الصميدعي... «قاضي الدم» في قبضة تركيا

زعيم «داعش» المحتمل سقط بعد 7 أشهر من التخفي في إسطنبول

الصميدعي أثناء اقتياده إلى القصر العدلي في إسطنبول صباح الجمعة (الأناضول)
الصميدعي أثناء اقتياده إلى القصر العدلي في إسطنبول صباح الجمعة (الأناضول)
TT

الصميدعي... «قاضي الدم» في قبضة تركيا

الصميدعي أثناء اقتياده إلى القصر العدلي في إسطنبول صباح الجمعة (الأناضول)
الصميدعي أثناء اقتياده إلى القصر العدلي في إسطنبول صباح الجمعة (الأناضول)

أحالت السلطات التركية القيادي البارز في تنظيم «داعش» الإرهابي بشار خطاب غزال الصميدعي، المكنى «أبوزيد»، أو «الأستاذ زيد»، للتحقيق، الجمعة، عقب إعلان الرئيس رجب طيب إردوغان عن توقيفه في إسطنبول.
وأعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، إلقاء القبض على الصميدعي، وهو من أصل عراقي، قائلاً إنه يعد من أبرز القياديين المهمين ضمن صفوف «داعش» الإرهابي عقب مقتل زعيم التنظيم الأسبق أبوبكر البغدادي وخلفه أمير محمد عبد الرحمن المولى الصلبي، المعرف باسم «عبد الله قرداش» و«أبو إبراهيم القرشي» في عمليتين أميركيتين في شمال سوريا.
ويعرف بشار خطاب غزال الصميدعي بأسماء «أبو زيد»، «الأستاذ زيد»، «أبو خطاب العراقي»، «حجي زيد العراقي» و«أبو المعز العراقي». وذكر إردوغان، في تصريحات لعدد من الصحافيين رافقوه في رحلة عودته من جولة في عدد من دول البلقان شملت البوسنة والهرسك وصربيا وكرواتيا ليل الخميس - الجمعة، أن «التقارير الدولية والتقرير الأمني للأمم المتحدة تضمنت معلومات تفيد بأن هذا الإرهابي كان أحد كبار القياديين في التنظيم، وتضمنت إفاداته خلال الاستجواب، وأنه تولى منصب ما يسمى القضاء ووزارة التربية والعدل داخل التنظيم».
وأضاف الرئيس التركي، أنه جرت متابعة ارتباطات الصميدعي في سوريا ومدينة إسطنبول، وتم التوصل إلى معلومات استخباراتية بشأن نيته دخول تركيا بطرق غير شرعية، وتم إلقاء القبض عليه من خلال عملية ناجحة للأمن والاستخبارات، حيث اعترف في تحقيقات الشرطة في إسطنبول بأنه يحمل بطاقة هوية مزورة وأجرى تغييرات في شكله.
وأوردت وكالة «الأناضول» التركية بعض تفاصيل عملية القبض على الصميدعي، الذي استمرت جهود متابعته حوالي 7 أشهر، مشيرة إلى أن الاستخبارات التركية توصلت إلى معلومات تفيد بتسلل الصميدعي، المكنى «أبو زيد» أو «الأستاذ زيد»، إلى تركيا، وأن الفرق المعنية بدأت التحري من أجل تحديد مكانه. وأضافت الوكالة، نقلاً عن مصادر أمنية، أن الصميدعي من أصل عراقي، ويعد من وجهاء إحدى العشائر، وتسبب بمقتل العديد من الأبرياء في هجمات لتنظيم «داعش» الإرهابي، عبر الفتاوى المزعومة التي أطلقها. وأشارت المصادر إلى أنه بعد حوالي 7 أشهر من البحث، تمكنت الفرق الأمنية من تحديد منزل يعتقد أن الصميدعي يمكث فيه، في منطقة سارير في إسطنبول، وبتعقبه تبين أنه الإرهابي المطلوب، وأنه يخرج إلى الشارع بعد تغيير مظهره، عبر حلق لحيته ووضع شعر مستعار ونظارة للتمويه، وتم إلقاء القبض عليه في عملية مشتركة لفرق المديرية العامة للأمن ومديرية أمن إسطنبول وجهاز المخابرات. وحسب ما ذكرت وكالة «الأناضول»، «ورد اسم بشار خطاب غزال الصميدعي، المشارك في قيادة تنظيم (داعش)، ضمن التقرير الثلاثين لمجلس الأمن الصادر في 11 يوليو (تموز) 2022». وجاء في التقرير أنه «في 3 فبراير (شباط) الماضي، قتل زعيم (داعش) أمير محمد عبد الرحمن المولى الصلبي، المعرف باسم عبد الله قرداش وأبو إبراهيم القرشي، في عملية قادتها الولايات المتحدة في أطمة السورية بالقرب من الحدود التركية».

