنا، أو مقالة أو بحث من مقولة «ثورية» تندد بـ«القتلة» وتحث «الكتَّاب» على تشريح حياتهم وسيرهم حتى لا يتكرروا. لكن الحالة ذاتها سنجد لها ألف تفسير عندما تتصل بحياتنا العربية العراقية المعاصرة، لا سيما عندما يمسُّ الكلام شاعر - «نا» المفضل، أو شاعر الحزب، أو الشاعر الذي ينتمي إلى «طائفتنا».

سرطان السياسة...
سرطانات الأدب والثقافة
في وقت مبكر من لحظة «نيسان 2003» كنا نقول، معترضين، لزملاء وأصدقاء إنه لا بد لنا من معيار نحتكم إليه في التقييم والحكم. لكن هذه الرغبة طارت ولم تجد أرضاً صلبة تقف عليها. «فلان الفلاني»، مثلاً، كان مدَّاحاً لصدام ونظامه. يصمت الغاضبون من حالة «الشاعر - السيد»، في حين تثيرهم حالة «رئيس» القسم «البعثي»؛ فأعرف أنهم صمتوا لأنه «السيد» ابن عائلة دينية كبيرة. يرتقي «الشاعر الدكتور» أعلى مناصب دولة ما بعد صدام حتى صار وزيراً، في حين يذهب «الأستاذ» البعثي ذو الأصول «الطائفية» المختلفة للنسيان. ثم «يموت» الشاعر يوسف الصائغ فيرفض اتحاد الأدباء والكتَّاب ببغداد نعيه؛ بتهمة إنه كان «خائناً» للحزب والشعب والشعر والوطن. والرفض ذاته نسمع عنه عندما مات، في مغتربه، شاعر صدام الأول «عبد الرزاق عبد الواحد». لكننا «نصحو» على نعي حار برحيل سامي مهدي، النصف البعثي مع خالد علي مصطفى من البيان الشعري الستيني الشهير. ولا أحد يتطوع ويفسر لنا؛ لماذا؟
ولا تفسير، أيضاً، لحالات الجمع بين مطرب شهير مثل كاظم الساهر، لا سيما بعد حديثه الأخير في حفلة وداع سامي مهدي الدامية حد قتال الشوارع في المدن المنكوبة بالحقد والكراهية، شهدنا ما لم نعرف ونسمع من قبل. فجأة تحوَّل «مواطنو» صفحة الشاعر «المحبَّون» له إلى شامتين به وناقمين عليه وعلى شعره. وفجأة، أيضاً، تحول «شعراء» و«مفكرون» و«كتاب قصة أو رواية أو مسرح»، كانوا، حتى البارحة، يكتبون الشعر وينشرون القصص والمقالات الجميلة المنددة بالطغيان والمستبدين وشعراء الحروب ألعابثة إلى مادحي تراث «الراحل» الشعري والنقدي. وإذا كانت «هجمة» بعض مثقفي اليسار العراقي، لا سيما الذين أجبرهم «إرهاب» الدولة البوليسية التي كان سامي مهدي يدير مؤسساتها الثقافية ويكتب المقالات والشعر المادح لـ«رئيسها» على الفرار من البلد، مفهومة، وربما مسوَّغة بحكم تاريخ العلاقة الشائكة بينهما، فإن حجم المغالطات والتنكر لصلة مهدي بما آل إليه وضع البلاد وانتقالها من «استبداد» الفرد الواحد إلى «احتلالات» أجنبية هو أمر غير مفهوم، ولقد حوَّل هؤلاء مهدي إلى «سيَّاف» السلطان الرهيب الذي لا يجرؤ أحد على شتمه، أو فضح أفعاله في حياته، فإذا «مات» صار أعداؤه يكتبون ضده.

