كاتبات لبنانيات: نحتاج أدب أطفال يشبه حياتنا المعاصرة

يتحدثن عن تجاربهن في الكتابة للطفل... ومخاوفهن

فاطمة شرف الدين
فاطمة شرف الدين
TT

كاتبات لبنانيات: نحتاج أدب أطفال يشبه حياتنا المعاصرة

فاطمة شرف الدين
فاطمة شرف الدين

ثلاث كاتبات لبنانيات يشغلهن أدب الطفل: فاطمة شرف الدين، لوركا سبيتي ورانيا زغير، أو أناييل، كما تفضل مناداتها بعد تغيير اسمها قانونياً والانتقال للعيش في باريس. ويطرحن أسئلة حول مستقبله في بلد غامض مستقبله: هل يزال كتاب الطفل أولوية السوق اللبنانية المأزومة؟ هل موضوعات الكتابة تحاكي تغير عادات الصغار جراء هموم الكبار؟ ماذا عن «غزو» فيديوهات بلغات أجنبية تخاطب الطفل وتحتل مساحات من ثقافته؟
تلاحظ شرف الدين «تغيراً جذرياً» في أحوال كتب الأطفال منذ بداية تجربتها في هذا المجال قبل عشرين عاماً، وتقول عن ذلك: «زاد وعي الأهل والمربّيين لأهمية الكتب الجيدة في نمو الطفل السليم ونجاحه المدرسي، وفي إنجازه لطموحات الحياة. هذا الواقع هو نتيجة عوامل عدة. أولاً، وجود كتّاب ورسّامين جديّين في خلق كتب إبداعية تحاكي اهتمامات القراء الصغار وحاجاتهم بحسب أعمارهم. ثانياً، تكاثر دور النشر المتخصّصة في إصدار كتب الطفولة. ثالثاً، وجود مؤسّسات في مجتمعنا المدني تُعنى بترويج أهمية القراءة لدى الأطفال، وتؤمّن الكتب والمكتبات لهم في المدارس الرسمية أو المراكز الثقافية».


رانيا زغير( أناييل)

ولكن قبل الحديث عن مستقبل الكتاب، تطرح أناييل سؤالاً: «هل أيّ كاتب مؤهّل للكتابة للطفل؟ وتجيب بلا، فـ«أدب الأطفال روحٌ يتحلى بها الكاتب، لا يُملأ نقصها بالبحوث والمراجع. إنه عالم يتطلب حساسيّة عالية وذوقاً ووعياً يتصل بداخل الصغار. في لبنان، ثمة لغط كبير بين الكتابة التربويّة التي تُغرق السوق، وأدب الطفل. كتب التربية مقرونة بالمواضيع الدارجة كالتنمّر وتمكين الفتيات مثلاً؛ وهي مهمة، معالجتها ملحّة. الفارق في كيفية الحديث عنها وبأي ذهنيّة».
وبما يمكن اعتباره نظرة مستقبلية متفائلة، تتحدث لوركا سبيتي بدورها عن اهتمام دور النشر اللبنانيّة بأدب الطفل، «حتى غير المتخصّصة بهذا الحقل»، وذلك برأيها «اتجاه يسلكه العالم لإعلاء التربية والصحة النفسية، كمُنتج رابح حتى في عز الأزمات»، كما أن «الأمهات ما زلن يهتمن بعقول أطفالهن فيشترين لهم الكتب على حساب الضرورات الحياتية».
تتمسك شرف الدين أيضاً بنظرة متفائلة، رغم «وضع البلاد الجنوني، بحيث صار إنتاج الكتاب مكلّفاً بشكل خيالي» لكن لرانيا زغير، مُؤسسة دار «الخياط الصغير» لنشر كتب الأطفال، مقاربة نقدية تطرحها من باب السؤال الآتي: «هل الموضوع المطروح قضية الكاتب أم لا؟ على الكاتب ألا يكون (ما يطلبه المستمعون). إن لم يكتب ما اختبره، فنصه سيكون مليئاً بالافتعال».


لوركا سبيتي

تلمس لوركا سبيتي التي تستعد لإصدار كتاب جديد للطفل، تطوراً في الأفكار، مادة الكتابة، وتقول عن ذلك: «لم أعد باستطاعتي أن أقرأ على طفلتي قصة (ليلى والذئب) مثلاً. ستهزأ بي. قصص اليوم حديثة تشبه الحياة المعاصرة، وهي نقيض ما تربينا عليه». ولفاطمة شرف الدين قناعتها في هذا السياق: «الطفل طفل، يمر بمراحل النمو الذهني والعاطفي والاجتماعي في أي مكان وأي زمان. هناك مواضيع عالمية تتكرر كثيراً، لكن لا بأس. فكل كاتب يكتب من وجهة نظره وبطريقته... عن أول يوم في المدرسة، أو تقبل طفل مختلف، أو اقتناء حيوان أليف أو القلق من زيارة طبيب... يبقى أن يضيف الكاتب خياله وبراعته في حبْك القصة لتصبح فريدة».
وهي تعترف بأن الخيال الذي غذته حكايات الأطفال الخرافية كـ«بياض الثلج والأقزام السبعة»، سهل عليها الغوص في العالم الواقعي: «قصص اليوم تذهب في اتجاه مختلف، فنحاول أن نشرح للطفل واقعه المُستجد بأسلوب صحي». وإن كانت المواضيع بالنسبة إلى شرف الدين «تنبع من الحياة اليومية، وعلى الكاتب أن يواكب الأطفال ويحاكي رغباتهم وحاجاتهم، وينتج مادة إبداعية مولودة من بحثه ومراقبته للأمور من حوله»، فهي وفق رانيا زغير رهينة «عقبات ثلاث تحول دون تطور هذا الصنف الأدبي وخروجه من قوقعته». وهذه العقبات، كما تذكر، هي «الرقابة الذاتية حين يمارسها الكاتب على نفسه، فيتردد في الاجتهاد على اللغة. ثم المعرفة المبنية على جهل، بدليل أن معرفة أكثرية الكتاب والناشرين اللبنانيين ليست قائمة على معرفة حقيقية بعالم الطفل ، ولا فكرة كافية لديهم عن حركة أدب الطفل العالمية. والعقبة الثالثة هي وضع لبنان وتحكم شخصيات أمية بحركة نهوضه». وتتوصل إلى خلاصة مؤسفة: «قطاع الثقافة اللبناني، كسواه، جثة متحللة يصعب نفخ الروح فيها».

القلق من التكنولوجيا

لا تنكر شرف الدين أن استخدام آلاف الأطفال للهواتف والآيبادات، «هو أمر مقلق»، وبرأيها: «بما أنه لا يمكننا أن نمنع ذلك، فينبغي أن نستغله. تطبيقات عدة تقدم كتباً تفاعلية للأطفال أو نصوصاً إلكترونية للقراء المستقلين من أولاد في المرحلة الابتدائية وما فوق. أظن أن الطريقة الوحيدة لجذب انتباه الطفل من الآلة الإلكترونية التي بين يديه إلى كتاب ورقي، هي تقديم كتب ذات مواضيع تحاكي اهتماماته ومخاوفه وأحلامه، إنما بشكل حيوي، مضموناً وأسلوباً ورسماً وإنتاجاً».
توافقها سبيتي وهي تتحدث عن تأثير الأجهزة الإلكترونية على تشكيل الطفولة: «المُصور يمنح الطفل إحساساً بأنه خارج إطار الواجبات المدرسية، لذلك هو مرغوب. التكنولوجيا تسهل التفاعل وتُلطف فكرة المعرفة. لكن ذلك لا يحول دون دور الأهل في تعزيز العلاقة الإيجابية بين الكتاب الورقي والطفل، فيبقى وفياً له. الأهم أن يكون الكبار قدوة للطفل في حب الكتاب والقراءة. لا يمكن أن نحبب الطفل بالكتاب إن كنا نحن الأهل لا نقرأ ونمضي معظم وقتنا على الهاتف أو في مشاهدة التلفزيون».
أما أناييل زغير فتقول عن هذه النقطة: «قبل الحديث عن سطوة الفيديوهات على يوميات أطفالنا، لا بد من حل جذري يحد من التوغل الأجنبي في التعليم العربي والمناهج وأدب الطفل. هذا يشترط وجود أصوات لا تُكرر الكتابة المستهلكة في المواضيع المستهلكة ولا تكتب بدافع الدارج والواجب والتوثيق».

الأمومة... والكتابة

تُسهل الأمومة لسبيتي وشرف الدين مَهمة الكتابة كما تذكران. أولاد الأولى هم أبطال قصصها الموجهة للطفل. ومن تجربة طلاقها وأثره عليهم كتبت «لي بدل البيت بيتان» التي نالت عنها «جائزة اتصالات لكتاب الطفل 2017». تقول: «الأمومة جعلتني أحتال على شخصيتي لأضع نفسي أمام المسؤولية. ما يحدث مع الأولاد يلهمني للكتابة، وأرسل للرسام أشكالهم فيرسم ما يشبهها للكتب».
ورغم أن أمومة شرف الدين تلهمها أيضاً في كتاباتها، لكن «لا يشترط على الكاتب أن يكون أباً أو تكون الكاتبة أماً، بل هناك عناصر تجعل كُتّاب أدب الطفل ناجحين: «معرفة مراحل تطور الأطفال منذ الولادة إلى سن الـ18 سنة من النواحي الذهنية والعاطفية واللغوية والاجتماعية، معرفة سيكولوجية الطفل، والإلمام بالأدب عموماً وبأدب الأطفال خصوصاً، وامتلاك القدرة على الإبداع والتخيل، والإلمام باللغة العربية والمثابرة لإنتاج الأفضل».
وترى رانيا زغير أن أمومتها أصبحت عائقاً أمام كتابتها. تقول عن ذلك: «كتبتُ للأطفال قبل أن أصبح أماً بـ15 سنة. كانت أجمل قصصي، فجعلتني أحب أولاداً هم ليسوا أولادي. الأمومة أثرت سلباً، فلم يعد لدي الوقت للضياع في الشارع. إلهامي يتكون من المشي بلا هدف».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.


مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
TT

مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)

قال المخرج الجنوب أفريقي مايكل جيمس إن فيلمه «قضاء الرب» ولد من احتكاك مباشر بعالم المهمشين، لإعادة النظر في الطريقة التي ينظر بها المجتمع لهؤلاء الأشخاص، مع رغبته في استعادة إنسانيتهم بعيون الآخرين.

وتدور أحداث الفيلم الذي حصد جائزة أفضل فيلم يتناول قضية أفريقية وعرض للمرة الأولى في مصر ضمن فعاليات مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» في شوارع مدينة ديربان بجنوب أفريقيا، حيث يجد عدد من الرجال المشردين ملاذاً هشاً داخل مبنى متهالك، يجمعهم نوع من التضامن الصامت في مواجهة عالم قاسٍ تحكمه اللامبالاة والعنف، وتتشابك حيواتهم بين الشارع والذكريات، بينما تتحول تجاربهم اليومية إلى مزيج من الواقع والخيال، في محاولة مستمرة لفهم العالم والبقاء داخله.

وفي امتداد هذه الرحلة، يغوص الفيلم في العوالم الداخلية للشخصيات، حيث تصبح الأحلام والهواجس والذكريات جزءاً لا ينفصل عن الواقع، بل ربما أكثر تأثيراً منه، ليقدم العمل صورة مركبة عن الإنسان.

المخرج الجنوب أفريقي (الشرق الأوسط)

وأكد مايكل جيمس أن الفيلم لا يتوقف عند حدود الحكاية، بل يطرح سؤالاً أوسع حول دور السينما نفسها، وهو ما يجعله يظهر داخل العمل بشخصه مخرجاً يصنع فيلماً عن هؤلاء الرجال، قبل أن يتحول السرد إلى نوع من النقد الذاتي، ليعيد النظر في علاقته كونه صانع أفلام بموضوعه، وفي الحدود الأخلاقية والإنسانية لهذه العلاقة.

وأضاف جيمس لـ«الشرق الأوسط»: «من أبرز التحديات التي واجهتني كانت محدودية الإمكانيات الإنتاجية، فلم نمتلك الوقت الكافي لإجراء بروفات تقليدية، وهو ما دفعني إلى العمل بشكل مكثف مع الممثلين قبل التصوير، من خلال بناء علاقة إنسانية قائمة على الفهم والثقة، وهو أسلوب انعكس على الأداء، بمنح الممثلين مساحة للأداء التلقائي القائم على الصدق».

ولفت إلى أن تجربته مع الأشخاص الذين استلهم منهم الحكاية لم تكن مجرد مادة بحثية، بل تحولت إلى علاقة إنسانية معقدة، وكان حريصاً على قضاء وقت طويل معهم قبل التفكير في تحويل قصصهم إلى فيلم، موضحاً أن هذه العلاقة جعلته يعيد التفكير في موقعه كونه مخرجاً، ليس فقط باعتباره راوياً للحكاية، بل بأنه جزء منها، وهو ما انعكس على طبيعة السرد داخل «قضاء الرب»، على حد تعبيره.

وأشار إلى أن الفيلم يحاول أن يضع المشاهد في مواجهة مباشرة مع ذاته؛ لأن التحدي بالنسبة له لم يكن في عرض المعاناة بقدر ما كان في كيفية جعل الجمهور يرى نفسه في هؤلاء الأشخاص، معتبراً أن الفيلم يسعى إلى كسر المسافة بين «المشاهد» و«الموضوع»، بحيث لا يعود من الممكن النظر إلى الشخصيات من موقع التعاطف فقط، بل من موقع المشاركة الإنسانية.

وأكد مايكل جيمس أن استخدامه لأسلوب يمزج بين الروائي والتوثيقي جاء بسبب طبيعة التجربة نفسها حيث تختلط الحقيقة بالخيال في حياة الشخصيات، مشيراً إلى أن «هذا التداخل كان جزءاً من رؤية أوسع للواقع وتحركه الدائم وتغيير ماهيته، حيث يُعاد تشكيله باستمرار من خلال الذاكرة والتجربة».

حاول المخرج تقديم صورة جديدة عن حياة المشردين (الشركة المنتجة)

وأضاف أن اختياره للممثلين قام على بناء علاقة شخصية معهم قبل أي شيء، موضحاً أنه يحرص على معرفة الممثل كونه إنساناً قبل أن يكون مؤدياً، وهو ما ساعد في تطوير الشخصيات بشكل مشترك، «حيث جاءت بعض التفاصيل الدرامية نتيجة نقاشات مباشرة معهم، ما منح العمل عمقاً إضافياً»، وفق قوله.

وأشار إلى أنهم لجأوا إلى حلول مبتكرة خلال التصوير، من بينها استخدام موقع واحد وتحويله إلى عدة فضاءات داخل الفيلم، مثل المنزل المهجور والكنيسة والشارع، وهو ما ساعدهم على تجاوز ضيق الميزانية دون التأثير على الرؤية الفنية، مؤكداً أن هذه القيود دفعتهم إلى التفكير بشكل أكثر إبداعاً في بناء الصورة.

وأوضح أن تجربة التمويل كانت معقدة، لكونهم اعتمدوا في البداية على دعم محلي من جهات رسمية في جنوب أفريقيا، لكنه لم يكن كافياً لاستكمال الفيلم، قبل أن ينضم منتج مشارك ويوفر التمويل اللازم لمرحلة ما بعد الإنتاج، ما أتاح لهم تنفيذ المونتاج وتصميم الصوت والموسيقى بالتعاون مع فريق دولي.

واجه المخرج صعوبات في خروج الفيلم للنور (الشركة المنتجة)

واعتبر المخرج أن التعاون مع مدير التصوير لعب دوراً كبيراً في تنفيذ رؤيته، حيث اعتمدا على تنويع الأسلوب البصري بما يعكس الحالة النفسية للشخصيات، من خلال استخدام عدسات مختلفة وتغيير نسب الصورة، لا سيما في المشاهد التي تعكس حالات الاضطراب أو التعاطي، ما أضفى بعداً بصرياً متماسكاً مع البناء الدرامي.

وشدد المخرج الجنوب أفريقي على أن فيلمه ليس مجرد عمل عن التشرد، بل محاولة لطرح أسئلة أوسع حول العدالة والإنسانية، معرباً عن أمله في أن يواصل العمل رحلته في المهرجانات الدولية، وأن ينجح في إثارة نقاش حقيقي حول هؤلاء الذين يعيشون على هامش العالم، دون أن يفقدوا إنسانيتهم.