جوائز «إيمي»: «لعبة الحبّار» تنقذ نتفليكس

السطوة لمنصة HBO الفائزة برهانها على مسلسل «ساكسيشن»

فريق «ساكسيشن» مسلسل الدراما الفائز بجائزة «إيمي» (أ.ب)
فريق «ساكسيشن» مسلسل الدراما الفائز بجائزة «إيمي» (أ.ب)
TT

جوائز «إيمي»: «لعبة الحبّار» تنقذ نتفليكس

فريق «ساكسيشن» مسلسل الدراما الفائز بجائزة «إيمي» (أ.ب)
فريق «ساكسيشن» مسلسل الدراما الفائز بجائزة «إيمي» (أ.ب)

بلغت «جوائز إيمي» التلفزيونية عامها الـ74، لكنها موسماً تلو الآخر، تزداد بريقاً في عالم صناعة الترفيه. فمنذ تحوّلت منصات بث المسلسلات إلى بديلٍ عن قنوات التلفزة، وبدأت تنافس السينما بقوّة، اتّجهت الأنظار أكثر إلى تلك الاحتفاليّة. صارت ليلة الـ«إيمي» تكاد توازي ليلة الـ«أوسكار» رواجاً وأهميةً.
بعد عامَين اقتصرت خلالهما الحفلة على القليل بسبب جائحة كورونا، امتدّت السجادة الحمراء في بهو مسرح «مايكروسوفت» في لوس أنجليس، حيث تلاقى النجوم في قاعةٍ مغلقة ومن دون كمامات هذه المرة. استعرضوا أزياءهم التي خلت كلياً من الغرائب والطرائف على غير عادة، قبل أن ينتقلوا إلى حصاد الموسم التلفزيوني 2022.

ضيف الحفل الفنان جون ليجند وزوجته كريسي تيغن (أ ب)

هي 25 جائزة بالتمام تتنافس عليها عشرات الأعمال التلفزيونية، أو كما قالت الإعلامية العالمية أوبرا وينفري التي أطلّت في بداية الحفلة: «هناك 8 مليارات شخص على هذا الكوكب و25 إيمي فقط تُمنح الليلة. حظوظكم في الفوز هي: 1 على 300 مليون. فكيف تربحون جائزة إذاً؟ الأمر يبدأ بحُلم».
في رأس جيسي أرمسترونغ، انطلقت الرحلة كحلمٍ صغيرٍ فعلاً. ففي عام 2018، عندما ابتدعَ المؤلّف والمنتج البريطاني مسلسل «ساكسيشن» Succession، لم يكن يتوقّع أن تمتدّ الحكاية 4 مواسم وأن تحصد عشرات الجوائز. غير أنّ المشاهدين والنقّاد رأوا في المسلسل الدراميّ ما يستحقّ المشاهدة والمكافأة.
وقف أرمسترونغ وفريق المسلسل ليتسلّموا جائزة أفضل عمل تلفزيوني درامي، ففرض موضوع الخلافة نفسه على كلمة الشُكر. أرمسترونغ ابنُ المملكة المتّحدة، وفي مسلسله الناقد والساخر يروي كثيرا عن العائلات والإرث والخلافة. قال معلّقاً على التطوّرات البريطانية: «لعب التصويت دوراً أكبر في فوزنا ممّا فعل مع الأمير تشارلز».


مؤلّف مسلسل "ساكسيشن" خلال تسلّمه جائزة إيمي (رويترز)

«ساكسيشن» الذي فاز كذلك عن فئتَي أفضل سيناريو دراميّ وأفضل ممثل في دور مساعد لماثيو ماكفايدن، نافسَه على ضفّة الكوميديا مسلسل «تيد لاسو» الذي حصد 4 جوائز هي: أفضل عمل كوميدي، وأفضل ممثلَين أساسي ومساعد لكلٍ من جايسن سودايكيس وبريت غولدستاين، وأفضل إخراج كوميدي ل إم جاي دلايني.

الدراما في جعبة منصة HBO هذا العام والكوميديا من حصة Apple TV+، أما «نتفليكس» فكادت تخرج من الـ«إيمي» خالية الوفاض لو لم تنقذها «لعبة الحبّار» Squid Game. إذ فاز بجائزة أفضل ممثل بطل المسلسل الكوريّ لي جونغ جاي، كما حصد العمل جائزة أفضل إخراج تلفزيوني لهوانغ دونغ هيوك.

بطل مسلسل "لعبة الحبّار" لي جونغ جاي (أ ب)

جائزة ثالثة وأخيرة أُضيفت إلى مجموعة نتفليكس، فحصلت عليها جوليا غارنر عن أدائها بدور مساعد في مسلسل «أوزارك». وفي مقارنةٍ بالأرقام، فقد نالت أعمال HBO 11 جائزة، فيما اكتفت نتفليكس بـ3، وتمركزت بين المنصتَين كلٌ من «ديزني» و«آبل».
لم يمرّ حضور نتفليكس الخجول من دون تعليقاتٍ تولّاها مقدّم الحفلة الممثل الكوميدي الأميركي كينان ثومبسون، الذي علّق ساخراً على الصعوبات المالية التي تواجه المنصة الأشهر عالمياً مؤخراً. في أول تعليقٍ قال: «مسلسل (لعبة الحبّار) هو عن أشخاص يشاركون في مباراة بهدف التخلّص من ديونهم الماليّة، لذلك فإنّ الموسم المقبل منه سيضمّ نتفليكس إلى المتبارين». ثم أَلحقَ تلك النكتة اللاذعة التي لم تَخلُ من القسوة، بأخرى أقسى منها قائلاً: «سوف أتبرّع بأجري من هذا الحفل لنتفليكس».
لكن سرعان ما دخلت دمية Squid Game إلى المسرح لتخفّف من وطأة تلك التعليقات، ولتذكّر الجميع بأنّ اللعبة التلفزيونية تتحكّم بها مواسم: موسمٌ للخسارة يليه آخر للفوز. أما مصائر المنصات فيحرّكها المحتوى الذي تقدّمه، وقد تميّزت HBO بمحتواها هذا الموسم. فثاني أكبر الفائزين بعد مسلسل «ساكسيشن»، كان «وايت لوتس» White Lotus وهو أيضاً من أعمال المنصة. حصد المسلسل 5 جوائز كتابةً وإخراجاً وتمثيلاً، وهو يتطرّق إلى حياة مجموعة من الأثرياء المحظيين خلال إقامتهم في منتجع سياحي في جزيرة هاواي.

دمية "لعبة الحبّار" على مسرح جوائز "إيمي" التلفزيونية (أ ب)

وبالحديث عن المحظيين، فقد أثبتت مغنّية الراب الأميركية ليزو أنّها من الفنانين الأكثر حظاً هذا العام. فبعد أن حصلت على جائزة الـMTV الموسيقية قبل أسبوعين، ها هي تُكافأ على برنامجها التلفزيوني الذي بثّته منصة «أمازون برايم». والبرنامج عبارة عن مباراة بين 13 سيّدة من صاحبات المقاسات الكبيرة، يتنافسن على الانضمام إلى فريق الرقص الخاص بليزو.
وكما في كل تكريم، تتميّز ليزو بخطاباتها المؤثّرة. وفي وقفتها على مسرح «إيمي» قالت: «عندما كنت طفلة، كان كل ما أريد أن أرى نفسي في الإعلام. أن أرى أحداً يشبهني، أحداً سميناً مثلي، أسود مثلي، جميلاً مثلي. لو كان بوسعي العودة إلى تلك اللحظة والتحدّث إلى ليزو الصغيرة، لقلتُ لها: سوف ترين ذاك الشخص، وسوف يكون أنتِ».

الفنانة الأميركية ليزو (أ ب)

الجمهور الحاضر الذي تلقّف كلام ليزو بتأثّر، صفّق طويلاً كذلك للممثلة شيريل لي رالف الفائزة عن فئة أفضل دور كوميدي مساعد في مسلسل «آبوت إيليمنتاري» Abbott Elementary. رالف ثاني امرأة من صاحبات البشرة السوداء والتي تفوز بجائزة «إيمي» في سنتها الـ65، بدت فخورةً جداً بهذا الإنجاز وقد ترجمت مشاعرها غناءً. ثم توجّهت إلى المتفرّجين صارخةً: «لكل من حلم يوماً وظنّ أن حلمه لن يتحقّق، أنا هنا لأثبت العكس ولأقول لكم: لا تتخلّوا عن أنفسكم أبداً».

