ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة دون {الثلث المعطل}

سلام يتعهد بانتخابات رئاسية في موعدها * 24 وزيراً وفق قاعدة «الثمانيات الثلاث» * باسيل للخارجية والمشنوق للداخلية وريفي للعدل

ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة دون {الثلث المعطل}
TT

ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة دون {الثلث المعطل}

ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة دون {الثلث المعطل}

أبصرت الحكومة اللبنانية الجديدة النور بعد مخاض مرير استمر عشرة أشهر، وعشرة أيام، انتهى أمس بإصدار مراسيم تشكيلها من قبل رئيسي الجمهورية ميشال سليمان والحكومة تمام سلام، وهي حكومة لا يمتلك فيها حزب الله الأكثرية (8 وزراء له ولحلفائه من أصل 24)، كما لا يمتلك فيها «الثلث المعطل الذي يسمح له بوضع الفيتو على القرارات التي تتطلب ثلثي أصوات الوزراء، كما لا يسمح له بإسقاط الحكومة».
وسبقت لحظة إعلان الحكومة مشاورات مكثفة، أسفرت عن تذليل آخر العراقيل التي ظهرت بوجهها، وتحديدا في عقدة توزير المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي الذي رفض حزب الله توزيره في موقع وزير الداخلية، قبل أن يقبل به وزيرا للعدل، مما أثار انقسامات في صفوف مناصري الحزب وحلفائه السياسيين، ترجم بإعلان بعضهم «فض الشراكة» معه، بينما ظهرت دعوات للاعتصام في الضاحية الجنوبية ليلا احتجاجا على توزير «أحد قادة المحاور»، بالإشارة إلى ريفي الذي يتهمه فريق «8 آذار» بأنه مسؤول عن بعض مسلحي مدينة طرابلس في شمال لبنان.
وأفاد مصدر لبناني لـ«الشرق الأوسط» بأن اتصالات الساعات الأخيرة أفضت إلى تذليل عقبة توزير ريفي بعد اتصالات، تولى رئيس كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائب وليد جنبلاط دور الوسيط فيها بين الحزب ورئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، الذي قالت مصادر قريبة من جنبلاط لـ«الشرق الأوسط» إنه «كان إيجابيا للغاية» وسهل عملية التأليف. وأشار وزير الصحة في الحكومة الجديدة، وائل أبو فاعور، في حديث تلفزيوني، إلى أن «جنبلاط سعى شخصيا للمساعدة على تأليف الحكومة، وتدخل مع رئيس (تيار المستقبل) سعد الحريري، وكنا نسعى لإعلان الحكومة ليل أمس (أول من أمس) كي لا يحمل الليل أي تطورات أو تعقيدات». ورأى أن «أهم ما في الأمر أن جنبلاط كرس موقعه الوسطي وفكرة التسوية، وهذا ما حصل».
فبعد رمي الفيتو بوجه ريفي في وزارة الداخلية، اتفق على تعيينه وزيرا للشؤون الاجتماعية، لكن ريفي رفض الأمر مشترطا الحصول على وزارة العدل أو الاتصالات لدخول الحكومة، فكان أن جرى تعيينه وزيرا للعدل. لكن هذا التعيين خلق مشكلة جديدة في وجه الوزير رشيد درباس الذي كان مطروحا تعيينه وزيرا للداخلية، قبل حصول مشاكل داخل الصف الواحد نتيجة «حسابات طرابلسية» بعد اعتراض أحد المرشحين الطرابلسيين الذي كان مقررا تعيينه في هذا المنصب على اسمه، فاتفق على تعيينه وزيرا للعدل، بصفته نقيبا سابقا للمحامين في الشمال، فكان أن جرى التوافق أخيرا على تعيينه وزيرا للشؤون الاجتماعية.
وأثار إعلان الحكومة، التي حملت اسم حكومة «المصلحة الوطنية»، ارتياحا واسعا في الأوساط اللبنانية الشعبية والسياسية والاقتصادية بعد أكثر من عشرة أشهر من الجمود، والمخاطر الأمنية التي كانت سببا أساسيا في قبول حزب الله التنازل وخفض سقف مطالبه، سواء فيما يتعلق بشكل الحكومة لقبوله بعدم الحصول على الثلث الضامن الذي يسمح له بفرط عقد الحكومة في حال قرر هو وحلفاؤه الاستقالة، كما حصل مع حكومة الرئيس سعد الحريري، أو لجهة قبوله بأسماء يراها استفزازية. وقال أحد الوسطاء الذين عملوا على خط تقريب وجهات النظر بين الأفرقاء لـ«الشرق الأوسط» أن الحزب بدا أكثر تساهلا فيما يتعلق بعملية تأليف الحكومة في الأسابيع الأخيرة، تحت ضغط التفجيرات الانتحارية التي ضربت المناطق المؤيدة للحزب في ضاحية بيروت الجنوبية والبقاع، لجهة اعتباره أن التوافق داخل الحكومة من شأنه أن يعطي عملية ملاحقة المفجرين فعالية أكبر، إذ سيكون الفريق السني في الحكومة شريكا في محاربة منفذي التفجيرات، كما يقلل التوافق السياسي من الاحتقان الداخلي. ونقل الوسيط عن أحد مفاوضي الحزب قوله في أحد مفاصل المفاوضات: «نحن نريد الحكومة قبل غيرنا لأن دمنا على الأرض»، في إشارة إلى عمليات التفجير.
وأفادت مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط» بأن الحكومة دعيت إلى الاجتماع الثلاثاء المقبل، حيث سيكون على جدول أعمالها تأليف لجنة وزارية لصياغة البيان الوزاري الذي ستتقدم به إلى المجلس النيابي من أجل نيل الثقة كما ينص الدستور. وقالت المصادر إن البيان الوزاري سيكون الامتحان الحقيقي للتوافق السياسي، بعد أن أجل البحث فيه إلى ما بعد تأليف الحكومة تجنبا لتفجيرها قبل تأليفها، وذلك بسبب إصرار فريق «14 آذار» على عدم «إعطاء أي شرعية لسلاح حزب الله» الذي حظي بتغطية من البيانات الوزارية لكل الحكومات اللبنانية التي تألفت منذ إقرار اتفاق الطائف في مطلع التسعينات من القرن الماضي. ورغم أن حكومات ما بعد عام 2005 تلاعبت لغويا من أجل عدم ذكر الأمر مباشرة، فإن غنى اللغة العربية سمح لها بإقرار صيغة يترجمها كل فريق على هواه، كذكر الحكومات الأخيرة لثلاثية «الشعب والجيش والمقاومة» في مقاومة الاحتلال، وهي صيغة ترفضها قوى «14 آذار» الآن.
وقالت المصادر إن انسحاب التوافق السياسي على موضوع البيان الوزاري سيترجم من خلال تنازل أحد الطرفين عن مطالبه، أو توافقهما على صيغة مبهمة أخرى، أما في حال فشلا في ذلك فسنكون أمام مرحلة صعبة قد تعني تحول الحكومة إلى حكومة تصريف أعمال بتوافق الطرفين، خصوصا أن ولاية رئيس الجمهورية تنتهي بعد نحو شهرين، ومن هنا تواجه البلاد مخاطر الفراغ الرئاسي الذي ستملأه الحكومة.
وكانت علامات «الدخان الأبيض» ظهرت صباح أمس مع توجه رئيس الحكومة المكلف تمام سلام إلى القصر الجمهوري، حيث انضم إليهما لاحقا رئيس مجلس النواب نبيه بري، مما أشر قرب صدور مراسيم تشكيل الحكومة التي صدرت قرابة الواحدة بعد الظهر.
وألقى الرئيس سلام بيانا أكد فيه أن «حكومة المصلحة الوطنية الجامعة التي شكلت تتوافر فيها جميع العناصر الدستورية والميثاقية والقانونية والتمثيلية». وقال: «شكلت بروحية قادرة على خلق مناخات إيجابية لإحياء الحوار الوطني حول القضايا الخلافية برعاية فخامة رئيس الجمهورية، وقادرة على تأمين الأجواء اللازمة لإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، فضلا عن الدفع باتجاه إقرار قانون جديد للانتخابات التشريعية». وأعلن مد يده إلى جميع القيادات التي دعاها إلى «التنازل لصالح مشروع الدولة، والالتقاء حول الجوامع الوطنية المشتركة، ومعالجة الخلافات داخل المؤسسات الدستورية والالتفاف حول الجيش والقوى الأمنية وإبقائها بعيدة عن التجاذبات السياسية». وجاء في البيان: «لقد شكلت حكومة المصلحة الوطنية بروحية الجمع لا الفرقة، والتلاقي لا التحدي. هذه الروحية قادرة على خلق مناخات إيجابية لإحياء الحوار الوطني حول القضايا الخلافية برعاية فخامة رئيس الجمهورية، وقادرة على تأمين الأجواء اللازمة لإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، فضلا عن الدفع باتجاه إقرار قانون جديد للانتخابات التشريعية».

وفي نفس السياق؛ تمكّن رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام من إعلان تشكيلة حكومية تضم 24 وزيرا وفق قاعدة «الثمانات الثلاثة»، إذ نال كل من تحالفي 8 و14 آذار ثمانية حقائب وزارية، وحصدت الكتلة الوسطية، المتمثلة بسلام والرئيس اللبناني ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط، الحقائب الثمانية الأخرى.
وباستثناء حزب القوات اللبنانية، الذي اختار طوعا عدم المشاركة في أي تشكيلة حكومية يشارك فيها حزب الله، اعتراضا على قتاله إلى جانب القوات النظامية في سوريا، ضمت الحكومة ممثلين عن أبرز الكتل البرلمانية اللبنانية. لكن حكومة سلام لم تتضمن حضورا نسائيا فاعلا لتقتصر المشاركة على وزيرة واحدة هي وزيرة المهجرين القاضية أليس شبطيني، التي أدرج اسمها في الساعات الأخيرة على لائحة المرشحين للتوزير.
وإذا كانت الحكومة الأخيرة التي شكلها رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي في 13 يونيو (حزيران) 2011، أبصرت النور بعد تسوية تخللها تضحية رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري بمقعد وزاري محسوب على الطائفة الشيعية لصالح الطائفة السنية، شغله وزير الرياضة السابق فيصل كرامي، مما رفع حصة «السنّة» إلى سبعة وزراء مقابل خمسة للشيعة، فإن سلام أعاد التوازن الطائفي إلى الحكومة. بالأرقام، انقسمت مقاعد الحكومة الأربعة والعشرون مناصفة بين المسيحيين والمسلمين. وتمثلت كل من الطائفتين السنية والشيعية بخمسة مقاعد، فيما نالت الطائفة الدرزية مقعدين. ومسيحيا، ذهبت خمسة مقاعد إلى الموارنة وثلاثة إلى الأرثوذكس، في حين تمثل الكاثوليك بمقعدين، مقابل مقعد للأقليات وآخر للأرمن. وسياسيا، تمثل الرئيس اللبناني ميشال سليمان ضمن الحصة الوسطية بثلاثة وزراء، هم نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع الوطني سمير مقبل، ووزيرة المهجرين أليس شبطيني، ووزير الشباب والرياضة عبد المطلب حناوي. وحصد النائب وليد جنبلاط مقعدين وزاريين يشغلهما وزير الصحة العامة وائل أبو فاعور ووزير الزراعة أكرم شهيب، بينما بقي للرئيس سلام وزيران هما وزير البيئة محمد المشنوق ووزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس.
على صعيد قوى «14 آذار»، تمثل تيار المستقبل بأربعة وزراء هم وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، ووزير العدل أشرف ريفي، ووزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية نبيل دو فريج، إضافة إلى وزير السياحة ميشال فرعون، في حين حصد مستقلو «14 آذار» حقيبة الاتصالات التي يتولاها الوزير بطرس حرب.
ونال حزب الكتائب اللبنانية، الذي يتزعمه الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل، حصة الأسد الوزارية في الحكومة، بعد أن صبّ امتناع القوات عن المشاركة لصالحه. وتمثلت «الكتائب» بثلاثة وزراء في الحكومة هم وزير الإعلام رمزي جريج، ووزير الاقتصاد والتجارة آلان حكيم، ووزير العمل سجعان قزي، علما بأن كتلة الكتائب النيابية تضم خمسة نواب.
في المقابل، فاز تحالف 8 آذار بثمانية مقاعد وزارية، ذهب أربعة منها إلى تكتل التغيير والإصلاح، الذي يضم إلى جانب كتلة النائب ميشال عون، كلا من تيار المردة برئاسة النائب سليمان فرنجية، والحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب الطاشناق الأرمني. وتمثل تيار عون بوزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، والحزب القومي بوزير التربية والتعليم العالي إلياس أبو صعب، وهو مقرب من عون، في حين تمثل تيار المردة بوزير الثقافة روني عريجة وحزب الطاشناق بوزير الطاقة والمياه آرتور نظريان.
وتقاسمت الثنائية الشيعية المقاعد الأربعة الباقية، فنال حزب الله حقيبة الصناعة التي يتولاها الوزير حسين الحاج حسن، وشغل الوزير محمد فنيش منصب وزير الدولة لشؤون مجلس النواب. أما كتلة حركة أمل التي يرأسها بري، فقد حصدت حقيبتي الأشغال العامة والنقل، التي يتولاها الوزير غازي زعيتر وحقيبة المالية، التي يتولاها الوزير علي حسن خليل.
يُذكر أن تركيبة الحكومة الجديدة اعتمدت مبدأ المداورة في الحقائب، أي تحرير الحقائب من القيد الطائفي والمذهبيّ، باستثناء حقيبة نائب رئيس مجلس الوزراء، وفق ما أعلنه سلام في كلمته بعد تشكيل حكومته. وأوضح مكتبه الإعلامي في وقت لاحق أمس أن «المقصود بالاستثناء من المداورة هو حقيبة الدفاع التي بقيت خارج هذا المبدأ، باعتبار أن نائب رئيس مجلس الوزراء سمير مقبل الذي بات يتولاها (الدفاع) ينتمي إلى طائفة الروم الأرثوذكس التي ينتمي إليها وزير الدفاع السابق». وأفاد بأن «موقع نائب رئيس مجلس الوزراء الذي يعود إلى طائفة الروم الأرثوذكس ليس خاضعا لأي مداورة»، نظرا لكونه المنصب الأعلى الذي يمكن لأرثوذكسي الوصول إليه في لبنان.
وباستثناء حقيبة الدفاع، التي تعد سيادية، فإن مبدأ المداورة شمل الحقائب السيادية الثلاثة المتبقية، وهي الخارجية والداخلية والمالية. فانتقلت الأخيرة من الوزير السني محمد الصفدي (14 آذار) إلى الوزير الشيعي علي حسن خليل (8 آذار). وفي حين تسلم الوزير الماروني جبران باسيل (8 آذار) حقيبة الخارجية من الوزير الشيعي عدنان منصور (8 آذار)، وذهبت وزارة الداخلية إلى الوزير السني نهاد المشنوق (14 آذار) بعد أن كانت بيد الوزير الماروني السابق مروان شربل، المحسوب على الرئيس اللبناني.

هذا وقد خرقت «حكومة المصلحة الوطنية» ثلاثة أسماء يمكن وصفها بـ«الاستفزازية»، رغم إصرار رئيس الحكومة تمام سلام والأفرقاء السياسيين منذ بدء المباحثات على استبعاد شخصيات قد «تثير الحساسية» بالنسبة إلى أي فريق. وتتوزع هذه الشخصيات بانتمائها السياسي، بين أفرقاء الحكومة الثلاثة: قوى «14 آذار» و«8 آذار»، والوسطيين، أي الرئيس ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط. وتتمثل بـالمدير العام السابق للأمن الداخلي اللواء المتقاعد أشرف ريفي المحسوب على «تيار المستقبل»، ووزير الطاقة جبران باسيل المحسوب على تكتل النائب ميشال عون، إضافة إلى السيدة الوحيدة في التشكيلة الحكومية التي اختارها الرئيس اللبناني لتكون من حصته وهي رئيسة محكمة التمييز العسكرية أليس شبطيني.
ويتصدر ريفي قائمة الأسماء «الاستفزازية»، وهو الذي كان السبب المعلن في استقالة رئيس الحكومة السابقة نجيب ميقاتي في 22 مارس (آذار) 2013، إثر اعتراض فريق «8 آذار» على التمديد له في موقعه بعد بلوغه سن التقاعد القانوني. وكاد ريفي يطيح أيضا بحكومة سلام في اللحظة الأخيرة، بسبب وضع حزب الله «فيتو» على توليه وزارة الداخلية، قبل أن تنشط الجهود في الساعات الأخيرة على أكثر من خط، لتذليل هذه العقبة، وصولا إلى منحه «وزارة العدل» بعدما رفض وزارتي الشؤون الاجتماعية والعمل.
وتشير المعلومات إلى أن حزب الله الذي كان على علاقة مقبولة معه خلال فترة عمله في «الأمن الداخلي»، كان وعد ريفي، بتولي وزارة الداخلية، قبل أن تنقلب الأمور رأسا على عقب، بسبب تصريحاته المهاجمة لحزب الله في الفترة الأخيرة، على خلفية الاشتباكات في طرابلس، مسقط رأس ريفي. فتحول الوعد إلى «فيتو» أبعده من الوزارة التي كان يطمح إليها. ويعرف ريفي بخبرته الأمنية التي كان لها دور أساسي في التحقيقات بقضية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري التي أدت إلى اتهام خمسة أشخاص من حزب الله، إضافة إلى كشفه ما عرف بـ«شبكة الوزير السابق ميشال سماحة» التي كانت تخطط لتنفيذ عمليات أمنية في لبنان بالتنسيق مع شخصيات في النظام السوري.
واستبق ريفي أمس، إعلان التشكيلة النهائية للحكومة، بإصداره بيانا، رد فيه على حزب الله المعترض عليه ومتهما إياه بالتعطيل، قائلا: «أراد أن يجعل من حقيبة الداخلية عقدة التأليف، والحقيقة أنه هو عقدة كل البلد، وأنا لن أشارك في إعطائه فرصة الاستمتاع بلحظة العرقلة من جديد». وتوجه إلى الحريري بالقول: «لن أرضى أن أكون جزءا من المشكلة التي تواجه تأليف الحكومة»، مؤكدا أنه «يقف مع أي قرار يتخذه الحريري ويرى فيه مصلحة للبلاد».
واستكمالا لسلسلة الانتقادات التي لحقت وتلحق بريفي من قبل معارضيه، أعلن أمس المدير العام للأمن العام السابق اللواء جميل السيد، أحد الضباط الأربعة الذي سبق أن أوقفوا في قضية اغتيال الحريري، قطع علاقته التشاورية بفريق «8 آذار»، عادا أنه «ما من سبب مبدئي أو أخلاقي يبرر لهم التفريط في وزارة العدل تحديدا، لأن العدل والأمن توأمان بالنسبة للمجتمع، ولأن من يعد غير مؤهل للأمن فهو غير مؤهل للعدل كذلك، خصوصا أن الفريق نفسه كان قد عارض في الأمس القريب التمديد للواء أشرف ريفي كمدير عام لـ(الأمن الداخلي)».
من جهته، لا يقل وزير الطاقة والمياه السابق وصهر النائب ميشال عون، جبران باسيل، «استفزازا» بالنسبة إلى فريق «14 آذار»، لا سيما أنه يعد «المدلل» في «التيار الوطني الحر» والوزير الذي يرفض عون الاستغناء عنه، حتى إنه هدد بعدم تأليف حكومة ميقاتي السابقة إذا لم يكن باسيل وزيرا فيها. وسبق لباسيل أن ترشح للانتخابات النيابية في عامي 2005 و2009 عن دائرة الشمال - البترون، لكنه خسر أمام مرشحين من فريق «14 آذار». أما المعركة الكبرى التي خاضها عون، فكانت في الحكومة التي أبصرت النور أمس، بعدما كان اعترض على مبدأ المداورة في الحقائب بشكل عام والتنازل عن وزارة الطاقة التي يتولاها صهره بشكل خاص، الأمر الذي أدى إلى اتخاذ فريق «8 آذار» قراره مجتمعا بمقاطعة الحكومة أو الاستقالة منها في حال أقدم سلام على تأليفها. وبقيت هذه العقبة محور محادثات الأسبوعين الأخيرين إلى أن رضي عون بالتنازل عن «الطاقة» لصالح حليفه الأرمني «الطاشناق»، من دون أن يستغني عن باسيل، إنما هذه المرة في وزارة الخارجية. وللسيدة الوحيدة التي «زينت» الحكومة الذكورية، رئيسة محكمة التمييز العسكرية أليس شبطيني، المحسوبة على الرئيس سليمان، موقعها الاستفزازي بالنسبة إلى حزب الله. ويعود هذا الأمر إلى شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي عند اتخاذها قرار تخلية سبيل أربعة موقوفين في جرم التعامل مع إسرائيل مقابل كفالة مالية، مما أدى إلى شن حزب الله هجوما عليها، مطالبا بتنحيتها وبتحويل الملفات التي حكمت فيها للتفتيش القضائي. وفي حين حمل نائب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم القضاء، اللبناني مسؤولية عدم التهاون مع العملاء الإسرائيليين، عدت حينها قناة «المنار»، التابعة لحزب الله، أن أسباب إطلاق سراح هؤلاء مجهولة بقدر ما هي مشبوهة، سائلة عن دوافع ما أقدمت عليه القاضية شبطيني، ولمن تقدم شبطيني أوراق اعتمادها؟



رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
TT

رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

زار الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، يوم الجمعة، عاصمة إقليمية متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، وذلك في زيارة هي الأولى التي يُجريها رئيس في المنصب للمنطقة منذ نحو 50 عاماً.

تأتي الزيارة إلى لاسعانود، العاصمة الإدارية لمحافظة صول، في خِضم توترات تشهدها منطقة القرن الأفريقي، على خلفية اعتراف إسرائيل مؤخراً باستقلال جمهورية أرض الصومال المعلَنة من جانب واحد، وهو ما أثار حفيظة مقديشو.

وحضر محمود في لاسعانود مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

تضم ولاية شمال شرقي الصومال أجزاء من ثلاث محافظات صومالية هي صول وسناج وعين، وعاصمتها لاسعانود.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته لاسعانود لحضور مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

كانت جمهورية أرض الصومال الانفصالية تسيطر على لاسعانود منذ عام 2007، لكن قواتها اضطرت للانسحاب منها بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الصومالية وميليشيات مُوالية لمقديشو، خلّفت عشرات القتلى.

وقالت الرئاسة الصومالية إن زيارة محمود ترمز إلى تعزيز الوحدة والجهود التي تبذلها الحكومة الفيدرالية لتكريس وحدة أراضي الدولة الصومالية وشعبها.

وسارعت جمهورية أرض الصومال للرد، إذ قال وزير شؤون الرئاسة في الإقليم الانفصالي، خضر حسين عبدي، إن لاسعانود هي أرض الصومال، مشدّداً على وجود تصميم على حل الخلافات بالحوار والوسائل السلمية.

وشدّد على أن الاعتراف بأرض الصومال أصبح، الآن، «واقعاً»، وعَدَّ أن «أحداً لا يمكنه تغيير ذلك».

Your Premium trial has ended


انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني، وترحيب واشنطن، وعدم ممانعة رسمية إسرائيلية بعد تحفظات سابقة.

وجاء الاجتماع الأول بعد ساعات من قتل إسرائيل 8 فلسطينيين، واتهام «حماس» لها بـ«تخريب الاتفاق»، وهو ما يجعل خبراء «إزاء تفاؤل حذر بمسار الاتفاق، في ضوء تلك المتغيرات واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية». وشددوا على «أهمية موقف أميركي حاسم لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية التي بدأت بتشكيل لجنة إدارة القطاع، وتشهد عقبات رئيسية منها إدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح (حماس)».

وتحدثت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن بدء أول اجتماع تعقده اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، في العاصمة المصرية، برئاسة الفلسطيني علي شعث.

وفي أول ظهور إعلامي له، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، إن اللجنة بدأت رسمياً أعمالها من العاصمة المصرية، وهي مكونة من 15 شخصية فلسطينية مهنية وطنية. ولفت إلى أن اللجنة تلقت دعماً مالياً، ووُضعت لها موازنة لمدة عامين هي عمر عمل اللجنة، وطالب بإنشاء صندوق في البنك الدولي لإعمار وإغاثة غزة، مشيراً إلى أن «هناك وعوداً من الدول الوازنة في المنطقة، لتقديم دعم مالي كبير وملموس».

وأوضح شعث أن خطة الإغاثة تستند إلى الخطة المصرية التي أقرّتها جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2025، (وتستغرق 5 سنوات بتكلفة نحو 53 مليار دولار)، ولقيت ترحيباً من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن «أول خطوة تبنتها لجنة إدارة قطاع غزة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع للقطاع».

وفي حين قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها جاهزة لتسليم القطاع لإدارة التكنوقراط، ونبهت، في بيان، إلى أن «المجازر» التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بغزة باستهداف 9 فلسطينيين بينهم سيدة وطفلة جراء غارات وإطلاق نيران صوب خيام النازحين، تؤكد استمرار تل أبيب في «سياسة تخريب اتفاق وقف الحرب، وتعطيل الجهود المعلنة لتثبيت الهدوء في القطاع».

ولفتت إلى أن تلك المجازر «تصعيد خطير» يأتي مع «إعلان الوسطاء تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق (في بيان الأربعاء)، وكذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تشكيل مجلس السلام»، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالوقوف أمام مسؤولياتها في ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وإلزامها بما جرى الاتفاق عليه.

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

والخميس، أعلن ترمب، تأسيس «مجلس السلام» المعني بغزة، مشيراً إلى أنه تم الدخول رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. بينما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الخميس، إن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً، منذ سريان الاتفاق.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن انطلاق عمل اللجنة مهم للغاية، ويعدّ إنهاءً لإحدى ذرائع إسرائيل بشأن وجود «حماس»، خصوصاً أن اللجنة تكنوقراط ومحل توافق، لافتاً إلى أنه رغم إبطال إنهاء تلك الذرائع وإنهاء «حماس» لسلطتها السياسية، فإنه يجب التعامل بحذر مع تطورات المشهد الذي يجب أن يُستكمَل بقوات الاستقرار وشرطة فلسطينية حال لم توجد عراقيل إسرائيلية جديدة.

وفي ضوء ذلك، يبدي المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً حذراً أيضاً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تحديات كبيرة تواجهها اللجنة، خصوصاً أنها تدير منطقة مدمرة كلياً، وأمامها تعقيدات إسرائيلية مرتبطة بسلاح المقاومة، ورفض الإعمار الكامل والانسحاب.

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في المقابل، هناك جهود لا تزال مستمرة من الوسطاء، وتلقّى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب.

وشهد الاتصال الهاتفي بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» الجمعة، «التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب إعلان تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار».

حسن أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري مهم، ويواصل حرصه على استكمال الاتفاق وعدم عرقلته من جانب إسرائيل، خصوصاً أن فتح معبر رفح لم يتم من المرحلة الأولى ويتواصل التلكؤ في نشر قوات الاستقرار التي ستشرف على المعابر، مشدداً على أن واشنطن ستحاول أن تستكمل الاتفاق؛ حرصاً على مصداقيتها ألا تُفقَد.

في حين يعتقد الرقب أن أي تقدم في المرحلة الثانية وعدم تكرار جمود المرحلة الأولى، يتوقف على الدعم الأميركي لإنجاز استكمال الاتفاق، خصوصاً انسحاب إسرائيل وليس فقط نزع السلاح.


وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.