ساعة السكرتير المنسية و«مدير الشعر»
منشوران ضائعان في عالم «فيسبوك» الشاسع، أو عالم النت الأوسع، كانا سبب هذه الحفلة الصاخبة. «نتفة» تركها الشاعر عبد الكريم گاصد عن «ساعة سلام عادل: سكرتير الحزب الشيوعي العراقي». لن أتخذ هذه القصة دليلاً على إدانة أحد، لكني أفكر بمئات المنشورات المنددة بما كتبه الشاعر گاصد في كتابه الأخير «رهان الستينات: نقد البيان الشعري، عبد الكريم گاصد، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بغداد، 2022»؛ فقط لأن كاتب «النتفة» لم يذكرها في حياة الشاعر الراحل؛ ليمكنه الرد على هذه «الكذبة». والحقيقة أن هذه القصة قد ذكر تفاصيلها گاصد نفسه في مقال عنوانه «خفة الشاعر التي تُحتمل»، نشره عام 2006 على موقع «الحوار المتمدن»، بل إن تاريخ نشر المقال يعود إلى زمن سابق؛ إذ إنه قد نُشر بصفته تقديماً لأحد كتب الكاتب السوري ممدوح عدوان. وفي ذلك المقال يتحدَّث گاصد عن لقاء جمعه بممدوح عدوان وعلي الجندي، وكان معهما سامي مهدي، ولقد أخبرهما مهدي، في ذلك اللقاء، أنه حصل على ساعة سلام عادل، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، بعد موته تحت التعذيب أثناء الانقلاب البعثي في شباط عام 1963، وأنه قد شهد وقائع التعذيب، لكنه لم يشترك به. تاريخ المقال، من ثمّ، لا يرتبط بتاريخ صدور كتاب گاصد «رهان الستينات: نقد البيان الشعري»، إنما يعود لأكثر من خمسة عشر عاماً. ولا يعنيني، هنا، صدق أو كذب واقعة ساعة السكرتير، إنما يهمني جداً أن أسفِّه «حمية» كل الذين كتبوا أن «القصة» ذكرت بعد موت الشاعر سامي مهدي، وأنه كان على صاحبها أن «يعلنها/ ينشرها» في حياة الشاعر. فالقصة معروفة ومعلنة ومسجلة في كتب الشاعر عبد الكريم گاصد، وهي ليست بنت اليوم أو البارحة. أما صدقها أو كذب صاحبها فهذا موضوع آخر، رغم أن أحد الشهود المذكورين «الشاعر علي الجندي» قد تُوفي عام 2009، بعد سنوات من نشر المقالة، حتى ممدوح عدوان فقد رحل عن عالمنا عام 2004.
لكن مقالة الكاتب علي بدر بعنوانها الهادئ «سامي مهدي بورتريه» هي المأثرة الأهم في حفلة الوادع الصاخبة. أقول العنوان الهادئ وهو خلاف مادته الصادمة والمكتوبة بمنطق «الخبير» بالشعر وكتابة السيرة، لِم لا؛ أليس هو، ذاته، صانع المصائر وكاتب سير شخصيات قصصه ورواياته. ولكن متى نفع كلام «الخبير» في بلاد دمرَّها «القتلة» و«الجهلة». في مقالة «بدر» ثمة تقييم نهائي للشاعر الراحل وشعره. يهمنا، هنا، تقييم بدر لشعر مهدي: فهو شاعر سلطة بامتياز، رغم أنه «لم يكتب الشعر السياسي»، ولقد ظل مؤمناً بالآيديولوجيا «البعثية/ القومية» حتى وفاته. ولم يكن موضوع الحرية يقلقه، «كما أنه لم تكن لديه ولا حتى أزمة ضمير إزاء الشعراء من جيله الذي انتهوا منفيين أو مسجونين أو مقتولين فهو كشاعر أو كمثقف أبعد ما يكون عن التعاطف».
وهو ذو شعر «يفقد للجذوة، يفتقر للروح، شعره مكتوب ببراعة لكنه مصنوع (...) هو شعر مكتب مبرد ومخدوم خدمة جيدة». وفي المقالة «البوست» ذاته سيشدد بدر أن شعر سامي مهدي «لم يكن مدرسة كاملة في الشعر له تلامذته ومقلدوه ومريدوه مثل سعدي يوسف، لقد عجز أن يجد شاعراً واحداً يتبعه، ولم نجد شاعراً واحداً نقول إن شعره تقليد واضح لشعر سامي مهدي». وسيكرر علي بدر بعض هذا الحقائق في «منشورات» لاحقة، بعد أن صار في واجهة نار المعترضين على تقييمه للشاعر الراحل.