كان فائض المشاعر كذلك على الموعد في كلمة الفنانة الأميركية زيندايا، التي فازت بجائزة أفضل ممثلة عن فئة الدراما لأدائها في مسلسل «يوفوريا» Euphoria والذي تعرضه منصة HBO. المسلسل الذي يروي يوميات طلّاب ثانويين وصراعهم مع المخدّرات والعنف، حصد شعبيةً كبيرة وقد تمنّت الممثلة أن يكون العمل قد ساعد في شفاء الناس. وأضافت أنها ممتنّة للقصص التي شاركها إياها المشاهدون وأنها تحملها في قلبها.

الفنانة زيندايا خلال تلقّيها جائزة "إيمي" عن فئة أفضل ممثلة في الدراما التلفزيونية (رويترز)

أما حكايات الممثلين الذين غادروا الشاشة مؤخراً، فقد اختصرها ضيف الحفل المغنّي جون ليجند. جالساً إلى البيانو، قدّم الفنان الأميركي إحدى أغانيه الجديدة كتحيّة لأرواحهم، فيما صدح في الخلفيّة صوت الممثلة الراحلة بيتي وايت التي ردّت التحيّة نيابةً عن كل زملائها الذين فارقوا الحياة.

 


مقالات ذات صلة

«هاري بوتر»... مسلسل تلفزيوني عبر خدمة «ماكس»

يوميات الشرق «هاري بوتر»... مسلسل تلفزيوني عبر خدمة «ماكس»

«هاري بوتر»... مسلسل تلفزيوني عبر خدمة «ماكس»

من المقرر عرض حلقات مسلسل «هاري بوتر» عبر خدمة «ماكس» للبث المباشر، المعروفة سابقاً باسم «إتش بي أو ماكس». أعلن الرئيس التنفيذي لشركة «وارنر بروس ديسكفري»، ديفيد زاسلاف، إطلاق خدمة جديدة، تجمع قنوات «إتش بي أو ماكس» و«ديسكفري»، و«سلسلة تينتبول» المستوحاة من قصص جي كي رولينغ، وذلك خلال عرض تقديمي جرى الأربعاء، وفقاً لمجلة «هوليود ريبورتر» الرقمية، وفق موقع صحيفة «الغارديان» البريطانية. استغرق إنتاج سلسلة الأفلام الحية المستوحاة من الكتب السبعة التي نُشرت خلال الفترة ما بين عامي 1997 و2007، «عقداً كاملاً أنتجت خلاله بالحرفية الملحمية نفسها، وعاطفة الحب والاهتمام التي اشتهر بها هذا العمل الحصري ا

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق دراما رمضان تُعيد الاهتمام بأحياء القاهرة القديمة

دراما رمضان تُعيد الاهتمام بأحياء القاهرة القديمة

ظهرت أحياء القاهرة القديمة والتاريخية بشكل «لافت» خلال موسم دراما رمضان، حيث استعان بها صُناع الدراما داخل سياقات أعمالهم المكانية والتاريخية، وتم تسليط الضوء على ملامحها التراثية الجمالية. وتُطل مدينة الفسطاط كخلفية لأحداث مسلسل «رسالة الإمام» للفنان خالد النبوي، وهي المدينة التي استقر بها الإمام الشافعي في مصر، وتعد أقدم العواصم الإسلامية.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق تترات مسلسلات رمضان في صدارة الاستماعات

تترات مسلسلات رمضان في صدارة الاستماعات

لكل مسلسل أغنيته. هذا هو التقليد المتعارف عليه والمرافق للإنتاجات التلفزيونية خلال الشهر الكريم. ورغم أن هذه السنة شهدت انكفاء لأسماء كبيرة عُرفت بتقديم شارات المسلسلات، إلا أن التترات الجديدة تصدّرت الاستماعات في مختلف الدول العربية، بأصوات فنانين بعضهم يخوض التجربة للمرة الأولى. وإلى جانب تترات المسلسلات، تميّز هذا الشهر كذلك عدد من الأعمال الموسيقية التي قدّمها كبار نجوم الأغنية في إطار إعلاني. * «أنا قادر» أحمد سعد وهشام الجخ يمكن اعتبار الفنان المصري أحمد سعد الصوت الرسمي لمسلسل «جعفر العمدة» من بطولة محمد رمضان.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق المسلسلات القصيرة رهان دراما رمضان 2023 في مصر

