ما مستقبل التاج البريطاني بعد وفاة الملكة إليزابيث الثانية؟

تقرير اعتبر أن التحدي الأكبر أمام الملك تشارلز هو مضاهاة شعبية الملكة الراحلة

الأمير تشارلز  (آنذاك) ينظر إلى تاج الدولة الإمبراطوري الذي تمت إزالته بعد قراءة خطاب الملكة في مايو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الأمير تشارلز (آنذاك) ينظر إلى تاج الدولة الإمبراطوري الذي تمت إزالته بعد قراءة خطاب الملكة في مايو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ما مستقبل التاج البريطاني بعد وفاة الملكة إليزابيث الثانية؟

الأمير تشارلز  (آنذاك) ينظر إلى تاج الدولة الإمبراطوري الذي تمت إزالته بعد قراءة خطاب الملكة في مايو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الأمير تشارلز (آنذاك) ينظر إلى تاج الدولة الإمبراطوري الذي تمت إزالته بعد قراءة خطاب الملكة في مايو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

رحلت الملكة إليزابيث الثانية، ملكة بريطانيا، يوم الخميس الماضي عن عمر ناهز 96 عاماً، تاركة وراءها تاريخاً حافلاً بالأحداث خلال الفترة الطويلة التي تربعت فيها على عرش البلاد.
والآن، وبعد رحيلها بدأت هناك علامات استفهام تفرض نفسها حول مستقبل بريطانيا من بعد إليزابيث التي لطالما اعتبرت بمثابة «رمانة الميزان» للحياة السياسية في البلاد على مدار سنوات عديدة.
وبحسب تقرير نشرته مجلة «تايم» الأميركية، فإن العبارة شبه العالمية التي ترددت في تأبين الملكة الراحلة إليزابيث الثانية كانت دورها كرمز للاستقرار في بريطانيا، وكذلك كشخصية ثابتة في عالم غير ثابت بشكل متزايد.
وقد وصفها رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون في تأبينه لها يوم الجمعة، بأنها كانت «نقطة مرجعية إنسانية لا تتغير في الحياة البريطانية».
ويذكر التقرير أن الملكة كانت أيضاً نجمة بريطانيا ومصدراً للراحة في وقت يبدو فيه أن الاضطرابات التي لا تنتهي، أكثر من كونها مجرد وجه رمزي للأمة. والتحدي الذي يواجه البلاد الآن هو كيفية المضي قدماً من دونها.
وفي حين أن الطريق إلى الأمام بالنسبة لبريطانيا واضحة (حيث مرّ عليها ذلك عدة مرات من قبل)، فإن مستقبل الملكية البريطانية يبدو أقل يقيناً، وفق التقرير.
https://twitter.com/aawsat_News/status/1569225548491984896
ويرث الملك تشارلز الثالث العرش في وقت لا يزال فيه النظام الملكي كمؤسسة يحظى بدعم واسع النطاق في بريطانيا، مع أغلبية طفيفة من 62 في المائة مؤيدة، وفقاً لاستطلاع للرأي أجري في يونيو (حزيران)، لكن تدفق الدعم والإعجاب بالملكة لا ينبغي أن يختلط بالدعم الثابت للعائلة المالكة ككل، خاصة بعد التداعيات الأخيرة حول معاملة الأمير هاري وميغان، فضلاً عن مزاعم الاعتداء الجنسي التي تواجه ابنها الأمير أندرو، حسبما أشار تقرير لوكالة الأنباء الألمانية.
وبحسب التقرير، فإن أكبر اختبار يواجه الملك الجديد هو ما إذا كان بإمكانه محاكاة صورة والدته للاستقرار والحفاظ على المؤسسة التي قضت الكثير من حياتها في محاولة حمايتها.
إن الملكة، التي اعتلت العرش في سن 25 عاماً فقط، كان لديها عمر لإثبات نفسها. ولن يتمتع تشارلز، الذي يبلغ من العمر 73 عاماً وهو أكبر ملك عمراً يعتلي العرش في التاريخ البريطاني، بنفس الميزة. لقد تشكلت الكثير من صورة تشارلز العامة من خلال فترة عمله أميرا لويلز، بما في ذلك فترات قاسية من حياته الخاصة من بينها علاقته مع كاميلا باركر بولز، التي تأخذ الآن لقب الملكة كونسورت (عقيلة الملك)، وانفصاله عن الأميرة ديانا، بالإضافة إلى مواقفه الصاخبة بشأن قضايا واسعة النطاق مثل تغير المناخ، والتحوط والصين، وأساليب الحكومة البريطانية المثيرة للجدل لعرقلة الهجرة.