«إحنه مشينا للحرب»

مثلما أن «الديكتاتور» يخلق بلاداً بحجم أوهامه وكوابيسه وأخطائه وجنونه، فإنه يخلق كذلك شعراءه وكتّابه ومثقفيه. ومثلما أن «الديكتاتور» يذهب إلى موته بلا اعتذار لشعبه عما فعله به، فإن شاعر السلطة يظل عند حدود يقينه بـ«عقيدتـ»ـه السياسية الصلبة حتى لحظته الأخيرة. وسامي مهدي شاعر خدمته سلطة الديكتاتور، وخدم هو، نفسه، تلك السلطة. هاتان حقيقتان لا يمكن إنكارهما، ولا يمكن فصلهما عن بعض، مثلما لا يمكن تفسيرهما بمنطق صراع الشيوعيين والبعثيين، أو كما يسوِّغ بعضهم «استخدام» السلطة المستبدة للأدب والثقافة في خداع الناس وإخضاعهم لها، وركون «الشعراء» و«الكتاب» لهذا المنطق كما لو أنه الحالة الطبيعية. وهو ما يريده أغلب المدافعين عن الشاعر الراحل. نحن نتحدث عن «شاعر» و«شعر» يفترض أن يعبّر عن الحق والعدالة، كما هو منطق الشعر في أغلب آداب العالم، لا أن يكون «أداة» لترسيخ سلطة «الديكتاتور» المطلق. وهذا الأمر حدث على مستوى الشعر نفسه، مثلما حدث على مستوى إدارة الشاعر لمؤسسات السلطة الديكتاتورية. لعل كثيرين سيوردون سيرة الجواهري، مثلاً، وسيقفون عند قصائد أو أبيات مدح بها الشاعر الشهير ملوك العراق و«قاسم» وحتى «البكر» وقادة بعثيين آخرين. وقد يتحدثون عن «منطق» الشعر العربي في مديح السلاطين، شأن أي شعر آخر في أمة أخرى، ولنا في سيرة الشاعر العربي الأعظم «المتنبي» مثلاً. بل قد نحتاج إلى كتب ومؤلفات كثيرة نحصي بها «كلام» المختصين، وغيره، عن جدل العلاقة بين «الأدب» و«السلطة» في تاريخنا العربي والعراقي. ولابأس؛ لكننا في حالة الشاعر الراحل نقف، ربما لأول مرة عند شاعر يسهم في بناء سلطة ديكتاتور. فلا المتنبي فعلها مع سيف الدولة الحمداني، ولا الجواهري مع الملك فيصل أو قاسم. نعم، لم يفعلها شاعر من قبل سوى شعراء الديكتاتور العراقي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«قمر دموي» يلوّن السماء هذا الأسبوع... خسوف كلّي نادر قبل 2028

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
TT

«قمر دموي» يلوّن السماء هذا الأسبوع... خسوف كلّي نادر قبل 2028

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)

من المتوقَّع أن يُزيّن قمرٌ أحمر قانٍ السماء قريباً خلال خسوف كليّ للقمر، ولن يتكرَّر هذا المشهد مجدّداً قبل أواخر عام 2028.

وذكرت «الإندبندنت» أنّ الظاهرة ستكون مرئية، صباح الثلاثاء، في أميركا الشمالية وأميركا الوسطى وغرب أميركا الجنوبية، بينما يمكن لسكان أستراليا وشرق آسيا متابعتها، مساء الثلاثاء.

كما ستُشاهد المراحل الجزئية، التي يبدو فيها كأنّ أجزاءً صغيرة اقتُطعت من القمر، في آسيا الوسطى وأجزاء واسعة من أميركا الجنوبية، بينما سيُحرم سكان أفريقيا وأوروبا من رؤيتها.

وتقع الكسوفات الشمسية والخسوفات القمرية نتيجة اصطفاف دقيق بين الشمس والقمر والأرض. ووفق وكالة «ناسا»، يتراوح عدد هذه الظواهر بين 4 و7 سنوياً.

وغالباً ما تأتي هذه الظواهر متتابعةً، مستفيدةً من «النقطة المثالية» في مدارات الأجرام السماوية. ويأتي الخسوف الكلي للقمر، الثلاثاء، بعد أسبوعين من كسوف شمسي من نوع «حلقة النار» أبهر الناس وحتى طيور البطريق في القارة القطبية الجنوبية.