- من هو الصميدعي؟
يعرف بشار خطاب غزال الصميدعي باسم «أبو زيد»، و«أبو خطاب العراقي»، و«أبو المعز العراقي»، ويعود انتماؤه الأول إلى تنظيم «أنصار الإسلام» المشكل في شمال العراق منذ عام 2001، والمؤلف من مقاتلين عرب وأكراد كانت لهم أعمال سابقة في الشيشان وأفغانستان.
ظل الصميدعي ضمن صفوف «أنصار الإسلام» كقيادي مهم في التنظيم الذي سبق تأسيس تنظيم «داعش» في العراق على يد أبو مصعب الزرقاوي في عام 2003، لتبدأ عام 2009 علاقة متينة بين تنظيم «داعش» في العراق من جهة وتنظيم «أنصار الإسلام» من جهة أخرى. وفي عام 2014 ومع سيطرة تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من العراق وسوريا بزعامة أبو بكر البغدادي انضم الصميدعي إلى تنظيم «داعش»، ليعينه البغدادي بمنصب كبير القضاة في الموصل في العام ذاته.
ومع انتقال جماعة «أنصار الإسلام»، الجماعة الأم للصميدعي، إلى سوريا، وانصهار ما تبقى من الجماعة ضمن تنظيم «داعش» في العراق عن طريق الصميدعي، أصبح الأخير من المقربين من أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم «داعش» آنذاك، ليتم تعيينه بمنصب «قاضي الدم» في عام 2015، بمعنى القاضي المسؤول عن عمليات الإعدام، وهو منصب حساس لا يسند إلا لمقرب من زعيم التنظيم.
وعقب مقتل البغدادي في أواخر عام 2019 بعملية أميركية في محافظة إدلب، شمال غربي سوريا، صعد نجم الصميدعي كمرشح بقوة لقيادة تنظيم «داعش»، إلا أن الاختيار وقع على «أبو إبراهيم الهاشمي القرشي» (عبد الله قرداش)، في حين أن الصميدعي كان عضواً في الهيئة العليا المعروفة باسم «اللجنة المفوضة» منذ عام 2016، مع احتفاظه بمنصب القاضي الأعلى.
وحرص أبو إبراهيم القرشي على إشراك الصميدعي في تنشيط المجموعة، والحفاظ على ثقة أنصار التنظيم، خصوصاً بميزة لم تتوفر لدى غيره، وهي كون العديد من الدعاة وعناصر التنظيم تتلمذوا على يده في الموصل ونينوى وغيرها.
ويعد حجي زيد العراقي أو الصميدعي واحداً من قيادات الصف الأول داخل تنظيم «داعش»، ويشتهر أيضاً بـ«الأستاذ زيد العراقي»، وهو واحد من مجموعة القيادات التاريخية، المعروفين بـ«جيل الجهاد العراقي»، داخل «داعش»، كما كان أحد أقرب المقربين من زعيم التنظيم الأسبق أبو بكر البغدادي ونائبه أبو محمد الفرقان، أمير ديوان الإعلام المركزي.
والصميدعي هو أيضاً أحد أبرز القيادات الشرعية داخل التنظيم الإرهابي، وشغل منصب «أمير ديوان القضاء والمظالم» خلال فترة الخلافة المكانية (يونيو/ حزيران 2014: مارس/ آذار 2019)، وتولى أيضاً إمارة المكتب المركزي لمتابعة الدواوين الشرعية، الذي تأسس للإشراف على دواوين التنظيم الشرعية وهي: «المكتب الشرعي لإدارة المعسكرات، ومكتب البحوث والدراسات، وديوان الدعوة والمساجد، والمكتب الشرعي للواء الصديق المركزي، التابع لما يعرف بـ(جيش الخلافة)، الذي تأسس في فترة أبو عمر البغدادي عام 2008، وديوان القضاء والمظالم، وديوان التعليم، المكتب الشرعي لديوان الجند).
وكان الصميدعي مسؤولاً عن تحديد المناهج الشرعية، وشغل عضوية لجنة التدقيق والرقابة المنهجية التي أنشأها أبو محمد الفرقان في عام 2016، لحسم الخلافات المنهجية داخل «داعش». وشارك في مراجعة وتعديل البيان الشهير لـ«داعش» المعنون بـ«بيان 155 للمكتب المركزي لمتابعة الدواوين الشرعية»، الذي ينص على تكفير المتوقف في التكفير، بعد اعتراض عدد من شرعيي وقيادات «داعش»، منهم تركي بن علي وأبو بكر القحطاني، على صيغة البيان، واعتبارهم أنه يُؤصل لفكر مُغالٍ في التشدد ومتوسع في التكفير.
وتولى الصميدعي، خلال تلك الفترة، إلى جانب 3 قيادات آخرين، هم أبو عبيدة التركي، وأبو ميسرة الشامي، وأحمد أبو سمرة، مسؤولية مراجعة واعتماد تقارير لجنة الرقابة المنهجية، بتفويض مباشرة من زعيم «داعش» الأسبق أبو بكر البغدادي.
وطرح اسم الصميدعي زعيماً محتملاً لإمارة تنظيم «داعش» بعد مقتل أبو إبراهيم القرشي (الهاشمي)، مع جمعة البغدادي (جمعة عواد البدري)، شقيق زعيم التنظيم الأسبق أبو بكر البغدادي، لكن لم يتم التأكد من تولي أي منهما إمارة «داعش».
وفي وقت سابق، قالت مصادر استخبارية عراقية، إن جمعة عواد البدري (جمعة البغدادي)، سافر أكثر من مرة بين شمال سوريا وتركيا، في الفترة من أواخر 2018 وحتى أواخر 2019، وجرى رصده أكثر من مرة من قبل أجهزة الاستخبارات العراقية والأميركية، لكن لم يتم إلقاء القبض عليه، لأن الاستخبارات أرادت التوصل إلى شقيقه الأصغر «أبو بكر البغدادي» الذي شغل منصب زعيم التنظيم حتى مقتله في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) 2019، بعملية أميركية في إدلب.
ولا يعلم، حتى الآن، مصير جمعة البغدادي، الذي روجت صحف ومواقع إخبارية أنه ألقي القبض عليه في إسطنبول في مايو (أيار) الماضي، لكن الرئيس التركي حسم الجدال حول هوية القيادي الذي قُبض عليه في إسطنبول، مؤكداً أنه حجي زيد العراقي أو بشار خطاب غزال الصميدعي، لدى عودته من جولة في البلقان ليل الخميس - الجمعة.
وعلى غرار غيره من قيادات «داعش»، يدعي الصميدعي نسبه إلى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كميزة لوصوله لمناصب قيادية في التنظيم، الذي بدأ بالتهاوي والاعتماد على أشخاص لقيادة صورية نشطت أجهزة المخابرات الدولية برصدها والوصول إليها، حيث قدر محللون أن تنظيم «داعش» يعيش أيامه الأخيرة منذ مقتل البغدادي في إدلب.
وقبل إعلان إردوغان القبض على الصميدعي، أعلنت وزارة الداخلية التركية، الأربعاء، القبض على 5 من قيادات تنظيم «داعش» الإرهابي، في غرابلس شمال سوريا، أثناء تخطيطهم لتنفيذ هجوم إرهابي في الأراضي التركية.
وذكرت الوزارة، في بيان، أن قوات الدرك بولاية غازي عنتاب جنوب البلاد، ألقت القبض على رامو محمد الحمد، الملقب بـ«رامي ريمو» في 31 أغسطس (آب) الماضي، عندما كان يخطط لشن هجوم.
وذكر البيان أن «ريمو» يعد المسؤول عن القضاء في «داعش»، وقد أفرج عنه من سجن الكف بمحافظة الحسكة شرق سوريا (في وقت سابق)، شرط مغادرته إلى مدينة غرابلس الواقعة ضمن منطقة عملية «درع الفرات» الخاضعة لسيطرة القوات التركية والفصائل السورية الموالية لها.
وأضاف أنه بواسطة اعترافات «ريمو»، تمكنت قوات الأمن من القبض على 4 قياديين آخرين في «داعش» بمنطقة غرابلس أثناء محاولتهم التسلل إلى تركيا للقيام بهجوم على أراضيها.
وكان وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، كشف مؤخراً، في برنامج تلفزيوني محلي، أن السلطات المعنية ألقت القبض على 13 شخصاً ينتمون لتنظيم «داعش»، وأحبطت 82 عملاً إرهابياً قبل وقوعه منذ بداية العام الحالي.