وفي حين حافظت الملكة على سمعة الحياد، واختارت أن تسمو فوق الخلاف وترك السياسة للسياسيين، فعل الأمير تشارلز العكس تماماً، حتى أنه ذهب إلى حد الخوض في أعلى مستويات السياسة عندما كتب سلسلة من الرسائل في عامي 2004 و2005 تعرف باسم «مذكرات العنكبوت الأسود»، ضغط فيها على وزراء الحكومة بشأن عدد من القضايا، في انتهاك واضح للدور المحايد والاحتفالي للنظام الملكي في السياسة البريطانية.
ويقول ريتشارد فيتز ويليامز، الخبير في شؤون العائلة المالكة «تشارلز نشط، ربما لأنه، بالنسبة للغالبية العظمى من فترة حياته، كانت وظيفته الأساسية هي متابعة اهتماماته من خلال مؤسساته وجمعياته الخيرية المختلفة».
وقال بروك نيومان، وهو مؤرخ معني بشأن بريطانيا الحديثة المبكرة في جامعة فرجينيا كومنولث لمجلة «تايم»، إن تشارلز «ليس لديه نفس المستوى من الغموض الذي اكتسبته الملكة إليزابيث الثانية بنجاح كبير على مدى حياتها». وبعيداً عن حبها لكلاب الكورجي والخيول «كانت (إليزابيث) حريصة جداً على عدم التعبير عن موقف بشأن الكثير من أي شيء. لقد أصبحت رمزاً في جميع أنحاء العالم لأن الناس يمكنهم إسقاط آمالهم وأحلامهم وأوهامهم وغضبهم عليها وعلى المؤسسة لأنها جسدت التاج بطريقة أعتقد أنه سيكون من المستحيل على تشارلز القيام بها لأنه يمثل بالفعل أشياء معينة».
ولكن لكي يستمر النظر إلى النظام الملكي على أنه مصدر للوحدة الوطنية ولكي يتمكن الملك من القيام بواجباته الاحتفالية دون دعوة إلى مزاعم بالحزبية، وهو أمر حتى في بعض الأحيان كان يطارد عهد والدته المحايد بشكل صارم، قال فيتز ويليام، إن الملك الجديد سيحتاج إلى إبقاء آرائه تحت السيطرة. وقد اعترف تشارلز بهذه الحقيقة في الماضي، وفي أول خطاب وطني له منذ اعتلائه العرش، اعترف بأنه مع تغير دوره «لن يكون من الممكن بالنسبة لي بعد الآن أن أعطي الكثير من وقتي وطاقاتي للجمعيات الخيرية والقضايا التي أهتم بها بعمق».