وخلال الخسوف الكلّي للقمر، تتموضع الأرض بين الشمس والقمر المُكتمل، فتُلقي بظلّها الذي يغطي القمر. ويبدو ما يُسمّى «القمر الدموي» بلون أحمر بسبب تسرب أشعة الشمس عبر الغلاف الجوّي للأرض وانكسارها.

ويمتدّ المشهد على مدى ساعات، في حين تستمر مرحلة الاكتمال نحو ساعة تقريباً.

وقالت كاثرين ميلر، من مرصد «ميتلمن» في كلية ميدلبري، إنّ الخسوف القمري «أكثر هدوءاً من الكسوف الشمسي لجهة الوتيرة».

ولا يحتاج المتابعون، في المناطق الواقعة ضمن نطاق الرؤية، إلى أي معدّات خاصة، بل يكفي أن تكون السماء صافية وخالية من الغيوم.

ويُنصح باستخدام تطبيقات الطقس أو التقويمات الفلكية الإلكترونية لمعرفة التوقيت الدقيق في كلّ منطقة، والخروج بين الحين والآخر لمشاهدة ظلّ الأرض وهو يُظلم القمر تدريجياً، قبل أن يكشف عن قرص مائل إلى الأحمر البرتقالي.

وقال عالم الفلك بينيت ماروكا، من جامعة ديلاوير: «لستم مضطرين للبقاء في الخارج طيلة الوقت لرؤية حركة الظلال».

ومن المقرّر أيضاً حدوث خسوف جزئي للقمر في أغسطس (آب)، سيكون مرئياً عبر الأميركتين وأوروبا وأفريقيا وغرب آسيا.


بطاقات «بوكيمون» تتحوَّل إلى غنيمة بملايين الدولارات

«بيكاتشو» وهو يصبح أغلى من الأمان (أ.ب)
«بيكاتشو» وهو يصبح أغلى من الأمان (أ.ب)
TT

بطاقات «بوكيمون» تتحوَّل إلى غنيمة بملايين الدولارات

«بيكاتشو» وهو يصبح أغلى من الأمان (أ.ب)
«بيكاتشو» وهو يصبح أغلى من الأمان (أ.ب)

ما بدأ لقاءً هادئاً لهواة «بوكيمون» داخل متجر أميركي انتهى بسطو مسلح؛ إذ أقدم رجال ملثَّمون على إشهار أسلحتهم في وجه الحاضرين لسرقة بطاقات تداول تتجاوز قيمتها 100 ألف دولار.

وجاءت عملية السطو التي وقعت في يناير (كانون الثاني) في نيويورك حلقةً جديدة في سلسلة سرقات تستهدف جامعي بطاقات «بوكيمون»، الامتياز الإعلامي الياباني الذي يحتفل الجمعة بالذكرى الثلاثين لانطلاقه.

ووفق «أسوشييتد برس»، شهدت بطاقات «بوكيمون»، التي تحمل رسوماً لـ«وحوش صغيرة» تجذب الأطفال كما الكبار من المعجبين المتحمسين، ارتفاعاً لافتاً في قيمتها خلال الأعوام الأخيرة.

وسجّل المؤثر الأميركي لوغان بول، الشهر الحالي، رقماً قياسياً عالمياً جديداً بعدما حصد 16.5 مليون دولار من بيع بطاقة نادرة لشخصية «بيكاتشو»، التي تُعد الأشهر ضمن عالم «بوكيمون».

وإنما هذه الأسعار المرتفعة أغرت مجرمين يسعون إلى اقتناص نصيبهم من السوق.

«بوكيمون» خارج الشاشة... وفي مرمى اللصوص (إ.ب.أ)

وقال مؤسِّس والرئيس التنفيذي لـ«جمعية بطاقات التداول المعتمدة»، نيك جارمان، إنّ بطاقات «بوكيمون» «ذات قيمة عالية في حجم صغير، والطلب عليها واسع ومستقرّ، كما أنّ منظومة إعادة البيع كبيرة».

وأضاف في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أنّ «هذا المزيج يعني أن المسروقات يمكن أن تتحرّك بسرعة، أحياناً عبر حدود الولايات، من خلال مزيج من الأسواق الإلكترونية، ومعارض البطاقات، وشبكات المشترين غير الرسمية».

«هدف كبير»

ولم تكن عملية السطو في نيويورك، التي لم تتمكّن الشرطة بعد من حلها، حادثة معزولة.

ففي كاليفورنيا، استولى لصوص، الشهر الحالي، على بطاقات «بوكيمون» بقيمة نحو 180 ألف دولار، بعدما حفروا ثقباً في جدار للوصول إلى متجر.

وقال مالك المتجر دوي فام لشبكة «سي بي إس نيوز» عقب عملية السرقة: «أصبحنا هدفاً كبيراً في عالم بطاقات التداول والمقتنيات». وكانت هذه المرة الثانية خلال أقلّ من عام التي يتعرّض فيها متجره للسطو.

كما سُجِّلت سرقات مماثلة في اليابان، وبريطانيا، وكندا، وأستراليا.

وأوضح جارمان أنّ «بعض الحوادث تبدو عفوية على طريقة الكسر والفرار، بينما توحي أخرى بأنها أكثر استهدافاً، ممّا يشير إلى معرفة مسبقة بتخطيط المتاجر، وروتين الإغلاق، أو أماكن حفظ المخزون الأعلى قيمة».

ولفت إلى أنّ كثيراً من المتاجر تعمل بهوامش ربح ضيقة، ممّا يجعل تعزيز إجراءات الأمن عبئاً مالياً إضافياً.

هواية ملوّنة تحوّلت إلى هدف أسود (أ.ب)

«لم يعد الأمر ممتعاً»

من «بيكاتشو» الشبيه بالفأر إلى «جيغليباف» الشبيه بالبالون، بات عدد شخصيات «بوكيمون» يتجاوز الألف، مع طرح «أجيال» جديدة كل بضع سنوات.

وتحوَّل جمع بطاقات «بوكيمون» من هواية للتجميع أو التبادل أو اللعب إلى شكل من أشكال الاستثمار.

ويقدّم موقع «كوليكتر» أدوات لإدارة محافظ بطاقات التداول وتقييمها للمستخدمين الراغبين في تتبع أصولهم.

وتشمل العوامل المحدَّدة للقيمة ندرة البطاقة، والشخصية المصوّرة، واسم الرسام المُثبت عليها.

وإنما الطفرة في الأسعار سلبت، بالنسبة إلى البعض، متعة الهواية البسيطة.

وقالت غريس كليش، وهي مؤثرة أميركية في مجال «بوكيمون»، إنها قلَّصت نشاطها في الجمع بعدما شعرت بـ«الإرهاق».

وأضافت: «عندما يصل الأمر إلى حدّ اقتحام متاجر البطاقات المحلّية، ووضع السلاح في وجوه الناس من أجل بطاقات، فإنّ الأمر لم يعد ممتعاً أو لطيفاً كما كان».

وختمت: «لم يكن الأمر يوماً يتعلَّق بقيمة المقتنيات أو كسب الاحترام، بل بحبّي الحقيقي لهذا الامتياز الرائع».


«رمسيس وذهب الفراعنة» يحطُّ في لندن... 180 قطعة تروي تاريخ مصر القديم

تجهيزات المعرض الأثري في لندن (وزارة السياحة المصرية)
تجهيزات المعرض الأثري في لندن (وزارة السياحة المصرية)
TT

«رمسيس وذهب الفراعنة» يحطُّ في لندن... 180 قطعة تروي تاريخ مصر القديم

تجهيزات المعرض الأثري في لندن (وزارة السياحة المصرية)
تجهيزات المعرض الأثري في لندن (وزارة السياحة المصرية)

وصل معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» إلى محطته السابعة بالعاصمة البريطانية لندن، بقاعة «Battersea Power Station»، من السبت 28 فبراير (شباط) الحالي، حتى 30 أغسطس (آب) المقبل.

وتفقَّد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، اللمسات النهائية استعداداً للافتتاح الرسمي للمعرض، كما تفقَّد جناح الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي المقام داخله، وما يتضمّنه من مواد دعائية وصور للمقصد السياحي المصري، إلى جانب شاشة لعرض الأفلام الدعائية للترويج لمصر طيلة مدّة الحدث.

ويضم المعرض 180 قطعة أثرية، أبرزها تابوت الملك رمسيس الثاني من المتحف القومي للحضارة المصرية، وعدداً من القطع الأثرية من المتحف المصري بالتحرير من عصر الملك رمسيس الثاني، إلى جانب قطع من مكتشفات البعثة المصرية بمنطقة البوباسطيون بسقارة، ومقتنيات من عدد من المتاحف المصرية، تُبرز الخصائص المميزة للحضارة المصرية القديمة من عصر الدولة الوسطى وحتى العصر المتأخِّر، من خلال مجموعة متنوِّعة من التماثيل، والحُلي، وأدوات التجميل، واللوحات، والكتل الحجرية المزينة بالنقوش، بالإضافة إلى عدد من التوابيت الخشبية الملونة، وفق بيان للوزارة.

ويرى عالم المصريات، الدكتور حسين عبد البصير، أنَّ معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» يمثِّل نموذجاً حديثاً لما يُسمَّى بالمعارض الأثرية المتنقّلة، الذي نجح في تقديم الحضارة المصرية القديمة للعالم بصورة جذابة علمياً وسياحياً في الوقت نفسه.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هذه المعارض تتيح للمتلقّي الدولي فرصة الاقتراب من تاريخ مصر عبر تجربة بصرية مباشرة، وهو ما يعزز صورة مصر الحضارية عالمياً، خصوصاً عندما تتعلّق المعروضات بعصر الملك رمسيس الثاني، الذي يُعدّ أحد أشهر ملوك مصر القديمة وأكثرهم حضوراً في الذاكرة الإنسانية».

كما تسهم هذه المعارض الدولية في الدبلوماسية الثقافية. ووفق عبد البصير، «الحضارة المصرية ليست مجرّد آثار جامدة، بل هي رسالة تاريخية عن الاستمرارية والإنسانية والإبداع. نجاح المعرض في لندن مهم لأنه يعرض التراث المصري في إحدى أهم العواصم الثقافية في العالم».

ويؤكد أنَّ هذا النوع من المعارض يوازن بين 3 أبعاد: «حماية التراث، ونشر المعرفة التاريخية، ودعم السياحة الثقافية لمصر، وهو اتجاه إيجابي إذا استمر وفق الأُسس العلمية والأخلاقية المتعارف عليها في العمل الأثري الدولي».

جانب من المعروضات في معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» (وزارة السياحة المصرية)

وحقَّق معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» نجاحاً لافتاً خلال رحلته الخارجية، التي بدأها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 بمدينة هيوستن، ثم انتقل إلى سان فرانسيسكو في أغسطس 2022، ثم إلى العاصمة الفرنسية باريس في أبريل (نيسان) 2023، ومنها إلى سيدني بأستراليا في نوفمبر 2023، ثم مدينة كولون بألمانيا في يوليو (تموز) 2024، ثم إلى طوكيو باليابان عام 2025، ليبدأ رحلته الجديدة في لندن.

ووفق المتخصّص في الحضارة المصرية القديمة، الدكتور عمر المعتز بالله: «يحمل هذا المعرض فرصة استراتيجية ذهبية للترويج للسياحة الثقافية المصرية في إحدى أهم الأسواق السياحية العالمية، خصوصاً مع تزامنه مع جهود رسمية مكثَّفة لتعزيز حركة الطيران وجذب المستثمرين البريطانيين»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «كما يمثِّل محطة دعائية كبرى للمتحف المصري الكبير». في الوقت نفسه دعا المعتز بالله إلى «إعادة ضبطٍ دقيقةٍ لمعادلة هذه الشراكات الدولية، إذ تمارس المؤسَّسات المصرية دور (المؤلف المشارك) في النص التفسيري المقدم للجمهور الغربي»، موضحاً أنَّ «المعرض يمثِّل فرصة حقيقية لجذب الأنظار إلى عظمة الحضارة المصرية، لكنه أيضاً اختبار حقيقي لقدرتنا على إبراز الهُويَّة المصرية بكلّ مكوناتها في كلّ تفاصيل العرض».

وتعتمد مصر استراتيجية لتنشيط السياحة تتضمّن عدداً من المحاور، من بينها المشاركة في المعارض الخارجية والحملات الدعائية تحت عنوان «مصر تنوّع لا يُضاهَى»، والمعارض الأثرية المؤقتة بالخارج، ومن بينها معرض «رمسيس وذهب الفراعنة».