الاستجابة العالمية لـ«كوفيد - 19»... «إخفاق في كل الاتجاهات»

تقرير لـ28 خبيراً عدد أوجه القصور ودعا للاستفادة من الأخطاء

إنفوجراف يوضّح أوجه القصور في الاستجابة العالمية لـ«كوفيد - 19» (ذا لانسيت)
إنفوجراف يوضّح أوجه القصور في الاستجابة العالمية لـ«كوفيد - 19» (ذا لانسيت)
TT

الاستجابة العالمية لـ«كوفيد - 19»... «إخفاق في كل الاتجاهات»

إنفوجراف يوضّح أوجه القصور في الاستجابة العالمية لـ«كوفيد - 19» (ذا لانسيت)
إنفوجراف يوضّح أوجه القصور في الاستجابة العالمية لـ«كوفيد - 19» (ذا لانسيت)

كشف تقرير دولي، أعدته لجنة من الخبراء، ونشرته الخميس دورية «لانسيت» الطبية الشهيرة، أن الإخفاقات العالمية واسعة النطاق على مستويات متعددة في الاستجابة لـ«كوفيد - 19»، أدت إلى ملايين الوفيات، كان يمكن تجنبها، وتسببت في تعطيل التقدم المحرز نحو أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (SDGs) في العديد من البلدان.
وخلص الخبراء لهذه النتيجة، بعد جمع الأدلة خلال العامين الأولين من الوباء مع التحليلات الوبائية والمالية الجديدة لتوضيح التوصيات التي ستساعد في التعجيل بإنهاء حالة الطوارئ الوبائية المستمرة وتقليل تأثير التهديدات الصحية في المستقبل، وتحقيق التنمية المستدامة على المدى الطويل.
ويحذر التقرير من أن تحقيق هذه الأهداف يتوقف على تعزيز تعددية الأطراف التي يجب أن تتمحور حول منظمة الصحة العالمية التي تم إصلاحها ودعمها، فضلاً عن دعم الاستثمارات والتخطيط الدقيق للتأهب للأوبئة الوطنية وتعزيز النظام الصحي، مع إيلاء اهتمام خاص للسكان الذين يعانون من الضعف، وتشمل الاستثمارات الحاسمة أيضاً تحسين التكنولوجيا ونقل المعرفة الخاصة بالمنتجات الصحية وتحسين التمويل الصحي الدولي للبلدان والمناطق المحدودة الموارد.
ويعد التقرير، نتاج عامين من العمل لـ28 من الخبراء الرائدين بمجالات السياسة العامة، والحوكمة الدولية، وعلم الأوبئة، وعلم اللقاحات، والاقتصاد، والتمويل الدولي، والاستدامة، والصحة العقلية، بالإضافة إلى المشاورات مع أكثر من 100 مساهم آخر.
يقول جيفري ساكس، رئيس اللجنة التي أعدت التقرير، وهو أستاذ بجامعة كولومبيا بالولايات المتحدة، ورئيس شبكة حلول التنمية المستدامة في تقرير نشره الموقع الإلكتروني لدوري «لانسيت»: «الخسائر البشرية المذهلة في العامين الأولين من الجائحة، هي مأساة عميقة وفشل مجتمعي هائل على مستويات متعددة، ويجب أن نواجه حقائق صعبة، وهي أن العديد من الحكومات فشلت في الالتزام بالمعايير الأساسية للعقلانية المؤسسية والشفافية، واحتج الكثير من الناس على احتياطات الصحة العامة الأساسية، والتي غالباً ما تتأثر بالمعلومات المضللة، وفشل العديد من الدول في تعزيز التعاون العالمي للسيطرة الوباء».
وتابع: «حان الوقت الآن لاتخاذ إجراءات جماعية تعزز الصحة العامة والتنمية المستدامة لوضع حد للوباء، ومعالجة التفاوتات الصحية العالمية، وحماية العالم من الأوبئة المستقبلية، وتحديد أصول هذا الوباء، وبناء القدرة على الصمود من أجل المجتمعات في جميع أنحاء العالم، ولدينا القدرات العلمية والموارد الاقتصادية للقيام بذلك، لكن الانتعاش المرن والمستدام يعتمد على تعزيز التعاون متعدد الأطراف، والتمويل، والسلامة البيولوجية، والتضامن الدولي مع البلدان والشعوب الأكثر ضعفاً».
وبينما أظهرت استجابة «كوفيد - 19» بعض جوانب التعاون الدولي في أفضل حالاتها، مثل الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير لقاحات متعددة في وقت قياسي، والإجراءات التي تتخذها البلدان ذات الدخل المرتفع لتقديم الدعم المالي للأسر والشركات، والتمويل الطارئ من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
لكن أحداث العامين الماضيين، كشفت أيضاً عن إخفاقات متعددة للتعاون العالمي، حيث تزامن تأخير منظمة الصحة العالمية في إعلان «حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً»، مع التأخر في الاعتراف بانتقال فيروس كورونا جواً، مع فشل الحكومات الوطنية في التعاون والتنسيق بشأن بروتوكولات السفر واستراتيجيات الاختبار وسلاسل إمداد اللقاحات وإبلاغ البيانات وغيرها من السياسات الدولية الحيوية لقمع الوباء، والافتقار إلى التعاون بين الحكومات لتمويل وتوزيع السلع الصحية الأساسية، بما في ذلك اللقاحات، ومعدات الحماية الشخصية، والموارد لتطوير اللقاحات وإنتاجها في البلدان منخفضة الدخل، وكل ذلك جاء بتكاليف باهظة.
وتبين أن تصنيفات ما قبل «كوفيد - 19» لاستعداد البلدان للأوبئة، مثل مؤشر الأمن الصحي العالمي لعام 2019، الذي يصنف الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية من بين الأقوى فيما يتعلق بقدرات الاستجابة الوبائية، ليس دقيقاً، مقارنة بالنتائج الفعلية للوباء.
ووجدت لجنة الخبراء في تقريرها، أن منطقة غرب المحيط الهادئ، بما في ذلك شرق آسيا وأوقيانوسيا، مدعومة بالخبرة السابقة مع وباء السارس عام 2002، تبنت استراتيجيات مواجهة ناجحة نسبياً ما أدى إلى وفاة تراكمية لكل مليون نحو 300، وهو أقل بكثير مما هو عليه في أجزاء أخرى من العالم.
وأدت أنظمة الصحة العامة المفككة ورداءة السياسة العامة لاستجابة (كوفيد - 19) في أوروبا والأميركتين إلى وفيات تراكمية نحو 4000 حالة وفاة لكل مليون، وهو أعلى معدل في جميع مناطق منظمة الصحة العالمية.
وتشير عضوة اللجنة ماريا فرناندا إسبينوزا، الرئيسة السابقة للجمعية العامة للأمم المتحدة ووزيرة الخارجية والدفاع السابقة بالإكوادور، إلى سلبية أخرى تتعلق بعدم المساواة العالمية في توزيع اللقاحات.
تقول: «منذ أكثر من عام ونصف مع إعطاء لقاح (كوفيد - 19) الأول، لم تتحقق المساواة العالمية في اللقاحات، ففي البلدان المرتفعة الدخل، تم تطعيم ثلاثة من كل أربعة أشخاص بشكل كامل، لكن في البلدان منخفضة الدخل، هناك واحد فقط من بين كل سبعة، وتظل جميع البلدان معرضة بشكل متزايد لتفشي (كوفيد - 19) من جديد والأوبئة المستقبلية إذا لم نشارك براءات اختراع اللقاحات والتكنولوجيا مع مصنعي اللقاحات في البلدان الأقل ثراءً، وقمنا بتعزيز المبادرات متعددة الأطراف التي تهدف إلى تعزيز المساواة العالمية في اللقاحات».
وينتقد التقرير أيضاً الاستجابات الوطنية لـ«كوفيد - 19»، والتي غالباً ما تتميز بنصائح غير متسقة في مجال الصحة العامة وضعف تنفيذ تدابير الصحة العامة والاجتماعية، مثل ارتداء أقنعة الوجه والتطعيم.
ولم تتصدَّ العديد من السياسات العامة بشكل صحيح للآثار غير العادلة للغاية للوباء على المجتمعات الضعيفة، بمن في ذلك النساء والأطفال والعمال في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وتفاقمت أوجه عدم المساواة هذه بسبب حملات التضليل الواسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتدني الثقة الاجتماعية، والفشل في الاعتماد على العلوم السلوكية والاجتماعية لتشجيع تغيير السلوك ومواجهة المعارضة العامة الكبيرة لتدابير الصحة العامة الروتينية التي شوهدت في العديد من البلدان.
تقول المفوضة غابرييلا كويفاس بارون الرئيس الفخري للاتحاد البرلماني الدولي وعضو مجلس الشيوخ السابق في الكونغرس المكسيكي: «يجب أن تشمل الخطط الوطنية للتأهب للأوبئة حماية الفئات الضعيفة، بمن في ذلك النساء وكبار السن والأطفال والمجتمعات المحرومة واللاجئون والشعوب الأصلية والمعوقون والأشخاص المصابون بأمراض مرضية، كما أن فقدان فرص العمل وإغلاق المدارس بسبب الوباء دمرت التقدم المحرز في المساواة بين الجنسين والتعليم والتغذية ومن الأهمية بمكان منع حدوث ذلك مرة أخرى، ونطلب من الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمنظمات الدولية بناء أنظمة الحماية الاجتماعية وضمان التغطية الصحية الشاملة».
وللسيطرة على الوباء، تقترح اللجنة أن تتبنى جميع البلدان استراتيجية، تجمع بين التطعيم على نطاق واسع واحتياطات الصحة العامة والتدابير المالية المناسبة. يقول عضو اللجنة البروفسور سالم عبد الكريم من كلية ميلمان للصحة العامة بجامعة كولومبيا بالولايات المتحدة: «ستؤدي الاستراتيجية العالمية للقاح، بالإضافة إلى التغطية العالية للقاح، واتخاذ مجموعة من تدابير الصحة العامة الفعالة، إلى إبطاء ظهور متغيرات جديدة وتقليل مخاطر حدوث موجات جديدة من العدوى مع السماح للجميع (بمن في ذلك أولئك المعرضون للخطر سريرياً) بممارسة حياتهم بشكل أكبر بحرية، وكلما أسرع العالم في تحصين الجميع، وتقديم الدعم الاجتماعي والاقتصادي، كانت احتمالات الخروج من حالة الطوارئ الوبائية وتحقيق الانتعاش الاقتصادي ممكنة».
وللاستعداد للتهديدات الصحية الوبائية في المستقبل، توصي اللجنة بتعزيز النظم الصحية الوطنية واعتماد خطط التأهب للأوبئة الوطنية، مع إجراءات لتحسين المراقبة المنسقة والرصد للمتغيرات الجديدة، وحماية المجموعات التي تعاني من الضعف، وخلق بيئة مدرسية وأماكن عمل أكثر أماناً من خلال الاستثمار في التهوية والترشيح، وتعزيز التعددية لبناء مستقبل أكثر مرونة، وفتح نهج جديد لتمويل الصحة العالمية.
ولتحسين قدرة العالم على الاستجابة للأوبئة، تدعو اللجنة إلى تحديث اللوائح الصحية الدولية، وتعزيز منظمة الصحة العالمية من خلال زيادة كبيرة في التمويل ومشاركة أكبر من رؤساء الدول الذين يمثلون كل منطقة لدعم صنع القرار والإجراءات بشكل أفضل، لا سيما بشأن الأمور العاجلة والمثيرة للجدل.


مقالات ذات صلة

بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

يوميات الشرق بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

تقدمت كريستين باومغارتنر، الزوجة الثانية للممثل الأميركي كيفين كوستنر، بطلب للطلاق، بعد زواجٍ دامَ 18 عاماً وأثمر عن ثلاثة أطفال. وذكرت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية أن الانفصال جاء بسبب «خلافات لا يمكن حلُّها»، حيث تسعى باومغارتنر للحضانة المشتركة على أطفالهما كايدين (15 عاماً)، وهايس (14 عاماً)، وغريس (12 عاماً). وكانت العلاقة بين كوستنر (68 عاماً)، وباومغارتنر (49 عاماً)، قد بدأت عام 2000، وتزوجا عام 2004.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق متحف «المركبات» بمصر يحيي ذكرى الملك فؤاد الأول

متحف «المركبات» بمصر يحيي ذكرى الملك فؤاد الأول

افتتح متحف المركبات الملكية بمصر معرضاً أثرياً مؤقتاً، اليوم (الأحد)، بعنوان «صاحب اللقبين فؤاد الأول»، وذلك لإحياء الذكرى 87 لوفاة الملك فؤاد الأول التي توافق 28 أبريل (نيسان). يضم المعرض نحو 30 قطعة أثرية، منها 3 وثائق أرشيفية، ونحو 20 صورة فوتوغرافية للملك، فضلاً عن فيلم وثائقي يتضمن لقطات «مهمة» من حياته. ويشير عنوان المعرض إلى حمل فؤاد الأول للقبين، هما «سلطان» و«ملك»؛ ففي عهده تحولت مصر من سلطنة إلى مملكة. ويقول أمين الكحكي، مدير عام متحف المركبات الملكية، لـ«الشرق الأوسط»، إن المعرض «يسلط الضوء على صفحات مهمة من التاريخ المصري، من خلال تناول مراحل مختلفة من حياة الملك فؤاد».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق وضع تسلسل كامل لجينوم «اللبلاب» المقاوم لتغير المناخ

وضع تسلسل كامل لجينوم «اللبلاب» المقاوم لتغير المناخ

قام فريق بحثي، بقيادة باحثين من المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية بكينيا، بوضع تسلسل كامل لجينوم حبة «فول اللبلاب» أو ما يعرف بـ«الفول المصري» أو «الفول الحيراتي»، المقاوم لتغيرات المناخ، بما يمكن أن يعزز الأمن الغذائي في المناطق المعرضة للجفاف، حسب العدد الأخير من دورية «نيتشر كومينيكيشن». ويمهد تسلسل «حبوب اللبلاب»، الطريق لزراعة المحاصيل على نطاق أوسع، ما «يجلب فوائد غذائية واقتصادية، فضلاً على التنوع الذي تشتد الحاجة إليه في نظام الغذاء العالمي».

حازم بدر (القاهرة)
يوميات الشرق «الوثائقية» المصرية تستعد لإنتاج فيلم عن «كليوباترا»

«الوثائقية» المصرية تستعد لإنتاج فيلم عن «كليوباترا»

في رد فعل على فيلم «الملكة كليوباترا»، الذي أنتجته منصة «نتفليكس» وأثار جدلاً كبيراً في مصر، أعلنت القناة «الوثائقية»، التابعة لـ«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية بمصر»، اليوم (الأحد)، «بدء التحضير لإنتاج فيلم وثائقي عن كليوباترا السابعة، آخر ملوك الأسرة البطلمية التي حكمت مصر في أعقاب وفاة الإسكندر الأكبر». وأفاد بيان صادر عن القناة بوجود «جلسات عمل منعقدة حالياً مع عدد من المتخصصين في التاريخ والآثار والأنثروبولوجيا، من أجل إخضاع البحوث المتعلقة بموضوع الفيلم وصورته، لأقصى درجات البحث والتدقيق». واعتبر متابعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي هذه الخطوة بمثابة «الرد الصحيح على محاولات تزييف التار

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق مؤلفا «تحت الوصاية» لـ«الشرق الأوسط»: الواقع أصعب مما طرحناه في المسلسل

مؤلفا «تحت الوصاية» لـ«الشرق الأوسط»: الواقع أصعب مما طرحناه في المسلسل

أكد خالد وشيرين دياب مؤلفا مسلسل «تحت الوصاية»، أن واقع معاناة الأرامل مع «المجلس الحسبي» في مصر: «أصعب» مما جاء بالمسلسل، وأن بطلة العمل الفنانة منى زكي كانت معهما منذ بداية الفكرة، و«قدمت أداء عبقرياً زاد من تأثير العمل». وأثار المسلسل الذي تعرض لأزمة «قانون الوصاية» في مصر، جدلاً واسعاً وصل إلى ساحة البرلمان، وسط مطالبات بتغيير بعض مواد القانون. وأعلنت شركة «ميديا هب» المنتجة للعمل، عبر حسابها على «إنستغرام»، أن «العمل تخطى 61.6 مليون مشاهدة عبر قناة (DMC) خلال شهر رمضان، كما حاز إشادات عديدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي». وكانت شيرين دياب صاحبة الفكرة، وتحمس لها شقيقها الكاتب والمخرج خالد د

انتصار دردير (القاهرة)

فتحي عبد الوهاب: دوري «الشيطاني» في «المداح» كان تحدياً كبيراً

فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)
فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)
TT

فتحي عبد الوهاب: دوري «الشيطاني» في «المداح» كان تحدياً كبيراً

فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)
فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)

قال الفنان المصري فتحي عبد الوهاب إن ردود الفعل التي تلقاها حول شخصية «سميح» في مسلسل «المداح 6» كانت لافتة بالنسبة له، خصوصاً أن بعض المشاهدين بدأوا يتعاملون مع الشخصية بدرجة من التعاطف أو الإعجاب، رغم أنها في الأساس تجسِّد جانباً شيطانياً داخل الأحداث.

وأكد أنه طرح على نفسه هذا السؤال أثناء العمل، الذي شكّل بالنسبة له تحدياً كبيراً، محاولاً فهم السبب الذي قد يجعل الجمهور ينجذب إلى شخصية تحمل هذا القدر من الشر.

وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن أحد التفسيرات التي خطرت له يتعلق بطبيعة الإنسان نفسه؛ فالأشياء الممنوعة أو الخطرة غالباً ما تثير الفضول وتجذب الانتباه، تماماً مثل الأطعمة التي يُنصح بالابتعاد عنها في الحمية الغذائية، لكنها تظل مغرية لكثيرين.

وأشار إلى أن الشخصية تحمل أيضاً قدراً من اللطف والقدرة على التواصل، ما يجعل من يتعامل معها يشعر بأنها قريبة منه أو تفهمه، وهو ما قد يفسِّر جزءاً من تفاعل الجمهور معها.

فتحي عبد الوهاب قدم دوراً لافتاً في مسلسل «المداح» (صفحته على فيسبوك)

وأوضح عبد الوهاب أن «شكل الشخصية تغيّر عبر أجزاء العمل المختلفة؛ ففي بعض المراحل كانت أكثر قسوة وإثارة للخوف، في حين جاء الجزء السادس ليمنحها مساحة مختلفة، تظهر فيها جوانب أكثر هدوءاً وقرباً من البشر».

وأضاف أن هذا التوجّه ناقشه مبكراً مع مخرج العمل أحمد سمير فرج، مع التأكيد على ضرورة تطوير الشخصية درامياً، وعدم الاكتفاء بإعادتها بالشكل نفسه.

وأشار إلى أن التطوير لم يقتصر على الخط الدرامي فقط، بل شمل أيضاً طريقة تقديم الشخصية والأدوات التي يعتمد عليها في أدائها؛ لأن الهدف كان إظهارها بأبعاد متعددة؛ ولهذا ظهرت داخل الأحداث في صور مختلفة، تجعلها تبدو قادرة على التواصل مع الآخرين بسهولة.

ورأى أن تقديم الشخصية بهذا الشكل كان مهماً بالنسبة له بوصفه ممثلاً؛ لأن الإغواء أو التأثير لا يمكن أن يقوم على القسوة الدائمة أو الشكل المنفّر؛ فالشخص الذي يدفع الآخرين إلى السير خلفه لا بد أن يبدو ودوداً أو مقنعاً بدرجة ما، وإلا فلن ينجح في جذبهم. لذلك، كان من الضروري أن تحمل الشخصية قدراً من الهدوء والدبلوماسية، حتى وهي تمارس دورها الشرير داخل القصة.

حماده هلال وفتحي عبد الوهاب على الملصق الترويجي للمسلسل (الشركة المنتجة)

وعن أحداث المسلسل، قال: «في الأساس تنتمي إلى إطار خيالي يتعامل مع الأساطير والماورائيات، ومع ذلك فإن هذه العوالم الخيالية يمكن أن تتقاطع مع الواقع وأدواته الحديثة؛ لأن كل عصر يمتلك وسائله الخاصة التي يمكن أن يستخدمها حتى في القصص الأسطورية».

وأشار، في هذا السياق، إلى أحد المشاهد التي ظهرت فيها شخصية «سميح» وهي تتفاعل مع «تشات جي بي تي»، موضحاً أن الفكرة جاءت من المخرج أحمد سمير فرج قبل تصوير المشهد بوقت قصير، وبدت له مناسبة لفكرة أن الشخصية تستخدم أدوات العصر الذي تعيش فيه، تماماً كما كان يمكن أن تلجأ إلى وسائل مختلفة لو كانت الأحداث تدور في زمن آخر.

وتطرق عبد الوهاب إلى مسألة الشكل البصري للشخصية، خصوصاً ظهورها المتكرر بملابس داكنة، مؤكداً أن «اختيار الأزياء في الأعمال الدرامية لا يعتمد على قرار فردي من الممثل، بل يأتي نتيجة تنسيق بين أكثر من عنصر في فريق العمل، مثل مدير التصوير ومصمم الديكور والمخرج. واختيار اللون الأسود لم يكن عابراً، بل جزءاً من رؤية بصرية متكاملة تخدم الجو العام للشخصية والأحداث».

فتحي عبد الوهاب بمكياج الشخصية (حسابه على فيسبوك)

وتحدث عبد الوهاب كذلك عن بعض الأفكار التي ظهرت خلال مرحلة التحضير للعمل، ومنها الخط المرتبط بالأطفال داخل الأحداث، مؤكداً أن الفكرة كانت مطروحة منذ البداية ضمن تصور عام للحكاية؛ إذ كان الحديث يدور حول أطفال يمتلكون قدرات خاصة ويشكلون جزءاً مهماً من تطور القصة.

وأضاف أنه، خلال النقاشات، اقترح أن تكون هناك حضانة تجمع هؤلاء الأطفال، وهو ما فتح الباب لتطوير هذا الخط داخل المسلسل.

وأشار إلى أنه لا يفضّل التوقف طويلاً عند أي تجربة ناجحة، بل يحرص على التفكير في العمل التالي مباشرة؛ لأن البقاء أسيراً لدور واحد قد يحد من قدرة الممثل على التطور، لافتاً إلى أنه يشعر بأن تنوع الشخصيات التي يقدمها يمنحه مساحة أوسع للتجريب واكتشاف جوانب جديدة في أدائه.

وأكد فتحي عبد الوهاب أنه يقرأ حالياً أكثر من مشروع جديد، من بينها عملان لم يحسم قراره بشأن أيهما سيبدأ به أولاً، إضافة إلى تجربة سينمائية يجري التحضير لها.


رواية القصص طريقة فعالة لتعزيز الذاكرة

السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)
السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)
TT

رواية القصص طريقة فعالة لتعزيز الذاكرة

السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)
السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)

كشفت دراسة أميركية أن دمج المعلومات في قالب قصصي قد يكون وسيلة فعّالة لتعزيز الذاكرة، بل قد يضاهي أو يتفوق على أشهر تقنيات الحفظ المعروفة.

وأوضح باحثون في جامعة ميسيسيبي أن سرد القصص قد يرتبط بتطور الذاكرة لدى الإنسان عبر التاريخ، من العصور القديمة حتى العصر الرقمي الحديث. ونُشرت نتائج الدراسة، الاثنين، في دورية «Evolutionary Psychology».

ويُعد تعزيز الذاكرة والتعلّم هدفاً أساسياً في حياة الأفراد، إذ يعتمد على أساليب تساعد الدماغ على تنظيم المعلومات وفهمها بعمق، بدلاً من حفظها بشكل سطحي، مثل ربط الأفكار بسياق واضح، واستخدام الصور الذهنية، والتكرار المدروس، والتعلّم النشط الذي يشمل الشرح والتطبيق. ويسهم ذلك في تثبيت المعلومات لفترات أطول وتحسين القدرة على استرجاعها عند الحاجة. كما أن تنويع أساليب التعلّم والاعتماد على الفهم بدلاً من التلقين يعززان كفاءة الدماغ، ويجعلان عملية التعلّم أكثر سهولة وفاعلية في الحياة اليومية.

وهدفت الدراسة إلى مقارنة تأثير رواية القصص بأساليب الحفظ التقليدية في تعزيز الذاكرة. وخلالها، طُلب من المشاركين تحويل مجموعة من الكلمات غير المرتبطة إلى قصة مترابطة، بينما استخدم آخرون تقنيات مختلفة، مثل تقييم الكلمات من حيث إيجابيتها أو تخيّل ارتباطها بمواقف معينة.

وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين استخدموا أسلوب السرد القصصي تمكنوا من تذكّر عدد أكبر من الكلمات، مقارنة بمن استخدموا طرقاً أخرى، مثل تقييم الكلمات من حيث مدى لطافتها أو إيجابيتها.

كما حققوا نتائج مماثلة، أو أفضل، من تقنية تُعرف بـ«المعالجة المرتبطة بالبقاء»، التي تُعد من أقوى أساليب تحسين الذاكرة، وتعتمد على ربط المعلومات بمواقف افتراضية تتعلق بالبقاء في ظروف صعبة.

وأشارت الدراسة إلى أن كتابة القصص تحديداً تعزز الذاكرة بشكل أكبر، إذ تساعد على ترسيخ المعلومات بعمق، مقارنة بالاكتفاء بتخيّلها، ما يعكس أهمية التفاعل النشط مع المعلومات.

ورغم أنه كان يُتوقع أن يحقق الجمع بين السرد القصصي وتقنية «المعالجة المرتبطة بالبقاء» نتائج أفضل، فإن الدراسة لم ترصد تحسناً ملحوظاً، وهو ما يفسّره الباحثون بأن الطريقتين تعتمدان على الآليات المعرفية نفسها داخل الدماغ.

ويرى الباحثون أن كلتا الطريقتين تعتمد على ما يُعرف بـ«المعالجة الترابطية»، حيث يربط العقل بين المعلومات المختلفة، و«المعالجة الخاصة بالعناصر»، التي تركز على تمييز كل معلومة على حدة.

وأشار الفريق إلى أن هذه النتائج تدعم ما يلاحظه المعلمون داخل الفصول الدراسية، إذ يسهم استخدام القصص في جعل المعلومات أكثر جذباً وأسهل في التذكّر.

وأضافوا أن الإنسان اعتمد على القصص لنقل المعرفة قبل ظهور الكتابة، ما يشير إلى أن الدماغ البشري قد يكون تطوّر ليحتفظ بالمعلومات بشكل أفضل عندما تُعرض في قالب قصصي منظّم.

وأكد الباحثون أن فهم آليات الذاكرة يمكن أن يسهم في تطوير أساليب التعليم، وتحسين قدرة الأفراد على تذكّر المعلومات في حياتهم اليومية.


سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
TT

سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الفلسطينية سوسن قاعود إن فيلمها الوثائقي «غزة غراد» جاء من رغبة في الاقتراب من التجربة الإنسانية للناجين من الحرب، موضحةً أن السؤال الذي شغلها منذ البداية لم يكن فقط كيف يهرب الناس من القصف، بل ماذا يحدث لهم بعد ذلك، حين يجدون أنفسهم فجأة في مكان آخر بعيد تماماً عن حياتهم السابقة.

وأضافت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «كثيراً من القصص التي تُروى عن الحروب تُركِّز على لحظات الدمار، أو الهروب، في حين أن ما يحدث بعد النجاة يظل أقل حضوراً في السرد، رغم أنه يحمل في داخله طبقات عميقة من المشاعر، والتجارب المعقدة التي تستحق أن تُروى».

المخرجة الفلسطينية سوسن قاعود (مهرجان سالونيك)

وأوضحت سوسن أن «الفيلم يحاول الاقتراب من تلك المساحة الصامتة التي يعيشها الإنسان بعد أن يبتعد جسدياً عن الحرب، لكنه يظل يحملها داخله»، لافتة إلى أن فكرة العمل بدأت من تأملها في مصير العائلات التي تضطر إلى مغادرة غزة تحت ضغط القصف، ثم تجد نفسها فجأة في بيئة جديدة لا تشبه شيئاً من عالمها الأول.

وأكدت أن هذا التحول المفاجئ يخلق حالة مركبة من المشاعر، حيث يمتزج الإحساس بالنجاة مع شعور عميق بالخسارة، لأن الإنسان يكتشف أنه لم يفقد بيتاً فقط، بل فقد أيضاً شبكة كاملة من العلاقات، والذكريات، والتفاصيل اليومية التي صنعت معنى حياته. وعدّت العائلة التي تطرقت إليها في الفيلم نموذجاً لتجربة يعيشها كثير من الفلسطينيين في السنوات الأخيرة.

ويرصد الفيلم الوثائقي «غزة غراد»، الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، رحلة الفلسطيني غسان، الذي يضطر إلى الفرار من القصف الإسرائيلي على غزة برفقة زوجته الروسية آنا وابنتيهما، ليبدأوا حياة جديدة في روسيا. وهناك يجد غسان نفسه أمام تحدي إعادة بناء حياته من الصفر في بلد يختلف تماماً عن المكان الذي نشأ فيه، بينما تحاول الأسرة كلها التأقلم مع واقع جديد.

ومع مرور الوقت يتحول المنفى، الذي بدا في البداية ملاذاً آمناً، إلى مساحة معقدة من المشاعر المتناقضة، حيث تتصارع الرغبة في الاستقرار مع الحنين المستمر إلى البيت الذي تركوه خلفهم. فالحياة التي تركوها في غزة لم تكن مجرد مكان للسكن، بل كانت منظومة كاملة من العلاقات، والذكريات، والعادات اليومية التي صنعت معنى وجودهم لسنوات طويلة.

وثقت المخرجة جوانب مختلفة من حياة العائلة بعد الرحيل من غزة (الشركة المنتجة)

وأكدت المخرجة الفلسطينية أن «الفيلم لا يحاول تقديم قصة بطولية أو استثنائية، بقدر ما يسعى إلى إظهار الحياة اليومية كما هي، بكل ما تحمله من لحظات هدوء، وارتباك، وحنين. وأكثر ما كان يهمني أثناء التصوير هو التقاط اللحظات الصغيرة التي تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تكشف في الحقيقة عن عمق التحولات التي يعيشها الإنسان عندما يجد نفسه في مكان جديد تماماً». كما أشارت إلى أن التصوير بين غزة وروسيا ومصر جرى بترتيب وتنسيق مع العائلة، وإن كانت الصعوبة الأكبر في تصوير الجزء داخل غزة، خصوصاً بعد «طوفان الأقصى» مباشرة.

وتحدثت عن أهمية التفاصيل في بناء الفيلم، مشيرةً إلى أن تلك التفاصيل البسيطة، مثل صمت العائلة داخل البيت الجديد، أو محاولة الأطفال التأقلم مع بيئة مختلفة، تحمل في داخلها كثيراً من المعاني التي لا يمكن التعبير عنها بالكلمات المباشرة. ولفتت إلى أنها حاولت أن تكون الكاميرا قريبة من الشخصيات دون أن تتدخل في حياتها، حتى تظهر المشاعر بشكل طبيعي وصادق، بعيداً عن أي مبالغة، أو افتعال.

الفيلم تناول قصص ما بعد الحرب على غزة (الشركة المنتجة)

وقالت إن «تجربة المنفى التي يعرضها الفيلم ليست مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل هي تجربة نفسية وإنسانية عميقة، لأن الإنسان عندما يترك بلده تحت ضغط الحرب يترك خلفه أيضاً جزءاً من هويته، وذاكرته». موضحةً أن هذا الشعور يصبح أكثر تعقيداً عندما يبدأ الشخص في بناء حياة جديدة في مكان مختلف، إذ يجد نفسه دائماً معلقاً بين عالمين: العالم الذي جاء منه، والعالم الذي يحاول أن يعيش فيه الآن.

وتحدثت كذلك عن الأمل بوصفه عنصراً أساسياً في الفيلم، موضحةً أن «هذا الأمل لا يظهر في صورة كبيرة، أو خطاب مباشر، بقدر ما يتجلى في قدرة الشخصيات على الاستمرار في حياتها رغم كل شيء. فالإنسان يمتلك قدرة مدهشة على التكيف، حتى في أصعب الظروف، وهذه القدرة هي ما تمنح الحياة معناها في النهاية».

وأوضحت أن تصوير الفيلم تطلّب قدراً كبيراً من الصبر، والاقتراب الإنساني من الشخصيات، لأن الهدف لم يكن مجرد تسجيل أحداث، بل فهم التجربة التي يعيشونها من الداخل. ولفتت إلى أن العلاقة التي نشأت بينها وبين العائلة خلال التصوير ساعدت على خلق مساحة من الثقة، وهو ما انعكس في صدق اللحظات التي تظهر على الشاشة.