إن الحفاظ على القيمة الرمزية للعائلة المالكة ليس سوى جزء من تحدي الملك الجديد. ومن الأمور الأخرى ضمان بقاء المؤسسة ملائمة للغرض في وقت تبدو فيه الملكيات وامتيازات الوراثة عفا عليها الزمن على نحو متزايد.
هنا، كان تشارلز ووالدته إلى حد كبير في حالة انغلاق. وأدرك كلاهما حتمية تقليص العائلة المالكة، سواء من حيث التكلفة على دافعي الضرائب أو المظهر العام، بما يتماشى مع الرأي العام. وفي عهد تشارلز، من المتوقع أن يتم أخذ هذا الجهد إلى أبعد من ذلك من خلال تقليص العائلة المالكة إلى سبع فقط من أفراد العائلة المالكة العاملين النشطين المكلفين بالمشاركة في الارتباطات الرسمية، ومقابلة كبار الشخصيات الأجنبية، وتمثيل الملك في غيابهم، بانخفاض عن العشرة الحاليين.
لكن التحدي الأكبر الذي يواجه تشارلز سيكون قدرته على مضاهاة شعبية الملكة الراحلة، التي لم تكن ملطخة إلى حد كبير بفضائح من حولها. وعندما تحدثت «تايم» مع المشيعين الذين تجمعوا في أعقاب وفاة الملكة مباشرة، كان من الواضح أن أحداً لم يتوقع أن ينافس عهد تشارلز عهد والدته، وهذا لا يقلل بالضرورة من الضغط الذي سيواجهه، ولن يوفر أي عزاء إذا ما أخذ تصور النظام الملكي منعطفاً نحو الأسوأ. وقال وارن كابرال، الذي ذهب إلى قصر باكنغهام يوم الخميس لتأبين الملكة مع زوجته وابنه، لمجلة «تايم»: «لقد واجه تشارلز الكثير من الصعود والهبوط»، مضيفاً «لكنه يرث التاج في ذروته».
ولكن على عكس والدته، لن يتحمل تشارلز عبء رعاية التاج على مدى السنوات الـ70 المقبلة. إنه يحتاج فقط إلى القيام بذلك لفترة طويلة بما يكفي لنقله إلى الجيل التالي في حالة سليمة.


مقالات ذات صلة

كيت ميدلتون: الطبيعة شريكتي في التعافي من السرطان

يوميات الشرق الطبيعة رفيقة طريق في رحلة التعافي (قصر كنسينغتون)

كيت ميدلتون: الطبيعة شريكتي في التعافي من السرطان

قالت أميرة ويلز، كيت ميدلتون، إنّ الطبيعة أدَّت دوراً محورياً في مساعدتها على التعافي من مرض السرطان...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملكة البريطانية كاميلا (رويترز)

للمرة الأولى... الملكة كاميلا تتحدث عن تعرضها للتحرش في سن المراهقة

تحدثت الملكة البريطانية كاميلا لأول مرة عن «الغضب» الذي انتابها بعد تعرضها لاعتداء جنسي في قطار عندما كانت مراهقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملك تشارلز (أ.ف.ب)

نجحوا في «تغيير حياة الناس»... الملك تشارلز يكرّم ألف شخصية بريطانية

كرّم الملك تشارلز الثالث الاثنين ألف بريطاني من بينهم الممثل إدريس إلبا وعدد من لاعبات منتخبات إنجلترا النسائية لكرة القدم والرغبي اللاتي حققن نجاحات هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لحظة عائلية دافئة في موسم الأعياد (إنستغرام)

رسالة ميلادية دافئة من دوق ودوقة ساسكس

شاركت دوقة ساسكس صورة عائلية جمعتها بدوق ساسكس وطفليهما، مُرفقة برسالة بمناسبة عيد الميلاد...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملك تشارلز الثالث (رويترز)

علاج الملك تشارلز من السرطان سيكون أخفّ في العام الجديد

قال الملك تشارلز الثالث، الجمعة، إن علاجه من السرطان سيتم تخفيفه في العام الجديد بفضل التشخيص المبكر، والتدخل الفعال، والالتزام بتعليمات الأطباء.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

يُصنّف الخبراء الجيوش الحديثة بناء على حجم استعمال هذه الجيوش للذكاء الاصطناعيّ في عمليّاتها العسكريّة، كما بناء على حجم تصنيع منظومات بما يُسمّى «التحكّم الذاتي»، وفي كل الأبعاد (Autonomous).

كذلك يُقاس مستوى فاعليّة الجيوش بمقدار ما تنخرط هذه الجيوش في قتال مشترك (Combined) بين كل الأسلحة والاختصاصات؛ من قوى برّ، وبحر، وجوّ، وسيبرانيّة وغيرها. يُطلق على هذه المنظومة القتاليّة اسم «العمليات المشتركة والمتكاملة» (Integrated joint operations). فما المقصود بهذه التسميّة؟

حسب التقرير الأخير لـ«البنتاغون» حول استعدادات الجيش الصيني لعام 2027، العام الذي حدّده الرئيس الصيني للهجوم على جزيرة تايوان وضمّها للوطن الأم، كما يقول، فإن الأمر يُحتّم توافر 3 إمكانيّات استراتيجيّة؛ هي: القدرة على تحقيق الانتصار بتكلفة معقولة؛ وردع أميركا، أو تقييد قدرتها على التدخّل في النزاع حول تايوان، مع التلويح بالنووي إذا لزم الأمر؛ كما منع إمكانيّة فتح جبهات إضافية من قبل حلفاء أميركا. وعليه قد تتعدّد سيناريوهات الحرب الصينيّة على تايوان، بدءاً من الإكراه (Coercion) للاستسلام من دون حرب فعليّة تيمناً بما قاله المفكر الصيني، صان تسو، بمهاجمة استراتيجية العدو والانتصار دون حرب، وذلك وصولاً إلى الاجتياح الكامل للجزيرة، عبر القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل التايوانيّة، مع عملية إنزال بحريّة ضخمة لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ «إنزال النورماندي» في الحرب العالميّة الثانية.

لكن السؤال يبقى: هل أخذت الصين الدروس من الحرب الروسيّة على أوكرانيا؟ وماذا عن السلوك وردّة الفعل الأميركيّة؟ هل فعلاً سيلتزم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بنصف الكرة الغربيّ بوصفه منطقة نفوذ أميركيّة؟ أم سيتدخّل على الأقلّ عبر مساعدة الحلفاء وعلى رأسهم اليابان؟

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

 

إلى الذكاء الاصطناعي في الحرب

لا تشذّ الصين عن سلوك القوى العظمى خصوصاً الولايات المتحدة، في اعتمادها على استراتيجيّة القتال المشتركة والمتكاملة. ترتكز هذه الاستراتيجيّة في جوهرها على ربط كلّ الأسلحة (بر، وبحر، وجو، وفضاء وسيبراني) بعضها ببعض، لتعطي صورة ثلاثيّة الأبعاد عن حقل الحرب - المعركة (Battlespace). فما المقصود بحقل المعركة؟ إنها بيئة العمليات العسكريّة (Operational). تربط كلّ الأسلحة بعضها ببعض، آخذة في الحسبان كل ما يمتّ بصلة لمسرح الحرب؛ من تضاريس، وطقس، وبنى تحتيّة، وأسلحة مستعملة، وأجهزة استشعار (Sensors)، ومسيّرات، وحرب إلكترونيّة (EW)، وأقمار اصطناعيّة، وكل ما هو قادر على توفير «داتا» عن العدو بهدف تحقيق النصر. والهدف دائماً، هو تقصير عملية اتخاذ القرار للقيادة البشريّة (حتى الآن) كي تحتفظ بحريّة المناورة واستباق ردّة فعل العدو.

لكن الربط بين كل هذه الوسائل في أرض المعركة، سيؤدّي إلى فائض من «الداتا» (Overwhelming) لا يستطيع العنصر البشري التعامل معها بسرعة، عبر تحليلها، وتحويلها إلى معرفة، واتخاذ القرار وتوزيعها على القوى العسكريّة للتنفيذ. هنا يأتي الحل عبر استعمال الذكاء الاصطناعي (AI). لكن الحلّ بطبيعته ينتج مشاكله الخاصة. ألم يقل الفيلسوف الإنجليزي، كارل بوبر، إن «الحياة عبارة عن عملية مستدامة لحل المشاكل؟ فإذا كان الحل عبر الذكاء الاصطناعي لتحليل (الداتا)، فهو بحد ذاته وبطبيعته سوف ينتج كثيراً من المشاكل». فما هي باختصار؟

من المعروف أن الذكاء الاصطناعي يستعمل خوارزميّات (Algorithm) قادرة على إعطاء أجوبة عما يُقارب 500 مليون سؤال من المُستعمل وأكثر. لكن الأجوبة لا تأتي من الفراغ، فهي، أي الخوارزميات، تُدرّب على كميّة كبيرة من «الداتا» قد تصل إلى كثير من «البيتا بايت» (Petabyte) - كل بيتابايت يساوي 500 مليار ورقة مطبوعة تقليديّة. وهذه «الداتا»، تُجمّع أغلبها من المصادر المفتوحة، كما السريّة. فماذا لو سُمّمت هذه «الداتا»؟ وكيف ستكون عملية السيطرة على مسرح الحرب وإدارته بشكل منتظم بناء على معلومات مغلوطة؟

جندي روسي يحضّر مسيرة لإطلاقها في أوكرانيا الثلاثاء (أ.ب)

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع عملية اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية من ضمن المنظومة للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة؟

إن الاعتماد الكلّي في الحرب على الذكاء الاصطناعيّ، قد يحوّل الحرب إلى عمليّة حسابيّة - خوارزميّة، الأمر الذي يُسرّع الحرب، يُسرّع التصعيد. فماذا لو وصل وضع التصعيد إلى استعمال السلاح النووي بناء على «داتا» مسمومة؟

يقول المفكّر البروسي الشهير، كارل فون كلوزفيتز، إن الشك وعدم اليقين يسيطران عادة وباستدامة على مسرح المعركة (Fog of War). وهذا أمر يُعقّد قرارات القائد العسكريّ. نظّر البعض في هذا المجال بأن الذكاء الاصطناعي سيُقّلل أو يزيل هذه الضبابيّة، عبر توفير كثير من «الداتا» والاستعلام عن العدو. فماذا لو كانت «الداتا» مسمومة؟ إذن، سيبقى عدم اليقين والضبابيّة في ساحة المعركة، حتى مع الذكاء الاصطناعيّ.

لكن الوضع الأخطر هو فيما يُسمّى «فجوة الفهم» بين الذكاء الاصطناعي والقائد (Cognitive Gap)، فما المقصود بذلك؟ قد يقترح الذكاء الاصطناعي أمراً معيّناً على القائد. وقد لا يفهم أو يعي القائد هذا الاقتراح، بسبب الفجوة الهائلة في كميّة «الداتا» التي يملكها الطرفان. فماذا يفعل القائد؟ وكيف يتّخذ القرار بناء على اقتراح لا يفهمه؟ وماذا سيكون عليه الوضع لو كانت «داتا» الذكاء الاصطناعي مسمومة؟ ألا يدخل هنا مبدأ الخداع (Deception) للذكاء الاصطناعي عبر تزويده بـ«داتا» مسمومة؟ وألا يُعدّ هنا قول المفكّر الصيني، صان تسو، إن الحرب تقوم على الخداع، قولاً صالحاً للأزل؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هوارد لوتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض مبادرته الموقعة بشأن الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض - 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وأخيراً، لا بد أن تكون للذكاء الاصطناعي بنى تحتيّة يرتكز عليها في الحرب. والمقصود بذلك هو ذلك الوسيط (Medium) الذي ينقل «الداتا» من مكان إلى آخر؛ من الذكاء الاصطناعي إلى القائد العسكريّ. وإذا كنّا نعيش اليوم في عالم رقميّ (Digital)، فإن هذا العالم لا يزال يرتكز على العالم الملموس، والماديّ (البرّ، والبحر، كما الفضاء). وفي هذا الإطار، ألا ينقل العالم أكثر من 90 في المائة من «الداتا» عبر الكوابل البحريّة، والباقي عبر الأقمار؟ فهل لدى القيادات العسكريّة بدائل عن هذه الكوابل؟ ولماذا يتم التخطيط لقطعها؟ ألا يمكن تسميم «الداتا» عبر خرق هذه الكوابل؟

 

 

مسارح الحرب الجديدة

تستدعي حروب القرن الحادي والعشرين مبدأ الدفاع الشامل والكامل، في ظل الهجوم الشامل والكامل. مبدأ الدفاع عن الداخل عبر حماية البنى التحتيّة كونها مرتبطة بعضها ببعض عبر العالم الرقميّ، وهي تخدم المجهود الحربي بعدّة أبعاد. أما مبدأ الهجوم الشامل، فهو يندرج في الحرب الهجوميّة، إن كان على القوى العسكريّة أو على البنى التحتية للعدو عبر الهجمات السيبرانيّة. وفي كل الحالات، ترتبط القوى العسكرية بعضها ببعض كونها تقاتل قتالاً مشتركاً (Combined) عبر العالم الرقميّ (Digital World).

في الحرب العالميّة الثانية، كانت استراتيجية القصف الاستراتيجي لألمانيا تُركّز على قصف القدرات الاصطناعية التي تخدم الحرب. حالياً ومع العصر الرقميّ، حلت الحرب السيبرانية مكان القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل، خصوصاً أن أغلب الأسلحة الحديثة أصبحت تعمل بواسطة خوارزميات، وأن القطاع الخاص هو الذي ينتجها. وعليه، أصبح من الحيويّ والمُلحّ أن تكون هناك جهود جبّارة لإدارة الأزمات الداخليّة التي تسببها الهجمات السيبرانيّة.

في الحرب العالمية الثانية، بدأت الحرب على الجبهات، ومن بعدها انتقلت إلى الداخل. حالياً، ومع العصر الرقميّ والحرب السيبرانيّة؛ قد تبدأ الحرب في الداخل بهدف شلّه، وبعدها الحرب على القوى العسكريّة. لذلك قد يمكن القول إنه لا جبهات (Fronts) مُحدّدة في حروب المستقبل.


السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
TT

السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)

أُدين بحار سابق في البحرية الأميركية ببيع كتيّبات تقنية وتشغيلية للسفن وأنظمة التشغيل، إلى ضابط استخبارات يعمل لصالح الصين، وحُكم عليه أمس (الاثنين) بالسجن لأكثر من 16 عاماً، بحسب الادعاء.

وحكم قاضٍ فيدرالي في سان دييغو على جينتشاو وي، البالغ من العمر 25 عاماً، بالسجن لمدة 200 شهر. وكانت هيئة محلفين فيدرالية قد أدانته في أغسطس (آب)، بارتكاب 6 جرائم، بينها التجسس. وقالت وزارة العدل الأميركية في بيان، إن وي تلقّى أكثر من 12 ألف دولار مقابل المعلومات التي باعها.

وكان وي، وهو مهندس على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس إيسيكس» (USS Essex)، أحد بحارين اثنين مقيمين في كاليفورنيا وُجّهت إليهما الاتهامات في 3 أغسطس 2023، بتزويد الصين بمعلومات عسكرية حساسة. أما الآخر، وينهينغ تشاو، فقد حُكم عليه في عام 2024 بالسجن لأكثر من عامين بعد أن أقرّ بذنبه في تهمة التآمر وتهمة تلقي رشوة واحدة في انتهاك لواجباته الرسمية.

وعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات، عن قلقهم من خطر التجسس الذي يقولون إن الحكومة الصينية تمثّله، ورفعوا في السنوات الأخيرة قضايا جنائية ضد عناصر استخبارات تابعين لبكين سرقوا معلومات حكومية وتجارية حساسة، بما في ذلك عبر عمليات قرصنة غير قانونية.

وقال الادعاء إن وي جرى استقطابه عبر وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2022، من قبل ضابط استخبارات قدّم نفسه على أنه هاوٍ للشؤون البحرية، ويعمل لدى شركة صناعة السفن الصينية المملوكة للدولة.

وأظهرت الأدلة المقدَّمة أمام المحكمة أن وي قال لصديق له، إن الشخص «مريب للغاية»، وإن الأمر «واضح تماماً أنه تجسس». غير أن وي تجاهل نصيحة صديقه بحذف جهة الاتصال، ونقل محادثاته مع ضابط الاستخبارات إلى تطبيق مراسلة مشفّر آخر كان يعتقد أنه أكثر أماناً، بحسب الادعاء.