مقالات ذات صلة

إغلاق مخيم الهول في سوريا بعد إخلائه من آخر قاطنيه

المشرق العربي تسلّمت القوات الأمنية السورية مخيّم الهول بعد اتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية» (د.ب.أ) p-circle

إغلاق مخيم الهول في سوريا بعد إخلائه من آخر قاطنيه

أغلقت السلطات السورية مخيم الهول، أكبر مخيمات البلاد الذي كانت تديره القوات الكردية وكان يؤوي لسنوات عائلات مقاتلي تنظيم «داعش»، بعد إخلائه من آخر قاطنيه.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
العالم العربي قوة تابعة للسلطات السورية بمحافظة الرقة (أ.ب)

سوريا: مقتل عنصر أمني في هجوم لـ«داعش» على حاجز بمدينة الرقة

قُتل عنصرٌ من الأمن الداخلي في سوريا وأصيب آخر بهجوم مسلح نفذه تنظيم «داعش» على حاجز السباهية في المدخل الغربي لمدينة الرقة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي سيارة شرطة تابعة للحكومة السورية الجديدة تعبر شارعاً بجوار مسجد الساحة في تدمر وسط سوريا 7 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

تنظيم «داعش» يتوعد الشرع ويعلن مسؤوليته عن هجمات على الجيش السوري

أفادت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، بتعرض أحد عناصر الجيش العربي السوري لعملية استهداف من قبل مجهولين في قرية الواسطة بريف الرقة الشمالي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لـ«داعش».

«الشرق الأوسط» (سيدني)
تحليل إخباري روكسان محمد 37 عاماً (يسار) المتحدثة باسم وحدات حماية المرأة تنتظر برفقة مقاتلات من قوات الأمن الداخلي حاملةً رشاشها بالقرب من مطار القامشلي في 8 فبراير (أ.ف.ب)

تحليل إخباري حلم أكراد سوريا بحكم ذاتي تلاشى بعد الاتفاق مع الشرع

في قاعدة عسكرية في شمال سوريا، تروي روكسان محمّد ورشاشها على كتفها كيف قاتلت تنظيم «داعش» في صفوف «وحدات حماية المرأة الكردية» التابعة لقوات «قسد»

«الشرق الأوسط» ( الحسكة (سوريا))

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended