سامي مهدي... فخ السلطة وضريبة الشعر الأخيرة

الشاعر والديكتاتور وشياطين أخرى

سامي مهدي
سامي مهدي
TT

سامي مهدي... فخ السلطة وضريبة الشعر الأخيرة

سامي مهدي
سامي مهدي

في كل الثقافات العالمية وآدابها تظهر تقيمات للأدباء الموتى والأحياء، لا سيما بعد الموت، وبتشديد أكثر عندما تكون هناك فترات مظلمة في حياة الشاعر المعروف، أو الكاتب الشهير. نحن نعرف أن الأكاديميات والصحف الرئيسية، لا سيما التي تُصدر ملاحق كبرى، مثل ملحق «التايمز»، تعيد تقييم الأسماء الأدبية ونصوصها، من حين إلى آخر، ولا مشكلة. جامعة أوكسفورد، مثلاً، أعادت طبع مسرحيات شهيرة لشكسبير وأضافت اسم كريستوفر مارلو، بعد أن وصل البحث العلمي إلى مصاف اليقين بعدم أصالة شكسبير في كتابة بعض المسرحيات المنسوبة له، فأضيف اسم «مارلو» إلى جانب اسم شكسبير. وكذلك فعلوا مع كتاب «أوفيد في المنفى»؛ فالدراسات الأخيرة ترفض فكرة نفي الشاعر الشهيرة، ولم يظهر من يهدد أو يقاضي أو «يسخر» ممن أنجز هذه الدراسات العظيمة.
في ألمانيا كذلك، وحتى بعد أكثر من خمس وسبعين سنة، تعكف مؤسسة الأرشيف الألماني على التدقيق في الأرشيف الأدبي للكتاب الألمان المعاصرين لهتلر، فإذا ما وجدوا ما يشير إلى «النازية» يوصون في الحال بحجب الكتاب عن التداول، ويُرفع من التداول في المكتبات. وكلنا يتذكر الضجة التي أثارها تصريح غونتر غراس عندما تحدَّث عن التحاقه بصفوف منظمة «الفتوة» النازية، ولم يكن له سوى سبع عشرة سنة. ولقد وصل الأمر بكتاب ونقاد ألمان حد المطالبة بحجب كتب غراس من التداول. المضحك أن بعض من كتبوا المقالات الرئيسة عن حالة غونتر غراس، ونشروها في الصحف العربية الكبيرة، وقد عبّروا فيها عن إعجابهم الشديد بشجاعة غراس، نجدهم الآن يغضبون عندما تتحدث «قلة» قليلة عن حالة عراقية مماثلة. هذه مفارقة عربية ذات صيغة عراقية مركبة تدفعنا للتشكيك بمرامي تلقي «الحالات» العالمية، عربياً، مما يتصل بشجب سلطة الديكتاتور، بل وتمجيد الكاتب المعادي للديكتاتور؛ فقد لا يخلو كتاب لأحدنا، أو مقالة أو بحث من مقولة «ثورية» تندد بـ«القتلة» وتحث «الكتَّاب» على تشريح حياتهم وسيرهم حتى لا يتكرروا. لكن الحالة ذاتها سنجد لها ألف تفسير عندما تتصل بحياتنا العربية العراقية المعاصرة، لا سيما عندما يمسُّ الكلام شاعر - «نا» المفضل، أو شاعر الحزب، أو الشاعر الذي ينتمي إلى «طائفتنا».

سرطان السياسة...
سرطانات الأدب والثقافة
في وقت مبكر من لحظة «نيسان 2003» كنا نقول، معترضين، لزملاء وأصدقاء إنه لا بد لنا من معيار نحتكم إليه في التقييم والحكم. لكن هذه الرغبة طارت ولم تجد أرضاً صلبة تقف عليها. «فلان الفلاني»، مثلاً، كان مدَّاحاً لصدام ونظامه. يصمت الغاضبون من حالة «الشاعر - السيد»، في حين تثيرهم حالة «رئيس» القسم «البعثي»؛ فأعرف أنهم صمتوا لأنه «السيد» ابن عائلة دينية كبيرة. يرتقي «الشاعر الدكتور» أعلى مناصب دولة ما بعد صدام حتى صار وزيراً، في حين يذهب «الأستاذ» البعثي ذو الأصول «الطائفية» المختلفة للنسيان. ثم «يموت» الشاعر يوسف الصائغ فيرفض اتحاد الأدباء والكتَّاب ببغداد نعيه؛ بتهمة إنه كان «خائناً» للحزب والشعب والشعر والوطن. والرفض ذاته نسمع عنه عندما مات، في مغتربه، شاعر صدام الأول «عبد الرزاق عبد الواحد». لكننا «نصحو» على نعي حار برحيل سامي مهدي، النصف البعثي مع خالد علي مصطفى من البيان الشعري الستيني الشهير. ولا أحد يتطوع ويفسر لنا؛ لماذا؟
ولا تفسير، أيضاً، لحالات الجمع بين مطرب شهير مثل كاظم الساهر، لا سيما بعد حديثه الأخير في حفلة وداع سامي مهدي الدامية حد قتال الشوارع في المدن المنكوبة بالحقد والكراهية، شهدنا ما لم نعرف ونسمع من قبل. فجأة تحوَّل «مواطنو» صفحة الشاعر «المحبَّون» له إلى شامتين به وناقمين عليه وعلى شعره. وفجأة، أيضاً، تحول «شعراء» و«مفكرون» و«كتاب قصة أو رواية أو مسرح»، كانوا، حتى البارحة، يكتبون الشعر وينشرون القصص والمقالات الجميلة المنددة بالطغيان والمستبدين وشعراء الحروب ألعابثة إلى مادحي تراث «الراحل» الشعري والنقدي. وإذا كانت «هجمة» بعض مثقفي اليسار العراقي، لا سيما الذين أجبرهم «إرهاب» الدولة البوليسية التي كان سامي مهدي يدير مؤسساتها الثقافية ويكتب المقالات والشعر المادح لـ«رئيسها» على الفرار من البلد، مفهومة، وربما مسوَّغة بحكم تاريخ العلاقة الشائكة بينهما، فإن حجم المغالطات والتنكر لصلة مهدي بما آل إليه وضع البلاد وانتقالها من «استبداد» الفرد الواحد إلى «احتلالات» أجنبية هو أمر غير مفهوم، ولقد حوَّل هؤلاء مهدي إلى «سيَّاف» السلطان الرهيب الذي لا يجرؤ أحد على شتمه، أو فضح أفعاله في حياته، فإذا «مات» صار أعداؤه يكتبون ضده.

ساعة السكرتير المنسية و«مدير الشعر»
منشوران ضائعان في عالم «فيسبوك» الشاسع، أو عالم النت الأوسع، كانا سبب هذه الحفلة الصاخبة. «نتفة» تركها الشاعر عبد الكريم گاصد عن «ساعة سلام عادل: سكرتير الحزب الشيوعي العراقي». لن أتخذ هذه القصة دليلاً على إدانة أحد، لكني أفكر بمئات المنشورات المنددة بما كتبه الشاعر گاصد في كتابه الأخير «رهان الستينات: نقد البيان الشعري، عبد الكريم گاصد، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بغداد، 2022»؛ فقط لأن كاتب «النتفة» لم يذكرها في حياة الشاعر الراحل؛ ليمكنه الرد على هذه «الكذبة». والحقيقة أن هذه القصة قد ذكر تفاصيلها گاصد نفسه في مقال عنوانه «خفة الشاعر التي تُحتمل»، نشره عام 2006 على موقع «الحوار المتمدن»، بل إن تاريخ نشر المقال يعود إلى زمن سابق؛ إذ إنه قد نُشر بصفته تقديماً لأحد كتب الكاتب السوري ممدوح عدوان. وفي ذلك المقال يتحدَّث گاصد عن لقاء جمعه بممدوح عدوان وعلي الجندي، وكان معهما سامي مهدي، ولقد أخبرهما مهدي، في ذلك اللقاء، أنه حصل على ساعة سلام عادل، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، بعد موته تحت التعذيب أثناء الانقلاب البعثي في شباط عام 1963، وأنه قد شهد وقائع التعذيب، لكنه لم يشترك به. تاريخ المقال، من ثمّ، لا يرتبط بتاريخ صدور كتاب گاصد «رهان الستينات: نقد البيان الشعري»، إنما يعود لأكثر من خمسة عشر عاماً. ولا يعنيني، هنا، صدق أو كذب واقعة ساعة السكرتير، إنما يهمني جداً أن أسفِّه «حمية» كل الذين كتبوا أن «القصة» ذكرت بعد موت الشاعر سامي مهدي، وأنه كان على صاحبها أن «يعلنها/ ينشرها» في حياة الشاعر. فالقصة معروفة ومعلنة ومسجلة في كتب الشاعر عبد الكريم گاصد، وهي ليست بنت اليوم أو البارحة. أما صدقها أو كذب صاحبها فهذا موضوع آخر، رغم أن أحد الشهود المذكورين «الشاعر علي الجندي» قد تُوفي عام 2009، بعد سنوات من نشر المقالة، حتى ممدوح عدوان فقد رحل عن عالمنا عام 2004.
لكن مقالة الكاتب علي بدر بعنوانها الهادئ «سامي مهدي بورتريه» هي المأثرة الأهم في حفلة الوادع الصاخبة. أقول العنوان الهادئ وهو خلاف مادته الصادمة والمكتوبة بمنطق «الخبير» بالشعر وكتابة السيرة، لِم لا؛ أليس هو، ذاته، صانع المصائر وكاتب سير شخصيات قصصه ورواياته. ولكن متى نفع كلام «الخبير» في بلاد دمرَّها «القتلة» و«الجهلة». في مقالة «بدر» ثمة تقييم نهائي للشاعر الراحل وشعره. يهمنا، هنا، تقييم بدر لشعر مهدي: فهو شاعر سلطة بامتياز، رغم أنه «لم يكتب الشعر السياسي»، ولقد ظل مؤمناً بالآيديولوجيا «البعثية/ القومية» حتى وفاته. ولم يكن موضوع الحرية يقلقه، «كما أنه لم تكن لديه ولا حتى أزمة ضمير إزاء الشعراء من جيله الذي انتهوا منفيين أو مسجونين أو مقتولين فهو كشاعر أو كمثقف أبعد ما يكون عن التعاطف».
وهو ذو شعر «يفقد للجذوة، يفتقر للروح، شعره مكتوب ببراعة لكنه مصنوع (...) هو شعر مكتب مبرد ومخدوم خدمة جيدة». وفي المقالة «البوست» ذاته سيشدد بدر أن شعر سامي مهدي «لم يكن مدرسة كاملة في الشعر له تلامذته ومقلدوه ومريدوه مثل سعدي يوسف، لقد عجز أن يجد شاعراً واحداً يتبعه، ولم نجد شاعراً واحداً نقول إن شعره تقليد واضح لشعر سامي مهدي». وسيكرر علي بدر بعض هذا الحقائق في «منشورات» لاحقة، بعد أن صار في واجهة نار المعترضين على تقييمه للشاعر الراحل.

«إحنه مشينا للحرب»

مثلما أن «الديكتاتور» يخلق بلاداً بحجم أوهامه وكوابيسه وأخطائه وجنونه، فإنه يخلق كذلك شعراءه وكتّابه ومثقفيه. ومثلما أن «الديكتاتور» يذهب إلى موته بلا اعتذار لشعبه عما فعله به، فإن شاعر السلطة يظل عند حدود يقينه بـ«عقيدتـ»ـه السياسية الصلبة حتى لحظته الأخيرة. وسامي مهدي شاعر خدمته سلطة الديكتاتور، وخدم هو، نفسه، تلك السلطة. هاتان حقيقتان لا يمكن إنكارهما، ولا يمكن فصلهما عن بعض، مثلما لا يمكن تفسيرهما بمنطق صراع الشيوعيين والبعثيين، أو كما يسوِّغ بعضهم «استخدام» السلطة المستبدة للأدب والثقافة في خداع الناس وإخضاعهم لها، وركون «الشعراء» و«الكتاب» لهذا المنطق كما لو أنه الحالة الطبيعية. وهو ما يريده أغلب المدافعين عن الشاعر الراحل. نحن نتحدث عن «شاعر» و«شعر» يفترض أن يعبّر عن الحق والعدالة، كما هو منطق الشعر في أغلب آداب العالم، لا أن يكون «أداة» لترسيخ سلطة «الديكتاتور» المطلق. وهذا الأمر حدث على مستوى الشعر نفسه، مثلما حدث على مستوى إدارة الشاعر لمؤسسات السلطة الديكتاتورية. لعل كثيرين سيوردون سيرة الجواهري، مثلاً، وسيقفون عند قصائد أو أبيات مدح بها الشاعر الشهير ملوك العراق و«قاسم» وحتى «البكر» وقادة بعثيين آخرين. وقد يتحدثون عن «منطق» الشعر العربي في مديح السلاطين، شأن أي شعر آخر في أمة أخرى، ولنا في سيرة الشاعر العربي الأعظم «المتنبي» مثلاً. بل قد نحتاج إلى كتب ومؤلفات كثيرة نحصي بها «كلام» المختصين، وغيره، عن جدل العلاقة بين «الأدب» و«السلطة» في تاريخنا العربي والعراقي. ولابأس؛ لكننا في حالة الشاعر الراحل نقف، ربما لأول مرة عند شاعر يسهم في بناء سلطة ديكتاتور. فلا المتنبي فعلها مع سيف الدولة الحمداني، ولا الجواهري مع الملك فيصل أو قاسم. نعم، لم يفعلها شاعر من قبل سوى شعراء الديكتاتور العراقي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

تقنية مبتكرة من مخلّفات القطن لتنقية المياه

مخلّفات قشور القطن تنتج عن بقايا العمليات الزراعية المرتبطة بالمحصول (جامعة ولاية ميسيسيبي)
مخلّفات قشور القطن تنتج عن بقايا العمليات الزراعية المرتبطة بالمحصول (جامعة ولاية ميسيسيبي)
TT

تقنية مبتكرة من مخلّفات القطن لتنقية المياه

مخلّفات قشور القطن تنتج عن بقايا العمليات الزراعية المرتبطة بالمحصول (جامعة ولاية ميسيسيبي)
مخلّفات قشور القطن تنتج عن بقايا العمليات الزراعية المرتبطة بالمحصول (جامعة ولاية ميسيسيبي)

طوَّر فريق بحثي في الصين تقنية جديدة تعتمد على تحويل مخلّفات القطن إلى مادة محفزة فعّالة قادرة على تحسين كفاءة تنقية المياه بشكل كبير. وأوضح الباحثون من جامعة شنيانغ الزراعية الصينية أن التقنية المبتكرة تقوم على تحويل مخلَّفات زراعية بسيطة إلى مادة عالية القيمة تُستخدم في تنقية المياه، بما يعزز مفهوم الاقتصاد الدائري ويحدّ من النفايات. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «Biochar».

وتعتمد معالجة المياه بالأوزون على استخدام غاز الأوزون بوصفه مؤكسداً قوياً لقتل الكائنات الدقيقة وتفكيك الملوّثات العضوية في المياه، حيث يعمل على أكسدة المركبات الضارة وتحويلها إلى مواد أبسط وأقل خطورة، مما يحسِّن جودة المياه ويقلل الروائح واللون. ومع ذلك، فقد لا يكون الأوزون وحده كافياً في بعض الحالات لمعالجة الملوثات المستقرة أو المعقدة، لذلك تُستخدم محفزات إضافية لتعزيز كفاءته وتسريع التحلُّل الكامل للملوثات.

وتعتمد التقنية الجديدة على تحويل مخلَّفات القطن؛ وهي بقايا العمليات الزراعية المرتبطة بمحصول القطن، إلى مادة وظيفية متقدمة تُعرَف باسم الفحم الحيوي المطعَّم بالنيتروجين، والمصمَّم ليعمل محفِّزاً يعزز كفاءة معالجة المياه باستخدام الأوزون. ويُنتَج هذا الفحم الحيوي عبر عملية تحلل حراري للمخلَّفات الزراعية مع إضافة مصدر للنيتروجين مثل اليوريا، لإعادة تشكيل البنية السطحية للمادة.

وتمكَّن الباحثون من تطوير مادة محدَّدة من هذا الفحم الحيوي المطعَّم بالنيتروجين تُعرف باسم «N-BC-800» صُنِّعت من مخلَّفات القطن باستخدام اليوريا بوصفها مصدراً للنيتروجين، عبر عملية تحلل حراري من مرحلتين.

وأظهرت النتائج أن المادة الجديدة قادرة على رفع كفاءة معالجة المياه، بشكل ملحوظ، خصوصاً في إزالة مركب «ديت» (DEET)، وهو من أكثر المواد استخداماً في طرد الحشرات، ويُعد من الملوثات المستمرة في البيئات المائية وصعبة التحلل.

وتمكنت التقنية من إزالة نحو 74 في المائة من هذا المركب عند دمجه مع الأوزون، متفوقة، بشكل واضح، على استخدام الأوزون وحده أو الفحم الحيوي غير المعدَّل.

كما سجلت العملية زيادة كبيرة في سرعة التفاعل، إذ ارتفع معدل التفاعل بنحو 106 أضعاف، مقارنة بالأوزون وحده، ونحو 25 ضِعفاً مقارنة بالأوزون مع الفحم الحيوي التقليدي، مما يعكس تحسناً كبيراً في كفاءة المعالجة.

ووفق الدراسة، تكمن آلية العمل في أن المادة المحفزة لا تقوم بدور تنقية المياه، بشكل مباشر فحسب، بل تسهم في تنشيط جزيئات الأوزون داخل الماء، ما يحوِّلها إلى نظام أكسدة أكثر قوة وفاعلية. وينتج عن ذلك تكوين أنواع شديدة التفاعل من الأكسجين، مسؤولة عن تفكيك الروابط الكيماوية في الملوثات العضوية المعقدة.

وأوضح الباحثون أن هذا الأداء المتميز يعود إلى التعديل الكيماوي لسطح الفحم الحيوي، حيث أسهم إدخال النيتروجين في زيادة المساحة السطحية وتحسين انتقال الإلكترونات.

ولم تقتصر فاعلية المادة على مركب «ديت»، بل أثبتت كفاءتها أيضاً في إزالة ملوثات دوائية وزراعية أخرى، مثل الإيبوبروفين، والكيتوبروفين، والأترازين، والبريميدون، مما يعزز إمكانية استخدامها، على نطاق واسع، في معالجة المياه الملوثة.

كما أظهرت التجارب أن المادة الجديدة تتمتع بدرجة جيدة من الاستقرار، إذ احتفظت بنحو 80 في المائة من نشاطها بعد 5 دورات استخدام متتالية، وظلَّت فعَّالة حتى في مياه الصرف الحقيقية، مع احتفاظها بنحو 73 في المائة من كفاءتها.


«روتردام للفيلم العربي» يراهن على سينما المهجر وحقوق الإنسان

لبلبة خلال التكريم (فيسبوك المهرجان)
لبلبة خلال التكريم (فيسبوك المهرجان)
TT

«روتردام للفيلم العربي» يراهن على سينما المهجر وحقوق الإنسان

لبلبة خلال التكريم (فيسبوك المهرجان)
لبلبة خلال التكريم (فيسبوك المهرجان)

يحتفي مهرجان روتردام للفيلم العربي بالسينما الفلسطينية في دورته الـ26، التي تُقام خلال الفترة من 10 إلى 14 يونيو (حزيران) الحالي. ويراهن المهرجان في هذه الدورة على سينما المهجر، ويولي اهتماماً خاصاً بالأفلام التي تعكس قضايا حقوق الإنسان. كما تشهد الدورة حضوراً لافتاً للسينما الفلسطينية، وهو حضور تحرص إدارة المهرجان على تكريسه في جميع دوراته.

وعكس ملصق الدورة هذا الاهتمام، إذ حمل دلالات رمزية مستوحاة من «أسطول الحرية»، وتضمّن صورة لـ26 زورقاً أبيض تشق مياه البحر. كما أهدى المهرجان هذه الدورة إلى أرواح 3 شخصيات راحلة، هي: الشاعر الفلسطيني محمد أبو ليل، أحد مؤسسي المهرجان، والمخرج المصري داود عبد السيد، والممثل التونسي فتحي الهداوي.

وشهد حفل الافتتاح، الذي أُقيم الأربعاء، تكريم عدد من نجوم السينما العربية، من بينهم الفنانة المصرية لبلبة، والفنان السوري جمال سليمان، والفنانة السورية ديما قندلفت، والفنان التونسي لمين النهدي، إلى جانب المخرج المصري خالد يوسف، الذي يترأس لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة.

ويُنظّم المهرجان 3 مسابقات للأفلام الروائية الطويلة، والأفلام القصيرة، والأفلام الوثائقية الطويلة، بمشاركة نحو 70 فيلماً من 30 دولة.

وعبَّرت الفنانة لبلبة عن سعادتها بهذا التكريم، وقالت خلال تسلّمها درع المهرجان إنها تحضر للمرة الأولى، وإن هذه الزيارة تُعد الأولى لها إلى هولندا. ووجّهت الشكر إلى الجمهور الذي ساندها منذ طفولتها وحتى اليوم، كما شكرت كبار المخرجين الذين عملت معهم، مؤكدة أن لهم فضلاً كبيراً في مسيرتها الفنية. وأضافت أنه رغم مشاركتها في نحو 100 فيلم خلال مشوارها الفني، فإنها لا تزال تتطلع إلى تقديم أعمال جديدة وأدوار تنال إعجاب الجمهور.

وأكد مؤسس المهرجان، خالد شوكات، خلال حفل الافتتاح، أن «السينما العربية، والتونسية على وجه الخصوص، حققت نجاحات لافتة في المحافل الدولية، وأثبتت قدرتها على المنافسة عالمياً». في حين قال المدير الفني للمهرجان، روش عبد الفتاح، إن «المهرجان ظل، منذ تأسيسه، منحازاً للقضية الفلسطينية»، معتبراً أن السينما ليست مجرد مساحة للإبداع الفني، بل منصة للدفاع عن الحرية أيضاً.

الفنانة السورية ديما قندلفت حازت تكريماً من روتردام (فيسبوك المهرجان)

ويتضمن برنامج المهرجان العرض الأول لفيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب، الذي يتناول مأساة «مخيم اليرموك» في سوريا وتجربة الشتات الفلسطيني، وذلك بعد مشاركته في الدورة الماضية من مهرجان برلين. كما يشارك فيلم «يسعدني أنك ميت» للمخرج الفلسطيني توفيق برهوم في مسابقة الأفلام القصيرة.

ويخصص المهرجان يوماً لفلسطين تحت عنوان «عين على فلسطين»، تُعرض خلاله 4 أفلام حظيت باهتمام واسع العام الماضي، هي: «صوت هند رجب»، و«اللي باقي منك»، و«فلسطين 36»، و«الطبيب الأخير». كما يسلّط الضوء على عدد من القضايا العربية من خلال فعاليات أخرى، من بينها «سوريا الجديدة» و«مبدعات عربيات».

ويُعد مهرجان روتردام للفيلم العربي من أعرق التظاهرات السينمائية العربية في أوروبا، ويتضمن برنامجه لهذه الدورة عدداً من الفعاليات الفنية والثقافية الموازية، من بينها «سوق الإنتاج» المخصص لدعم المواهب الشابة، و«السوق العربي» الذي يمتد على مدى 3 أيام، ويضم مأكولات عربية وشرقية، إلى جانب عروض موسيقية ومعرض للكتاب العربي.

المخرج خالد يوسف تكريم ورئاسة لجنة التحكيم (فيسبوك المهرجان)

وأشاد الناقد سيد محمود بمهرجان «روتردام للفيلم العربي»، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «المهرجان حقق تأثيراً لافتاً عبر دوراته الممتدة لأكثر من ربع قرن، بوصفه مهرجاناً فنياً يقوم على حسن اختيار أفلامه وضيوفه. ويتجلى ذلك في تكريمات هذا العام التي شملت فنانين ومخرجين أصحاب تاريخ سينمائي ومكانة راسخة في السينما العربية، فضلاً عن اهتمامه المستمر بالسينما الفلسطينية».

ورأى محمود أن مهرجانات السينما العربية في أوروبا، سواء في روتردام أو باريس أو مالمو، تمثل جسوراً مهمة للسينما العربية في الخارج، لا سيما في ظل وجود جاليات عربية كبيرة. وأضاف أن هذه المهرجانات توفر مساحة حيوية للمخرجين وصنّاع الأفلام، خصوصاً من بلدان المغرب العربي وفلسطين والعراق، لعرض أعمالهم والتعريف بها، فضلاً عن دورها الأبرز في تعزيز التواصل بين السينما العربية ومنجزاتها المتراكمة عبر عقود طويلة، ونظيرتها الأوروبية.

Your Premium trial has ended


المسرح المصري لجذب الجمهور بأعمال «تراثية» وأسعار رمزية

عرض «التياترو» على مسرح السلام بمصر (البيت الفني للمسرح)
عرض «التياترو» على مسرح السلام بمصر (البيت الفني للمسرح)
TT

المسرح المصري لجذب الجمهور بأعمال «تراثية» وأسعار رمزية

عرض «التياترو» على مسرح السلام بمصر (البيت الفني للمسرح)
عرض «التياترو» على مسرح السلام بمصر (البيت الفني للمسرح)

تشهد المسارح التابعة للدولة في مصر طفرة في العروض التي تقدمها، ويحمل بعضها طابعاً تراثياً أو كلاسيكياً، وتُطرح تذاكرها بأسعار رمزية، في إطار خطوات تسعى إلى جذب الجمهور ومحبي المسرح إلى العروض المسرحية.

ويقدم «البيت الفني للمسرح» حالياً مجموعة من العروض على مسارح القاهرة والإسكندرية، تتنوع بين الكلاسيكية والمعاصرة والاستعراضية، وتمنح الجمهور فرصة لمتابعة عروض مسرحية متعددة تعكس تنوع الحركة المسرحية وحيويتها.

وتتراوح أسعار تذاكر هذه العروض بين 30 جنيهاً للتذكرة (الدولار يعادل نحو 52 جنيهاً) في مسرح الهناجر، الذي يقدم مسرحية «زائد واحد» من تأليف محمد عادل النجار، وأشعار يسري حسان، وإخراج محمود فؤاد صدقي، و110 جنيهات، وهو الحد الأقصى لسعر تذكرة مسرحية «الملك لير» على المسرح القومي (وسط القاهرة)، من تأليف ويليام شكسبير، وبطولة يحيى الفخراني، وإخراج شادي سرور، وفق ما أعلنته وزارة الثقافة المصرية.

ومن العروض التي تشهدها مسارح الدولة أيضاً مسرحية «متولي وشفيقة» على مسرح الطليعة، من تأليف محمد علي إبراهيم، وإخراج أمير اليماني، ومسرحية «تياترو» من تأليف أحمد الملواني، وإخراج أحمد فؤاد، على مسرح السلام، الذي يشهد أيضاً عرض «يمين في أول شمال» من تأليف محمود جمال حديني، وإخراج عبد الله صابر.

«الملك لير» قدم في أكثر من موسم عرض (البيت الفني للمسرح)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «المسرح المصري كان يقوم على ركيزتين أساسيتين: القطاع العام والقطاع الخاص. وحين تراجع مسرح القطاع الخاص خلال الأعوام الـ15 الأخيرة، واختفى تقريباً إلا فيما ندر، استطاع مسرح القطاع العام أن يسدَّ هذه الفجوة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «بعض العروض يُعاد تقديمها ضمن نظام (الريبرتوار)، ويقبل الجمهور عليها رغم مشاهدته لها سابقاً، مثل: (الحفيد)، و(الملك لير)، و(أهلاً يا بكوات) التي قُدمت أكثر من مرة. كما ينجذب الجمهور عادةً إلى اسم النجم بطل العمل، مثل يحيى الفخراني في مسرحية (الملك لير)».

وأشار سعد الدين إلى أن مسرح القطاع الخاص، عندما ينتج مسرحية، تكون أسعار تذاكرها مبالغاً فيها، إذ تصل أحياناً إلى نحو 1500 جنيه، ما يجعلها بعيدة المنال بالنسبة للشريحة الكبرى من الجمهور.

مسرحيات متنوعة على مسرح الدولة في مصر (البيت الفني للمسرح)

وأكد أن «هناك مسرحيات لا تعتمد بالضرورة على وجود نجوم، وإنما ترتكز على نص جيد، مثل (تياترو) و(متولي وشفيقة)، ما يجعلها جاذبة للجمهور، خصوصاً خلال فصل الصيف». ويشير إلى أنه «رغم قدرة مسرح القطاع العام على ملء الفراغ الذي تركه المسرح الخاص، فإنه يظل محدود الجماهيرية؛ لأن مسرحيات القطاع العام، للأسف، لا تُصوَّر. ولو جرى تصويرها وعرضها على شاشات التلفزيون، لحققت نجاحاً أكبر وأصبحت أكثر جذباً للجمهور».

ووفقاً لتقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2022، يوجد في مصر 41 مسرحاً تابعاً للدولة (القطاع العام)، وقد شهد العديد منها نشاطاً لافتاً خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً في مواسم الأعياد والإجازات.

ويلفت الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن إلى أنه «على الرغم من جميع الأزمات التي يمر بها مسرح الدولة، فإنه لا يزال يؤكد قدرته على العودة بأقل الإمكانات». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «حين تتوفر في العرض عناصر الجذب، مثل اسم البطل كما في حالة يحيى الفخراني ومسرحية (الملك لير)، أو العنصر الكوميدي كما في (تياترو)، أو الموال والقصة التراثية كما في (متولي وشفيقة)، فإن الجمهور يقبل عليه؛ لأن بوصلته الفنية لم تفسد بعد».

وأعرب عبد الرحمن عن أمله في أن «تمثل هذه الحالة رسالةً للقائمين على هذا الملف لتحديث آليات مسرح الدولة وزيادة إمكاناته، من دون رفع أسعار التذاكر. فعلى الرغم من أن أسعار التذاكر الحالية تقل عن المتوسط، فإن هناك العديد من الأفكار التي يمكن أن تسهم في نهضة مسرح الدولة. كما يجب توجيه التحية إلى المخرجين الذين يعملون في مسرح الدولة، رغم العروض والفرص الأخرى التي قد تكون متاحة لهم خارج مصر».