وخلال 18 شهراً، أرسل وي إلى الضابط صوراً ومقاطع فيديو لسفينة «إيسيكس»، وأبلغه بمواقع عدد من سفن البحرية الأميركية، كما قدّم له معلومات عن الأسلحة الدفاعية للسفينة، وفقاً للادعاء.

وباع وي لضابط الاستخبارات 60 كتيّباً تقنياً وتشغيلياً، بينها كتيّبات خاصة بأنظمة التحكم بالأسلحة والطائرات ومصاعد سطح السفينة. وكانت هذه الكتيّبات تتضمن تحذيرات تتعلق بضوابط التصدير، وتشرح بالتفصيل كيفية تشغيل عدة أنظمة على متن «إيسيكس» وسفن مماثلة.

وكان وي يحمل رتبة ضابط صف من الدرجة الثانية، وهي رتبة ضمن فئة الأفراد المجنّدين.

ويذكر موقع البحرية الأميركية أن «إيسيكس» مجهّزة لنقل ودعم قوة إنزال من مشاة البحرية (المارينز) قوامها أكثر من 2000 جندي خلال عمليات إنزال جوي وبرمائي.

وفي رسالة إلى القاضي قبل النطق بالحكم، اعتذر وي وقال إنه لم يكن ينبغي له أن يشارك أي شيء مع الشخص الذي كان يعدّه صديقاً. وأضاف أن «الانطواء والشعور بالوحدة» أثّرا على حكمه وتقديره للأمور.


«بي بي سي» تعتزم التقدم بطلب لرفض دعوى ترمب البالغة 10 مليارات دولار

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«بي بي سي» تعتزم التقدم بطلب لرفض دعوى ترمب البالغة 10 مليارات دولار

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أظهرت وثائق قضائية أن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ستتخذ إجراءات قانونية لطلب رفض دعوى التشهير البالغة قيمتها 10 مليارات دولار التي رفعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضدها، والمتعلقة بتحرير برنامج «بانوراما».

وتَعرّض برنامج «بانوراما» لانتقادات في أواخر العام الماضي بسبب حلقة بُثت في 2024، إذ أعطت الانطباع بأن الرئيس الأميركي كان يشجع مؤيديه على اقتحام مبنى الكابيتول في 2021، بحسب وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا).

وفي الحلقة، تم دمج مقطع من خطاب ترمب بتاريخ 6 يناير (كانون الثاني) 2021 ليُظهره وهو يقول: «سننزل إلى الكابيتول... وسأكون هناك معكم. وسنقاتل. سنقاتل بشراسة».

ويطالب ترمب بتعويض يصل إلى 10 مليارات دولار رداً على تعديل الخطاب، فيما زعم محاموه أن التحرير كان «زائفاً ويفتقر إلى الحقيقة ويشوه سمعته»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وستقدم هيئة الإذاعة البريطانية طلباً لرفض الدعوى، بحجة أن محكمة فلوريدا لا تتمتع بالاختصاص الشخصي عليها، وأن مكان انعقاد المحكمة غير مناسب، وأن ترمب فشل في تقديم دعوى صحيحة، وفقاً للوثائق المقدمة، مساء الاثنين، بتوقيت بريطانيا.

وستؤكد الهيئة أنها لم تقم بإنشاء أو إنتاج أو بث الوثائقي في فلوريدا، وأن ادعاء ترمب بأن الوثائقي كان متاحاً في الولايات المتحدة عبر خدمة البث «بريت بوكس» غير صحيح.

كما ستزعم الهيئة أن الرئيس فشل في تقديم دليل مقنع على أن «بي بي سي» نشرت الوثائقي بقصد إساءة أو نية خبيثة فعلية، وهو ما يُطلب من المسؤولين العموميين إثباته عند رفع دعاوى التشهير في الولايات المتحدة.

وطلبت الهيئة من المحكمة وقف جميع عمليات الاكتشاف الأخرى، وهي العملية التي يجمع فيها الطرفان معلومات قبل المحاكمة، إلى أن يصدر قرار بشأن طلب رفض الدعوى.

وتم اقتراح موعد محاكمة عام 2027 إذا استمرت القضية.