المسلسلات القصيرة رهان دراما رمضان 2023 في مصر

تراهن الدراما المصرية في موسم رمضان 2023 على المسلسلات القصيرة المكونة من 15 حلقة و10 حلقات، من بينها «حرب» لأحمد السقا، و«جت سليمة» لدنيا سمير غانم، و«مذكرات زوج»، و«تحت الوصاية» لمنى زكي، و«كامل العدد» لدينا الشربيني، و«علاقة مشروعة» لياسر جلال، و«تغيير جو» لمنة شلبي، ووفق متابعين فإن هذه الأعمال باتت تجتذب النجوم والمخرجين والمنتجين، باعتبارها الأسهل تسويقاً وإنتاجاً وتكلفة. ولا يقتصر التنوع في موسم دراما رمضان هذا العام على عدد الحلقات، بل يمتد إلى القضايا التي تطرحها المسلسلات بين الموضوعات الوطنية والسياسية والاجتماعية والكوميدية والدينية وقضايا المرأة، في وجبة درامية دسمة تستحوذ الشركة

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق فنانون مصريون يتخلّون عن الكوميديا لأول مرة في دراما رمضان

فنانون مصريون يتخلّون عن الكوميديا لأول مرة في دراما رمضان

تخلّى فنانون مصريون عن الكوميديا لأول مرة في موسم دراما رمضان، أبرزهم أحمد عيد، وأحمد فهمي، وأحمد رزق. يبتعد الفنان المصري أحمد عيد، خلال دوره بمسلسل «عملة نادرة» مع الفنانة نيللي كريم، عن الكوميديا.

داليا ماهر (القاهرة)

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)
اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)
TT

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)
اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)

يضع مارون الحكيم في معرضه «غابة الحرّية» («ريبيرث بيروت»)، المُتلقّي أمام تجربة تشكيلية تُبنَى تدريجياً حول مفهوم الحرّية كما يصوغه في لوحاته. المُتأمِّل في اللوحات يُدرك أنّ الحرّية فعل يوميّ يتجدَّد وقرار يُصاغ مع كلّ ضربة فرشاة، وربما طريق يعبُر الطبيعة والمدينة والجسد والذاكرة.

يتشكّل فضاء يحتفي بالحياة ويترك للعين اكتشاف مساراتها الخاصة (الشرق الأوسط)

منذ الانطباع الأول، تستوقف المُتلقّي اندفاعة لونية كثيفة. فالرشقات متعدِّدة الطبقات، والبقع سميكة تُشبه انكسارات ضوء، والمساحات تتبدَّل بين الضبابيّ واللامع. هذا الأثر التقني جزء من بناء المعنى. فالنصّ الفرنسي المُرافق لكاتالوغ المعرض يقرأ كلّ ضربة فرشاة على أنها قرار يَفتح ممرّاً غير متوقَّع داخل مساحة لم تكن موجودة قبل الفنان، ويقترح أنَّ ما يظهر على القماش هو ولادة حرّية مُمكنة في كلّ مرّة. تتقاطع الفكرة مع ما يكتبه مارون الحكيم في نصّه العربي عن اللون الذي يراه «سليل الضوء» وروح اللحظة، وعن الانفعال وهو دافع أوليّ يُخرج العمل من إطار الحرفة إلى منطقة الحياة بتقلّباتها.

التكوين يولد من توازن دقيق بين الصرامة والانفتاح (الشرق الأوسط)

تقود الطبيعة المشهد من دون أن تُختَزل في منظريّة تقليدية. عناوين مثل «رياض الألوان»، «تنهدات التراب»، «استراح الظلّ، انهمر النور»، «غيمة تمتلئ سرّاً بالمطر»، «سرير الغيوم»، و«موج الزبد الملوّن»... تُقيم قاموساً يُجاور الحسّ الشاعري مع حسّ رصين في بناء الصورة. اللوحات تؤكد هذه الروح عبر حقول تشتعل بنقاط لونية، وطبقات من الأزرق والذهب تتحرَّك بخفَّة مُتموِّجة، وبقع خضراء وحمراء تتدلَّى على السطح مثل أوراق رطبة أو ثمار لا تبحث عن شكل نهائي. الطبيعة عند مارون الحكيم تقيم داخل اللوحة كأنها قوة مولَّدة تُعطي المعنى من جوهر اللون وتمنح التكوين طبقات دلالية تتجاوز المشهد الظاهر.

إلى جانب هذا المسار، تظهر المدينة مثل جرح مستمرّ ومحاولة مستمرّة أيضاً. أعمال مثل «المدينة الصابرة»، «حرّاس المدينة الجريحة»، «المدينة المهدّمة»، «أهوال تعصف بهذه الأرض»... تستحضر الواقع اللبناني داخل البنية البصرية من دون أن تُفقد العمل توازنه الفنّي. الحكيم يكتب عن الخوف الناتج عن عدم الاستقرار والحروب، وعن صبر وتحدٍّ وإيمان يواجه المصاعب. هذه المفردات تتجلّى بصرياً عبر كتل مُتكسّرة وخطوط تحمل أثر عمران متداعٍ، ثم تعود الحياة إلى السطح عبر نقاط لونية تشقُّ العتمة. اللوحات تظهر المدينة مثل مربَّعات متراصّة داخل إطار حادّ، وفوقها مساحة صفراء كبيرة تُشبه شمساً قريبة أو سقفاً من نور، كأنَّ اللوحة تقترح عمارةً جديدة داخل المُخيّلة قبل أن تتكرَّس على الأرض.

حضور الجسد الإنساني، وخصوصاً الأنثوي، يفتح محوراً ثالثاً في «غابة الحرّية». أعمال «ولادة حوّاء»، «جنّة عدن»، «دوّامة الحبّ والحرّية»، و«أجساد تكتب قصائدها»... تضع المرأة في مركز الفضاء وتُصوّرها طاقة بدء وتجدُّد. يُصرِّح مارون الحكيم بأنّ الجسد الإنساني لديه حقيقة مُطلقة ورمز للبراءة الأولى، بعيداً عن سياقه الاجتماعي المباشر وقريباً من أصله الأسطوري الأول. في إحدى اللوحات، تبدو الأجساد ظلالاً واقفة تحت غابة من الألوان، تتلقَّى المطر اللونيّ ولا تذوب فيه، كأنَّ الجسد يتعلَّم كيف يحيا داخل الفَيْض ويحفظ حدوده من غير انغلاق.

الضوء عبر الطبقات يمنح السطح عمقاً يتجاوز النظر الأول (الشرق الأوسط)

الغابة في المعرض مساحة كثيفة تلتقي فيها الطبقات والآثار، وتتقاطع فيها الرغبة مع الخوف والذاكرة مع التطلُّع. لهذا تظهر عناوين مثل «مهرجان الضوء والماء»، «أحيك أريج الألوان»، «إبحار في وساعة الحلم»، و«فرح لا يعرف الاختباء»... علامات على فلسفة قوامها الانفعال والتخيُّل الذي هو «البصمة الشخصية» للعمل. التخيُّل عند مارون الحكيم تقنيّة ووعي وإتقان، يمرّ عبر التحكُّم بالسطح وبالصدمة البصرية وبالإيقاع الداخلي للنقاط واللطخات.

طبقات من اللون تتقدّم بثقة كأنَّ كلّ ضربة فرشاة أثرُ قرار لا رجعة فيه (الشرق الأوسط)

دعم الدكتور طوني كرم للمعرض ينعكس في نصّ إنجليزي يُقدّم الحكيم ركناً من أركان الفنّ اللبناني، مع تركيز على البُعدين النفسي والعاطفي في عمله، وانتقاله بين التصوير والنحت وبين المجاز والتجريد. هذه القراءة تلائم ما يقترحه المعرض الذي يتحرَّك على محور داخلي - خارجي يتقدَّم عبره الجسد بثقله الرمزي، وتنشغل المدينة بإعادة بنائها، وتضبط الطبيعة الإيقاع وتخفّف الاضطراب، فتتَّضح فكرة الهدنة التي يُسمّيها الفنان شرطاً للخلق، وتتراءى على هيئة لحظة سكينة ضرورية لتمتدَّ اليد نحو ما عاشته من حزن وقلق، ثم تعود لتلبس التجربة رداءها النهائي المبني على المعرفة والوعي الفنّي.

علامات تتراكم ثم تتراجع في حركة تُشبه إعادة التفكير في المعنى (الشرق الأوسط)

المعرض يُقدّم الحرّية على أنها شيء يُصنع ويُستعاد ويُجرَّب مرّة تلو مرّة. حرّية تخرج من اللوحة لتضع المتلقّي أمام تساؤل مارون الحكيم القديم المتجدِّد: «ما الفرح؟ ما المعاناة؟»، ثم تتركه يمشي داخل الجواب.


«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)
TT

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفلبيني بي. آر. مونينسيلو باتيندول إن فيلمه الروائي الطويل الأول «كبرتُ بوصةً عندما مات أبي» يخرج من رحم سؤالٍ إنساني بسيط، لكنه موجع، وهو: ماذا يتبقى للأطفال حين يفقدون آباءهم؟ موضحاً أن العمل لا ينشغل بواقعة القتل في حد ذاتها، بقدر ما يتأمل أثرها العميق في نفسَي شقيقين يجدان نفسيهما فجأة أمام فقدٍ معقَّد، وحرية ملتبسة، وصداقة تبدو مستحيلة ظاهرياً مع ابن قاتل والدهما.

وحصد الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «روتردام السينمائي»، جائزة نتباك (NETPAC)، التي تُمنح لأفضل فيلم روائي طويل من منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وقال باتيندول لـ«الشرق الأوسط» إن فيلمه لم يبدأ حلماً بصناعة فيلم عن جريمة، بل بدأ سؤالاً بسيطاً عن الصداقة، وعن قدرة الأطفال على تجاوز ما يعجز الكبار عن احتماله، لافتاً إلى أن «الفكرة وُلدت خلال تصوير فيلمي القصير السابق حين عدت إلى بلدتي في جزيرة ليتي بعد غياب يقارب العقدين، مدفوعاً برغبة في إعادة اكتشاف المكان الذي خرجت منه شاباً».

وأوضح أنه خلال جائحة «كورونا» كان عالقاً بين فترات الإغلاق في مانيلا، فبدأ يختبر كاميرا هاتفه المحمول، مصوِّراً تفاصيل يومية في شقته لأنه كان يعرف في داخله أنه إذا عاد إلى المقاطعة فلن يملك سوى هذا الهاتف كأداة للتصوير، مشيراً إلى أنه في عام 2021 قرر العودة فعلاً، لكنه وجد نفسه غريباً في مكانه الأول، لا يعرف الناس ولا يعرفونه، فاستعان بوالديه لجمع بعض شباب القرية الذين لديهم فضول تجاه السينما.

المخرج الفلبيني بي. آر. مونينسيلو باتيندول (الشرق الأوسط)

وقال إن «الفريق بدأ بخمسة فقط، يخرجون يومياً ساعتين أو أربع ساعات إلى ضفة النهر، ينتظرون الغروب، يتسلقون سفح الجبل، من دون سيناريو مكتوب، فقط فكرة عامة وإيمان بأن الشرارة ستأتي»، لافتاً إلى أن الشرارة جاءت مصادفة، حين لاحظ بعض أفراد فريقه يضايقون صبياً كان يسبح في النهر. وعندما سأل عن السبب، قيل له إن الطفل هو ابن رجل قتل رجلاً آخر في شجارٍ بين أبَوين مخمورين أثناء الجائحة.

وتابع: «ما أثار دهشتي أن ابن القتيل كان يلعب في المكان نفسه، وأن الصبيين بقيا صديقين رغم الدم الذي يفصل بين عائلتيهما»، مشيراً إلى أن هذا المشهد ظل يطارده، وتساءل كيف يمكن للصداقة أن تصمد وسط هذا الإرث من العنف؟ ومن هنا، كما أكد، «بدأ الفيلم ينمو».

ولفت المخرج الفلبيني إلى أنه لم يكن مهتماً بإعادة تمثيل الجريمة، بل بتصوير ما بعدها: الصمت، والغضب، والحيرة، والشعور بالذنب الذي قد يحمله الأبناء عن آبائهم، لافتاً إلى أنه تعمَّد ألا يقترب من القصة الحقيقية مباشرة احتراماً لأصحابها، بل خلق حكاية مستقلة تنبع من السؤال نفسه.

وعن طريقة العمل، أوضح أنه كان صانع الأفلام المحترف الوحيد في الموقع، وأن جميع الممثلين وأفراد الطاقم تقريباً من أبناء بلدته، وأنهم لم يعملوا وفق نظام تصوير تقليدي، بل اعتمدوا على اللعب والتجريب، من دون ضغط لإنهاء عدد محدد من المشاهد يومياً. مؤكداً أن غياب الضغط جعله لا يشعر بتحديات بالمعنى المعتاد، لأنهم لم يكونوا يسابقون الوقت أو السوق، بل ينتظرون اللحظة الصادقة.

صور المخرج الفيلم في مسقط رأسه (الشركة المنتجة)

وعن الصعوبات التي واجهوها، قال: «أصعب ما واجهنا كان تقلبات الطقس المفاجئة، التي كانت تربك استمرارية الإضاءة، لكنني كنت أفضّل التوقف والانتظار حفاظاً على سلامة الفريق، خصوصاً الأطفال»، موضحاً أنه في أحيان كثيرة كان يسمح لهم باللعب تحت المطر أو السباحة، ثم يحوِّل تلك اللحظات العفوية إلى مادة بصرية داخل الفيلم، لأن روح العمل، كما قال، قائمة على الحرية.

وعن اختيار الممثلين، قال إنه فكَّر أولاً في توأمين لأداء دوري الشقيقين، لكنه لم يجد من يوافق، فتذكر طفلاً شاهده سابقاً يلعب تحت المطر في النهر، ورغم صغر سنه تحمس لاختياره، ثم انضم قريبُه وصديقه إلى المشروع، ليتحول الفيلم إلى مبادرة مجتمعية حقيقية.

وفيما يخص صناعة السينما المستقلة في الفلبين، أقرَّ بأنها شاقة، موضحاً أن «الحصول على تمويل ليس أمراً سهلاً في ظل محدودية المنح وكثرة صناع الأفلام، ومن ثم أنتجنا الفيلم على نفقتي الخاصة بمساعدة من والدي قبل أن أحصل لاحقاً على دعم في مرحلة ما بعد الإنتاج».

وعن مشاركة الفيلم في مهرجان «تورونتو»، قال المخرج الفلبيني إنه لم يكن يتوقع الاختيار بعد تلقيه اعتذارات عِدَّة من مهرجانات أخرى، مما جعل رسالة القبول من المهرجان أول خبر سار يصله بعد أشهر من الانتظار، لدرجة أنه تأثر بشدة حتى دمعت عيناه، مؤكداً أن الفوز بجائزة «نتباك» منحه وفريقه ثقة بأن هذا النوع من السينما الشخصية يمكن أن يجد صدى عالمياً.


«السيرة الهلالية» تغزو مترو القاهرة في رمضان

الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
TT

«السيرة الهلالية» تغزو مترو القاهرة في رمضان

الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)

في خطوة تهدف إلى دمج الفن في الفضاءات العامة بمصر، أطلقت وزارة الثقافة مبادرة لتقديم الفنون في الأماكن العامة، كان من أبرز فعالياتها عروض حية للسيرة الهلالية في مترو الأنفاق بالقاهرة، والتي شهدت تفاعلاً جماهيرياً واسعاً وردود فعل كبيرة على منصات التواصل الاجتماعي.

انطلقت العروض، يوم الثلاثاء، في محطة مترو جمال عبد الناصر (وسط القاهرة)، وأعادت أجواء السامر الشعبي إلى قلب العاصمة؛ حيث لاقت صورها ومقاطع الفيديو التي تُظهر مقاطع من السيرة الهلالية مصحوبة بعزف حي على الربابة تداولاً وتفاعلاً واسعاً.

وتداول عدد من رواد المنصات الرقمية مقاطع فيديو وصوراً من الفعالية، مشيدين بالفكرة، ومؤكدين أن مثل هذه المبادرات تقرّب التراث من الناس، وتتيح لهم فرصة التعرف على أحد أبرز عناصر الهوية الثقافية المصرية، وفق بيان لوزارة الثقافة.

وأكدت وزيرة الثقافة، جيهان زكي، أن هذه الفعاليات ضمن خطة يجري تنفيذها بالتعاون مع وزارة النقل وعدد من الجهات المعنية لنقل الفنون إلى مساحات الحياة اليومية، معربة عن سعادتها بالتفاعل الجماهيري مع الفعاليات، وموجهة الشكر لكل الداعمين للمبادرة، وعلى رأسهم وزارة النقل والهيئة القومية لمترو الأنفاق.

عروض السيرة الهلالية شهدت إقبالاً جماهيرياً في المترو (وزارة الثقافة)

وترى الدكتورة الشيماء الصعيدي، مدير «أطلس المأثورات الشعبية المصرية»، أن «عروض السيرة الهلالية في مترو الأنفاق خطوة مهمة لاستعادة فكرة الثقافة الجماهيرية»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «مهمة الثقافة الحقيقية أن تذهب للجمهور في مكانه؛ في عمله أو في الشارع أو في وسائل المواصلات، وعروض المترو تحقق هذا الأمر».

ولفتت إلى أهمية الفعاليات الفنية المشابهة، موضحة أن «تقديم هذه الفنون المصرية الأصيلة في وسائل المواصلات والمترو والشارع من شأنه أن يزيد الوعي ويُحقق قيمة الثقافة بوصفها قوى ناعمة قادرة على تغيير عدد من الأنماط السلبية والارتقاء بذوق المجتمع».

وكانت منظمة «اليونيسكو» قد ضمنت السيرة الهلالية لقائمة التراث الإنساني غير المادي عام 2006، وتم إنشاء متحف للسيرة الهلالية تحت اسم «متحف ومركز الأبنودي للسيرة الهلالية»، بوصفه أول متحف متخصص في مصر لتوثيق التراث الشفاهي لملحمة السيرة الهلالية، أسسه الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي عام 2015 في مسقط رأسه بقرية أبنود بمحافظة قنا. ويضم المتحف مقتنيات نادرة، من بينها أشرطة تسجيل لكبار الرواة.

وبينما يرحب الباحث في الفنون والأدب الشعبي بأكاديمية الفنون، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، بالفكرة، عادّاً إياها مهمة وتحمل جانباً إيجابياً يتمثل في «إيصال السيرة إلى الناس من خلال الذهاب إليهم بدل انتظار قدومهم، وهو أمر جوهري للحفاظ على السيرة الهلالية، التي تعد السيرة الوحيدة التي ما زال لها رواة شفاهيون أحياء»، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط»، لكنه أشار أيضاً إلى جانب آخر للعرض، بوصفه «يقدم السيرة في فضاء متقلب يبعدها عن بيئتها الطبيعية بوصفها تراثاً شفهياً له سياق اجتماعي كامل، يشمل الرواة والسمر والزمن الممتد، وجمهوراً يستمع».

ودعا الحجراوي إلى ضرورة «البناء على هذه المبادرة لتأسيس سياسات ثقافية مستدامة تحمي فن الرواية الشفاهية، وتدعم رواته مادياً ومؤسسياً، مثل تخصيص بيوت لرواة السيرة الهلالية مثلاً بحيث لا تكون مجرد حدث موسمي».

جانب من السيرة الهلالية في المجلس الأعلى للثقافة (وزارة الثقافة)

في هذا السياق، أقام المجلس الأعلى للثقافة في مصر أمسية فنية تراثية تحت عنوان «بعد المديح في المكمل»، امتدت يومي الثلاثاء والأربعاء من هذا الأسبوع، ضمن خطة المجلس لإحياء وصون التراث الشعبي المصري. وتهدف الأمسية إلى تسليط الضوء على أحد أعرق أشكال الإبداع الشفهي الذي ازدهر في الليالي الرمضانية، حين كانت المقاهي والساحات تمتلئ بأصوات الرواة ومنشدي السيرة الهلالية وهم يروون قصص البطولة والفروسية.

وتضمّن برنامج الأمسية عرضاً غنائياً تقليدياً بمصاحبة أنغام آلة الربابة، استحضر أجواء السيرة كما تناقلتها الأجيال؛ قدّمته فرقة الريس عزت السوهاجي، وصاحبه شرح وتعقيب للدكتور خالد أبو الليل، أستاذ الأدب الشعبي بجامعة القاهرة، الذي أشار إلى أن «السيرة الهلالية تمثل في جوهرها ملحمة الوجدان العربي كما صاغها الخيال الشعبي وتداولها الرواة عبر القرون، وقد وجدت في مصر بيئتها الأخصب؛ حيث أعاد المنشد المصري تشكيلها وفق حساسيته الثقافية، فجعل منها مرآة لقيم الشرف والبطولة والحكمة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended